مذاكرة في مجلس الذكر والتذكير في زيارة الإمام حامد بن عمر باعلوي لشعب النبي هود 1447هـ

للاستماع إلى المحاضرة

مذاكرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مجلس الذكر والتذكير في زيارة الإمام حامد بن عمر باعلوي لشعب النبي هود عليه السلام،

عصر الأربعاء 9 شعبان 1447هـ

 

نص المحاضرة:

الحمد لله المتجلِّي بعجائب الأفضال، والذي يَعظُم منه التكرُّم والنَّوال، والذي مدَّ عجائب الإحسان لأمة محمدٍ خاتم الإنباء والإرسال. 

وكان الإيمان به متضمِّنًا للإيمان بجميع أنبياء الله ورُسُله، والكتب التي أُنزلت عليهم، وبجميع ملائكة الله، بل وبجميع أسماء الله وصفاته التي سمَّى بها نفسه، ووصف بها نفسه جلَّ جلاله على لسانه وألسُن أنبيائه ورُسُله صلوات الله وسلامه عليهم.

ويتضمَّن الإيمانَ باليوم الآخر، الذي المرجعُ والمصيرُ إليه، والحُكمُ فيه بين الأوَّلين والآخِرين فيما كانوا فيه يختلفون، فتتلاشى جميع الأوهام والظنون، يقول سبحانه وتعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)، فيحكم وحُكمُه لا مُعقِّب لحُكمه بالفصل جلَّ جلاله، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).

عاقبة مخالفة النبي ﷺ

فلا نظريات، ولا تجارب، ولا ما يُسمَّى بعِلمٍ وليس بعِلم، ولا أنظمة، ولا آراء، ولا شيء من هذا يكون له نجاحٌ ولا فلاحٌ ولا حُكمٌ بالصحة في يومٍ يُوضَع الميزان؛ إلا ما اتَّصل بسيد الأكوان، إلا ما اتَّصل بالقرآن، إلا ما قام على أساس الوحي المُنزَّل وبلاغ النبيِّ المُرسَل محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ)؛ يعني يُمسَخون فيكونون مع الأرض سواءً، مَن هؤلاء؟ الجبابرة المتكبِّرين، الذين كانوا على طُغيان، والذين كانوا على كثرة جدالٍ وبلبلةٍ ودعاوي كبيرةٍ على ظهر الأرض؛ يتمنَّى أحدُهم أن يُخسَف وأن يُمسَخ بالأرض فلا يكون له أثر. 

(يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)، لا يبقى مخفي، (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ).

حقيقة المُلك والابتلاء في الدنيا

(يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟! الله تعالى في هذه الآيات يُثبِّت في قلوب المؤمنين أن لا يغترُّوا بمُلك الحياة الأرضية، ولا بالمُلك في هذه الدنيا، ولا بشيءٍ من مظاهرها. 

من يوم خُلِقَت إلى وقت النفخ في الصُّور ليس فيها مُلكٌ حقيقيٌّ لغير الله، ليس فيها مُلكٌ حقيقيٌّ للسلاطين ولا للملوك، ابتلاء يبتليهم الله ويختبرهم، كما يختبر أهل الأموال والثروات، كما يختبر أهل الفقر بفقرهم؛ من يصبر ومن يجزع، كما يختبر أهل المرض بمرضهم؛ من يصبر ومن يُسلِّم ومن يستسلم ومن يجزع، كما يختبر أهل الصحة بصحتهم؛ من يصرفها في طاعة الله ومن يصرفها في مخالفة شريعته ومخالفة نبيِّه محمد ﷺ.

(تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، خلق الموت والحياة وكلَّ ما بين الموت والحياة خلقها ليبلوَنا؛ أي ليختبرنا أيُّنا أحسنُ عملًا.

 فلا مرجعَ ولا ملجأَ ولا ركونَ إلى مجرَّد عقول، ولا معلومات، ولا مؤسسات، ولا هيئات، ولا أفكار، ولا تجمُّعات، ولا قبائل، ولا دُوَل، ولا شعوب، ولا أنظمة، ولا غير ذلك مما على ظهر الأرض؛ ومن رَكَن إليها وهي مخالفةٌ لشرع الله تعرَّض لمسِّ النار.

سيدُنا المصطفى لمَّا قال: "شيَّبتني هودٌ وأخواتها"، رآه بعض الصالحين، قال: يا رسول الله، شيَّبك منها ذِكرُ هلاك الأمم؟ وكل قوم: (أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) ، (أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) ، (أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ)، قال: لا، قال: ما شيَّبك منها؟ قال: قول ربي: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ)، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

وراثة الأنبياء والصِّلة بالنبي ﷺ

وكانت هذه الحقائق من الخالق تُثبِّت أقدامنا على أسرار هذه المجامع والزيارات التي تدعو إليها داعي الحقِّ، وداعي إرث سيِّد الخَلق حبيب الحقِ ﷺ، بألسُن هؤلاء الورثة الذين مضَوا، أصحاب سلاسل الإسناد القوية الثابتة الوثيقة إلى خير هادٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أصحاب الأسانيد الموثَّقة القوية إلى خير البرية صلوات ربِّي وسلامه عليه.

بل وشأنُهم أنَّهم مع الأسانيد القوية، ومع العلوم الواسعة، ومع العقول الزاكية، ومع الاجتهادات، ومع المجاهدات، ومع المصابرات، ومع المكابدات؛ كانت لهم فوقها عنايات ورعايات، وقُربٌ معنويٌّ من خير البريَّات.

 يقول سيِّدُنا الإمام الحدَّاد -شيخُ الإمام حامد بن عمر حامد، وشيخُ والده، وقد قرأ عليه الفاتحةَ سيدُنا الحبيب حامد بن عمر صاحبُ هذه الزيارة- يقول عليه رحمة الله:

ولي من رسول الله جدِّي عنايةٌ ** ووجهٌ وإمدادٌ وإرثٌ وإيثارُ

صلوات الله على سيِّدنا محمدٍ وعلى آل سيِّدنا محمد.. 

وَرَثة جمعوا العلوم والأعمال والمجاهدات والمكابدات والصدق والإخلاص، واستقبلتهم هذه العنايات والإيثار من الله ورسوله؛ آثرَهم واعتنى بهم.

 وبرزت لكم في مثل سَير هذا الإمام الذي أنتم في هذه الحضرة في تبعيةٍ من تبعيات هذا السند والاتصال بالنبي محمد، عبر حامد بن عمر حامد، وشيوخِه كالحسن بن عبد الله بن علوي الحدَّاد، وكخاله الإمام عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، ووالدِه عمر بن حامد عليهم الرضوان. 

وأخذوا عن شيخهم جميعًا سيِّدُنا عبد الله بن علوي بن محمد الحدَّاد، الآخذُ عن محمد بن علوي السقَّاف، وعن عمر بن عبد الرحمن العطَّاس، وعن جماعةٍ من الشيوخ أرباب الرسوخ، عليه رضوان الله تبارك وتعالى، حتى جمع الاتصال بالأسانيد التي في وقته وزمانه، وجاء وراء ذلك ما وراءه.

وقال عنهم، مُشيرًا إلى شيخهم محمد بن علوي السقَّاف:

بقيَّةُ قومٍ قد مضَوا وخلفتُهم ** وهم خلَّفوني في الحِمى بعدما ساروا

وبعد ذلك كلِّه، وبعد الاتصال بالشيوخ، وبعد هذا العطاء، وبعد هذا السَّير؛ من أيام الصِّغَر؛ يخرج من "المَعلامة" وله في مسجد باعلوي أو مسجد مقالد مائتا ركعة، بين مائة ركعةٍ إلى مائتَي ركعة، هذه صلاة الضُّحى لعبد الله الحدَّاد أيام كان في الطفولة، أيام كان في الصِّبا، عليه رضوان الله تبارك وتعالى، نشأ على هذا الحال. 

هم أقوامٌ غُذوا في المحبَّة من صِغَرهم ** وعاشوا في مخافات وغابوا في فِكرهم

ويَسعَد كلُّ من كان في عُمره نظرهم ** في البُكرة صباح أو عشيَّة في مساهم

 وكان يقول الشيخ أبو بكر بن سالم: إذا كان هذا كلام العارفين عن: إذا نظرتَ إلى ولي، إذا نظرتَ إلى عارف، إذا نظرتَ إلى مُقرَّب؛ شأن عظيم ما تجده بكثير من الاجتهاد في العبادات، قال: فكيف بنظرهم إليك؟ هذا نظرُك إليهم، أمَّا نظرُهم إليك فشأنُه أكبر وأعظم فيما يتحصَّل عليه من قُربٍ من الواحد الأحد أو عطايا كبيرة.

 

العناية الإلهية بالنبي ﷺ وأتباعه

قال الله لحبيبه سيِّد الناظرين بنور الله، وسيِّد الناظرين بعين الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال له ربُّكم في القرآن: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا). ما أحدٌ يقدر يُبيِّن لنا هذا المدح ما هو؟ وهذا العطاء ما هو؟ ربُّ العرش يقول له: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)، فسِّرها لي؟ هات مدحَ المُدَّاح، شُعّار أو خطباء أو ناثرين.. ماذا يكون مدحُهم؟ ربُّ العرش يقول لحبيبه محمد: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)!

ثمَّ يقول له: عينُك الغالية لا تنظر بها إلا لمن أحببتَ، لأنَّني أنظر إلى من تنظر إليه، فلا تنظر بها إلا مَن أحبُّ وما أحبُّ، فيقول له سبحانه وتعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ)، لا تخرج عينُك عن هؤلاء إلى غيرهم أبدًا، (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). ويقول في الآية الأخرى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ).

ويقول جلَّ جلاله: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ)؛ مبلغُ المنقطعين عن الله من العلم "حياة دنيا"، ومعنى الحياة الدنيا: فناء، زوال، انتهاء، انقضاء، قريب.. هذا معنى الحياة الدنيا! فناء، زوال، انتهاء، انقضاء، قريب، هذا معناها، (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ)، هم وحضاراتُهم وعلومُهم كلُّهم في هذه النقطة.

(وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ).

 

قصة قوم عاد ومصير المتكبِّرين

أحدُ النماذج في العُتوِّ والنُّفور والاغترار: قومُ عاد، قومُ النبيِّ هود، كانت مساكنُهم بجانبكم وفي هذا الوادي، في وادي الأحقاف، (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ) كما يقول الله جلَّ جلاله. 

وقالوا بلسان تكبُّرهم وأنَّه لا تقاومُهم دولةٌ على ظهر الأرض في تلك الأيام، كانوا هم الدولة الكبرى، (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)، وربما من قبلهم والذين من بعدهم يقولون هذا الكلام "من أشدُّ منَّا قوة"، ونقول لهم كلهم: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) والعاقبة ما هي؟ (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ)، (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ)؟ والذين قبلَهم والذين بعدَهم، هكذا يعمل الله تعالى بهم.

يقول: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ)، لمَّا تنتهي هذه الأوهام وتنتهي هذه الظنون وتقوم الحقيقة أنَّ الحقَّ ما قاله محمد ﷺ وما جاء به عن الله، (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)، الذي كان يقول "نحن أقوياء"، يقولون: ما عندهم قوة، يقولون: لا قوةٌ إلا لله. 

وأنتم الذين تقولون نحن عندنا أسلحة الدمار الشامل ونحن سنرفع ونخفض؟ يقول لهم الله تعالى: هل أحد عنده قوة منكم؟ (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ فإذا بهم ضِعافٌ عَجَزة. (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا)؛ أيُّ اتِّباع على مخالفة الأنبياء، على مخالفة الوحي المُنزَّل، كلُّ التابعين والمتبوعين هذه نهايتُهم في الآخرة، (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ).

 

يوم القيامة بين أهل الشقاوة وأهل السعادة

(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)، (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ) والعياذ بالله تبارك وتعالى.لكن المتقين في ظلِّ العرش، وفي الجنة (إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) كما قال الله.

 أمَّا هؤلاء التابعين والمتبوعين يلعن بعضُهم بعضًا والعياذ بالله تبارك وتعالى، (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) الذين كانوا قادةً لهم في أيام الدنيا: (لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) ، فهذا خبرٌ من ربِّك، ترى الطوائفَ الموجودة في الأرض كل تابع ومتبوع على غير منهج الله؛ هذه نهايتُهم وهذا مستقبلُهم، هم يبنون المستقبل؟ هذا مستقبلهم! هذا المستقبل الذي ينتظرهم. 

(وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوبَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ) وخطط تعلمونها وترتيبات ومؤتمرات، طلوع ونزول (إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

 

شفاعة الحبيب ﷺ وحرصه على أمَّته

ولكن الأنبياء والأولياء ما يتبرَّؤون من أتباعهم، بل: أين أتباعُنا يا ربِّ؟ أين من آمن بنا يا ربِّ؟ شفِّعنا فيهم.. حتى الحبيب الأعظم ﷺ في موقف القيامة يجيء عند الأماكن الخطيرة من أجل أن ينتبه لأمَّته، من أجل أن يشفع لأتباعه ﷺ. 

قال له سيدُنا أنس في الحديث الصحيح: "أسألك الشفاعة يوم القيامة يا رسول الله"، أسألك الشفاعة يوم القيامة - سمع النبي به كلامًا منه - قال: "إنِّي فاعلٌ إن شاء الله"، ما قال له بالغتَ ولا أشركتَ ولا زِدتَ، قال له: "إنِّي فاعلٌ إن شاء الله".

سيدُنا أنس قال: "فأين أجدك؟" في القيامة وملايين وألوف، أين أجدك في ذاك اليوم؟ قال له ﷺ: "اطلبني عند الميزان"، قال: "فإن لم أجدك؟" قال: "فاطلبني على الصِّراط"، قال: "فإن لم أجدك؟" قال: "فاطلبني على الحوض، فإنِّي لا أُخطئ هذه المواضع الثلاث".

لماذا يجيء إلى عند الميزان؟ يتفقَّد! يتفقَّد أمَّته من أجل أن لا تخفّ بهم الموازين، من أجل محبِّيه والصادقين معه يقع لهم مخرج في ذاك الموقف؛ في الميزان كلُّ ما عاد أحدٌ يعرف الثاني إلا محمد قائم. 

أبو القاسم القُشيري في تفسيره يروي عنه ﷺ أنَّه قال: ويقف بعض المؤمنين على الميزان فترجح كفَّة سيِّئاته فيظنُّ أنَّه هلك، قال: فلا يدري إلا برجلٍ يأخذ بيده ويقول: لك عندي وديعة، قال: فيأخذ قطعةً معه من الكتاب فيضعها في كفَّة الحسنات فترجح، قال: فيتعلَّق به يقول: من أنت الذي أنقذني الله بك في هذا الموقف؟ يقول: نبيُّك محمد، قال: يقول له: وهذه صلواتُك التي كنتَ تصلِّي بها عليَّ، ادَّخرتُها لك حتى أتيتُك إيَّاها أحوجَ ما تكون إليها، في محلِّ الحاجة.

قال لسيِّدنا أنس: تطلبني عند الميزان، منتبه من أمَّته عليه الصلاة والسلام. قال: فإن لم أجدك؟ قال: على الصِّراط، من أجل أن يقع المرور.. وأكثر الناس يسقطون والعياذ بالله تبارك وتعالى، (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا).

والثالث: عند الحوض، لأنَّه سيسقي الأمَّة عليه الصلاة والسلام من حوضه، الله يُورِدنا على حوضه المورود.

 

العلائق القوية

هذه الصِّلات القوية، دائمًا نتذكَّر هذه العلائق، رأيتم العلائق في مشايخ الحبيب حامد بن عمر، وعلاقته بالحقِّ وبرسوله وبالشيوخ، وعلاقة تلامذته به التي بها تأسَّست هذه الزيارة، حبيبنا سقاف بن محمد عليه الرضوان، وقال: أريد تقرُّ عيني بزيارةٍ منك، أزور قبل الزيارات العامة، وأسَّس له هذه الزيارة عليه رضوان الله تعالى، واتَّسعت وكبُرت وبقيت؛ لأنَّها قامت على أساسٍ متين. 

وهو تقرؤون في سيرته؛ ما يقدر يطرد الذباب لو وقع عليه في حضرة أبيه، بِرًّا وتوقيرًا واحترامًا، إحساناً؛ (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، وإذا خرج من عند أبيه أو أمِّه ما يخرج إلا على ورائه، ما يولِّيهم ظهرَه! تعظيمًا لشعائر الله تعالى، ونال المنزلة عند الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

مخاطبة سيدنا جعفر للنبي بعد استشهاده

كلُّكم تسمعون هذه الكرامة، وتسمعون النصوص جاءتنا أنَّ من الأموات مَن يشعر بما يجري حوله وبما يكون وبمن يُخاطِب الأحياء، ومنهم من خاطبوه ﷺ وهو مارٌّ على قبورهم عليه الصلاة والسلام، حتى قال وهو مار يومًا على قبر: ويحك ما أصنع لك قد بلَّغتُك؟ قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: صاحب القبر تعلَّق بي لمَّا مررتُ عليه - وكان خالف - وقال: قلتُ له قد بلَّغتُك، ومرَّ على قبرَين يُعذَّبان وقف قال: "إنَّهما يُعذَّبان وما يُعذَّبان في كبير"، وحدَّثنا عن أرواح الأنبياء وردِّهم السلام ولقائه بهم في ليلة الإسراء والمعراج ﷺ.

فكيف بروحه هو؟ كيف بروحه هو ﷺ! أعظم من أرواح الأنبياء وأعظم من أرواح الشهداء، يُحدِّثنا عن روح جعفر بن أبي طالب ابن عمِّه، قُتِل في الشام في الأردن، وجاء يُسلِّم عليه في المدينة، رفع رأسه الكريم وقال: "وعليكم السلام"، أخذ يتكلَّم، ونكَّس الصحابة الذين عنده رؤوسَهم حتى انتهت المحادثة، قالوا: يا رسول الله مع من تخاطبتَ؟ قال: هذا جعفر بن أبي طالب وقف عليَّ في نفرٍ من الملائكة يُسلِّم عليَّ، قد أبدله الله مكان يدَيه جناحَين يطير بهما في الجنة.

كان سيدُنا عمر كلَّما يُلاقي سيدَنا عبد الله بن جعفر ولدَه يقول: السلام عليك يا ابن ذي الجناحَين، السلام عليك يا ابن ذي الجناحَين، يُسمِّيه، عندنا "طيَّار" ولازال الناس ما يعرفون طيَّارات ولا طيَّارة، ولكن الطيَّار عندنا ليس مثلهم هؤلاء، في غلافٍ جوِّيٍّ محدَّد، ويحدِّدون لهم ثلاثة آلاف قدم فوق سطح البحر أو أربعين، ولا يتجاوزها، أو عشرين ألف قدم؛ وانزل محلَّك! 

لكن سيدُنا جعفر يطير في السماوات كلِّها، وطيرانٌ إلى الجنة، "يطير بهما في الجنة حيث يشاء"، طيَّارٌ كبيرٌ معنا من قديم عليه رضوان الله تبارك وتعالى، سُمِّي جعفر الطيَّار، جاء يُسلِّم على النبي، لأنَّ الجنة ما ألهته عن النبي، اشتاق إلى النبي وترك الجنة، قال أذهب أُسلِّم على حبيبي الذي بسببه وصلتُ إلى هذا المكان وبسببه دخلتُ الجنة، وذهب  يُسلِّم على الحبيب الأعظم صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آله.

 

قصة الحبيب حامد بن عمر عند الحُجرة الشريفة

إذا علِمنا هذا؛ علِمنا قصة الحبيب حامد بن عمر، وخادم الحُجرة الصالح الذي تنوَّرت بصيرتُه، أمام القبر الشريف يسمع الصوت النبوي يقول: أيُّها الناس افسحوا لولدي حامد بن عمر إنِّي أريد أن أنظره، فتأكَّد من الصوت: من يا رسول الله؟ قال: حامد بن عمر، جاء ينظر في الذين حواليه: هل فيكم حامد بن عمر؟ قالوا: لا، خرج للصفوف التي بعدها، والتي بعده، في أخرَيات الناس وجد حامد بن عمر، قام قال: أنا، قال: أنت حامد بن عمر؟ قال: أنا والله ما أعرف هذا، ولكن اشهدوا عليه أنِّي سمعتُ صوتًا من قبر جدِّه الآن يقول: افسحوا لولدي فإنِّي أريد أن أنظره، اهتزَّ الناس وافترقوا فرقتَين حتى دخل وزار بهم الإمام حامد بن عمر، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

ولي من رسول الله جدِّي عنايةٌ ** ووجهٌ وإمدادٌ وإرثٌ وإيثارُ

فأين تذهب محبَّتُهم هؤلاء إن ما أوصلت إلى الجنة؟ أين يذهب متابعتُهم والاقتداءُ بهم؟ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)، فالله يُعلي درجاتهم، ويُعلي درجات المتقدِّمين من الشيوخ والآباء، من عند الحبيب حامد ووالدهم وجدهم الحبيب محمد والحبيب عوض ومن كان يحضر معهم في هذا المكان، ارفع درجاتهم يا ربِّ، وزِدهم رفعة درجات في المقعد المُقرَّب.

 

الدعاء

وأعِد علينا عوائد هذا الاتصال بقلوبنا وأرواحنا، حتى لا ننصرف من الزيارة إلا بطهارة، وإلا ببشارة، وإلا بنظر ربَّاني رحماني، ترتفع به مراتبُنا في الاقتداء والاهتداء، وتحفظ لنا بها آثار أهل الهدى، وتُظهر الحقَّ والخير وتدفع الشرَّ والضَّير عنَّا وعن وادينا، وعن حضرموتنا، وعن يمننا، وعن شامنا، وعن شرقنا، وعن غربنا.

 يا كاشف الشدائد، يا دافع البلايا، أصلِح الظواهر والخفايا، وكلَّ من قام من ولاة الأمر وغيرهم من الرعية في صلاح البلاد والعباد وفِّقهم وخُذ بأيديهم وأعِنهم وتولَّهم. 

وكلَّ من أراد السوء بنا وبالمسلمين ادفع شرَّه وادفع ضرَّه واجعل كيدَه في نحره، وادفع أذاهم عن أهل لا إله إلا الله، واجعلنا في الموفَّقين واجعلنا في الهُداة المهتدين، وزِدنا زيادةً وأسعِدنا سعادةً برحمتك، والحمد لله ربِّ العالمين.

 

العربية