محاضرة في مجلس ختم القرآن إلى روح الحبيب حسن ابن الشيخ أبي بكر بن سالم
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في مجلس الختم إلى روح الحبيب حسن بن أحمد ابن الشيخ أبي بكر بن سالم، رحمه الله، في منطقة عينات، وادي حضرموت، ظهر الإثنين 28 شعبان 1447هـ
نص المحاضرة:
مقدمة: التجليات الإلهية والحياة الطيبة
الحمد لله على هذه التجلِّيات، وعلى هذه النظرات، وعلى هذه الرحمات، وعلى هذه المُلاطفات من اللطيف الذي جرت عادته إذا أجرى في العباد رزية أو بليّة؛ صاحبها من ألطافه جل جلاله ما يفوق شأنها، وما يفوق ما تجلبه على العباد من حَزَن أو من هم أو من غم وما إلى ذلك، بالفضل الرباني والجود الامتناني، خصوصًا في شؤون الصلات بالحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم جل جلاله.
الصِّلات التي بها يُتبوّأ مراتب السعادة على الحقيقة، أما في الدنيا فيلوح منها ما يلوح لأرباب القلوب وأرباب البصائر (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، والذين يجدون من الحياة الطيبة ما وعد هذا الخالق -خالق الموت والحياة- في قوله جل جلاله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
(فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)؛ هذه الحياة التي لا يمكن أن تُكتسَب بمال، ولا يمكن أن تُكتسب بحُكم، ولا يمكن أن تُكتسب بجاه، ولا يمكن أن تُكتسب بجند، ولا يمكن أن تُكتسب بصَحب وزُمَر، ولكن وهب من الوهاب جل جلاله، يُحيي الحياة الطيبة من يشاء.
الحياة التي يفقدها ويفقد طيبتها وحلاوتها من انقطع عن الله وعن ذكره ولو ملك الأرض من شرقها إلى غربها؛ (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ)، لا نصيب لهم من هذه الطمأنينة ولا من الحياة الطيبة في الدنيا.
وهي لوائح تلوح ربما لاحت على أرباب القلوب في صلواتهم وعباداتهم، ونسوا الدنيا وما فيها من اللذات التي تُنازلهم في كل ليلة، وخصوصًا في ليالي رمضان، وما يشعرون به من معنى قوله ﷺ: "لو تعلم أمتي ما في رمضان لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان"، وما يتجدد لهم من الفهم عن الله والمعرفة بالله؛ هذه حياة طيبة وشؤونها عظيمة.
نعيم الآخرة وما أعده الله للصالحين
ولكنها بالنسبة لما خبأ رب السماوات والأرض ومُكوّن الأكوان في البرازخ ثم في القيامة، ولما خبأ؛ أكبر وأكثر وأعظم وأكرم وأجل، في الجنان ليست بشيء، وإذا قال سيدنا الشيخ أبو بكر بن سالم: "الدنيا وما فيها وحياة الإنسان فيها لا تفي بعطايا الله لعباده الصالحين".. ما تسع العطايا الكبيرة من الله.
ولهذا قال من أقوى أسباب زهد أهل الدنيا أن الله خبأ لهم عطايا ما تسعها الدنيا، ما يمكن بهذه التركيبة التي في هذه الحياة، بهذه الطبيعة التي جعلها الله على الأرض وعلى من على ظهر الأرض؛ أن يصلوا إليها إلا بعد خروج الروح من الجسد، والانتقال إلى حياة أخرى أطيَب، يبقون على تلقّي هذه النعم، وعلى تلقّي هذه اللذائذ والعطايا، (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ) جل جلاله.
قال: "الدنيا بجميعها لا تسع عطايا الله لعباده الصالحين"، وهو القائل في الحديث القدسي: "أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
ونبينا ﷺ كان إذا ذكر الجنة وأوصافها وأطنب فيها يقف ويقول: "وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ).
(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ)؛ وإن كان لأحدنا سعادة وحقيقة سعادة يرافق هؤلاء القوم في ذلك الدار وفيما أُخفي لهم من قرة عين، لا تعلمها نفس؛ الملائكة أهل نفوس، كل منهم ذو نفس، والأنبياء ذو نفس، والأولياء ذو نفس، والكائنات هذه من الحيوانات كلها ذوات نفس، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم) ليس البشر وحدهم! بشر وملائكة.. حملة العرش لا يدرون بحقيقة ما أعدّ رب العرش لمحبوبيه، أعد لهم ما لا تعلمه نفس (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
فيا رب اجعلنا وأهل جمعنا ممن تلحقهم بأولئك، وممن ترافقهم بأولئك يا أكرم الأكرمين.
سفينة النجاة ومحبة أهل البيت
ورابطة المحبّة التي يقوم بها حُكم الرب في القيامة هي السفينة التي فيها النجاة، ولقد صدق سيدنا أبو ذر يمسك عضادتي البيت الحرام -عضادة باب الكعبة- ويقول: "أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن مَثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق". من ركبها نجا ومن تخلَّف عنها غرق.
وسفينٌ للنجاة إذا ** خِفتَ من طوفان كل أذى
فانجُ فيها لا تكون كذا ** واعتصم بالله واستعنِ
فهم القوم الذين هدوا ** وبفضلِ اللهِ قد سَعِدوا
ولغيرِ اللهِ ما قَصدوا *" ومع القرآنِ في قَرَنِ
قصة السلطان التائب والزهد في المُلك
لذلك زهدوا في الدنيا، لا يزال بعض العقليات إلى اليوم يتعجّبون: هل صحيح في طريقة هؤلاء أنه لو كان المُلك تحت يدهم أعرضوا عنه ولا يريدون سلطة ولا يريدون جاه؟ قُل لهم المُتحقِّقون بذوق الطريقة: نعم عندهم هذا، وأكبر من هذا وأعظم من هذا.
وشاهد عندكم حي وسط هذا السور، سلطان من سلاطين آل كثير والذين كان في أوقات ومُدَد لهم الحكم في المنطقة، وهذا السلطان وقع في قلبه من نور اليقين والإيمان ما كَرِه به الحُكم الظاهر والإمارة الظاهرة، وأراد أن يستعد للقاء الرب، ورأى عُسر المطالبة والمخاطبة في مسؤولية عدد من الناس والأُسَر.. رعايا كلهم يسأله الجبار عن كبيرهم وعن صغيرهم، عن ذَكَرهم وعن أنثاهم.
قال: ما عاد أريد المُلك، قال للحرس: ستخرج امرأة عندنا من البيت في الليل لا أحد يتعرّض لها، لبس ثياب المرأة وخرج، وصل إلى "عينات" وإلى الحسين بن الشيخ أبي بكر، وقال للحُسين: "أنا تُبت وما عدت أريد الآن السلطنة، انظروا من ترونه لها أعطوه إياها، وأنا أريد ولكن أسأل ثلاثة أشياء تسألون الحق لي فيها:
- أولاً: المغفرة لجميع ما مضى، والتوفيق في الباقي.
- والثانية: أن يكون موتي إما عندكم وإما في المدينة المنورة، أنا أريد أموت عندكم في عينات وإلا في المدينة المنورة.
- والثالثة: هذه السلطنة أعطوها من شئتم.
قال له: اسمع، أما السلطنة هذه الظاهرة لو كانت تصلح للدواب ما ارتضيناها للدابة حقنا، انظر أحد من بني عمك وأحد ترى فيه خوف من الله وَلّه إياه، وما نريد نُسأل عنها لا في الدنيا ولا في الآخرة، عندنا سلطنة ثانية كبيرة اترك هذه لك. وأما الذنوب فأمرها إلى الله (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ)، قال: لكن استغفروا لي. قال: نستغفر لك الله، وصدقك وتوبتك حاشاه؛ (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ). وأما الموت قال ليس بيدنا، (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)، قال: لكن اسأل الله، قال: نسأله ما تموت إلا في المدينة أو عندنا في عينات.
على بركة الله ذهب، ولّى بعض أصحابه الولاية، ومرّت السنين ووقت وفاته وصل لعينات وجاء الموت وهو في عينات، وهو في السور مقبور باسمه وضريحه عند القوم الكرام، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
وكانوا أخوال الشيخ أبي بكر بن سالم، إنه تزوج عندهم عليه الرضوان، وجاء بكبار الأولاد منها؛ سيدنا أحمد، وسيدنا عمر المحضار، وسيدنا الحامد، وسيدنا الحسين، هؤلاء كبار الأولاد منها كلهم جاؤوا.
فهم كانوا لهم مع هذا الخلّة مع ما ذكرنا، مما أوجب الإيمان من حُسن صِلة بالجيران وقبائل المنطقة، وما كان لهم من صِلة بسيدنا الشيخ أبي بكر، ثم من بعده من الذرية، ومِن كَتب المواثيق والعهود على ذلك، لأنهم يرتقبون لقاء الحق ويخافون أن يسألهم جل جلاله عن شيء من التقصير، أما شؤون الدنيا فكما علمتم فيها، مُسخَّرة لهم غير ملتفتين إليها، ولا مُعوّلين عليها.
قصة تبرع النساء ومدرسة حضرموت النبوية
فيما يُذكر أيضًا من أخبار هذا المقام وهذه السلسلة، أنه لما توفي الإمام سالم بن أحمد عليه رحمة الله في "الغيضة"، وقام ولده هذا اسمه علي بن سالم، يقول لإخوانه: كنت أُنفِق عليكم وعلى المقام من أموال الوالد ومما يأتي من النذور والمواهب للشيخ أبي بكر، والآن هناك حروب قائمة ومنقطعة ولم يجيئنا شيء فانظروا في الأمر. قالوا: قُم ونحن معك وما يُيسره الله.
قال: فجعل النساء يخرجن له أقراطهن وذهبن يقلن خُذه، ثم فتح الله الأبواب ورجعت الأشياء.. جمع الذي أخذه منهن قال: خذين هذا الذي أخذنا، قلن: نأخذه؟! وقد أعطيناه لله ولمقام الشيخ أبي بكر؟! لا نريد شيء من هذا! ضعه في المقام، ولا نريد شيء من هذا، نحن ما أعطيناك إياه من أجل ترده لنا، نحن أعطيناك إياه من أجل أن تبيّض وجوهنا أمام الشيخ أبي بكر في القيامة، وأعطيناك إياه لأجل يرضى الرحمن، ونرى أمنا فاطمة الزهراء وهي فرحانة، ونرى علي بن أبي طالب ونرى وجه الحبيب الأعظم ﷺ وهو فرحان عنا، رده إلى المقام! ولا رضين يستلمن شيء، هؤلاء النساء! وهذه تربيتهن عليهن الرضوان.
تسلسل الأمر في بعض أجداده القراب، عليهم رضوان الله، كان ما يقدر يأكل إلا مع ضيف، لا ليل ولا نهار، ولا غداء ولا عشاء ولا فطور، إن وجد ضيف يأكل وإن ما وجد ضيف ما يأكل شيء، ولا يقدر يتناول الأكل إلا مع ضيف، تقول زوجته: ولا نام على جنابة قط، ولا أخلف وعدًا يعد به صغير ولا يعد به كبير، وفي فستان العجائب عجائب مما ذكره الحبيب محمد بن سقاف من مناقب هؤلاء القوم.
تربية نبوية وشؤون إيمانية وعز إسلامي إيماني، يقين بيقين خالص، عليهم رحمة الله تبارك وتعالى.
ميراث النبوة وتميز مدرسة حضرموت
وصلت الآن الأمائن عند كل منا، إذا ذكرنا هذه المقامات فإنما نذكُر أجزاء من الخلافة النبوية التي المسؤولية فيها على من خاطبهم صاحب الرسالة، وهو في حجة الوداع يقول: "ألا فليُبلِّغ الشاهد منكم الغائب، ألا فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟"، قالوا: بلغت يا رسول الله، قال: "فليُبلِّغ الشاهد منكم الغائب". وترك الأمانة للجميع، كل على قدر مستواه العقلي والاجتماعي والمالي والعلمي والفِكري، كلنا نجتمع في ذلك.
هذه مواريث النبوّة التي عرفتها مدرسة حضرموت وبها فازت وتميَّزت عن كثير من مدارس الإسلام، في قوة ارتباط أهلها بسرِّ القيَم هذا، وبسرّ الشيَم هذه، وبسر الأخلاق النبوية هذه، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
وكان الارتباط قائم على مدى قرون؛ كل أسرة ولهم كبير ويرجعون إليه، وكل قبيلة ولهم كبير ويرجعون إليه، وأهل كل منطقة لهم علماء ولهم صلحاء ولهم عُقال وكبار ويرجعون إليهم.
وأرباب السلطة يُطيعونهم في كل ما يوافق شرع الله تبارك وتعالى، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وما عدا ذلك ما يجدون من أهل هذه المدرسة والمسلك لا أذى ولا ضر ولا معاداة ولا انقلابات ولا شيء من هذه الأشياء.
ولكنهم يجدون منهم النصح، ويجدون منهم الطاعة فيما أباح الله جل جلاله، ويجدون منهم الإباء عندما حرّم الله وعندما نهى من شريعتهم، ما يجدون منهم لعب، ولا يجدون منهم طاعة في المعصية، ويجدون منهم طاعة في كل ما يوافق الشرع، ويجدون منهم: لا ينقلبوا على أحد ولا يضروا أحد ولا يعملون ثورة على أحد.
هذا في رجال المدرسة التي مضت على الطريقة ومُتأثرة بالإرث النبوي الذي كان عليه أكابر التابعين؛ علي زين العابدين، الحسن البصري، سعيد بن المُسيب، سعيد بن جبير، كبار التابعين وصغارهم ومن بعدهم من تابع التابعين، مضوا على هذا المنوال مُتأثّرين بتوجيهات خاتم الإنباء والإرسال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ومن تولّى منهم أو مِمّن يُحبهم أو من يواليهم وظيفة، قالوا: اتقِ الله فيها، ونحن معك في كل ما كان من خير وعون لك على ما تُرضي به الله وتنصر به الحق بين الناس، ونحن بُرآء مِن ما خالف الشرع، وبراء مما خرج عن دين الله تبارك وتعالى، ونوصيك بتقوى الله.. وهكذا شأنهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
ومضوا على قصد السبيل إلى العلا ** قدماً على قدمٍ بجد أوزعِ
ثبتوا على قدمِ الرسولِ وصحِبِه ** والتابعينَ لهم فسل وتتبعِ
روحانية رمضان والرد على منكري التراويح
الله يرضى عنهم ويُحيي فينا سر الإنابة إليه، وبركة هذه المدرسة يبقيها في أهالينا، يبقيها في أسرنا، يبقيها في ذوينا؛ نعمر به أعمارنا.
ويأتي لنا رمضان كان شهر يشعر بروحانيته حتى الأطفال، والبدو عندنا وفي القرى وغيرها، وشهر خضوع وانكسار، ما يعرفون فيه منازعات ولا مخاصمات، مَن بينه وبين أخيه أي شيء يقول: قَرُب رمضان يا أخي هيا نحن نتصالح، نقابل ربنا في رمضان بوجوه ليست سواء؛ يرد علينا صومنا؟ يرد علينا قيامنا؟ ويصطلحون، ويكون رمضان سبب صُلح لهم.
جاؤوا ناس يجعلون رمضان سب وشتم! وصلي 20 ركعة قال بدعة! 20 بدعة؟! وعمر ابتدع، وعثمان ابتدع، وعلي بن طالب ابتدع، والحسين ابتدع، والحسن ابتدع، والتابعين ابتدعوا، وتابع التابعين؟ وأنت جئت بالسنة من عند من؟! إذا هؤلاء كلهم ابتدعوا، يصلون 20 من سنة 16 هجرية والآن عندنا 1447 هـ، هذه الألف والأربعمائة وفوقها بضعة عشر من السنين، كُلهم مبتدعين؟! من أين ظهرت السنة من أرض أو من سماء؟! من أين جاءت هذه؟! إذا كان هؤلاء هم المبتدعون فلا صاحب سنة على ظهر الأرض.
ولذا أجمع المذاهب الأربعة على أنّ أفضل صلاة التراويح 20 ركعة، بل قال من أئمة المذاهب أن المراد بالقيام في رمضان في قوله ﷺ: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" أنه يتحقّق بصلاة الـ 20 ركعة كل ليلة، إذا لازمها مِن أول الشهر إلى آخره فقد قام رمضان، مع صلاة المغرب في جماعة والعشاء في جماعة والفجر في جماعة، و20 ركعة كل ليلة من التراويح.
أجمع عليها الصحابة عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، وجاء فيها في موطأ الإمام مالك رواية عنه ﷺ لأنه ما صلى إلا ليلتين أو ثلاث ثم تركها خشية أن تُفرَض، في الليلتين أو الثلاث جاءت روايات أنهُ صلى 13 وروايات أنه صلى 20، ثم قوّى رواية العشرين إجماع الصحابة، أجمع الصحابة من بعدها على أنها 20 ومضت على هذا الحال، واستمرت في الحرمين 20 إلى سنة "الكورونا"، والكورونا "كرَّنت" حتى لصلاتهم غيّروا العدد فيها! وإلا هي من أيام سيدنا عمر ما تغيرت مستمرة، ما جاءت كورونا، من أيام سيدنا عمر إلى أن جاءت التكرينات هذه في عصرنا وزماننا، وكل حين يضحكون علينا بشيء، وكل حين يلفِّقون فينا شيء من الأشياء، وليسوا قدوة، ولا محل قدوة.
هم الذين فرّقوا بين الأسر، هم الذين فرقوا بين الدول، هم الذين فرقوا بين الإخوان؛ الآن مجتمعاتهم تشكو، ومجتمعاتهم تكتشف أنهم كانوا على شفا جُرف، وأنهم على كذب، يُكذَب عليهم، والشأن قائم بقوة وبِحَتم: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ)، وهذا أخطر من المعيشة الضنك.
الاهتمام بالدين ومشاعر رمضان
الحمد لله الذي جمعنا وإياكم، الله يُحيي فينا حقائق الإيمان والإسلام، ويُعيننا على القيام بتراتيب رمضان وما خلّفوه السلف مِما فهموه الفهم الصحيح، وعي الكتاب والسنة، وعي صحيح مُسند متوارد من عصر الصحابة والتابعين إلى أكابر علماء الوادي الذين مروا عليهم رضوان الله.
ومن اهتمامهم بالدين ما تكاد تجد قبيلة في حضرموت إلا وعلى ممرّ القرون ظهر فيهم عالم، ظهر فيهم ولي، ظهر فيهم صالح، ظهر فيهم مقتدى به، كل القبائل موجودين، إذا رجعت للتاريخ لابد على مدى التاريخ فيهم من ظهر؛ بسبب التأثر النوراني الصالح الخالص، الذي ما فيه شائبة، فكان ينتشر.
وكان العوام عندنا إذا جاء الشهر مر الشهر بخير وروحانية حتى وسط الديار فضلاً عن المساجد، روحانية وطمأنينة، وبقي منها في حضرموت كسوة، الله يحفظها علينا وعليكم.
ونعرف حتى بعض المسؤولين من سابق كانوا يجيئون من هنا، وبعضهم في المعسكرات وغيرها يقولون: نشعر بفرق في رمضان حضرموت ورمضان غيره، حضرنا رمضانات في أماكن كثيرة لكن في حضرموت رائحة ثانية، وشم ثاني، وحس ثاني.
والله يحفظ علينا هذه المواريث وهذه الأسرار والخيرات، ويُديمنا متصلين به.
الخاتمة والدعاء
ويبارك في جمعنا إن شاء الله، يأخُذ بيد الحبيب علي بن حبيبنا حسن بن أحمد، ويؤيده ويبارك في إخوانه وقرابته والأعوان لهم، ونعم العون الحبيب المنصب عبد القادر بن صالح بن عبد القادر، يأخذ الله بيده ويعينه، ومن معه من أحبابنا الذين في عينات خاصة، والقبائل هؤلاء المحيطين بنا وأرباب المواثير وأرباب العهود مع الأكابر الذين مضوا، وخيار الوادي، مناصبنا في الوادي وصلحاؤنا في الوادي هُم محل الأمانة والقيام بها.
وبتعاونهم عليها يحصُل عون من فوق، وإذا حصل العون من فوق لا عاد تقول لي شرقي ولا غربي، ولا زيد ولا عمرو، الأكبر فوق الكل وهو مع الكل، ولكن قال: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)، ويد الله مع الجماعة، وإذا اجتمعوا جاءت يد الله، وإذا يد الله معهم لن يقدر عليهم شرقي ولا غربي ولا قريب ولا بعيد.
الله يُنوِّر القلوب ويُطهِّرها، ونرجع إلى الاستمساك بالعروة الوثقى وهذا المسلك القويم.
اللهم اجعلها ساعة قبول، وساعة إجابة، وساعة عطاء، وساعة إفضال، وساعة إحسان، وساعة امتنان، وساعة نقاء للقلوب عن الشوائب، يعمّ رجالنا ونساءنا وصغارنا وكبارنا.
اقبل الشفاعة يا ربنا من ذوي الشفاعة لديك في صلاح وادينا ونادينا وحضرموت واليمن والشام والشرق والغرب، واكشف كل كرب عنا وعن أهل لا إله إلا الله، واجعل كل واحد منا مفتاح للخير مغلاق للشر، وسبب لنشر الهدى والنور والبر والتقوى، والتعاون على البر والتقوى.
واجعل رمضان هذا المُقبِل من أبرك الرمضانات علينا وعلى أهل لا إله إلا الله، يا رب اجعل فيه أبواب الفرج تنفتح، وخيراتك الكبيرة لا تزال تفيض على الناس، ويُقام بها الأساس، ويذهب بها الوسواس وشرّ الوسواس الخناس وشر الجنة والناس، وزدنا من عطائك بلا قياس كما أنت أهله.
يا معطي يا كريم يا منان يا عظيم يا رحيم يا رحمن ،يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين.
والذين جعلتَ الرحمة على قلوبهم غالِبة، قالوا كمثل الشيخ أبي بكر بن سالم مِن غَلَبة الرحمة عليه أنه يَهَب وجهته وإمداده من حضر، إن يستاهل وإن ما يستاهل، يقول للذي يستاهل: خذ يا الذي تستاهل، يقول للذي ما يستاهل: خذ يا الذي ما تستاهل، خُذ! مِن قوة الرحمة التي غلبت على قلبه في وراثة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).
ونحن الذي يستاهل والذي ما يستاهل فينا، ما أحد يرجع خالي إن شاء الله، وكُلّ يظفر بنور، وكُلّ يظفر بخيور، وكُلّ يظفر بصلاح نفسه وأهله وأولاده ودنياه وبرزخه وآخرته، حتى نجتمع جميعًا في دار الكرامة.
فيا ربِّ واجمعنا وأحبابًا لنا ** في داركَ الفردوس أطيبَ موضعِ
فضلاً وإحسانًا ومنّاً منك يا ** ذا الجود والفضل الأتم الأوسعِ
برحمتك يا أرحم الراحمين، ليس عينات كلها.. الغرفة هذه وحدها؛ كم شاهدت مِن تنزُّل، وكم شاهدت مِن حضور قلب عارف فيها، مُقرب صديق، وهذه التنزلات كلها ما تذهب سدى ولا هباء.
يا رب نظرة إلى الحاضرين، ونظرة إلى أهاليهم، ونظرة إلى الوادي والنادي وحضرموت كلها واليمن كله والشام كله، والشرق كله والغرب كله، يا مُحوِّل الأحوال حَوِّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال، وعافنا من أحوال أهل الضلال وفِعل الجُهال، وزدنا من فضلك والنوال ما أنت أهله يا أكرم الأكرمين، والحمد لله رب العالمين.
29 شَعبان 1447