حُسن استقبال المؤمنة شهر رمضان

للاستماع إلى المحاضرة

حلقة خاصة للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ بعنوان: 

حُسن استقبال المؤمنة شهر رمضان

عصر يوم الإثنين 28 شعبان 1447هـ

من أبرز ما جاء فيها:

  •  الاستعداد للقاء الله وفضل رمضان
  • طهارة القلوب من الغل والحسد
  • الفرح بقدوم رمضان قديماً وحديثاً
  • كيف كان النبي ﷺ يستقبل الشهر
  • استقبال الشهر برد المظالم
  • مراجعة البيوت وما يُعرض فيها
  • حال المؤمن مع القرآن الكريم
  • حقيقة الصيام وترك قول الزور
  • توجيهات حول الولائم الرمضانية
  • الحفاظ على الهمة وتنبيه عن الأسواق

 

نص المحاضرة:

الحمدُ لله خالقِ الليالي والأيَّام، والأسابيع والأشهُر والسنين، وجعلها مراحلَ ليتذكَّرَ المُتذكِّر، ويتبصَّرَ المُتبصِّر، ويتنوَّرَ المُتنوِّر، ويتدبَّرَ المُتدبِّر، ويشكُرَ الشَّاكر، ويذكُرَ الذَّاكر، ويستعدَّ مَن يستعدُّ للقاءِ اليومِ الآخِر، ويتزوَّدَ مَن يتزوَّدُ مِن خلالِ هذه الأيَّامِ والليالي وساعاتِها، والأسابيعِ وأيَّامِها، والأشهُرِ وأسابيعِها، والسنواتِ وأشهُرِها، إلى الأجلِ المعلومِ لكلِّ فردٍ مِن هؤلاءِ المُكلَّفين، والساعةِ التي يلقى فيها الرَّبَّ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.

فضل شهر رمضان ومكانته

وجعلَ مِن بينِ الشُّهورِ الاثنَي عشرَ التي هي عِدَّةُ الشُّهورِ عندَ اللهِ يومَ خلقَ السماواتِ والأرضَ شهرًا سيِّدًا للشُّهور، وهو شهرُ رمضان. (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ). 

فوجبَ أن يتميَّزَ في اعتقادِ وفي بالِ وفي ذهنِ وفي شعورِ كلِّ مسلمٍ وكلِّ مؤمنٍ باللهِ ورسولِه وما جاءَ عن اللهِ ورسولِه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ يعرفُ ميزةَ هذا الشَّهر، ويعرفُ شرفَ هذا الشَّهر، ويعرفُ كرامةَ هذا الشَّهر، ويتحفَّظُ فيه ما ينبغي له أن يتحفَّظ، ويُقبِل على اللهِ فيه إقبالًا أكبرَ وأكثر، يُهيِّئُه للارتقاءِ في مرتبةِ التَّقوى، ولصلاحِ أحوالِه في السِّرِّ والنَّجوى، وليكونَ أرفعَ رُتبةً في الفهمِ عن اللهِ، وفي المعرفةِ بالله، وفي الصِّدقِ مع اللهِ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه. 

فيَعتمِر باقيَ عُمرِه بما هو أنفع وأرفع وأجمع، وأحسن وأبيَن وأزيَن، وكلُّ ذلك زادٌ للقاءِ ربِّ الأرباب، الملكِ الجوَّاد، ولدارِ البرزخِ والقيامةِ والمعاد، التي يرجعُ إليها الأوَّلون والآخِرون مِن جميعِ العباد.

الاستعداد لشهر رمضان وتطهير القلوب

فيا أيُّتها المؤمناتُ بالله، ويا أيُّها المؤمنون، ويا أيُّها المُصدِّقون بأنباءِ الحقِّ التي حدَّثَ عنها سيِّدُ الخلق؛ يجبُ أن تُهيِّئوا أنفسَكم لهذا الشهرِ الكريم، ولأيَّامِه ولياليه، ولِما فيه مِن الفضلِ العظيمِ والخيرِ الجسيمِ والمنِّ الفخيمِ مِن اللهِ العليِّ العظيمِ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه. 

فالمُنادي يُنادي مِن أوَّلِه إلى آخِرِه: يا باغيَ الخيرِ أقبِلْ، يا باغيَ الخيرِ أقبِلْ، يا باغيَ الشَّرِّ أقصِرْ، فيُدعى مَن يُريدون الخير، والذين يُريدون الخيرَ هم الذين يُريدون صفاءَ قلوبِهم ونقاءَها عن الشَّوائب.

يا مؤمنُ، يا مؤمنةُ، تعيشون في كدرٍ وفي وسخٍ في القلوب؛ في كدرٍ مِن بُغضِ هذا، والتَّحامُلِ على هذا، وحسدِ هذا، والتَّكبُّرِ على هذا، وسوءِ الظنِّ بهذا، والغفلةِ عن عظمةِ اللهِ الجبَّار؛ طهِّروا قلوبَكم، طهِّروا قلوبَكم؛ فإنَّها الفرصةُ لكم، وإنَّها الغنيمةُ التي تغنمونَها مِن أعمارِكم. 

طهِّروا قلوبَكم عن مرضِ الإصرارِ على الذَّنب، فكلُّ ذنبٍ صغيرٍ ومعصيةٍ صغيرةٍ أُصِرَّ عليها صارت كبيرةً بالإصرار. قال تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَيفٌ) وفي قراءة: (طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ) -إخوان الشياطين يمدونهم في الغي، ويتمادون فيه ولا يرجعون ولا يتذكّرون- (يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ).

الفرح برمضان واتِّباع هدي النبيِّ ﷺ

يا أيُّها المؤمنون، يا أيُّتها المؤمنات؛ يجبُ أن نستعدَّ لهذه الليالي المباركةِ والأيَّامِ الغُرِّ التي قلبُ أعرفِ الخلقِ بالرَّبِّ كان يهتزُّ لها، وكان يستعدُّ لها، وكان يفرحُ ويستبشرُ بها. 

كنَّا نُشاهدُ السُّرورَ والفرحَ ينبسطُ حتَّى على قلوبِ الأطفال، وكنَّا في مثلِ هذا اليومِ قبلَ رمضانَ بأيَّامٍ نُحِسُّ بزهوٍ حتَّى عندَ الأطفالِ في الشَّوارع. 

فقدنا هذا لمَّا انتشرت أفكارُ الغيِّ والفساد، وكلماتُ السُّوء، والمناظرُ القبيحة، وتخبَّثتِ الأفكارُ بإيثارِ الحقيرِ الفاني، ونسيانِ الملكِ الغفَّارِ جلَّ جلالُه. 

واللهُ يَرُدُّ على المسلمين ما فاتَ عليهم مِن جميعِ الخير، ويُحيي ما ماتَ فيهم مِن ذلك النُّورِ والسِّرِّ الذي بعثَ به بدرُ البدور، رسولُ اللهِ محمَّدٌ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وهو الذي كان مِن أوَّلِ رجبٍ يستحضرُ الاستبشارَ برمضان، ويسألُ اللهَ بلوغَه، ويقولُ إذا هلَّ هلالُ رجب: "اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في رجبٍ وشعبان، وبلِّغنا رمضان، وأعِنَّا على الصِّيامِ والقيام."

خطورة مرور الأيَّام في غفلة

أيُّها المؤمنون، أيُّتها المؤمناتُ باللهِ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه؛ ليس مِن اليسيرِ ولا السَّهلِ مرورُ الأيَّامِ والليالي علينا، فهي التي تُقطَعُ بها أعمارُنا، وتنقضي بها آجالُنا، وهي التي تُقرِّبُنا مِن مآلِنا ومرجعِنا إلى ربِّنا جلَّ جلالُه، (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ).

فلنحذرْ مِن لهوِ القلوبِ، لهو القلوب: غفلتِها عن علَّامِ الغيوب، إهمالِها للأدواءِ التي في القلب، وتركها مشوبةً بأنواعِ الذُّنوبِ والأقذار، مِن الغفلةِ عن اللهِ تباركَ وتعالى، والعملِ بمُخالفةِ شريعتِه ومُخالفةِ سُنَّةِ نبيِّه محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

استقبال رمضان بالتوبة والإنابة

فيا أيُّها المؤمنون، أيُّتها المؤمنات؛ يجبُ أن نغتنمَ العُمر، وها نحنُ في أواخرِ شعبانَ نستقبلُ الشَّهرَ الكريمَ المباركَ المُنوَّرَ المُنوِّرَ، المُطهَّرَ المُطهِّرَ لمَن أقبلَ وتوجَّهَ وأناب. "يا باغيَ الخيرِ أقبِلْ"، والدَّعوةُ بالخُسرانِ على مَن يبغي الشَّرَّ والعياذُ بالله تباركَ وتعالى. 

مَن كان وهو في آخِرِ هذه الأيَّامِ مِن شعبانَ يعزمُ على الاستمرارِ في قطعِ الرَّحِم، أو عقوقِ الوالدين، أو إيذاءِ الجار، أو ظُلمِ أحدٍ مِن النَّاسِ في مالٍ أو دَينٍ أو إجارةٍ أو سكنٍ أو أرضٍ لأوقافٍ أو لأيتامٍ أو لضُعفاءَ لا يقدرون على أخذِ حقِّهم؛ مَن كان مُصِرًّا على ذلك فهو ممَّن يبغي الشَّرّ، يُنادى عليه في مملكةِ الرَّحمنِ جلَّ جلالُه مِن قِبَلِ الملائكة: أقصِرْ، أقصِرْ عن هذا، وابعِدْ وانقطِعْ عن هذا السُّوءِ الذي يُصيبُك، والذي تُحرَمُ به الخيراتِ والمبرَّاتِ وحقائقَ السَّعادات.

تطهير القلوب والإتيان بقلبٍ سليم

يا أيُّها المؤمنون، يا أيَّتُها المؤمنات؛ وجبَ أن نُحسِنَ استقبالَ الشَّهرِ الكريمِ المبارك، بتنقيةٍ وتطهيرٍ لهذه القلوبِ التي إليها نظرُ ربِّنا علَّامِ الغيوبِ جلَّ جلالُه، نقَّاها اللهُ عن جميعِ العيوب، نقَّاها اللهُ عن جميعِ العيوب، نقَّاها اللهُ عن جميعِ العيوب.

ومِن سُنَّةِ هذا الإلهِ الكريمِ الحقِّ أنَّه إذا وجدَ مَن يعتني بصدقٍ بتطهيرِ باطنِه ويحرصُ على تنقيةِ سريرتِه، فإنَّه يُمِدُّه بالعونِ ويُعينُه على ذلك ويُكرِمُه به.

ولكنْ مَن لا يطلبُ بصدقٍ ومَن لا يلتفتُ إلى هذا الطَّلبِ العظيم، هو الذي يُحرَمُ هذه الطَّهارة، فيُخزى يومَ القيامة، اليومَ الذي قال عنه الخليلُ إبراهيمُ في دعائِه للرَّبِّ: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).

وقد شهدَ له الرَّحمنُ في القرآنِ أنَّه جاءَ ربَّه بقلبٍ سليم، إبراهيمُ عليه السَّلام: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ) -أي: من شيعة سيدنا نوح- (لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، وهكذا شِيعةُ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم، فالأنبياءُ يُصدِّقُ بعضُهم بعضًا، وينصرُ بعضُهم بعضًا، إلى خاتمِهم سيِّدِنا النَّبيِّ محمَّد صلى الله وسلم عليه وعلى آله.

فنحنُ مع أهلِ الحقِّ والهُدى، أهل لا إلهَ إلَّا الله، مِن عهدِ آدمَ إلى آخِرِ مَن يقولُها، نواليهم مِن أجلِ اللهِ تباركَ وتعالى في معنًى مِن الوحدةِ الإيمانيَّة، وحقوقُ المؤمنِ جعلها اللهُ تباركَ وتعالى لنا، فمَن دخلوا تحتَ دائرةِ لا إلهَ إلَّا اللهِ مُوقنين بها فهمُ الإخوانُ الذين يجبُ أن يرعَوْا حقَّ هذه الأُخوَّة، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)، و "لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسِه."

مسؤولية الأسرة في استقبال رمضان

أيُّها المؤمنون، أيُّتها المؤمنات؛ عندَ اقترابِ الشَّهرِ الكريمِ يجبُ أن نُحسِنَ مراجعة حساباتِنا لِما هو قائمٌ ودائرٌ وسطَ بيوتِنا؛ أهو استقبالٌ صحيحٌ لرمضان؟ أيستقبَل بمثلِ ذلك شهرَ رمضان! ما الذي يُرى في البيتِ لمُجتمعِ أهلِ البيتِ لأعدادِهم أو لأفرادِهم؟ ماذا يُطالعون في المرئيَّات، سواءً كانت أوراقًا وصُحُفًا أو كانت شاشاتٍ يُطالعون فيها؟ ما الذي يُطالعون فيها؟ مِن أيِّ الصُّورِ وأيِّ الكلمات؟ ما هي الكلماتُ التي تُطالَعُ في ديارِنا؟ ما هي الصُّورُ التي تُطالَعُ في ديارِنا مِن قِبَلِ صغارِنا وكبارِنا؟

أو ذهبتِ المشاعرُ بإدراكِ وجوبِ تماسُكِ الأسرةِ مُتعاونةً على البرِّ والتَّقوى، فصارَ هذا في غُرفتِه وهذا في جزءٍ مِن أنحاءِ البيتِ يُطالعُ ما شاء ويتفرَّجُ على ما شاء، ولا مَن يُساعدُه على اختيارِ الخيرِ والبُعدِ عن الشَّرّ، ولا مَن يُساعدُه على استقامتِه في مسلكِه على الهُدى والبِرّ.

أيُّتها المؤمنات؛ يجبُ علينا أن نُدرِكَ الواجباتِ علينا في الأُسَرِ وفي البيوت، وأن لا نعملَ على هذا التَّشرذُمِ وهذا التَّفرُّق، وهذا التَّباعُدِ مع تقارُبِ الأجسامِ وسطَ البيتِ الواحد، بل يجبُ أن نكونَ مُتداخلين بيننا، مُتعاونين مُتواطئين على السُّنَنِ والحرصِ عليها، فضلًا عن الفرائضِ والواجبات وسطَ البيوت. 

ما الذي يُسمَعُ وسطَ بيوتِنا؟ ما الذي يدورُ مِن الفكرِ وما تحملُ مشاعرُ الأسرةِ وسطَ الدَّار؟ يجبُ أن يَبتَثَّ شعورٌ عندَ الصَّغيرِ والكبيرِ أنَّها شعائرُ مِن شعائرِ الله، مِن أعظمِ شعائرِ الله، شهرُ رمضانَ المُكرَّمُ المُعظَّم، المُشارُ إليه بلسانِ القرآنِ ولسانِ المُصطفى محمَّد ﷺ.

القرآن الكريم ووجوب حُسن الصِّلة به

فالحقُّ تعالى يقولُ في كتابِه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، أُنزِلَ فيه القرآن: أي ابتُدِئَ نزولُ القرآنِ فيه، فكان أوَّلَ ما نزلَ في ليلةِ السَّابعَ عشرَ منه في غارِ حراءَ على سيِّدِنا المُصطفى خيرِ الورى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).

هذا القرآنُ الذي ابتُدِئَ نزولُه في رمضان، وجبَ على المؤمنين والمؤمناتِ أن يكونَ لهم نظرٌ في حالِهم مع هذا القرآن. كيف حالُهم مع هذا القرآن؟ حالُهم مع القرآنِ قبلَ رمضانَ وفي رمضانَ وبعدَ رمضان؛ في تدبُّرِ معانيه، في مُخاطبةِ النَّفسِ بالعملِ بما فيه، في أخذِ النَّصيبِ مِن تلاوتِه حقَّ التِّلاوة، بإحسانِ الألفاظِ وإخراجِ الحروفِ مِن مخارجِها، وتَّأمُّل المعاني والتَّفسيرِ والمراداتِ لهذا القرآنِ الكريم.

فأذهانُنا أحقُّ ما تتزيَّنُ به وتتطهَّرُ به، وتترقَّى به وتَعظُم به وتصلُحُ به: كلامُ الإله، كلامُ الإلهِ جلَّ جلالُه!

خيرُ ما اشتغلت به أذهانُنا وعقولُنا وأفكارُنا، وأصلحُ ما يكونُ لها، وأحسنُ ما يُصلحُها، وأعظمُ ما يُقوِّمُها ويرفعُ قدرَها ومنزلتَها.

أنفتحُ أذهانُنا وأفكارُنا لكلامِ الغافلين والفاسقين وأهلِ الشَّرقِ والغرب، ونبخل على أنفسِنا بفتحِ الأذهانِ لكلامِ الإلهِ الذي خلق؟! الذي يرفعُ به أقوامًا ويضعُ به آخرين. 

فيجبُ على الأسرةِ أن تُفكِّرَ أن يكونَ الأبُ والأمُّ والابنُ والبنتُ والأخُ والأختُ ممَّن يُرفَعون بهذا الكتاب، ولا يكونَ بينهم مَن يُخفَضُ بالقرآن، ومَن خُفِضَ بالقرآنِ عاشَ مخفوضًا ساقطًا حبيطًا، وأبهرُ خفضِه وسقوطِه في يومِ القيامةِ التي هي الواقعةُ، الخافضةُ الرَّافعة، كما قال اللهُ تباركَ وتعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ).

يُخفَضُ فيها أقوامٌ ويُرفَعُ آخرون، تخفضُ مَن خفضَهم القرآنُ وترفعُ مَن رفعَهم القرآن، القرآنُ يرفعُ مَن آمنَ به ومَن لم يهجُرْه فتدبَّرَه ومَن عمِلَ بما فيه؛ يرفعُهم القرآن، "إنَّ اللهَ يرفعُ بهذا الكتابِ أقوامًا ويضعُ به آخرين." وهي تخفضُ كلَّ مَن خفضَه القرآنُ مِن كلِّ مُعرِضٍ عن القرآن، ومِن كلِّ مُكذِّبٍ بشيءٍ مِن القرآنِ وهذا كُفرٌ صريح، ومِن كلِّ مُهمِلٍ للعملِ بما في القرآن؛ فهؤلاءِ يُعرَّضون أن يُخفَضوا بالقرآن، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

اللهم ارفعنا بكتابِك، واجعلنا في الشَّهرِ الذي ابتدأتَ فيه إنزالَ القرآنِ مِن الذين ترتقي مراتبُهم في الرِّفعةِ بالقرآن، في تعظيمِ هذا القرآنِ واستماعِه وتدبُّرِ معانيه، والاطِّلاعِ على دلالاتِه، والعملِ بما يقتضيه وبما فيه مِن أحكامِك وتعاليمِك وتأديبِك يا أرحمَ الرَّاحمين.

ولقد وصفتِ السَّيِّدةُ عائشةُ نبيَّنا بأنَّ خُلُقَه القرآن: "كان خُلُقُه القرآن" صلوات ربي وسلامه عليه، ومَن أعظمُ منه معرفةً بالقرآنِ وعملًا بما في القرآن ﷺ؟ 

وهكذا كان أصحابُه ممتزجين بنورِ القرآن، وعليهم صبغةُ الرَّفعِ بالقرآنِ عليهم الرِّضوان. وكم كانوا يحنُّون إلى تلاوةِ القرآنِ وإلى سماعِ آياتِه! وكم كانت تتنزَّلُ عليهم السَّكينة، حتَّى رأى أُسَيْدُ بنُ حُضَيرٍ الظُّلَّةَ نازلةً وفيها السُّرُجُ والمصابيح، وإذا بالفرسِ تجول، فأخبرَ النَّبيَّ في اليومِ الثَّاني، فقال: تلك السَّكينةُ نزلت للقرآن، وتلك ملائكةُ الله، لو أنَّك واصلتَ قراءتَك لأصبحَ النَّاسُ ينظرون إليها وينظرون إلى هؤلاءِ الملائكة، ولكنْ لمَّا جالت تلك الفرسُ واشتغلَ بها وقامَ وقطعَ القراءة.

الصِّيام: حقيقته وشفاعته

أيُّها المؤمنون باللهِ تباركَ وتعالى؛ يجبُ أن نُحسِنَ صِلتَنا بالقرآنِ -الذي أُنزِلَ في رمضان- في رمضان، بل وقبلَ رمضانَ استعدادًا لرمضان، ونَنويَ أن نأخذَ نصيبَنا. 

وكثيرٌ مِن بلادِ المسلمين فيها مَن يُرتِّبُ لهم في كلِّ ليلةٍ ربعَ القرآن، وفي كلِّ يومٍ أيضًا ربعًا آخرَ أو ثُلثًا آخر، وفيها مَن يُرتِّبُ لهم سُدسَ القرآنِ في كلِّ ليلةٍ مِن ليالي رمضانَ يتدارسونَه فيما بينهم. فليكُنْ لنا تدارُسٌ مع الحلقات، وليكُنْ لنا قراءةٌ فرديَّةٌ يقرؤُها أحدُنا مِن كتابِ اللهِ سبحانَه وتعالى، كان يقولُ سيِّدُنا عثمانُ بنُ عفَّان: "لو طهُرَت قلوبُنا ما شبِعَت مِن كلامِ الله."

ولنعلم أنَّه الشَّهرُ الذي لنا فيه الفرصةُ الغاليةُ أن نرقى المراتبَ العالية، فلا تخدعنا النُّفوسُ ولا شياطينُ الإنسِ والجنِّ فيأخذُوا شبابَنا وشابَّاتِنا إلى الغفلةِ في رمضان، وإلى الألعابِ في رمضان، وإلى السَّمَراتِ والسَّهراتِ الخاليةِ عن الذِّكرِ وعن القرآنِ في ليالي رمضان؛ ما هي إلَّا ليالي القيامِ والذِّكرِ والصَّلاةِ والدُّعاء، ما هي إلَّا أيَّامُ الصَّومِ الذي حقيقتُه كفُّ الجوارحِ عن المعاصي، (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) كما قال اللهُ في حكمةِ الصَّوم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

بذلك كلِّه يجبُ أن نتحقَّقَ بحقيقةِ الصَّوم. "الصَّومُ جُنَّة"، وقايةٌ كجُنَّةِ أحدِكم في القتال، جُنَّةٌ ووقايةٌ يقيكَ مِن النَّارِ ومِن أعمالِ النَّارِ ،ومِن أوصافِ أهلِ النَّارِ، وممَّا يُقرِّبُك إلى النَّار. "الصَّومُ جُنَّةٌ ما لم يخرِقْها." قالوا: بِمَ يخرقُها يا رسولَ الله؟ قال: "بكذبٍ أو غيبة." 

والنَّبيُّ يُصرِّحُ لنا أنَّه ليس المُرادُ صورةَ الصَّومِ ولكنْ حقيقتَه، ويقول: "مَن لم يدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ به فليس للهِ حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَه وشرابَه." ما شرعَ لنا الصَّومَ وتركَ الطَّعامِ والشَّرابِ والمُفطِراتِ إلَّا لِتقوى فينا حقائقُ التَّقوى، ولننتهيَ عمَّا نهانا عنه سبحانَه وتعالى، ولِنصدُقَ في طاعتِه جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.

وما أعظمَ ما يشفعُ في الإنسان: القرآنُ والصَّوم! "يُشفّعانِ في المؤمنِ حتَّى يَشفعان فيه"، ويقولُ الصَّوم: "منعتُه الطَّعامَ بالنَّهار، منعتُه الأكلَ بالنَّهار." ويقولُ القرآن: "منعتُه النَّومَ باللَّيل"، يعني أوقاتًا يُمكنُ أن ينامَ فيها يشتغلُ بالقرآن. 

فمَن منعَه القرآنُ عن مناماتٍ في اللَّيلِ يشفعُ فيه يومَ القيامة، يقول: "يا ربِّ منعتُه النَّومَ باللَّيلِ فشفِّعني فيه." وهكذا الذي يمتنعُ عن المُفطِّراتِ الحسِّيَّةِ والمعنويَّةِ في رمضان، يتشفّع فيه الصِّيامُ عندَ اللهِ تباركَ وتعالى. قال ﷺ: "فيُشفَّعانِ فيه." يقولُ القرآن: "يا ربِّ منعتُه النَّومَ باللَّيلِ فشفِّعني فيه." ويقولُ الصَّوم: "يا ربِّ منعتُه الأكلَ بالنَّهارِ فشفِّعني فيه." قال: "فيُشفَّعانِ فيه" ﷺ؛ يكونان سببًا لتجاوُزِ الله عنه أنواع مِن الذُّنوبِ والسَّيِّئاتِ والمُخالفات.

حفظ حُرمة رمضان والتحذير من الغفلة

فيا أيُّها المؤمنون، ويا أيُّتها المؤمنات؛ يجبُ أن نرعى حُرمةَ الشَّهرِ وأيَّامِه ولياليه، وبقيَ أن نعلمَ أنَّ ما يكثُرُ عندَ كثيرٍ مِن مُجتمعاتِ المسلمين مِن العزوماتِ في رمضانَ وغيرِها، يجبُ أن تُصبَغ بصبغةِ الذِّكرِ والعبادة، وألَّا تكونَ محل غفلة، ويجبُ أن تُختصَرَ أوقاتُها مهما استُطيع لذلك، إلَّا ما انصرفَ في خالصِ الذِّكرِ أو في الصَّلاةِ والقراءة.

ويجبُ أن يُحترَزَ فيها عن كلِّ مظاهرِ الغفلةِ واللَّهوِ في ليالي رمضانَ وأيَّامِ رمضان، والتَّقليلُ منها هو الأولى، والذي كان عليه خيارُ الأمَّةِ على مدى القرون، لا يكادون تظهر لهم عزومةٌ في رمضانَ لاشتغالِ كلٍّ منهم بشأنِ حلاوةِ تلاوتِه وقيامِه وصيامِه والأعمالِ الصَّالحةِ في رمضان، التي يضاعف فيها الأجرُ مِن واحد إلى سبعين، إلى سبعمئةٍ إلى ألف، الفريضةُ فيه كسبعين فريضةً فيما سواه، والنَّافلةُ فيه كالفريضة.

وهكذا، وإذا كان مِن المجالسِ عزوماتٌ وغيرُها عندَ أقاربَ وغيرِهم يغلبُ عليها اللَّهوُ والغفلةُ أو الغيبةُ والنَّميمة، فالاعتذارُ عنها والتَّأخُّرُ ليس بقطيعةِ رحمٍ بل واجبٌ مِن الواجبات، بل وفوقَ الاعتذارِ يجبُ نُصحُهم أن يُصلحوا شأنَ عزوماتِهم هذه ويتجنَّبوا ما يكونُ فيها مِن السُّوء.

وكذلك نُراعي أن نكونَ في آخِرِ رمضانَ أفضلَ منَّا في أوَّلِه، ونعلمُ أنَّ ما يطرأُ مِن الكسلِ سببُه غفلةُ القلبِ عن حقيقةِ الأعمالِ التي نقومُ بها؛ سواءً صومٌ أو قراءةٌ للقرآنِ أو ذكرٌ للرَّحمنِ، أو صلواتٌ نُصلِّيها، وقيامٌ نقوم به في ليالي رمضان.

فينبغي أن نتطلَّبَ حضورَ القلوب، أن نتطلَّبَ حضورَ القلوبِ مع الرَّبِّ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه، وأن نتأمَّلَ سيرةَ نبيِّنا وقُدوتِنا الذي كان يجتهدُ في رمضانَ ما لا يجتهدُ في غيرِه، ويجتهدُ في العشرِ الأواخرِ منه ما لا يجتهدُ في غيرِها مِن رمضان.

خطر وسائل الإعلام والانشغال عن العبادة

وكنَّا نعهدُ وسائلَ الإعلامِ هذه في بلادِ المسلمين مِن سنواتٍ سابقة يستحيون إذا جاءَ رمضان، يُخفِّفون كثيرًا مِن برامجِ اللَّهوِ والغناء، ويجعلون برامجَ خاصَّةً لرمضانَ فيها دينيَّةٌ -على قولِهم- فيها شيءٌ مِن الخير.

ثمَّ جاءَ وقتٌ صاروا ما يستحيون ويجعلونَها مُقاربةً للأيَّام، ثمَّ جاءَ الآنَ وقتٌ صارَ كثيرٌ مِن الإعلاميَّاتِ تُخصِّصُ رمضانَ بلهوٍ أكثرَ، وغفلةٍ أكثرَ وقلّة حياء أكثر، ومنها ما يأتي أحيانًا شُغلًا بمباريات، وأحيانًا شُغلًا أيضًا ببرامجَ سيِّئةٍ يُركِّزون عليها في رمضان، تشغلُ ثُلّة، ألوفاً، وأحيانًا يصلون إلى ملايينَ مِن شبابِ المسلمين وشابَّاتِهم.

يُناقضون المنهجَ الذي وضعَه نبيُّهم وإمامُهم في كيفيَّةِ استقبال هذه الليالي والأيَّام، وماذا يزيد فيها، وما الذي ينقص فيها، وما الذي يحرِصون عليه فيها. 

فاستبدَلوا القُدوةَ والأُسوةَ مِن نبوَّةٍ ورسالةٍ إلى سَقَطةٍ وفَسَقة وأهل فسالة، صاروا هم قُدواتِهم بدلَ هذا، الذي قُدوتُه توصلُ إلى محبَّةِ الرَّبّ، وقُدوة بهؤلاء توصلُ إلى غضبِ الرَّبّ، إلى البُعدِ عن الرَّبِّ جلَّ جلالُه (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)!

الحثُّ على الهمَّة والاعتكاف والدعاء

إذن فيجبُ أن نُقبِلَ بالهمَّة، وأن نُراعيَ استقرارَ هذه الهِمَّةِ وزيادتَها إلى أواخرِ هذا الشَّهرِ الكريمِ المبارك، حتَّى أنَّه صارَ في بعضِ بُلدانِ المسلمين يفتحون أسواقًا أكثرَ في العشرِ الأواخر، وتكونُ الزَّحمةُ في السُّوقِ أكثرَ في العشرِ الأواخر، الذي كان يعتكفُ فيها قائدُهم وقُدوتُهم ونبيُّهم! لا يخرج مِن المسجدِ إلى يومِ العيد، بدلَ هذا هم يخرجون أكثرَ ويختلطُ النِّساءُ بالرِّجالِ أكثر. فهذا مِن الكيدِ الذي كادهم بهم عدوهم، ليُفوِّتَ عليهم ليلة قال عنها ﷺ: "لا يُحرَمُ خيرَها إلَّا محروم." (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ).

غنَّمَنا اللهُ إيَّاها، وباركَ لنا سبحانَه وتعالى في هذا الشَّهرِ الذي أقبل، ويجعلْه مِن أبركِ الرَّمضاناتِ على أمَّةِ الحبيبِ الأعظم.

نسألُك اللَّهُمَّ يا مُنزِلَ القرآنِ في رمضان، بالقرآنِ ومن أنزلتَه عليه، أن تجعلَ رمضانَنا هذا المُقبِلَ علينا مُبارَكًا علينا وعلى الأمَّة ببركةٍ أوسع، مِن أبركِ الرَّمضاناتِ على أهلِ لا إلهَ إلَّا الله، ظاهرًا وباطنًا، تجمع به شملهم، وتلُمُّ به شَعَثَهم، وتُطهِّرُ فيه قلوبَهم، وتجمعُ به وِجهتَهم إليك.

اللَّهُمَّ وفِّقنا، اللَّهُمَّ أعِنَّا، اللَّهُمَّ ثبِّتنا، اجعلنا ممَّن يصوم إيمانًا واحتسابًا، ويقوم إيمانًا واحتسابًا، ويُحسِن فيه تلاوة القرآنِ تدبُّرًا وحضورًا وتعظيمًا وعملًا بما فيه، برحمتِك يا أرحمَ الرَّاحمين، وبسرِّ الفاتحةِ إلى حضرةِ النَّبيِّ محمَّدٍ ﷺ.

 

 

تاريخ النشر الهجري

01 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

18 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية