كلمة في ختام مؤتمر بالزاوية الرقانية في الجزائر 1447هـ (عبر اتصال مرئي)
كلمة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، في ختام مؤتمر في الزاوية الرقانية بالجزائر (عبر اتصال مرئي).
عصر يوم الجمعة 14 ذو القعدة 1447هـ
نص الكلمة:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الحمد لله العظيمِ المنّان، الواحدِ الأحدِ الكريمِ واسعِ الفضلِ والإحسان، ونشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، عالم السرِّ والإعلان، جامع الأولين والآخرين ليوم العرْضِ ووضعِ الميزان.
ونشهدُ أن سيدنا ونبينا وقرةَ أعيننا ونورَ قلوبنا محمداً عبده ورسوله، الذي أَنزل عليه القرآن، وبعثه إلى جميعِ الإنسِ والجانِّ بالهدى والبيان، ودين الحقِّ ليظهرَهُ على الدين كله ولو كره المشركون.
وإلى أحبابنا والحاضرين في هذه المناسبة الكريمة الغالية؛ مناسبة الذكرى في زاوية الشيخ مولانا عبد الله الرقّاني، أعلى اللهُ درجاته وجمعنا به في أعلى جناته، وضاعف الخيرات والبركات لكل من انتمى إليه، وكل من تعلّق به، وكل من سار في سبيله، وفي خلفائه وورثته من أولاده وأحفاده، وفي المدير القائم عندكم، وفي جميع المشاركين في هذا المؤتمر وفي هذه اللقاءات التي يُعلَن فيها الولاء لله ورسوله والذين آمنوا؛ الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.
حقيقة الولاء الإيماني
إننا في مسلكٍ قويم وصراطٍ مستقيم، أُخِذَ عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، في الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وترجمةِ هذا إلى واقعٍ وإلى حقيقةٍ وإلى ممارسةٍ تُمارَس في واقع الحياة.
أيها الأحباب الكرام، إنها مظاهرُ إعلان الولاء لله ورسوله والذين آمنوا، وكلُّ ولاءٍ سوى ذلك فأصحابُه في غَبن، ونهايتهم إلى حزنٍ وإلى تقاطعٍ وإلى تباعد؛ (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ).
ومِن الذي يُؤسَفُ له أنَّ المسلمين في العالَم الإسلامي وخارجه، تقوم لهم ولاءاتٌ تخالفُ وتخرج عن حقيقة الولاء لله ورسوله والذين آمنوا؛ (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، الذين حصر اللهُ الولايةَ فيهم في الكتاب العزيز: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).
آثار الولاءات المخالفة للمنهج الرباني
وبحسبِ ذلك الولاء المخالف من ولاء من يخالف منهج الله -جل جلاله وتعالى في علاه- يحصل في المسلمين أنواعٌ من الفساد في الاعتقاد، وفي المعاملات، وفي السلوك، وفي الاقتصاد، وفي أنواعِ ما يجري بينهم ويدور من أعمالِ هذه الحياة.
وإنَّ من مهمات هذه المؤتمرات والاجتماعات والزيارات لهؤلاء الأكابر أن يعود الناس إلى رشدهم، وإلى الهدى الذي هو هدى الله، اختاره لهم، وأن يقوم الولاءُ الصحيح لله ورسوله والذين آمنوا.
وليدركَ الحقَّ الكلُّ ويوقنَ أنَّ: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). ومهما كان له من زخرف القول، ومن الحركة الظاهرة في الحياة -حركة ونشاط قوي- فإنه لا تمر الأيام حتى ينهار، ويصير ذلك إلى سوءٍ وإلى خزيٍ وإلى فشلٍ وما إلى ذلك.
فما أعظم أن يثبت المؤمن على الولاء لله ورسوله وللذين آمنوا؛ (وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).
كما حذّرنا اللهُ من ولاء مَن يعادي الله ورسوله، وقال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
وقد ذكَرَ إحباط الأعمال لمن وافق مَن يخالفُ أمرَ الله في بعض الأمر، بما قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في سورة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا * إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وأُملِيَ لهم)، وفي قراءة: (وَأَمْلَىٰ لَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ).
لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.
دور الزوايا العلمية في إصلاح المجتمع
إننا مسرورون بهذه اللقاءات وهذه المؤتمرات وهذه الزيارات لأولياء الله -جل جلاله وتعالى في علاه- والتذكّر لسِيَرهم.
وأن يكون معكم في الواقع بياناتٌ عن واجباتٍ، سواء تتعلق بالأوقاف أو الاقتصاد أو المعاملات، أو شيءٍ مما شرع الله تبارك وتعالى للناس التعامل به، ويعود به النفع عليهم في معاشهم ومعادهم؛ فقد بعث الله الرُّسُل لإكمال المعاش والمعاد.
ولذا قامت هذه الزوايا على الإنفاق في سبيل الله، وعلى الإكرام، وعلى إطعام الطعام، وعلى تَفَقُّد المحتاجين والمساكين، إلى غير ذلك من مشاريع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهُداه ومنهجه الذي جاءنا به عن الله جل جلاله.
نهنئكم بهذا الاجتماع، ويا ليتنا حضورٌ بينكم، ولكن يَسَعُ المؤمنين -مع تباعُد الديار والأماكن وتقلُّب الظروف- يسعهم وَحدةُ قلوبهم في وجهتهم إلى مُقلِّب القلوب، ووحدةُ أرواحهم في التحابُب في الله -جل جلاله وتعالى في علاه-، وتعاونهم على نشر شريعة الله ونصرها، وأن تكون كلمة الله هي العليا.
بارك الله في اجتماعكم، وفيما حدَوتم إليه، وفيما خُضتم فيه من المواضيع التي نسأل الله أن يجعل لها فائدةً وقبولاً ونفعاً في واقع الأمة.
ولا تزالون بذلك على إقامة الحِصن المنيع من الولاء لله ورسوله والذين آمنوا، والخروج عن الأوهام والخيالات التي أضلَّت كثيراً من الناس ولبَّست الأمر عليهم، فيما يتعلّق بشأن هذا الولاء، وفيما يتعلّق بشأن الأنظمة.
وأنَّ جميع العقلاء على ظهر الأرض مُشتركون بِحُكم فطرتهم وعقولهم أن يتعاونوا أو يفكّروا فيما يفيد ويثمر، ولكن أهل الإيمان بالله تميّزوا فوق ذلك كله بنورانية الإيمان بالله؛ فهم كصاحب البصر الذي يوجد عنده النور فيُبصِر.
والنور الذي موجودٌ عندنا هو الشمس الساطعة من وحي الله على رسوله ﷺ، وبيانُ المصطفى محمد ﷺ، وما عقب ذلك من سُرُج التفكيك للمُجمَلات، والتوضيح للمُبهَمات، وتركيب المُستجدّات على الأصول الثابتات.
تطهير القلوب ووحدة المؤمنين
بذلك كله نعلم المسلك القويم الذي إذا سلكه المؤمنون؛ حلَّ عليهم جود الله وفضله ونصره وتأييده وتسديده، بعيداً عن التنازع الموجِب للفشل: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).
خروجاً عن الأوهام فيما يتعلّق بالشّكّ في منهج الله، أو تعظيم منهج الغير، أو قبول شيء منهم مما يخالف شرع الله تبارك وتعالى.
والأوهام الأخرى فيما تدفع النفوسُ إليه مِن تنافسٍ غير شريف، وإرادةِ كُلٍّ أن يظهر على الآخر أو أن يحسد الآخر؛ فبذلك تذهب حقائق النصرة والتأييد من الله، وتذهب حقائق الصِّدق مع الله تبارك وتعالى.
ولكن باتّساع القلب وطُهره ونقائه، واتِّساعه ليكون عضواً في جسد الإيمان، وجسد المؤمنين كله؛ "مثلُ المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عُضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
الخروج من هذه الأوهام إلى واضح اليقين بأنَّ التعاون واجب، والتآخي واجب، ووحدة الأمة واجبة. وأنَّ على المنسوبين إلى التصوف مهمةً كبيرةً في إعادة هذه الأسس القوية المتينة، التي لا ينهض شأن الأمة إلا بها في مختلف شؤون الحياة.
بذلك كله نَعُدُّ قيامكم هذا بهذه الأعمال مساهمةً قويةً كبيرةً في أداء هذا الواجب العظيم للأمة المحمدية وفي الأمة المحمدية.
فنحمد الله الذي وفّقكُم، وزادكم الله عنايةً ورعايةً وتوفيقاً وتسديداً وتأييداً.
وشكر الله سعيكم، وجعلكم في أهل السعي المشكور والعمل المبرور، وأقام بِكُم حقائق هذه المقاصد النبوية في الارتباط بشرع الله ومنهج الله وحُكم الله سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
عظمة الشريعة والمذاهب المعتبرة
والاستضاءة بنور هذا العلم؛ مع معرفة أن المذاهب المنتشرة بين أهل السنة والجماعة، من المذاهب الأربعة التي خُدِمَت وانتشرت، وشملت أهل السنة والجماعة في شرق الأرض وغربها، كلها مفاهيم مأخوذة بميزانٍ صحيح في نصوص كلام الله وكلام رسوله ﷺ، ومراعاةِ ما أجمع عليه المجتهدون في كل زمن وهو حُجّةٌ على مَن بعدهم، ومراعاةِ القياس الصحيح كذلك، والبناءِ على الأسس التي جاءت في الكتاب والسنة.
فبالكتاب والسنة والإجماع والقياس يقوم الفقه لدين الله تبارك وتعالى، والوعي لأحكام الله وشريعة رسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وقد تبلوَرت لنا وتوصّلنا فيها إلى أعماقٍ في الوعي والفهم، وإلى جواهرَ ما يُترجِم عن سعة الشريعة وعظمتها، بوجود هذه المذاهب المعتبرة الصحيحة؛ كمثل هذه المذاهب الأربعة: للإمام أبي حنيفة، والإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
والبناءُ يكون بنفس الطريق التي بنوا بها مفاهيمهم في كلام الله وكلام رسوله ﷺ، وما مضى عليه الصحابة والتابعون وأهل البيت الطاهر؛ خصوصاً علماؤهم وأصفياؤهم، صلوات الله وسلامه على نبينا محمد وعليهم أجمعين.
الارتباط بالسند النبوي والدعاء
بذلك كله نستطيع أن نخطو الخطوات الصحيحة في حُسن الترجمة للإيمان والعمل الصالح، وفي القيام بالمُهِمة فيما تحتاجه الأمة في واقعها، والنهضةِ بها إلى استقامةٍ على المنهج القويم والصراط المستقيم، والوحدة والألفة والأخوّة والمحبة، والتعاون والتكامل بينهم البَيْن.
وإنَّ للحق تبارك وتعالى عناياتٍ وألطاف وملاطفات بأهل هذا الدين، وخصوصاً بواسطة أصفيائه وأوليائه والمُقربين إليه من خواصّ هذه الأمة؛ كمثل هذا السند الذي أنتم مجتمعون عليه إلى الشيخ عبد الله الرقّاني مولانا عليه رحمه الله تعالى، وسنده عن شيوخه، ومن تلقّى عنهم إلى سيدنا المصطفى محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فنسأل الرحمن أن يجعلكم مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يجري على أيديكم الخيرات الوافرات.
ونسألكم الدعاء لنا ولأحبابنا وللأمة المحمدية، وأن تمدّوا هممكم الكبيرة لمتابعة خدمة هذه المقاصد:
- من العلم النافع،
- والتزكية للنفوس،
- ونشر الخير والدعوة إلى الله تبارك وتعالى.
فهي ملخص ما قال الله عن نبيه: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).
وقال: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).
وقال: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ).
نوَّر الله قلوبكم، وزادها إشراقاً في الفهم والمعرفة واليقين، وجعلنا وإياكم من خواص الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
شكر الله تعالى لكم ولمن سعى، ونخصّ بالشكر مدير المدرسة القرآنية في محلّ الوراثة لتَرِكة هذا السيد العظيم، ومَن حضر عندكم أو اتّصل بكم خصوصاً سيدنا الحسن الأنصاري وجميع مَن والانا وواليناهم في الله تبارك وتعالى، وجميع القائمين في هذه المجالات.
فعليكم جميعاً سلام الله ورحمته وبركاته، وجمعنا الله وإيّاكم في كل مقام كريم.
والحمد لله رب العالمين.
17 ذو القِعدة 1447