وعي حكمة الخلق والتكوين وحقيقة العزة في الدارين وشرف تحقيق العبودية لرب العالمين
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في الجلسة الشهرية مع طلاب ثانوية مدرسة دار المصطفى الأهلية بتريم، ضحى يوم الخميس 21 شوال 1447هـ
وعي حكمة الخلق والتكوين وحقيقة العزة في الدارين وشرف تحقيق العبودية لرب العالمين
تضمنت المحاضرة:
- الوحي الرباني في مواجهة أطروحات الشرق والغرب
- النبي محمد ﷺ ذروة الكمال الإنساني
- سر محبة الله لنبيه ومكانته العظيمة
- ميزان العزة: هل كرامة العبد في قوته أم في ذلته لخالقه؟
- الثقة بالنفس أم الثقة بالله؟ تصحيح لمفاهيم السقوط الفكري
- انتصر على نفسك لينصرك الله
- وهم الحياة المادية الفاسدة
- كيف يحمي الصدق مع الله صاحبه من فتنة الدجال؟
- كيف تكون طالب في دار المصطفى؟
- اغتنام العمر والارتباط بذكر الله
- ماذا يفعل الصادق بين المغرب والعشاء؟
- وقفات تربوية مع سورة العصر وقانون الربح والخسارة
- كيف يحفظك الله إذا حفظته في صباك؟
نص المحاضرة:
الحَمْدُ للهِ مكوِّنِ الكائنات، (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ).
نشهَدُ أنَّه اللهُ الذي لا إلهَ إلا هو، (الخالِقُ البارئُ المُبدئُ المصور)، الذي بيدِهِ ملكوتُ كلِّ شيء، ومنه المبتدأ وإليه المرجِع والغاية والنهاية.
(وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَر وَالْأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ).
حقيقة المصير إلى الله وحده
هذهِ صِفاتُ الألوهيةِ، بعدَما بيّنَ الحقُّ أنَّنا معاشرَ الخَلْقِ ليسَ لنا إلا ما سعَينا وما بذَلنا وما اكتسبنا؛ (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ * وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ).
فنهايةُ الجميعِ -سواءٌ مَن آمَنَ به ومَن كفَرَ به، ومَن أطاعَهُ ومَن عصاهُ- المرجِعُ إليه، والعاقبةُ إليه والحُكمُ له؛ فلا مَجالَ لأن يغالِطَ أحدٌ نفسَه، (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ).
ونشهدُ أنَّه اختارَ أنبياءَ ورسلاً منَّا، فضَّلَهُم واصطفاهُم واجتباهُم وبعثَهُم إلينا رسلاً مُبشِّرين ومُنذِرين، (لِّئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).
الوحي الرباني في مواجهة أطروحات الشرق والغرب
فماذا يكونُ ما يصادِفُ فكرَ الإنسانِ في هذهِ الحياةِ من مختلفِ الأطروحاتِ المطروحةِ عليه من أهلِ الشرقِ ومن أهلِ الغربِ، أمامَ بيانٍ ربانيٍّ حمَلَهُ الأنبياء؟
أيُّها الإنسان، خُلِقْتَ من كذا ومرجِعُكَغ إلى كذا، ومقصِدُ خَلْقِكَ كذا، ويضرُّكَ كذا وينفعُكَ كذا، وسُلِّطَت عليكَ شهواتٌ وآفات، صلاحُكَ وخيرُكَ في مقاومتِها ومخالفةِ هذهِ النفسِ، في حُكمٍ عامٍّ ومصيرٍ حتميٍّ؛ (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ).
هذهِ الحقائقُ التي حمَلَها الرسلُ وبلَّغونا إياها، ماذا يقاومُها أو يكونُ أمامَها ما يدعونَ إليه كلُّ مَن خالَفَهُم مِن السَّفَلة والسَّقَطة فكراً وسلوكاً في العالم؟
يؤثّرونَ على الكثيرِ ويستجرونَ الكثيرَ إلى الأسوأ، وماذا يكون ما عندهم وأطروحاتُهُم أمامَ هذا الطرحِ الربانيِّ على أيدي المرسلين صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِم؟ (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا)، (مَن يُطِعِ الرَّسولَ فقد أطَاع الله ).
النبي محمد ﷺ ذروة الكمال الإنساني
ونشهدُ أنَّه اختارَ من بينِهِم أولي العزمِ، وهم الخمسةُ المذكورونَ في قولِهِ تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ).
ويقولُ سبحانَهُ وتعالى في ذِكْرِ هؤلاءِ الخمسةِ في سورةِ الأحزاب: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا).
كما ذكرهم أيضاً بأسمائهم هذه -سبحانه وتعالى- في سورة الشورى، هؤلاءِ الخمسةُ صفوةُ الأنبياءِ والمرسلين، أولو العزمِ من الرسلِ، وسيدُهُم مَن شُرُّفَنا به وكرُّمَنا وكنا خيرَ أمةٍ، وهو نبيُّ اللهِ وعبدُهُ وصفيُّهُ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مناف، صلى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلم، هذا الذي ارتقى ذروةَ الكمالِ الخَلْقِيِّ والإنسانيِّ كُلِّه.
الإنسانُ له كمالاتٌ تتميّزُ عن كمالاتِ بقيةِ أجناسِ الوجود؛ كل شيء له كمال، النبات له كمال، والجماد له كمال، والحيوان له كمال، على درجات، لكن كمال الإنسانِ أشرفُ وأعلى، كمالُ الإنسانِ في مَعرفتِهِ للألوهيةِ والربوبيةِ، وفي تحقُّقِهِ بالعبوديةِ، وفي وصولِهِ في المعرفةِ إلى دقائق، وفي المحبةِ من الله ولله إلى دقائقِ؛ هذا الكمالُ الإنسانيّ، الكمال الإنساني أشرفُ كمال من البقية.
سر محبة الله لنبيه ومكانته العظيمة
ولكن الكمالُ الخَلْقِيُّ كُلُّهُ الذروةُ فيهِ لمحمدِ بنِ عبدِ اللهِ ﷺ، فهو جامعُ الكمالاتِ الإنسانيةِ، صلواتُ ربي وسلامُهُ عليهِ؛ أعرَفُ الخَلْقِ باللهِ على الإطلاقِ، وأعظمُهُم إدراكاً لدقائقِ أسرارِ الوجودِ، والحكمةِ فيهِ وفي خَلْقِهِ وفي إيجادِهِ، وهو أعظمُ الخَلْقِ محبةً للخالقِ، وأوفرهُم نصيباً من محبةِ الخالقِ -جلَّ جلالُه-.
فلم يُحِبَّ اللهُ الذي خَلَقَ شيئاً من الكائناتِ والموجوداتِ كَحُبِّهِ لمحمدِ بنِ عبدِ اللهِ، وليسَ في الكائناتِ عُلويها وسُفليَّها من العرشِ وحمَلَتِهِ ومَن حولَهُ إلى تخومِ الأرضِ، ليسَ فيهِم مَن يحبُّ اللهَ كما يحبُّهُ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ﷺ، فهو أعظمُ الخَلْقِ مَحبةً للهِ، وأعظمُ الخَلْقِ محبةً من اللهِ جلَّ جلالُه.
وفي خِضَمِّ حياةِ الناسِ ومسارِهِم في الحياةِ، يختارُ الحقُّ تباركَ وتعالى بسرِّ مَحبتِهِ مَن يتّصلُ بهذا الجَنابِ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم راكِعونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).
ميزان العزة: هل كرامة العبد في قوته أم في ذلته لخالقه؟
أما بعد؛ فأمامَ هذهِ الحقائقِ وإيمانِنا بالخالقِ ورسلِهِ وكتبِهِ واليومِ الآخرِ الذي مرجِعُنا إليه، يجبُ أن ننطلقَ من هذهِ الحقائقِ انطلاقَ أهلِ العزةِ، وأهلُ العزةِ هم المؤمنونَ وحدهُم، وعزّتُهُم على قَدْرِ إيمانِهِم، وإيمانُهُم على قَدْرِ ذلّتِهِم للهِ.
ولا يفوزُ قط أيُّ مخلوقٍ كانَ إلا بحَسْبِ ذلّتِهِ للهِ، وخضوعِهِ لجلالِ اللهِ، وأدبِهِ مع اللهِ، وتحقيقِهِ العبوديةَ للهِ.
لَمَّا تكلَّمَ الكفارُ عن الملائكةِ وبعضُهُم قالَ بَنات؛ قالَ الله: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ).
وما كانَ شرف للملائكةِ إلا بعبوديتِهِم، إلا بذلتِهِم، إلا بإشفاقهم من اللهِ تباركَ وتعالى، وكذلكَ لا يمكنُ أن ينالَ الكرامةَ مخلوقٌ من غيرِ العبوديةِ للهِ والذلةِ للهِ تباركَ وتعالى؛ (إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ).
طرد إبليس بسبب الكبر والتعالي
وهذا الكِبرُ الذي هو الآفةُ الكبيرةُ، والذي هو سببُ طردِ إبليسَ بعدَ أن تظاهَرَ بالعبادةِ ورُفِع إلى السماءِ الأولى، وكانَ في السماءِ الدنيا يسجدُ في مختلفِ أماكنِها، سبعةَ آلافِ عام يسجد؛ جاءَهُ داءُ ومَرَضُ الكِبرِ، وطُرِدَ ولُعِن والعياذُ باللهِ تعالى.
هذا الداءُ نفسُهُ يشتغلُ على إيجادِهِ بينَ الناسِ ليصدَّهُم عن سبيلِهِ، ولهذا جنَّدَ أتباعَهُ لأن يُثيروا في النفوسِ دفائنَ الكِبرِ ليبعدوا عن تحقيقِ العبوديةِ، لأنَّ بالعبوديةِ للهِ نجاةَ هذا الإنسانِ، نجاةَ المكلفين بعبوديتِهِم للربِّ جلَّ جلالُهُ وخضوعِهِم وتذلُّلِهِم لهذا الإلهِ.
ما معنى الثقة بالنفس؟ تصحيح لمفاهيم فكرية
الأنبياءُ والمرسلونَ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِم جاؤونا بهذهِ الحقيقةِ وعلَّمونا إياها، لكن تجدُ في أكثرِ ما ينتشرُ الآن من تعليماتٍ هؤلاء السَقَطةِ، يغرونَ كلَّ واحدٍ أن يتكبرَ وأن يتعالى.
وشيءٌ يسمونهُ "ثقة بالنفسِ"، وشيءٌ يسمونهُ "استقلال وحرية" إلى غيرِ ذلك، لكنَّ مَضمونَ الكلامِ كُلِّهِ تَكبَّر واخْرُج عن العبوديةِ والأدبِ مع اللهِ.. هذا مَضمونُ ما عندَهُم، وهذا كلامٌ ساقطٌ فارغٌ يضحكونَ به على كثيرٍ من الناسِ.
عندنا مَعاشرَ المؤمنين ماشي "ثقةٌ بالنفسِ"ولا بغيرها، عندنا ثقةٌ بواحد اسمُه "اللهُ"، عندنا مجاهدةٌ للنفسِ، عندنا تزكيةٌ للنفسِ، نعم، ما معنى الثقة بالنفسِ؟ أن تجعل نفسَكَ إله؟ أو ترى أنَّكَ أنتَ الذي تقدِّمُ وتؤخِّرُ وترفعُ وتخفض، هذا معناه؟ ما الثقة بالنفس هذه؟ نفسك إذا أطعتَها هي التي تهوي بكَ في الهاويةِ، وهي التي تضرُّكَ، هي التي توقعُكَ في البلاءِ.
ما معنى الثقة بالنفس؟ عندنا تزكية للنفس، تطهير للنفس، إنقاذ للنفس، إصلاح للنفس، نعم، ما معنى الثقة بالنفس هذا الذي يتحدّثون عنه ؟
عندنا ثِقة بالله، وتوكُّلٌ على الله، نكونُ فيه من أقوى الناسِ وجهةً في كلِّ عملٍ تيقَّنَّا خيريّتَهُ وصلاحَهُ بميزانِ ربِّنا، نتوجّهُ إليهِ مُعتمدينَ على اللهِ؛ فلا يكونُ شيءٌ أقوى مِنَّا، لا بأنفسِنا ولا حتى بجهدِنا، ولكن باعتمادِنا على الذي بيدِهِ الأمرُ كُلُّه؛ (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ).
نحنُ نربحُ ونفوزُ إذا زكَّينا هذهِ النفوسَ، إذا طهَّرناها، إذا تخلَّصنا من شرِّها، فإنَّها بشرِّها لا عدو أعْدَى عليكَ منها، هي أعدى عدو "نفسُكَ التي بينَ جنبَيْك"، هذهِ حقيقةٌ يجبُ أن نُدركَها ونستقيها من خلالِ وحيِ اللهِ وبلاغِ رسلِهِ الصادقين، أصدقِ الخلائق، وأطهرِ الخلائق، وأعقَلِ الخلائق عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى.
بهذا ننطلقُ في حياتِنا بهذهِ النورانيةِ من وعيِ وحيِ اللهِ وبلاغِ رسلِهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِم.
انتصر على نفسك لينصرك الله في كل الميادين
ننتصرُ على أنفُسِنا، وهو مفتاحُ النصرِ على جميعِ مَن يُعادينا، وعلى جميعِ الأزماتِ التي تحصُلُ لنا أو تصادِفُنا في الحياةِ، المُنتصرُ باللهِ على نفسِهِ من أجلِ اللهِ، مُنتصرٌ في الميادينِ المختلفةِ؛ مُنتصرٌ في الوقائعِ وفي المواقفِ، وفي الشدائدِ وفي الظروفِ المختلفةِ، إذا انتصرَ على نفسِهِ فهو مَنصورٌ بنصرِ اللهِ تباركَ وتعالى.
في جميعِ مُحاولاتِهِ الخيريةِ في الوجودِ، وفي جميعِ مُقابلتِهِ لِمَن يُعاديهِ بغيرِ حَقٍّ أو يؤذيهِ بغيرِ حَقٍّ، يكونُ هو منصوراً بسبَبِ أنَّه انتصرَ على نفسِه.
فالنصرةُ على النفسِ الأمارةِ هي مفتاحُ النصرةِ التامَّةِ والدائمةِ، لأنَّه نَصَرَ اللهَ؛ الذي انتصر على نفسه نَصَر الله (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ)؛ هذا نَصَرَ اللهَ، ومَن نَصَرَ اللهَ ينصرُهُ اللهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).
فالواحدُ منكم في مثلِ هذهِ المدرسةِ مدعوٌّ لأن يرتفعَ من نصرةِ هواهُ وشهواته ونفسه، ومن الدعاةِ إلى السوءِ من أهلِ الشرقِ والغربِ، إلى أن يكونَ جندياً للهِ، ناصراً للإلهِ الذي خَلَقَهُ، ونتيجةُ ذلكَ: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).
وهم الحياة المادية الفاسدة
والذينَ أمامَكُم كُلُّهُم من المخالفينَ لأمرِ اللهِ؛ (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)، مُقوِّمينَ للناسِ مشاكلَ وآفات، فيهم الدُعاة للفسادِ وناشرينَ الشر بينَ الخَلْقِ بمختلفِ الوسائلِ، ومع ذلكَ تنتهي مراداتهُم وصراعُهُم الكبير على المالِ والسلطة، والتحكم عليها مع اتِّباعِ هذهِ الشهواتِ.
ويتنافسونَ بينَهُم البيْن؛ معسكرٌ شرقيٌّ ومعسكرٌ غربيٌّ، وعلى ضوءِ ذلكَ يُخرِّجونَ للناسِ أفكاراً ومناهجَ تلعَب بهم، والمقصودُ كُلُّهُ عندَهُم بعد ذلك: يقول دعاةُ الشرِّ والمتولون مثلاً في أمريكا: لا تزيدُ الصينُ علينا ولا تنتزعُ الهيمنةَ على العالَمِ مِن بيننا ، ويقولُ الصينيون: إلى كم يستعبدُنا هؤلاءِ؟ ونحنُ الذين عبر هذهِ الصناعاتِ والقوةِ سنستولي عليهِم ونخرجُ من قبضتِهِم...
بلوى بينَهُم البين على متاع فاني، وبَلَوا العالَمَ مَعَهُم كله ، (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي)، (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ)؛ لَعِبوا على عبادِ اللهِ وما لهُم حَقٌّ.
لكن لو وجدوا من المؤمنينَ مَن نَصَرَ اللهَ بصدقٍ ما يقدرون عليهِم، هُم الآن بجميعِ جهدِهِم هذا يضرُّونَ مَن لم يصدُق من المؤمنينَ في نصرةِ اللهِ، يضرُّونَ بعضَهُم البعضَ من الكفارِ، ويضرُّونَ ضعافَ المؤمنينَ الذينَ ما صَدَقوا في نصرةِ اللهِ تباركَ وتعالى؛ يتضرّرونَ بأفكارِهِم، يتضرّرون ببرامجِهِم، يتضرّرون بما ينشرونَ بينَ الناسِ.
كيف يحمي الصدق مع الله صاحبه من فتنة الدجال؟
وأما أهلُ الصدقِ مع اللهِ فما يصيبُهُم من شرِّهِم شيءٌ؛ لا أفلامُهُم تؤثّرُ عليهِم، ولا برامجُهُم يتبعونَها ولا تؤثّر عليهم، ولا أطروحاتُهُم الفكرية تقدَحُ في شيءٍ من حقائقِ اليقينِ النورانيِّ الذي عرَفوا به الحقيقةَ، ولا يستجيبونَ لهُم في شيءٍ من الدعواتِ إلى الفسادِ، ولا يخافونَ من تهديداتِهِم، ولا هم مرتجين شيئاً مما عندَهُم من الفانيات والحقيرات.
فهؤلاءِ هم أهلُ العزةِ، هؤلاء هم أهل العزة وهُم المنصورونَ وحدَهُم؛ (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) يقول الله تبارك وتعالى.
فالموجودونَ على ظهرِ الأرضِ من المؤمنينَ على حَسْبِ صِدقِهِم في الإيمانِ ونُصرتِهِم للرحمنِ؛ محفوظونَ من شرِّ هؤلاءِ، ولو يجيء حتى كبيرُهُم "الدجال" في آخرِ الزمانِ؛ أكبرُ فتنةٍ ما يقدِرُ على هؤلاءِ الصادقين المخلصين، يضرُّ مَن يضرُّ على حسبِ ضَعفِهِم في إيمانِهِم، على حسبِ نقصِهِم في نصرةِ ربِّهِم، ويبقى هؤلاء في قوتهم
-
ما بين مَن يقف أمامه بقوة ويتصرّف فيه ويقتله،
-
ومنهم من يرميه في صورة نار توقد وتتحوَّل إلى نهر بارد،
-
ومنهم من يفرِّون منه إلى الجبال ونحوها،
-
ومنهم مع الامام المهدي يقاتلونه،
وهؤلاء الذين فَرُّوا إلى الجبال ونحوها منهم من يرسل الله لهم الضباء بألبانها فتكفيهم تغذية في خلال مدة فتنة الدجال، وفيهم أقوى، أقوياء منهم يتحوّل ذكر الله لهم إلى غذاء لأجسادهم، فتتغذّى أجسادهم خلال المدة بذكر الله تبارك وتعالى فكأنهم ملائكة.
فإذا نزل سيدنا عيسى عليه السلام وانتهت فتنة هذا الخبيث الدجال يخبر هؤلاء -كما قال صلى الله عليه وسلم- بمنازلهم في الجنة، هؤلاء الذين صبروا في تلك الأيام وفي تلك المهنة، إذاً فهم الأعزّة وحدهم الذين لا يتضررون ولو بظهور الدجال، فضلاً عن الدجاجلة قبله وهم كثير دجاجلة يظهرون.
إذاً الذي يَسْلَم من هذه الآفات مَن صدق في نُصرة عالم الخفيات، رب الأرض والسماوات جل جلاله؛ قَوَّى إيمانه به وعمل بموجب شرعه، وقهر نفسه لذلك، وقام بالعبودية لله.
كيف تكون طالباً في مدرسة دار المصطفى؟
أنتم المطلوبُ منكم من خلالِ حضورِكُم إلى هذهِ المدرسةِ أن تَدخلوا هذا الميدانَ الرفيعَ العالي؛ ميدانَ العبوديةِ للإلهِ الحَقِّ الوالي، وتذهَبَ أمامَكُم تلبيسات مَن يريدُ نَفسَهُ قُدوةً من الفُجَّارِ والأشرارِ والكفارِ والعُصاةِ والمذنبين بأصنافهم في الأرضِ، وتعلمون أنَّهُم أهلُ سوءٍ وشرٍّ ومآلُهُم سوءُ المصيرِ.
وتثبُتَ أمامَكُم قُدوةُ الأنبياءِ، قدوة الأصفياءِ، وقُدوةُ سيدهم خيرِ أهلِ الأرضِ وخير أهل السماءِ، محمدِ بنِ عبدِ اللهِ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله؛ بذلكَ تكونَ طالباً في مدرسةِ دارِ المصطفى.
مِن دون أن تصِل إلى هذا المقامِ الرفيعِ، ما أنت طالب في دار المصطفى؛ أنتَ طالبٌ في مدرسةِ "صورة"، أنت طالب في مدرسةِ "شهادة من التربية تجيء لك ".. ما أنت في مدرسة دارِ المصطفى!
دار المصطفى؛ تكون مُتهيّئاً لاصطفاءِ اللهِ لكَ، لتكونَ من أنصارِ مصطفاه، ليكونَ هو القدوةَ الكبرى العظمى لكَ في فِكرِكَ كله، وتخيُّلاتِكَ كلها، وانطلاقِكَ في الحياةِ كلها، القدوة محمد، (لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّه) - أي: يؤمن بالله- (وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).
اغتنام العمر والارتباط بذكر الله
فالإيمانُ باللهِ واليومِ الآخرِ لا يتحصَّنُ ولا يقوى إلا بالذكر ، (وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)، أنتَ طالبٌ في دارِ المصطفى ونصيبُكَ من الذكرِ قليلٌ؟ قبلَ النومِ، وعند الاستيقاظِ من النومِ، ولا لك ورد، ولا قراءة من القرآن كل يوم؟!
لا تُضيِّع فرصتَكَ، وغنيمة المرحلةُ التي أنتَ فيها من عمرِكَ، ارتبط باللهِ وبرسولِهِ ﷺ، كُن من الذاكرينَ، ولا تَنسَ الذكرَ عندَ المشيِ، وعندَ الخروجِ من البيتِ، وعندَ الوصولِ للمدرسةِ، وعند الخروج من المدرسة، وعندَ دخولِ الفصلِ وعند الخروج من الفصل.
(وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)، (يا أيُّها الذينَ آمَنوا اذكُروا اللهَ ذِكراً كثيراً وسبِّحوهُ بُكرةً وأصيلا).
فيجبُ على كلِّ منكم أن يُدركَ من مَهمّتَهُ؛ وقد أكرَمَه اللهُ تعالى بالمجيءِ إلى هذهِ المدرسةِ التي ليسَ المرادُ منها أن تكونَ واحدة من المدارسِ المنتشرةِ في البلاد، المُرادُ منها روابط بالحقِّ ورسولِهِ، وارتقاءاتٌ في تحقيقِ العبوديةِ للهِ، وللظَّفر بالجنديةِ للإلهِ الخالقِ جلَّ جلالُهُ، استعداداً للقائِهِ، استعدادا للقائه جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
ماذا يفعل الصادق بين المغرب والعشاء؟
إذاً يجب أن تحملوا هذا الشعورَ، وأن ترتبطوا بأنواعِ الذكرِ للربِّ جلَّ جلالُه، وتقوِّموا على ذلكَ سلوكَكُم في المدرسةِ وخارجَ المدرسة.
طالبٌ في مدرسةِ دارِ المصطفى بينَ المغربِ والعشاءِ يُضيّعه في غيرِ حلقات عِلمٍ؟ في غير حلقات قرآن؟ هذا طالبٌ في مدرسةِ "دارِ الهوى" هذا طالب في مدرسة "دارِ اللعبِ" ليس في دار المصطفى!
يضيِّعُ بينَ المغربِ والعشاءِ؟ وقت من أشرفِ الأوقاتِ، لا له حلقة فيه عِلمية، لا علم، ولا قرآن، ولا ذكر في هذا الوقت الشريف؟!
وإن كان أيضاً المصيبة؛ قال لشرار أهل الأرض هاتوا برامجكم أتفرّج عليها في هذا الوقت، وراح يُقلّب جوالُه في مناظر سيئةٍ وقبيحةٍ! هذا طالبٌ في دار اللعب، هذا طالب في دار المسخرة.. ليس طالب في مدرسة دارِ المصطفى، دار المصطفى! تضيِّع بينَ المغربِ والعشاء؟! أينَك من المصطفى؟ ومن هدي المصطفى، ومن سُنة المصطفى؟ حتى تكون طالب في دار المصطفى؟!
يجبُ أن نُدرك هذهِ الحقيقةَ؛ كان الذينَ أدركوا أمامنا وقبلنا خطابَ اللهِ سبحانه وتعالى من أساتذةِ هذهِ المدرسةِ كانوا يقولون: "الكنوزُ كُلُّ الكنوزِ فيما بينَ المغربِ والعشاءِ".
وقبلهم الذي تربى على يد النبي سيدُنا أنسٌ يقولُ في قولهِ تعالى: (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) قال: فيما بينَ المغربِ والعشاءِ.
في أواخرهم سيدُنا الحبيبُ علويُّ بنُ شهابٍ يقول: لو أنَّ عمارةَ ما بينَ المغربِ والعشاءِ بالخيرِ والذِكرِ والقراءة والتلاوة فرضاً من اللهِ علينا فرضه ما عاد يزيدَ على ما نحن فيه، ما نقدر أن نزيد شيء على ما نحن فيه، لو كان فرض هو نفسه، لا نقدر أن نزيد شيء.. من اهتمامِهِم بهذا الأمرِ.
وقفات تربوية مع سورة العصر وقانون الربح والخسارة
إذن أنتم يجبُ أن تَصعدوا لتَسعدوا، يجب أن ترتفعوا إلى فوق، لا تكونون عُرضةً لهذهِ النفوسِ وما تُغرى بهِ من أطروحاتِ الفُساقِ! أمامَكُم وحيٌ من الرحمنِ نزل حمَلَهُ المرسلونَ إلى خاتمِ الرسلِ ﷺ الذي شُرِّفتم به.
فتحرَّكوا للاتصالِ الخاصِّ بهذا الخيرِ وهذا النورِ وهذا الهدى؛ لتكونوا من جُندِ اللهِ تباركَ وتعالى، ويخرج من أفكارِكُم ويتلو ذلك من صفوفكم ومنازلكم كلُّ غفلةٍ وكلُّ قاطعٍ عن اللهِ وعن رسولِهِ، وكلُّ مُوقِعٍ في موجبِ الشقاءِ أو الخُسرانِ.
وكلُّكم تسمعونَ قولَ الإمامِ الشافعيِّ: أينَ الناسُ من هذهِ السورةِ؟ لو تأمَّلوها لكَفَتْهُم؛ سورةِ العصرِ. قسَمَ الحقُّ تعالى: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، غير هؤلاء من لم يتَّصِف بهذه الأوصاف -سواء أصحاب شركات، أو أصحاب مؤسسات، أو أصحاب وزارات، شعوب أو حكومات- خاسرون، خاسرون، خاسرون-؛ نهايتهم الخسر يكونوا من يكونوا.
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بالصبر)؛ هم وحدَهُم الناجونَ من الخُسر والظافرونَ بالخيرِ والأجر والحلول في دارِ الكرامة ومُستقرّ الرحمة، في المصير الكبير الذي هو مُقبل علينا.
كيف يحفظك الله إذا حفظته في صباك؟
شرحَ اللهُ صدورَكُم، نوَّرَ الله قلوبَكُم، وقوَّى الله عزائِمَكُم.
جدِّدوا عَزمَكُم في صِلَتِكُم باللهِ من خلالِ حالِكُم في المدرسةِ وخارجِ المدرسة، وفي بيوتِكُم وصِلتكم، تترجِم صِلتَكُم بهذا الإلهِ الحقِّ الذي خلَقَكُم، ودعونا نتعلمُ العبوديةِ؛ قال سيدنا أعقل الخلق وأقربهم للحق: "إنَّما أنا عبدٌ، أجلِسُ كما يجلِسُ العبدُ، وآكُلُ كما يأكُلُ العبدُ"، صلى الله وسلم وبارك عليه، وهو خيرُ العبيدِ، وسيدُ أهل حقيقةِ التوحيدِ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ونِعمَ القدوة لنا.
وكُلُّ ما خالَفَ ذلكَ مِمَّا يُطرَحُ عليكُم يضرُّكُم لا ينفعُكُم، يخفِضُكُم لا يرفعُكُم، يشقيكم لا يسعدُكُم، الرفعةُ والسعادةُ والنفعُ فيما أوحى اللهُ، فيما أنزل الله في اتّباعِه، فالله يُحرِّكُ منكم الهِمم والعزائم لتصدقوا مع هذا الإلهِ الخالق.
وتأخذوا في أيامِ شبابِكُم هذا النصيبَ الذي يتميَّزُ الشابُّ إذا صَدَقَ فيه مع اللهِ، الذي يتأخَّر في تكاسله وتخاذله إلى أن يكبر وبعد ذلك يقول "آه"!
"فَضْلُ الشابِّ العابِدِ الذي تَعَبَّدَ في صِبَاهُ، على الشيخِ الذي تَعَبَّدَ بَعْدَمَا كَبُرَتْ سِنُّهُ، كفَضْلِ المُرْسَلِينَ على سائِرِ الناسِ"، كالفرق بين الرسل وسائر الناس، الشابُّ الذي في أيام شبابه يدركُ الحقيقةَ ويتّصلُ بربِّ الخليقةِ، يستمسكُ بالعروةِ الوثيقةِ، لا تغلِبُهُ نفسُهُ ولا هواهُ ولا شهواته، مُستعيناً باللهِ فيُعينُه.
"يا غلامُ إني أُعلِّمُكَ كلماتٍ: احفظِ اللهَ يحفظكَ، احفظِ اللهَ تجدهُ تجاهكَ، تعرَّف إلى اللهِ في الرخاءِ يعرفكَ في الشدةِ"، ونِعم بالله.
أكثِروا ذِكرَهُ واصدقوا معَهُ، وصَلِّحوا نياتِكُم في مجيئِكُم للمدرسةِ كل يوم، وإذا كانَ الحمد لله مظهرُكُم وزيُّكُم وثيابكم نبوية، فلْتكن أفكارُكُم نبوية وأخلاقكم نبوية ومقاصدكم نبوية.
الله يعينكم على ذلكَ، ويوفّقكم للسلوكِ في أشرفِ المسالكِ، ويدفع عنَّا موجباتِ الزيغِ والمهالكِ في الدنيا والآخرةِ، بسرِّ الفاتحةِ إلى حضرةِ النبيِّ محمد.
16 ذو القِعدة 1447