من أسباب انفتاح أبواب الفهم لمعاني القرآن الكريم
كلمة موجزة تتضمن توجيهات قرآنية قيمة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ قبل ختم القرآن الكريم الأسبوعي في دار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية. بعنوان:
من أسباب انفتاح أبواب الفهم لمعاني القرآن الكريم
الخميس 14 شوال 1447هـ
الاتصال بالله عبر الكتب المنزلة والقرآن الكريم
في كُتُبِ اللهِ سُبحانه وتعالى التي أنزلَها على أنبيائِهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِم لأُمَمِهِم؛ اتصالٌ خاصٌّ بالحقِّ تعالى عبرَ هؤلاءِ الأنبياءِ بواسطةِ الوحيِ والتنزيلِ، الذي نَزَلَ عليهِم في تلكَ الكُتبِ.
وخُصِّصْنا بأعظمِ الكُتبِ الذي قالَ عنهُ الربُّ سُبحانه وتعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وقال في آياتٍ كثيرةٍ: تنزيل عليك وعليه، وقال: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ)، وقال: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ)، وقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا).
فارتبَطَ بذاتِهِ الكريمةِ معاني التنزيلِ والنزولِ على القلبِ الشريفِ، والوحيِ إليهِ عليه الصلاة والسلام؛ فكان لأُمَّتِهِ أقوى اتصالٍ باللهِ تعالى عبرَ هذا القرآنِ الذي أُنزِلَ عليهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أسباب انفتاح أبواب الفهم لمعاني القرآن
ولكن على حَسَبِ قوَّةِ يقينِهِم، ثمّ حُسنِ انقيادِهِم واتِّباعِهِم، ومع التعظيمِ والمحبَّةِ والشوقِ؛ على قَدْرِ ذلك يكونُ انفتاحُ أبوابِ الفهمِ لمعاني القرآنِ، وحصولُ الفتحِ فيهِ، وانفساحُ المجالِ في معانيهِ، والارتقاءُ بمراقيهِ.
فقوَّةُ اليقينِ أنَّهُ مِن عندِ اللهِ تبارك وتعالى، ثُم مِن التعظيمِ الذي يَلزمُ منهُ حُسنُ الإصغاءِ والاستماعِ لآياتِ هذا الكتابِ، ثم مُخاطَبةُ النفسِ بالعملِ والتطبيقِ لِمَا في هذا الكتابِ.
يُقابِلُها بالنسبةِ للجَنابِ النبويِّ: اليقينُ التامُّ بأنَّهُ رسولُ ربِّ الأنامِ، وأنَّهُ للأنبياءِ قُفْلٌ وخِتامٌ ﷺ.
ثم قوَّةُ المحبَّةِ والشوقِ والتعظيمِ لهُ، ثم حُسنُ الاتِّباعِ والعملِ بِسُنَنِهِ ﷺ.
لذة تلاوة القرآن وحلاوته المستمرة
ما تجتمِعُ هذهِ الخِصالُ إلَّا وحَصَلَ الانفتاحُ لأبوابِ الفهمِ في القرآنِ، وحَصَلَ أيضاً الانفساح في إدراكِ معانيهِ وجمالِهِ وكمالِهِ وحلاوتِهِ ولذَّتِهِ، وذوقِ تلكَ اللذَّةِ والحلاوةِ بالقرآنِ الكريمِ؛ التي قال عنها سيِّدُنا عثمانُ: "لو طَهُرَت قلوبُنا ما شَبِعَت مِن كلامِ اللهِ".
وقال سيِّدُنا محمَّد جَمَلُ الليل بن حسن المعلم: إنِّي إذا قرأتُ القرآنَ أَجِدُ طَعمَ العَسَلِ في فمي، ويَذهَبُ عنِّي كلُّ جوعٍ وكلُّ ظمأٍ، بتلاوةِ القرآنِ.
فلا بُدَّ مِن صِلَتِنا بالقرآنِ، وهو المُعجزةُ الدائمةُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهو الذي مُستمرٌّ تَنَزُّلُهُ مع انقطاعِ نُزولِهِ.
وكان آخِرُ آيةٍ نزلَت على نبيِّنا ﷺ قَبلَ وفاتِهِ بتِسعِ ليالٍ، آيةٌ مِن سورةِ البقرةِ أَمَرَهم بوَضعِها في مَحلِّها: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).
وانقَطَعَ نُزولُ القرآنِ، لكن بَقِيَ تَنَزُّلُهُ فيما يُفتَح ويُفسَح؛ ما يُفتَح مِن أبوابِ الفهمِ فيهِ، ويُفسَح في معانيهِ، وذَوقِ حلاوتِهِ، إلى غيرِ ذلكَ مِن الارتقاءِ بمراقيهِ.
الارتقاء في درجات الجنة بتلاوة القرآن
وفي الإشارةِ إلى هذا الارتقاءِ ما جاءَ في الحديثِ: "أنهُ يُقالُ لقارئ القرآنِ -يعني حافِظَهُ- يومَ القيامةِ إذا دَخَلَ الجنَّةَ: اقرَأ وَارْقَ ورَتِّل كما كُنتَ تُرَتِّلُ في الدُّنيا، فإنَّ منزِلتَكَ عِندَ آخِرِ آيةٍ تَقرَؤُها".
فكلَّما قرأَ آيةً ارتفَعَ منزلةً، ما بينَ المنزلةِ والمنزلةِ كما بينَ السماءِ والأرضِ، وهكذا، فينتَهي بهِ القرآنُ إلى الفردوسِ الأعلى إذا قرأَهُ كُلَّهُ، إذا كان مِمَّن يقومُ بحقِّهِ في أيَّامِ كان في الدُّنيا، ففيهِ رُقِيٌّ.
وهذا الرُّقِيُّ الذي ينجلي في الآخِرةِ بالارتقاء في درجاتِ الجنَّةِ، أساسُهُ ومُقدِّماتُهُ في الدُّنيا؛ يَحصُلُ رُقِي وارتقاءُ لقارئ القرءانِ في فَهمِ المعاني، وفي ذَوقِ الحلاوةِ، وفي أنواعٍ مِن الشهودِ عِندَ تلاوةِ القرآنِ.
التدبر والعمل بالقرآن
فاللهُ يُوفِّرُ حظَّنا مِن القرآنِ وسِرِّ القرآنِ، والعملِ بِما في القرآنِ.
وتطلُّباً لكُلِّ ذلك؛ نَحضُرُ الختمَ مُوقِنينَ أنَّهُ كلامُ ربِّنا جَلَّ جلالُهُ، مُعظِّمينَ لهُ، مُصغينَ مُنصتينَ، ناوينَ العملَ بمُقتضى هذهِ الآياتِ،
مِن عِندِ سورةِ الضحى إلى سورةِ الناسِ حبلٌ متينٌ يَكفُلُ للمُتمسِّكِ بهِ للوصولَ إلى اللهِ تبارك وتعالى، وللارتقاء في رفيعِ مراقي الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ والمعرفةِ الخاصَّةِ والمحبَّةِ الخالصةِ، وذلكَ فضلُ اللهِ يُؤتيهِ مَن يشاءُ.
فنجتمِعُ كُلُّ بضعةِ نفرٍ مِنَّا على تدبُّرِ هذهِ السُّوَرِ، وعلى الإقبالِ عليها بالتعظيمِ ونِيَّةِ العملِ بِما فيها.
رَزَقَنا اللهُ وإيَّاكُم نورَها وسِرَّها وبركتَها وخيرَها الواسعَ الذي لا نهايةَ لهُ، إنَّهُ أكرمُ الأكرمينَ.
05 ذو القِعدة 1447