واجب وحاجة الأمة إلى وعي خطاب الله وفقه شرعه وخدمة تبيينه ونشره
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، في الجلسة الختامية للمؤتمر العلمي الدولي، بعنوان: "قضايا مستجدة في بيوع الآجال"، في كلية الشريعة والقانون -جامعة الأحقاف، بعنوان:
واجب وحاجة الأمة إلى وعي خطاب الله وفقه شرعه وخدمة تبيينه ونشره
ليلة الإثنين 3 ذو القعدة 1447هـ
نص المحاضرة مكتوبة:
شكر الله على تيسير جهود خدمة الشريعة
الحمدُ لله على ما يسَّرَ وسهَّلَ ودبَّرَ، في مجالِ خدمةٍ مِنْ خدمة دينَه الحنيف، وشرعه الشريف، وسُنَّةَ رسولِهِ المصطفى الكريمِ، عليهِ أفضلُ الصَّلاةِ وأزكى التسليمِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ وتابعيهِم على الهدى المستقيمِ، وآبائِهِ وإخوانِهِ من الأنبياءِ والمُرْسَلينَ؛ ألسُن البلاغِ عن اللهِ لهدايةِ الخَلْقِ وتكميلِ معاشِهِم ومعادِهِم، وعلى آلهم وصحبهِم وأتباعِهِم، وعلى الملائكةِ المُقرَّبينَ، وعلى جميعِ عبادِ اللهِ الصالحينَ.
ونُكرِّرُ ثناءَنا وحمدَنا وشكرَنا للهِ على ما أَنْعَمَ ويسَّرَ من هذه الوجهاتِ والتواصلاتِ في خدمةِ الشَّرعِ المصونِ، وتَرِكَة الأمينِ المأمونِ؛ لتأخذَ نصيبَها مِن واجبِ العنايةِ في الضمائرِ والعقولِ والأفهامِ، وفي واقعِ التعامُلِ في الحياةِ وما يجري فيها، وما يترتبُ عليها من العلائقِ بين الخلائقِ على شَرعِ خالقٍ جلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاهُ.
المعاملات المالية وسيلة لتعزيز التعارف والتآلف (آية المداينة)
خَلَقَنا من ذَكَرٍ وأُنثى وجَعَلَنا شُعوباً وقبائلاً لنتعارَفَ، ومِن أسبابِ التَّعارُفِ بل والتَّآلفِ؛ وجودُ هذه المعاملاتِ والمبايعاتِ والمُجارباتِ والمدايناتِ.
وقد افتُتِحَتْ جلسةُ الافتتاحِ بآيةِ المداينةِ، وهي أطولُ آيةٍ في القرآنِ الكريمِ، تتعلقُ بعنايةِ الحقِّ تعالى بتوضيحِ أصولِ التَّوثُّقِ والتوثيقِ؛ للبعدِ عن ما يَتطرَّقُ من النسيانِ والخَلَلِ في الأذهانِ حتى لا يضيعَ حقٌّ لإنسانٍ.
ورتَّبَ سبحانَهُ وتعالى في ذلك الترتيبَ الكبيرَ، وأتبعَها بآيةِ الرَّهْنِ: (وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ) وفي رواية: (فَرُهُنٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ).
التحذير من كتمان الشهادة وأثره على القلب
وحذَّرَ من كتمانِ الحقيقةِ بأيِّ دافعٍ وبأيِّ داعٍ؛ خوفاً أو مداهنةً أو لتحقيقِ مصلحةٍ: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ).
(آثِمٌ قَلْبُهُ)؛ يعني بالَغَ في الإثمِ إلى الغايةِ، وإذا بَلَغَ الإثمُ القلبَ فالجسمُ كُلُّهُ مأثومٌ وعَاصِي، (فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)؛ لأنَّ أداءَ الشَّهادةِ متعلقٌ أيضاً بأمرٍ قلبيٍّ فيه الذِّكْرُ لِمَا كانَ، وفيه أداءُ الأمانةِ والحراسةُ للحقوقِ، (وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) جلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاهُ.
مقترح لإنشاء برامج معاملات شرعية
فبحمدِ اللهِ تعالى استمعنا إلى هذه التقريراتِ والتوصياتِ وينفعُ اللهُ بها.
وفي مجالِ ما يتعلقُ بالصيغ للعقودِ، نعم؛ يُقترحُ أيضاً أن يكونَ للمهتمينَ بهذا الأمرِ وضعُ صيغ في "برنامجٍ" تكونُ، يمكنُ أن ينتفعُ بهِ كُلُّ مَنْ يُقْبِلُ أو يتقبَّلُ من أصحابِ المعاملاتِ، تُخرِجُهُم من المخالفاتِ الشرعيةِ الموجودةِ بصيغٍ صحيحةٍ مطابقةٍ لِلشَّرعِ، تحفظُ الحقوقَ من كلِّ جانبٍ.
يُراعونَ فيها الجوانبَ الفقهيةَ والجوانبَ التي تعودُ بالنفعِ على الأطرافِ المختلفةِ مع موافقةِ الشَّرعِ المصونِ، فيمكنُ تحريرُ ذلك وجَعْلُهُ في برامجَ جاهزةٍ ينتفعُ بها أربابُ المعاملاتِ هذه والمصارفِ والأماكنِ التي تتعاملُ ببيوعِ الآجالِ وغيرها، فتُخرِجُهُم من هذا بتحضيرِ شيءٍ يكونُ متكاملاً متيسِّر تناوُله، ينقلُهُم من كُلِّ ورطاتِ المخالفةِ لِلشَّرعِ في هذه المجالاتِ.
أمانة العلماء في حماية المنهج
والأمرُ كما ذكرنا من أيامِ افتتاحِ المؤتمرِ؛ أنه محتاجٌ إلى وعيٍ وإدراكٍ أننا أمامَ أمانةٍ على ظهرِ هذه الأرضِ في حفظِ منهجِ ربِّ السَّماءِ والأرضِ، والعملِ بهِ، وحُسْنِ عَرْضِهِ لِمَنْ حوالَينا.
والأمرُ فيه كما أيضاً في الإشارةِ في بعضِ فقراتِ هذه التوصياتِ؛ لا يُمكنُ أن يتمَّ إلا من خلالِ تعاونٍ متكاملٍ ما بين المؤسساتِ والهيئاتِ والجهاتِ الرسميةِ والعلماءِ، وجانبِ الوعظِ والإرشادِ وإحياءِ مَوَاتِ الضمائرِ ومَوَاتِ القلوبِ، وإرواءِ ظمأها الشديدِ الذي جعلَها على شفا الهلاكِ من التعدّي لحدودِ اللهِ تعالى، والتساهلِ بأوامرِ اللهِ تبارك وتعالى، بل القفز على الرِّبا الذي أُوذِنَ أصحابُهُ بالحربِ.
خطورة انتشار الربا وغباره
وآيةُ المداينةِ جاءت بعد آيةِ الرِّبا، بعد آيةِ الرِّبا وبعد التذكيرِ بالمصيرِ والدارِ الآخرةِ: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ).
ويقولُ ﷺ: «الرِّبا بضعٌ وستون شُعبةً، أدناها مثلُ أن يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ»، أدنى واحدةٍ في الإثمِ والمعصيةِ مِثلُ قَباحةِ وجريمةِ أن يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى، هذا أدناها فكيفَ بغيرِها؟
وبذلك لم نجدْ في الكتابِ والسنةِ إعلاناً للمحاربةِ إلا لِصنفينِ: صِنفِ الرِّبا وصِنفِ المعادينَ للأولياءِ:
- ففي الكتابِ إعلانُ الحربِ على أهلِ الرِّبا بقولِهِ: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ).
- وفي السنةِ إعلانُ الحربِ على مَنْ يعادي أولياءَ اللهِ فيما روى البخاريُّ في صحيحِهِ، قال: «مَنْ عادى لي ولياً فقد آذنتُهُ بالحربِ».
وإذا كانَ الأمرُ مُحارَبٌ من قِبَلِ الجبَّارِ الفعَّالِ، فمَنْ ذا الذي ينفعُ؟ مَنْ ذا الذي يفيدُ؟ وأيُّ شيءٍ يمكنُ أن يتحقّقَ في استقرارٍ أو أمنٍ أو صلاحٍ أو طمأنينةٍ؟ كيفَ يتمُّ ذلك؟ بل الأمرُ أبعدُ من ذلك؛ من حورِبَ من قِبَلِ الجبَّارِ مَنْ يأتي لهُ بحُسنِ الخاتمةِ؟ مَنْ يحفظُ قلبَهُ عند نزعِ الرُّوحِ؟ على أيِّ حالٍ يموتُ؟ كيف يلقى اللهَ وربُّ العرشِ يُحارِبُهُ؟ فمَنْ لهُ؟ ومَنْ يقومُ لهُ؟
وبذا وجدنا أنَّ أعداءَ الكُفْرِ نَشرتْ بيننا الخصلتينِ هذه بقوةٍ في الأعصُرِ الأخيرةِ؛ ونشرتِ الرِّبا حتى تحقَّقَ تحذيرُهُ ﷺ وتنبيهُهُ بقولِهِ: «يأتي على الناسِ زمانٌ لا يبقى فيه أهلُ بيتٍ إلا أكلوا من الرِّبا، فمَنْ لم يأكلْهُ أصابَهُ من غُبارِهِ»، صَدَقَ صلى الله عليه وسلم.
وعُمِلَ بالرِّبا الصريحِ الخالصِ بجوارِ المساجد في العالمِ الإسلاميِّ والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى، وَصَلَ الناسُ إلى هذا الحالِ، وانتشرَ معاداةُ أولياءِ اللهِ أحياءً وأمواتاً، حتى على وسطِ المساجدِ ووسطِ المحاضراتِ وما إلى ذلك.
فما نرى ما هو في العالمِ مِن تخبُّطٍ وضياع إلا نتيجةُ حرب! مَنْ كانَ اللهُ يُحارِبُهُم؛ كيف تستقرُّ أوضاعُهُم؟ كيف تستقرُّ أمورُهُم؟ وإذا أعلنّا الرِّبا ومعاداةَ أولياءِ اللهِ تعالى كيفَ يستقرُّ الوضعُ أو كيف يكونُ؟
تحكيم الشريعة طريق إنقاذ الأمة
فلا بدَّ من التطهرِ من موجباتِ الهلاكِ، وحربُ الجبَّارِ لا يُطاقُ، ولا أحدَ يُطيقُ حربَ اللهِ جلَّ جلالُهُ: (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ)؛ اعلموا بحربٍ من اللهِ ورسولِهِ.
إذاً السعيُ وراءَ إقامةِ هذا المنهاجِ والشريعةِ إنقاذٌ كبيرٌ، إنقاذٌ كبيرٌ لِلأمةِ من بلاء في الحالِ وسوءِ المصيرِ.
بذلك من خلالِ هذه المسائلِ ثم ما تعلَّقَ بها، ثم عمومُ الشَّرعِ المصونِ يجبُ أن يَحِلَّ مكانَهُ في الهيبةِ والتعظيمِ في الصُّدورِ، وحُسْنِ العملِ بهِ ونشرِ ذلك، وإيقاننا أنَّ الأمةَ محتاجةٌ إليه؛ أمةَ الإجابةِ من المسلمينَ وأمةَ الدعوةِ من غيرِ المسلمينَ، هُم محتاجون لِشَرعِ اللهِ: (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ!
العدل النبوي للمسلم وغير المسلم
ولذا كان في ثقافةِ الصحابةِ وعقلياتِهِم لَمَّا وَعَوا دعوةَ رسولِ اللهِ ﷺ وما جاءَ بهِ من خَتْمِ النبوةِ قالوا: "اللهُ ابتعثنا"، يقولُ ربعيُّ بنُ عامرٍ: "اللهُ ابتعثنا"، أي: مرجعيتُنا في القيامِ بهذه الخدماتِ ربُّ العرشِ، الأمرُ أكبرُ من مستوى المخلوقينَ.
"اللهُ ابتعثنا لِنُخرِجَ العبادَ من عبادةِ العبادِ إلى عبادةِ ربِّ العبادِ، ومن جَوْرِ الأديانِ إلى عَدْلِ الإسلامِ": مشيراً إلى أنَّ مختلفَ الأديانِ لها مَزالِق في الخروجِ عن العدلِ، إلا مَنْ كملَ إيمانُهُ من المؤمنينَ وحَكَّمَ شرع الله هو الذي يقومُ بالقسطِ والعدلِ: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).
(وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)؛ بين الناسِ، ليس بين المسلمينَ، بين الناسِ! ومَنْ يتحاكمْ عندَهُ من أهلِ الكتابِ من اليهودِ والنصارى قال له: (احْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
وبهذا تَعجَّبَ حتى يهودُ خيبرَ؛ سمعوا قولَ سيدنا عبد الله بن رواحةَ، وجاؤوا يعرضون عليهِ بعضَ المالِ وحاولوا يوصلون للنبيِّ ﷺ خبرٌ لأجل عسى أن يؤثِّرُ عليهِ، وعرضوا عليهِ بعضَ المالِ من شأنِ لمَّا يُقدِّرُ الخَرْصَ لِثَمَرِ النخيلِ يُنقص قليلاً عليهِم.
فلما عرضوا عليهِ بعضَ المالِ قالَ: "أتَرْشُونني لأخون الله ورسوله؟ واللهِ لقد جئتُكم من عندِ أحبِّ الناسِ إليَّ -وهو رسولُ اللهِ- ولأنتم أبغضُ إليَّ من عِدَّتِكم من القردةِ، وواللهِ لا يحملني حُبِّي إياهُ وبغضي لكم أن أزيدَ في التقديرِ حَبَّةً ولا أنقُصَ حَبَّةً"! سمعوا بعضَ علمائِهِم وهو يتكلمُ بهذا، قال: بهذا العَدْلِ قامتِ السَّماواتُ والأرضُ، بهذا العَدْلِ قامتِ السَّماواتُ والأرضُ! وهو الذي حَمَلَهُ محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وجاءَ بهِ إلينا.
تعظيم الخطاب الإلهي في الصدور
فالحمدُ للهِ على قيامِ هذه المؤتمراتِ، وهذا التفكيرُ الذي هو جزءٌ من حاجةِ الأمةِ الشديدةِ إلى حُسْنِ الرَّجعةِ لِوعيِ خطابِ ربِّ الأربابِ.
طالما استمعتِ الألسنُ لِخطابٍ فاسقٍ وتافهٍ وبعيدٍ وساقطٍ، ومؤسساتٍ وهيئاتٍ شرقيةٍ وغربيةٍ، قَصُرَ ونَقَصَ إصغاؤها لِخطابٍ من فوقُ؛ خطابِ الجبَّارِ، والإصغاءُ له والإذعانُ، وحُسْنُ التأمُّلِ لِمَا قالَ.. قَصُرَ خطابَهُ، وبهذا التقصيرِ نالَهُم التقصيرُ في أحوالِهِم وأذواقِهِم وفي سلوكِهِم ومعاملاتِهِم.
فلا بدَّ من إعادةِ تعظيمِ الحقِّ ومعنى شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ، ومعنى التسبيحِ والتحميدِ والتكبيرِ بتعظيمِ الخطابِ والإصغاءِ لهُ، وحُسْنِ النظرِ فيهِ والانقيادِ والإذعانِ لهُ.
نزاهة العلم والتحرر من التبعية
والأمرُ كما جاءتِ الإشارةُ أيضاً سابقاً؛ الذينَ يدَّعونَ خدمةَ هذا الدِّينِ، منهم المخلصونَ الصادقونَ، والذينَ لا يعتبرونَ أمامَ خطابِ اللهِ ورسولِهِ مكاناً لأنفسِهِم ولا لغيرِهِم من أهلِ المشارقِ والمغاربِ، وهُم وحدهم الذينَ يُؤجَرونَ والذينَ يَعظُمُ قدرُهُم عند اللهِ تبارك وتعالى.
منهم لا تزالُ مؤثِّراتٌ عليهِ؛ تبع الهيئةِ الفلانيةِ، تبع المؤسسةِ الفلانيةِ، تبع الدولةِ الفلانيةِ، تبع الحكومةِ الفلانيةِ، تبع الحزبِ الفلانيِّ، ويدَّعي أنه يَحكُم بالدِّين! ولكنْ أمامَ النصوصِ وأحياناً تكونُ واضحةً؛ إرادةُ الخدمةِ لهذا الاتجاهِ أو لهذا الشَّخصِ، أو لهذا وهذا.. تطغى عليهِ، فلا يمكنُ أن يُؤمَنوا على دينِ اللهِ تبارك وتعالى ولا يأتي منهم.
أهمية الإسناد في حماية الدين من التحريف
ولهذا جاءنا في صحيحِ مسلمٍ ثقافةُ سادتِنا التابعينَ المُتلَقِّينَ عن الصحابةِ؛ ابنُ سيرينَ عليهِ رحمةُ اللهِ تبارك وتعالى، وسيدُنا أيضاً عبدُ اللهِ بنُ المباركِ؛ أحدهما يقولُ: «إنَّ هذا العِلْمَ دِينٌ فانظروا عَمَّن تأخذونَ دِينَكُم»، ويقولُ الآخرُ: «الإسنادُ من الدِّينِ، ولولا الإسنادُ لقالَ مَنْ شاءَ ما شاءَ».
إذا انقطع حبل الاتصالِ بالسَّنَدِ، وتقييد نظرِنا إلى النصوصِ بالأسُس والأصول التي مضى عليها الصادقونَ من الصحابةِ والتابعينَ، فإننا سَنَلْعَبُ بنصوصِ ربِّنا كما لَعِبَتِ اليهودُ والنصارى بنصوصِ التوراةِ والإنجيلِ والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى.
ولولا حفظُ اللهِ تخصيصاً لهذا الكتابِ لكانَ قد بُدِّلَ وحُرِّفَ الكثيرُ منهُ، ولكن لا يقوى على ذلك أحدٌ في أصلِ النصِّ، ولْيَلْعَبْ مَنْ يَلْعَبُ بفكرهِ أو بتأويلهِ، أو بتعدِّيهِ لِلحَدِّ، وعليهِ المُخاطبة ولينتظر النتيجةَ لذلك والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى.
و «لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرينَ على الحقِّ»، و «يَحملُ هذا العِلْمَ من كُلِّ خَلَفٍ عُدولُهُ؛ ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ، وانتحالَ المُبطلينَ، وتأويلَ الجاهلينَ»؛ ثلاثُ مشاكلَ تصادفُ الأمةَ، ذَكَرَ النبيُّ أنَّ اللهَ يُسخِّرُ في الأمةِ عُدولاً من كُلِّ خَلَفٍ يَسُدُّونَ هذه الثغراتِ لِلمستبصرِ والمُتنوّرِ والمُتذكّرِ؛ فلا يُؤثِّرُ عليهِ تأويلُ الجاهلينَ، ولا انتحالُ المُبطلينَ، ولا تحريفُ الغالينَ، ويُبصِرُ النصَّ بمُرادِ اللهِ ومُرادِ رسولِهِ على وجهِهِ الصحيحِ، فيمشي في المنهجِ المليحِ، وذلك فضلُ اللهِ على هذه الأمةِ.
الختام والدعاء
شَكَرَ اللهُ لِجامعةِ الأحقافِ، ولِكليةِ الشريعةِ في جامعةِ الأحقافِ والقائمينَ عليها، والسيد عبد الله بن محمد باهارون والقائمينَ على الجامعةِ، والقائمينَ على هذه الكليةِ، والقائمينَ على هذا المؤتمرِ، والمشاركينَ فيهِ من الداخلِ والخارجِ.
ونظرَ اللهُ إلى قلوبِنا وقلوبِ الأمةِ وقَلَّبَها في خيرِ ما يحبُّ كما يحبُّ، مغتنمينَ لبقيةِ الأعمارِ، مُستعدينَ لِلقائِهِ على خيرِ ما يُحبُّهُ وهو راضٍ عنا، إنه الكريمُ الغفَّارُ.
وأَنقذَ اللهُ الأمةَ وكشفَ الغُمَّةَ، وعاملَ بمحضِ الجودِ والرحمةِ، والعفوُ منكم، والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ.
04 ذو القِعدة 1447