الاجتماعات في الدنيا ونتائجها يوم الجمع الأكبر وميزان العلائق والروابط
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في حوطة النور، بمنطقة القطن، وادي حضرموت، ليلة الإثنين 10 ذي القعدة 1447هـ بعنوان:
الاجتماعات في الدنيا ونتائجها يوم الجمع الأكبر وميزان العلائق والروابط
تضمنت المحاضرة:
- الاستعداد للاجتماع الأكبر.
- ثلاثة أصناف يوم القيامة.
- كيف تحدد مجالسُ الدنيا مصيرَ الإنسان في الآخرة؟
- العلم النافع الذي يورث الخشية، لا الجدل والخصومة.
- لماذا لا ينبغي التفريط في مجالس الذكر؟
- محبة آل البيت مسلك قرآني وسُنّي سار عليه الصديق والفاروق.
- من يعلّمك السبّ واللعن والتكفير لا يقودك إلى الله.
- “هلّا شققتَ عن قلبه؟” قاعدة نبوية في الحفظ من سوء الظن.
- مكر الشيطان بالتحريش بين المؤمنين.
- خطورة الشحناء وقطيعة الرحم وعقوق الوالدين.
- فضل المتحابون في الله.
نص المحاضرة:
الاستعداد للاجتماع الأكبر
الحمدُ للهِ الخالِقِ الواحِدِ الأحدِ، الَّذي اقتَضَت سُنَّتُهُ وإرادَتُهُ أن يَجعَلَ في هذا العالَمِ، وفي أيَّامِ عُمرِ المُكلَّفِينَ في الدُّنيا، اجتِماعاتٍ ولِقاءاتٍ وعَلائِقَ كذلكَ.
ثمَّ كتَبَ الجَمعَ الجازِمَ الحازِمَ اللَّازِمَ لِلجَميعِ في يَومٍ لا يُغادَرُ فيهِ أحَدٌ، ولا يُترَكُ فيهِ أحَدٌ، ولا يُهمَلُ فيهِ أحَدٌ، لا يُنسَى فيهِ أحَدٌ: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) ، (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ).
ثلاثة أصناف يوم القيامة..
ثمَّ إنَّهم في ذاكَ الِاجتِماعِ يَتَحوَّلونَ إلى ثلاثِ فِرَقٍ:
- فِرقةٌ عالِيَةُ القَدرِ إلى الأبَدِ، عَظيمةُ المَنزِلةِ عِندَ الواحِدِ الأحدِ، هم (السَّابِقُونَ الْمُقَرَّبُونَ).
- وفِرقةٌ يَنجونَ مِنَ الخُلودِ في النَّارِ أو مِن دُخولِ النَّارِ، ويَحِلُّونَ في الجَنَّةِ دُونَ المَنازِلِ العُلَى، دُونَ عِلِّيِّينَ ودُونَ المَزيدِ ودُونَ الفِردَوسِ، هؤلاءِ أصحابُ اليَمِينِ كما سمَّاهُم القُرآنُ.
- والصِّنفُ الثَّالِثُ: يَجمَعُ جَميعَ الكَفَرةِ والفُجَّارِ، ومَن كانتِ اجتِماعاتُهم في الدُّنيا على مَعصيَةِ اللهِ ومُخالَفةِ أمرِهِ، على الظُّلمِ، على التَّشتيتِ لِلجَمعِ والشَّملِ، على البَغضاءِ، على الشَّحناءِ، على الكِبرِ، على الغَطرَسَةِ، على ادِّعاءِ ما ليسَ لَهم مِن جَميعِ الكُفَّارِ والفُجَّارِ؛ سمَّاهُم الحَقُّ تَعالى أصحابَ الشِّمالِ وأصحابَ النَّارِ.
وقالَ سُبحانَهُ وتَعالى: (وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً) أي أنواعاً وأصنافاً ثلاثةً: صِنفانِ مِنهُم هُم أهلُ الجَنَّةِ، وصِنفٌ هُم أهلُ النَّارِ.
وبِذا جاءَ القُرآنُ بِتَسمِيَتِهم بِفَريقَينِ في الآياتِ الأُخَرِ: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)، وسَمَّاهُم أيضاً بِفَريقَينِ: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)، وسَمَّاهُم سُبحانَهُ وتَعالى أيضاً بِأصحابِ الجَنَّةِ وأصحابِ النَّارِ. جَعَلَنا اللهُ وإيَّاكُم مِن أصحابِ الجَنَّةِ.
التوافد لطلب نور القلوب
أيُّها الجَمعُ الكَريمُ المُبارَكُ، مِن السَّادةِ آل حوطَةِ النُّورِ وآل الهدَّار وآلِ البَيتِ في المَنطِقةِ، ومِن المَشايخِ الكِرامِ مِن آلِ يافِع ومِن آلِ نَهد ومَن جاوَرَهُم وحَلَّ في هذهِ المَواطِنِ مَعهُم، والوَفدُ الَّذينَ وفَدنا مَع مَنصِبِ آلِ الشَّيخِ أبي بَكرِ بنِ سالِم الواصِلِ مِن عَيْنات، ومَن في سَعفِنا مِن أهلِ حَضرَمَوت مِن عَيْنات وتَرِيِم وما حَوالَيها.
ومِن الوافِدينَ إلى حَضرَمَوت بِدواعٍ بَعيدةٍ عمَّا يَألَفُ النَّاسُ وعمَّا كَثُرَ بَينَهم وانتَشَرَ مِن حِزبِيَّاتٍ وعَلائِقَ تَتَعلَّقُ إمَّا بِالثَّرواتِ والأموالِ، وإمَّا بِالسُّلطاتِ، وإمَّا بِالشَّهواتِ البَهِيمِيَّةِ السَّاقِطَةِ.
ما أورَدَهُم إلى حَضرَمَوت إلَّا إرادَةُ القُربِ مِن الرَّبِّ، إلَّا المَحَبَّةُ في اللهِ، إلَّا الِاستِزادَةُ مِن العِلمِ الَّذي يُنوِّرُ القَلبَ لا يُظلِمُهُ، ويَجمَعُ الشَّملَ لا يُشتِّتُهُ، ويُطهِّرُ القَلبَ لا يُوسِّخُهُ ولا يُكدِّرُهُ.
الميزان الدقيق للعلم النافع وخشية الله
العِلمُ الَّذي كُلَّما ازدَادَ؛ ازدَادَ صاحِبُهُ خَشيَةً مِن اللهِ، وكُلُّ مَن ازدَادَ خَشيَةً مِن اللهِ كانَ أمناً لِلعِبادِ، وكانَ آمن أن يُنالَ مِنهُ أذىً في عِرضٍ ولا مالٍ، فَضلاً عَن نَفسٍ، بَل كانَ مِن حُماةِ النُّفوسِ والأعراضِ والأموالِ والعُقولِ والأنسابِ؛ في هذهِ الكُلِّيَّاتِ الخَمسِ الَّتي جاءَ بِها الدِّيِنُ؛ كُلُّ مَن خَشيَ اللهَ يَكونُ كذلكَ ضَرورةً، ولَقَد قالَ جَلَّ جَلالُهُ: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).
وكانت هذهِ المِيزَةُ والعَلامَةُ الَّتي فرَّقَت بَينَ العِلمِ الصَّحيحِ والعِلمِ الباطِلِ، وبَينَ عِلمِ النُّورِ وعِلمِ الظُّلمَةِ، وبَينَ عِلمِ الهُدَى وعِلمِ الضَّلالِ، وبَينَ العِلمِ الصُّورِيِّ والعِلمِ الحَقِيقيِّ، بَينَ العِلمِ النَّافِعِ والعِلمِ الضَّارِّ؛ وصْفُ الخَشيَة.. بذلِك قالَ القائِلُ:
العِلمُ خَشيَةٌ كُلُّهُ ** يُعرَفُ بِذاكَ أهلُه
العِلمُ بِالأعمالِ ** يَزكو وبالأحوالِ
وليسَ بِالأقوالِ ** وكَثرَةِ الجِدالِ
كيف تُحدد مجالس الدنيا مصيرك في الآخرة؟
أيُّها الجَمعُ الكَريمُ، اصغُوا بِقُلوبِكُم وأسماعِكُم، فإنَّهُ ما مِن جَمعٍ يُعقَدُ في الدُّنيا إلَّا تَرَتَّبَت عليهِ آثارُ يَومِ الجَمعِ الأكبَرِ؛ إمَّا خَيرٌ وإمَّا شَرٌّ، إمَّا نُورٌ وإمَّا ظُلمَةٌ، إمَّا قُربٌ وإمَّا بُعدٌ، إمَّا دُخولٌ في دائِرَةِ مُحمَّدٍ ﷺ وإلَّا حِجابٌ عَنهُ، "والوَيلُ لِمَن لا يَراني يَومَ القِيامةِ" يَقُولُ نَبِيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم.
فإنَّ أهلَ السَّعادةِ في القِيامةِ يُكلِّمُهُم اللهُ ويَنظُرُ إلَيهم ويُزكِّيهم في ذلِكَ اليَومِ، ووَيلٌ لِمَن وفَدَ القِيامةَ فَلَم يَنظُرِ اللهُ إلَيهِ ولَم يُكلِّمْهُ ولَم يُزكِّهِ، والعِياذُ باللهِ تَبَارَكَ وتَعالى، فيمن قالَ عَنهُم في الكِتابِ: (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ)، وقالَ في الآيَةِ الأُخرَى: (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
ومَن لا يُكلِّمُهُ اللهُ لا يَستَطيعُ أن يُكلِّمَ النَّبِيَّ مُحمَّداً في ذلِكَ اليَومِ، ومَن لَم يَنظُرِ اللهُ إلَيهِ لا يَستَطيعُ أن يَنظُرَ إلى وَجهِ مُحمَّدٍ في ذلِكَ اليَومِ. "والوَيلُ لِمَن لا يَراني يَومَ القِيامةِ" يَقُولُ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
رياض الجنة في الأرض غنيمة لا تفرط فيها!
أيُّها الجَمعُ الكَريمُ، كُلُّ ما يَجري في يَومِ الجَمعِ الأكبَرِ يَكونُ نَتِيجةَ الِاجتِماعاتِ في أيَّامِ الدُّنيا؛ مَنِ اجتَمعُوا على ذِكرِ اللهِ، ومَنِ اجتَمعُوا على الغَفلةِ، الفَرقُ بَينَهم ما جاءَت بِهِ الأحاديثُ الصَّحيحةُ.
يَقُولُ صاحِبُ الرِّسالةِ الَّذي بلَّغَ عَن اللهِ جَلَّ جَلالُهُ: "إذا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الجَنَّةِ فَارْتَعُوا"، قالُوا: وما رِياضُ الجَنَّةِ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: "حِلَقُ الذِّكْرِ"، جاءَ في البُخاريِّ وفي مُسلِمٍ وغَيرِهِما مِن كُتُبِ السُّنَّةِ: "إذا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الجَنَّةِ فَارْتَعُوا"، قالوا: وما رِياضُ الجَنَّةِ؟ قالَ: "حِلَقُ الذِّكْرِ".
وقالَ: "لا يَقْعُدُ قَوْمٌ مَقْعَدًا ولا يَجْلِسُ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهِ إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ" أي حَسرَةً.
المَجالِسُ بَعضُها حَسرَةٌ يَومَ القِيامةِ، والمَجالِسُ بَعضُها غَنِيمَةٌ يَومَ القِيامةِ، وقَد صَحَّ في الحَديثِ: "غَنِيمَةُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ الجَنَّةُ".
ماذا يَجري في اجتِماعاتِ الإنسانِ حتَّى مَع أُسرَتِهِ، مَع أصدِقائِهِ، مَع زُمَلائِهِ في العَمَلِ، مَع جِيرانِهِ، مَع أهلِ السَّيَّارَةِ الَّتي يَركَبُ فيها، مَع أهلِ الطَّائِرَةِ الَّتي يَركَبُ فيها؟ ماذا يَجري في الِاجتِماعِ بَينَهم؟ يُسأَلُ عَنهُ ويَتَرَتَّبُ عليهِ إمَّا ثَوابٌ وإمَّا عِقابٌ.
"ما تَجالَسَ اثنانِ في ساعَةٍ مِن لَيلٍ أو نَهارٍ إلَّا سأَلَهُمُ اللهُ عَن صُحبَتِهِما، هل أقامَا حَقَّ اللهِ فيها؟"، وبِذلِكَ جاءَ الحُكمُ الفاصِلُ بَينَ الخَلائِقِ في القِيامةِ: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ).
بَعضُهم لِبَعضٍ عَدُوٌّ؛ الأخِلَّاءُ كانوا يَتَجالَسُونَ، كانت بَينَهم عَلائق، كانت بَينَهم رَوابِطُ، صارُوا أعداءً (إِلَّا الْمُتَّقِينَ) وحدَهُم، مَن قامَت عَلائِقُهُم وعُهودُهُم وصَداقَتُهم وتَآخِيهم ومَحَبَّتُهم على التَّقوَى، فليسُوا بِأعداءٍ يَومَ القِيامةِ بَل "وَجَبَتْ مَحَبَّتِي"؛ في الحَديثِ القُدسيِّ يَقُولُ رَبُّنا وربكم: "وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ".
محبة آل البيت مسلك قرآني سني ونهج الصديق والفاروق
وهذا الَّذي حَمَلَ صُلَحاءَ الأُمَّةِ مِن قَبلُ، ومِنهُم كَثيرٌ مِن أجدادِكُم وآبائِكُم، على المَوَدَّةِ لِلمُؤمِنِينَ عامَّةً ولِخاصَّتِهِم خاصَّةً، وعلى المَوَدَّةِ لِأهلِ البَيتِ الطَّاهِرِ؛ في مَسلكٍ قُرآنيٍّ سُنِّيٍّ لا عَلاقَةَ لَهُ بِتَشيُّعٍ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِخُروجٍ عَن المَسلكِ القَويمِ والصِّراطِ المُستَقِيمِ.
مَحَبَّةُ أبي بَكرٍ لِآلِ البَيتِ، مَحَبَّةُ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ لِآلِ البَيتِ، مَحَبَّةُ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ لِآلِ البَيتِ؛ هؤلاءِ الخُلَفاءُ الثَّلاثَةُ كانوا مِثالاً لِما تَرَكَ رَسولُ اللهِ في أُمَّتِهِ مِن مَسلكِ السُّنَّةِ. سَمِعتُم ما جاءَ في البُخاريِّ مِن قَولِ الصِّدِّيقِ: "ارْقُبُوا مُحمَّدًا في آلِ بَيْتِهِ".
واسمَعوا أيضاً، جاءَ في وَسَطِ صَحِيحِ البُخاريِّ عَن سَيِّدِنا أبي بَكرٍ أنَّهُ قالَ: "لَقَرابَةُ رَسولِ اللهِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِن قَرابَتِي". "لَقَرابَةُ رَسولِ اللهِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِن قَرابَتِي"! مَن رَبَّى أبا بَكرٍ؟ مِن أينَ تَعَلَّمَ دِينَهُ أبا بَكرٍ؟ مِن أيِّ جِهَةٍ؟ عِندَ أيِّ فِئَةٍ؟ مِن مُحمَّدٍ أخذه، مِن وَحيِ اللهِ.. "لَقَرابَةُ رَسولِ اللهِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِن قَرابَتِي".
وهذا الَّذي كانَ عليهِ أخيارُ آبائِكُم عَليهم رِضوانُ اللهِ، سَواءً مَع أهلِ البَيتِ على الخُصوصِ، ثمَّ مَع المُؤمِنِينَ على العُمومِ عامَّةً وخاصَّتِهِم خاصَّةً.
تَقدِيرُهُم لِلكِبارِ، تَقدِيرُهُم لِأربابِ الصَّلاحِ، تَقدِيرُهُم لِأربابِ العِلمِ، تَقدِيرُهُم لِأهلِ البَيتِ؛ كانَ نابِعاً مِن تأثُّر بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، كانَ مُتَفرِّعاً عَن إيمانٍ باللهِ الَّذي خَلَقَ، كانَ قائِماً على هُدىً ونُورٍ.
الفتنة الكبرى: التفرق والبغضاء باسم الدين!
في فِقهٍ لِلدِّيِنِ ما مسَّتْهُ يَدُ السِّياسةِ، ولا مسَّتْهُ يَدُ اللَّعِبِ والتَّضليلِ والتَّلبيسِ مِن قِبَلِ شَرقِيِّينَ ولا غَربِيِّينَ، لا مِن قِبَلِ يَهودٍ ولا مِن قِبَلِ نَصاري، ولا مِن قِبَلِ مُلحِدينَ، ولا مِن قِبَلِ عَبَدةِ الدِّيِنارِ والدِّرهَمِ وعَبَدةِ الكَراسي والثَّرواتِ والسُّلطاتِ، الَّذينَ يَتَبختَرونَ في العالَمِ اليَومَ ونَشَروا ثَقافاتِهم وأفكارَهم فأثَّرَت وَسَطَ مُجتَمَعاتِ المُسلمينَ وأخرَجَتهم عَن الجادَّة في فَهمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِصُوَرٍ مُختَلِفةٍ.
بَعضُها خارِجٌ عَن الدِّيِنِ أصلاً! كما داهَمَتْنا الشُّيوعِيَّةُ في بَلدَتِنا وشِعاراتٌ تَقُولُ: "لا إلهَ, والحَياةُ مادَّةٌ"، وتُضادُّ الدِّيِنَ صَراحةً. ثمَّ جاءَت مَوجاتُ إلحادٍ أيضاً وما سلِمَ مِنها الوادي، وجاءَت مَوجاتُ إفسادٍ وانحِلالِ خُلُقٍ.
وجاءَ أيضاً بِاسمِ الدِّيِنِ ما يَهدمُ الدِّيِنَ وما يُبعِدُ عَن حَقِيقةِ الدِّيِنِ؛ جاءَ بِاسمِ الدِّيِنِ ما يُفرِّقُ، جاءَ بِاسمِ الدِّيِنِ ما يَحمِلُ القُلوبَ بَغضاء!
ولا واللهِ، دِيِنُ اللهِ ما يَحمِلُ القُلوبَ بَغضاء حتَّى لِمَن آذاكَ، فَضلاً عَن المُؤمِنِينَ الصَّالِحينَ، مِن عَهدِ آدَمَ إلى مُحمَّدٍ الخاتِمِ، ليسَ في دِيِنِ اللهِ ما يَحمِلُ على البَغضاءِ ولا على الشَّحناءِ ولا على التَّكفيرِ ولا على السَّبِّ ولا على الشَّتمِ.
من يعلمك السبّ فهو عدوّ لله ولرسوله
بَل الحُكمُ ما قالَ صاحِبُ الرِّسالةِ في حَدِيثِهِ الصَّحيحِ: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"، "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"، فَتوَى مِن مُحمَّدٍ ﷺ.
يَلعَبُ على عَقلِكَ فيها الشَّيخُ فُلان والشَّيخُ فُلان، ويُعلِّمُكَ السَّبَّ إلى وَسَطِ المِنبَرِ في المَسجدِ؟! إلى لَيلِكَ ونَهارِكَ، وقَلبُكَ يَسُبُّ رُبَّما أولِياءَ اللهِ! ورُبَّما مِن أصحابِ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ اللهِ، ورُبَّما مِن المُقرَّبينَ عِندَ اللهِ جَلَّ جَلالُهُ!
نَسِيتَ فَتوَى مُحمَّدٍ حتَّى تَغتَرَّ بِفَتوَى فُلانٍ وفُلان؟ مَن عَلَّمَكَ السَّبَّ فَهُوَ عَدُوُّ الرَّبِّ، وعَدُوُّ مُحمَّدٍ المُقرَّبِ، الَّذي قالَ: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ".
وقالَ: "لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ"، لَعنُ المُسلمِ كَقَتلِهِ؛ كأنَّكَ قَتَلتَهُ بِسبَبِ اللَّعنِ، فَكيفَ بِتَكفيرِهِ؟ تَلعَنُهُ مِن دُونِ تُكفِّرُهُ وأنتَ كأنَّكَ قَتَلتَهُ، فَكيفَ إذا أخرَجتَهُ مِن المِلَّةِ والعِياذُ باللهِ؟
ونَقرأ في صَحِيحِ البُخاريِّ: "مَن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما.. فإن كان كما قال، وإلا حارت عليه"؛ حارَت على القائِلِ، هُوَ الَّذي يشرك ويَكفُر! لا الذي رَماه.
وقالَ ﷺ في ذِكرِ فِتَنِ الأُمَّةِ وما يَحصُلُ في آخِرِ الزَّمانِ، فِيهم مَن يَقرأ القُرآنَ حتَّى إذا رُئِيَت عليهِ بَهجَتُهُ خَرَجَ على جارِهِ يُكفِّرُهُ ويَرمِيهِ بِالشِّركِ، قالُوا: يا رَسولَ اللهِ، مَن أحَقُّ بِالشِّركِ: الرَّامي أو المَرميُّ؟ قالَ: "بَلِ الرَّامِي". الرَّامي هُوَ أحَقُّ بِالشِّركِ، ليس الَّذي رُمِي بِالشِّركِ، وكُلُّ ما حدَّثَ رَسولُ اللهِ يَكونُ كما قالَ.
إنما المؤمنون إخوة
في عِصمَتِهِ لِلأُمَّةِ بِحُسنِ بَلاغِهِ وبَيانِهِ تَرَكَهم على المَحجَّةِ البَيضاءِ، لَيلُها كَنَهارِها.
مَجيءُ المَنصِبِ اللَّيلةَ ومُرورُهُ بِهذهِ البَلدَةِ وعَقدُ هذا الِاجتِماعِ يُذكِّرُنا بِقَضِيَّةٍ كُبرَى: أنَّنا في الدَّارِ الأُخرَى نُسأَلُ عَن عَلائِقِنا وعَن رَوابِطِنا وعَن مَجالِسِنا.
وأنَّنا مَعشَرَ الأُمَّةِ مضَى علَينا تارِيخٌ مُبارَكٌ في أخيارِ الأُمَّةِ في اليَمَنِ، في الشَّامِ، في المَغرِبِ، في مِصرَ، في أفريقيا، في غَيرِها، يَحمِلُ صَفاءً ونَقاءً ورَوابِطَ للهِ ومِن أجلِ اللهِ نَقِيَّةً.
حسَدَنا عليها إبلِيسُ وشَياطِينُ الإنسِ والجِنِّ، ونَشَروا بَينَنا مَن يُفرِّقُ ومَن يُباعِدُ، بِالشَّهوةِ أو الدُّنيا أو التَّنافُسِ عليها وعلى المالِ والسُّلطةِ، أو بِاسمِ الدِّيِنِ أيضاً! أو بِاسمِ الدِّيِنِ! وهذا مِن أخطَرِ ما يَكونُ، أن يُعادي إخوانَهُ بِاسمِ دِيِنِ اللهِ، ودِيِنُ اللهِ يَنهاهُ عَن مُعاداتِهم ويَقُولُ لَهُ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ).
"هلّا شققتَ عن قلبه؟" قاعدة نبوية عن سوء الظن
وإذا حدَّثَتْهُ نَفسُهُ أنَّهُم رُبَّما قَصَدوا كذا وكذا، قالَ لَهُم صاحِبُ الرِّسالةِ في فَتوَاهُ: "هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟".. أُسامَةُ بنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسولِ اللهِ وابنُ حِبِّهِ، قاتَلَ مُشرِكاً كانَ مَعروفاً مِن المُشرِكينَ ظاهِراً، فَلَمَّا غلَبَهُ بَعدَ قِتالٍ وجُهدٍ وضُرٍّ وجُروحٍ؛ لاذَ بِشَجَرَةٍ وقالَ: "لا إلهَ إلَّا اللهُ".
قالَ: تَقُولُها الآنَ بَعدَ ما قَدَرتُ عليكَ؟ أنتَ تَكذِبُ مِن شانِ تَعصِمَ نَفسَكَ بِها؛ فقَتَلَهُ.. فبلَغَ الخَبَرَ النَّبِيَّ، فاشتَدَّ عليهِ وغضِبَ على حِبِّهِ وابنِ حِبِّهِ، وقالَ: "وَيْحَكَ يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَمَا تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ قالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّما قالَها مُتَعوِّذاً، قالَ: "فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟".
أنتَ دخَلتَ وَسَطَ القَلبِ ورأيته أنَّهُ مُتَعوِّذٌ وإلَّا صادِق؟ "فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟"، قالَ: فأعادَها عليهِ ﷺ: "وَيْلَكَ يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَمَا تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا الله؟" قالَ: فما زالَ يُكرِّرُها عليَّ حتَّى خِفتُ على نَفسِي وتَمنَّيتُ أنِّي لَم أكُن أسلمتُ قَبلَ تِلكَ الفَعلةِ، حتَّى يَأتي الإسلامُ يَجُبُّ ما قَبلهُ.
هذا رَسولُ اللهِ ﷺ مَع أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ، مِن مُشرِكٍ لَم يَظهَر عليهِ مِن أثَرِ الإسلامِ والتَّوحيدِ إلَّا أنَّهُ نطَقَ مَرَّةً واحِدَةً بِكَلِمَتِهِ بِلِسانِهِ قالَ: "لا إلهَ إلَّا اللهُ"! قالَ: "فَمَا تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ؟".
هذهِ مَسالِكُ نَبِيِّنا ﷺ وهذهِ سُنَّتُهُ وهَديُهُ الكَريمُ، كانت هيَ الَّتي أقامَت ثَقافةَ آبائِكُم الأقدَمِينَ.
ما قدَرَت عليهم أيدِي اليَهودِ ولا النَّصارَى بِواسِطَةٍ ولا بِغَيرِ واسِطَةٍ بِمُباشَرَةٍ، فكانَ مَرجِعُهم إلى الدِّيِنِ، حمَلَتُهُ سَنَدٌ إلى مُحمَّدٍ ﷺ.
مُثبَّتة في دَفاترِها عَن أهلِ الرِّوايات ** شَيخ عَن شَيخ يَروي عَن خِيارِ البَرِيَّات
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم..
بَل أدرَكنا في حَضرَمَوت عُلماءَ، أبناءَ عُلماءَ، أبناءَ عُلماءَ، أبناءَ عُلماءَ، نَسَبُ أحَدِهِم سَنَد، يَروي عَن أبِيهِ وأبُوهُ عَن أبِيهِ وأبُوهُ عَن أبِيهِ؛ كُلُّ واحِدٍ مِنهُم طالَ باعُهُ في العِلمِ، وأخذَهُ مِن مَعادِنِهِ ومَصادِرِهِ إلى الصَّحابَةِ، إلى النَّبِيِّ مُحمَّدٍ ﷺ.
أسانِيدُ مِن أعلَى الأسانِيدِ وأجوَدِ الأسانِيدِ، كانَ في وادِيكُم مِنها مَن أدرَكناهُ على هذهِ الحَالَةِ وبِهذهِ الصُّورَةِ.
مكر الشيطان للتحريش في جزيرة العرب
أيُّها الجَمعُ، بَعدَ هذا الجَمعِ لَنا اجتِماعٌ في ذاكَ اليَومِ، وليُسأَلَنَّ المُتَكلِّمُ وليُسأَلَنَّ السَّامِعُ! بَل المُرسَلونَ سيَقِفونَ، وحاكِمُ القِيامةِ يَقُولُ: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ).
إنِ ارتَضَينا لِأنفُسِنا أن تَمُرَّ بِنا الحَياةُ ونَحنُ مُصدِّقونَ لِأنفُسِنا وأهوائِنا، أو لِمَن يُلقي الكَلامَ على عَواهِنِهِ وعَلَّاتِهِ على غَيرِ بَيِّنَةٍ؛ يُفرِّقُ بَينَنا، يُحرِّشُ بَينَنا، يُباعِدُ بَينَنا، فقَدِ ارتَضَينا هَدْيَ الشَّيطانِ، الَّذي قالَ عَنهُ نَبِيُّنا ﷺ في صَحِيحِ مُسلِمٍ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ". صدَقَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ، مُصَلُّونَ في جَزِيِرةِ العَرَبِ لا يَعبُدونَ الشَّيطانَ، صدَقَ رَسولُ اللهِ.
ومَن قالَ غَيرَ ذلِكَ كذب! النَّبِي ﷺ وهُوَ الصَّادِقُ (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، قالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، فإن يطمع في شيء ففِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ"
فَفي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ؛ يُحرِّشُ بِاسمِ المَذهَبِيَّةِ، بِاسمِ الطَّائفِيَّةِ، بِاسمِ الحِزبِيَّةِ، بِاسمِ القَبْيَلةِ، بِاسمِ أيِّ شَيءٍ؛ القَصدُ يُحرِّشُ بَينَ المُسلمينَ. لِأنَّهُ لم يعد يَقدِرُ يَضُرُّهُم بِشَيءٍ بَعَدَ الشِّركِ أكثَرَ مِن إضرارِهِ لَهُم بِالتَّحرِيشِ.
لِأنَّهُ إذا حرَّشَ بَينَهم فإنَّ أحَدَهُم يَنغَلُّ قَلبُهُ فلا يكادُ تُقبَلُ لَهُ صَلاةٌ ولا صِيامٌ ولا زَكاةٌ، لِأنَّ اللهَ لا يَقبَلُ صَلاةً ولا صَدَقَةً ولا صَوماً مِن مُشاحِنٍ يَحمِلُ في قَلبِهِ شَحناءَ على المُسلمينَ؛ فيَعمَلُ في غَيرِ مَعمَلٍ! يطيل في الصلاة كما شاء.. لا شيء مِنها مَقبولٌ عِندَ اللهِ، يَعْمَلُ يَتعبُ مِن دُونِ فائِدةٍ، لِأنَّ قَلبَهُ فيهِ الغِلُّ.
تُعرَضُ الأعمالُ على اللهِ كُلَّ اثنَينِ وكُلَّ خَميسٍ، فلا يَقبَل عَمَلُ قاطِعِ رَحِم، ويَغفرُ فِيهِما لِكُلِّ عَبدٍ لا يُشرِكُ باللهِ شَيئاً إلَّا رَجُلاً كانت بَينَهُ وبَينَ أخِيهِ شَحناءُ، فيُقالُ: "أَنظِروا هذَينِ حتَّى يَصطَلِحا"، لا مَغفِرَةَ لَهُم إلى أن يَصطَلِحوا! ليس في الِاثنَينِ والخَميسِ بل حتَّى في رَمَضانَ؛ يَخرُجُ رَمَضانُ ولا مَغفِرَةَ لِلمُتَشاحِنينَ.
كارثة عقوق الوالدين باسم الدين
يَقُولُ نَبِيُّنا ﷺ: "إنَّ للهِ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ سِتَّمِائَةِ أَلْفِ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ أَعْتَقَ مِثْلَ مَا أَعْتَقَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ إلَى آخِرِهِ، وغَفرَ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إلَّا أَرْبَعَةً"، مَنِ الأربَعةُ؟ العاقُّ والِدَيهِ.
وجاؤوا حتَّى بِاسمِ الدِّيِنِ يَعُقُّونَ الوالِدَينِ! يَنفخُ على أبُوهُ ويتقَلّب بِاسمِ الدِّيِنِ! الدِّيِنُ الَّذي قالَ: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)، رفَعَ صَوتَهُ عليه؟ قال له: (فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا).
قالَ: تعالَ جدِّد عَقَدَكَ على أُمِّي! يَعني ماذا؟ أنا زَنِيْتُ بِأُمِّكَ أو ماذا؟ ما الذي حَصَل؟ قال: أنتُم كنتم مُشرِكينَ! بِاسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، أهذا القَولُ الكَريمُ؟ (وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)؟ وهكذا يَجيءُ بِاسمِ الدِّيِنِ تُستَحسَنُ أقبَحُ الأشياءِ، والعِياذُ باللهِ تَعالى، وحاشَى الدِّيِنَ أن يُزيِّنَ القَبِيحَ.
مقعد النور للمتحابين في الله
الِاجتِماعاتُ وراءَها سُؤالات، والحَمدُ للهِ جَمعَنا وإيَّاكُم اللَّيلةَ، نَحمَدُ اللهَ إلَيكُم ونَقُولُ إنَّنا مَسؤولونَ بَعَدَ الِاجتِماعِ.
وإنَّ الأُمَّةَ تَمُرُّ فيها فَتراتٌ، ومَهما كانَ فَالمُؤمِنُ بِعَقلِهِ وسَمعِهِ وبَصَرِهِ مَسؤولٌ ومُحاسَبٌ، ومَطلوبٌ مِنهُ أن يُحسِنَ النَّظَرَ فِيما يُرضي عَنهُ الرَّبُّ الأكبَرُ، وفِيما يُنَجِّيهِ مِن سَقَرَ.
وإقامةُ التَّحابُبِ والتَّرابُطِ على المَوَدَّةِ في اللهِ والمَحَبَّةِ في اللهِ؛ هُوَ الَّذي بِهِ النَّجاةُ يَومَ القِيامةِ.
"المُتَحَابُّونَ فِي اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ"، "وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ". جَعَلَنا اللهُ وإيَّاكُم مِنهُم.
جَزى اللهُ تَعالى أهلَ الحُوطَةِ وأهلَ هذهِ المَنطِقةِ خَيرَ الجَزاءِ، بارَكَ اللهُ في القَطَنِ وأهلِها وفي حَضرَمَوت ومَن فيها، وجنَّبَنا الفِتَنَ والتَّحرِيشَ وكُلَّ ما يَسُوقُنا إلى غضَبِ الجَبَّارِ ومُخالَفَةِ المُختارِ في السِّرِّ والإجهارِ، وجعلنا مُتَحابِّينَ فِيهِ، مُتَعاوِنينَ على ما يُرضِيهِ.
بارك في اجتِماعاتِنا وأعاد علَينا عَوائِدَ الِانتِفاعِ بِكَلامِهِ وكَلامِ رَسولِهِ ﷺ، ورزقنا الِاقتِداءَ والِاهتِداءَ، وكشف عنَّا الضُّرَّ والبَلاء وعَن أُمَّةِ مُحمَّدٍ في المَشارِقِ والمَغارِبِ، وحوَّل الأحوال إلى أحسَنِها، إنَّهُ أكرَمُ الأكرَمِينَ.
رَبَّنا مِن أجلِكَ اجتَمعنا، فاجعَل ما قُلنا حُجَّةً لَنا لا حُجَّةً علَينا، وسَبَباً لِنَيلِ رِضوانِكَ والزِّيادَةِ مِن إحسانِكَ، ولا تَكِلنا إلى أنفُسِنا وإلى أحَدٍ مِن خَلقِكَ طَرفةَ عَينٍ، واجْعَلنا مِنَ الَّذِينَ آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحاتِ وتَواصَوا بِالحَقِّ وتَواصَوا بِالصَّبرِ في السِّرِّ والجَهرِ، يا عالِمَ السِّرِّ والجَهرِ، يا أكرَمَ الأكرَمِينَ.
والحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، والسَّلامُ علَيكُم ورَحمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ.
11 ذو القِعدة 1447