السير إلى الله بين العلم والعمل

محاضرة للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ في جامعة مركز الثقافة السنية بالهند (عبر اتصال مرئي)، عصر الخميس 24 ذو الحجة 1447هـ بعنوان: 

السير إلى الله بين العلم والعمل

رعاكُم الرحمن، حفظكم الله وجمعنا على الخيرات، بارك الله في جمعكم، وفي كُلِّيَّتكم وفي جامعتكم، وأمتعَ بالشيخ أبي بكر بن أحمد في عافية وسرور وأُنس وحُبور، وبقية علماء كيرلا، وبقية علماء الهند، وأهل السُّنة وأهل الاقتداء والاهتداء والهدى، نظر الله إلينا وإليكم بهم أجمعين، وأصلح الشأن لنا ولكم ولهم بما هو أهله.

 لله الحمد على اجتماعكم، لله الحمد على انتباهكم، لله الحمد على توجّهكم، لله الحمد على تطلُّعكم لإدراك المهمات والقيام بحقّها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

كيف تكون عظيماً في ملكوت السماوات؟

وهو السبيل لإدراك المكانة الرفيعة لدى الرب، والعَظَمات التي عبّر عنها سيدنا عيسى بن مريم بقوله: "من عَلِم وعَمِل وعلَّم؛ فذلك يُدعى عظيماً في ملكوت السماوات"، "فذلك يُدعى" أي يسمى- "عظيماً"؛ أي لمكانته عند الله العظيم جل جلاله، ولا عظيم إلا ما كان عند الله العظيم عظيماً سبحانه وتعالى. 

إنما يُدرَك ذلك بواسطة هذا العلم والعمل، والدعوة إلى الله عز وجل بتعليم هذا العلم ونشره، مع الإخلاص لوجه الله تبارك وتعالى وإرادة وجهه ورضاه، والاقتداء والاتّصال بالسند إلى حبيب الرحمن نبي الهدى صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، فبذلك يتهيّأ المؤمن لأن يدرك مكانة عند الرحمن، ومنزلة عظيمة القدر والشأن.

أيها الأحباب الكرام، يا أيها المدرسون والطلاب الذين انتظمتم في سلك إرثٍ لسيد الأحباب المُنزَل عليه الكتاب ﷺ، وتودِّعون في هذه الأيام عاماً من أعوام هجرته؛ التي ما جاءت إلا ليَحيى فينا هذا العلم النافع والعمل به، وتعليمه ونشره والدعوة إلى الله تبارك وتعالى به، وعلى دلالاته فيما خلَّف فينا صاحب الرسالة خاتم النبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

فالحمد لله الذي جمعكم على هذه التوجُّهات، وجعل في هذه الجامعات والكُلّيات إدراكاً ورغبةً ووجهاتٍ في القلوب، لنيل حقائق المنزلة عند الرب جل جلاله، بالقيام بشأن الخلافة على ظهر هذه الأرض.

 حقيقة الخلافة المعنوية في الأمة

وهذه الخلافة المعنوية التي لا نقصد بها شؤون الحُكم وما تعلَّق به -وإن كان يُطلَق عليه الخلافة من وجه- ولكن الوجه الذي يُطلق عليه الخلافة مِن حيث إنّ القائم الحاكم القائم بأمر الله يكون حارساً لشريعة الله، مُعظِّماً لشعائر الله وأوامر الله، ولأهل دين الله ولأهل الولاية والقرب من الله تبارك وتعالى، من هذه الحيثية أُطلِق عليه لفظ الخلافة، وإلا فالخلافة أعمّ وأشمل وأكمل. والخلافة الباطنية القائمة الدائمة في الأمة التي لا تنقطع، هي التي يترتّب عليها حفظ هذا الإسلام وحفظ هذا الدين.

أما الخلافة فيما يتعلّق بالحُكم، فلقد أخبر ﷺ أن الخلافة بعده ثلاثون عاماً، تتحول إلى مُلك عَضُوض، وإلى جبرية كما أخبر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

وقد مرت الأمة بهذه المراحل وهذه التطورات التي أشار إليها خاتم الرسائل ﷺ، فوجب أن نرعى حقّ الخلافة المشار إليها في القرآن وفي السنة الغرَّاء أيضاً، الباطنة المعنوية، التي لم يخرج عن عرشها وكرسيها ومقامها سيدنا الحَسن بن علي رضي الله عنه طول حياته. 

وكان خليفة رسول الله ﷺ، خليفة عن الله تبارك وتعالى في الأرض، من حيث أنه تربى على يد رسول الله ﷺ والزهراء، وعلى يد أبيه علي بن أبي طالب، ثم نال مِن أسرار الخلافة ما نال عليه رضوان الله تبارك وتعالى، وكان خليفة لوالده سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ورضي عنهم وعن جميع أصحاب رسول الله وآل بيته أجمعين وعنا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. 

لم يخرج عن حقيقة هذه الخلافة بتسليم الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان الظاهرة، أما خلافته العظيمة فهو حاشا أن ينزِل منها أو يُخرج عنها عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

كيف تنال نصيبك من الخلافة في الأرض؟

أشار إليها في القرآن بقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، وهو يُشير إلى نصيب كلّ مؤمن صحَّ إيمانه وثبت قدمه في العمل الصالح، له نصيباً في الخلافة من حيث كونه من أهلها ومن المنسوبين إليها، ولا شكّ أن هؤلاء لهم مرجعية إلى كبرائهم وإلى علمائهم وإلى أفاضلهم وإلى خواصّ صُلحائهم في كل زمان وفي كل مكان، فهم رؤساء تلك الخلافة عن الله ورسوله.

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْـًٔا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ * وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). فهذا هو السبيل لإدراكِ هذه الخلافة، وتحقيق الإيمان والعمل الصالح بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

يقول جل جلاله: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ)، وجاء بنون التوكيد، كما (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ)، (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ)، (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)، كلها جاءت بالتأكيد، فهي مُعطيات مُوقَن بها لمن صحَّ إيمانه والعمل الصالح على حسب إيمانه وعمله الصالح. 

ولا يكون عملاً صالحاً إلا بعِلم، ولا يتمّ العلم والعمل إلا بالتعليم وبالتّوجيه وبالدعوة إلى الله وبنشر الخير بين الناس. "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النَّعَم"، "خير لك من الدنيا وما فيها".. إلى غير ذلك مما جاء. 

هذه الخلافة والإشارة لها في القرآن الكريم: (وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ).

ميراث الأنبياء ومسؤولية حفظ الشريعة

ثم جاءت في الحديث عنه ﷺ: اللهم ارحم خلفائي، ورحمة الله على خلفائي، من خلفاؤك؟ قال: "قوم يأتون بعدي، يروون أحاديثي ويعلمونها عباد الله".

وقال في الحديث الآخر الذي جاء بالأسانيد الحسنة: "يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فهذه هي الخلافة الباقية الدائمة في هذه الأمة ما بقي القرآن، خلافة كاملة عظيمة ما بقي القرآن والناس فيها على مراتب كما ذكرنا وأشرنا.

فهذه الخلافة الباطنة عن الله تبارك وتعالى في أرضه في تبعيّة النبيين، والحُكم بما حكم به رسول الله ﷺ وتحكيم شرعه وهديه في حقيقة: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا). هذا الاحتكام إليه ﷺ الموجِب لمعاني الخلافة عنه، خصوصاً لمن ورِث العلم على وجهه بسنده. 

"إن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورّثوا هذا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر".

فالحظّ الوافر؛  وافر مِن إرث النبوة في الحظّ الوافر من العلم بالشرع المصون، والعلم بالشرع المصون فيما يتعلق بعلم الكتاب والسنة، وما تفرع عنهما من علوم أصول الدين، وعلوم أصول الفقه وفروعه، والآلات المؤدية إلى ذلك من معرفة اللغة العربية وما تعلق، كل ذلك داخل في تحقيق العلم الذي يقوم عليه علم الشرع المَصون ورفعة الدرجات لأهله، فيما قال جل جلاله: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات؛ للعلماء فوق المؤمنين سبعمائة درجة، وفي رواية: خمسمائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. 

حيث إنكم منتظمون في هذا السلك، يجب أن تدخلوا وسط هذا الفُلك، الفُلك الذي يجري في بحر الصدق والإخلاص مع الله تبارك وتعالى، يُشحَن فيه نور العلم وخالص العمل، وهِمّة الدعوة إلى الله، والدلالة على الله، ونفع عباد الله، وإنقاذ الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. ذلك شأن الكرامة التي تحصل بها العظمة: "من علم وعمِل وعلّم فذلك يُدعى عظيماً في ملكوت السماوات".

حال العالم الصادق مع القرآن وطلب الزيادة

وشأن العلم أن يُطلب الاتساع فيه ولا يقف عند حد، ويعلم أن أعلم الخلق بالله وآياته وأسراره وأحكامه عبده وصفيه وسيدنا محمد ﷺ، ومع ذلك أمره الله بأن يزداد في قوله: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا). (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) ﷺ، فمن ذا يغتني عن الزيادة من بعده؟ 

بل الأمر كما قال الإمام أحمد بن حنبل -وقد رأوه وقد بلغ في الشيخوخة مَبلغاً- حاملاً للمحبرة ليكتُب الفوائد: "أنت في هذا السن مع المحبرة؟" فقال: "مع المحبرة إلى المقبرة"، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

وهكذا شأن هذا العلم وما يُفعَل مع صاحبه، وعلامة العمل به: أن لا يصبر هذا العالم عن تلاوة كتاب الله تعالى في كل يوم وليلة، يكون له نصيب من القرآن، وفرح بالقران، وتدبر القرآن، وتأمُّل معاني القرآن، وطلب لأن يقف على حِكَم وأسرار ومعارف انطوت في القرآن الكريم، يتّسع مجاله فيها.

الحرص على إدراك تكبيرة الإحرام

كما أنه لا يُضيّع تكبيرة الإحرام مع الإمام في واحدة من الصلوات الخمس بل يحافظ عليها محافظة. 

كان شيخنا الحبيب محمد الهدار عليه رحمة الله يقول: ما أذكر لنفسي من أيام الصغر وأيام طلب العلم إلى وقت الشيخوخة أني تركتُ إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام في فرض واحد من الفروض في طول هذا العمر. فلو قال: ولو في قليل من الأحيان جئنا والناس يصلون في الحرم ونحوه، فإنني أعيد تلك الصلاة في جماعة من أولها حتى لا تفوتني تكبيرة الإحرام مع الإمام.

وهكذا مظاهر العمل بالعلم وتعظيم ما تعلّق بالرواتب وما تعلّق بالوتر وبالضحى، فلا يَفوت العالم نصيبه من هذه الخيرات والشؤون المُرقِّيات وموجبات الدرجات، وعلائم الصدق والإخلاص لوجه الله تبارك وتعالى، مع نصيبه من أذكار الصباح والمساء وما جاء كما تتلقّون عن الشيوخ عندكم، وكما تقرؤون في سِيَر أخيار هذه الأمة من عهد الصحابة إلى من أدركتم من الشيوخ، مُتصلين بالقرآن وبالجماعة في الصلوات وبالقيام في الليل.

 هل أنت طالب علم أم طالب نوم؟

وكان سيدنا الإمام الحداد عليه رحمة الله تبارك وتعالى -صاحب الراتب- يقول: "ما أدركنا العلم بالقيل والقال ولا بمزاحمة الرجال، ولكن بخلوّ القلب عن الدنيا، والانكسار في جوف الليل، والاستغفار بالأسحار". 

وقد كان يقول شيخ مشايخنا الحبيب عبد الله بن عمر الشاطري عليه رحمة الله: "لا يسمى طالب علم من ليس له قيام في الليل!"، لا يسمى طالب علم من ليس له قيام في الليل! لا يسمى طالب علم من ليس له قيام في الليل! هذا طالب نوم، طالب كسل، طالب غفلة، ليس طالب علم، لا يسمى طالب علم من ليس له قيام في الليل.

وتعلمون توزيع الإمام الشافعي الليل على: جزء للنوم، جزء للعبادة، وجزء للعلم. ثلث للعلم، ثلث للعبادة، وثلث للنوم الذي يتقوّى به على العلم والعبادة، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

 حقيقة العلم ومحبة تفوق الآخرين

وهكذا تكون الشؤون لمن يرتبطون بهذا العلم على وجهه، فإن للعلم صورة، وللعلم معنى، وللعلم جسم وله روح، وللعلم ظاهر وله باطن، ولكن إنما يكون الوصول إلى باطنه بإحكام ظاهره والعمل بمقتضاه. 

فينبغي أن نحرص على روح العلم، وسرّ العلم، وحقيقة العلم المُثمِر للخشية التي أشار إليها الرحمن في القرآن بقوله جل جلاله تعالى في علاه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).

وبذلك قال الإمام عبد الله بن حسين بن طاهر:

العلم خشية كُله ** يُعرَف بذاك أهله

العلم بالأعمالِ ** يزكو وبالأحوال ** وليس بالأقوالِ وكثرة الجدالِ

وليس بالأقوال وكثرة الجدال!

فالله يزيدكم عِلماً، ويزيدكم حِلماً، ويزيدكم حُسن عمل، ومع ذلك فحمل أحدكم لأمانة وهَمّ الدعوة إلى الله، والحرص على تعليم الغير. 

وإنّ من الصدق في العلم أن يحرص على أن يُفيد أقرانه وزملائه إلى مَظانّ الاستفادة، وإلى ما وصل إليه من حلّ إشكال أو إدراك حُكم في مسألة، وأن يساعدهم على ذلك، وبذلك يَقوَى علمه ويتسع. 

ولما سُئل شيخنا الحبيب عبد القادر بن أحمد السقاف: "متى يفوق الإنسان غيره؟"، قال عليه رضوان الله: "إذا لم يكره أن يتفوَّق غيره عليه". إذا لم يكره أن يتفوق غيره عليه فهو الذي يفوق! أما الذي يكره أن يتفوّق غيره عليه فلا يفوق، ولكن يتمنى التفوّق لجميع أصحابه ولجميع المسلمين، هذا الذي يفوق غيره بصدقهِ مع الله تبارك وتعالى، وإخلاصهِ لوجه الله جل جلاله وتعالى في علاه، فقوموا بِحَقِّ العلم وحقّ العمل به، وحق الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.

 الدعوة إلى الله ومفتاح العلم اللدني

حتى كان يقول الإمام علي بن محمد الحبشي عليه رحمة الله تعالى: ما رأيت شبكة لاقتناص العلم اللدني أقوى ولا أوسع من الدعوة إلى الله. وإني لا أقوم بالدعوة إلى الله في يوم إلا ورأيت أثر الفتح والانكشاف للعلوم لي في نفس الليلة! وهكذا تكون الدعوة إلى الله سبباً من أسباب تحصيل العلم اللدني، والعلم النافع الرافع عند الله تبارك وتعالى.

 حضور القلب في العبادة ومنهج الإمام الغزالي

وبواسطة سرّ هذا العلم المُثمر للخشية، مع العمل القائم على الإخلاص وحضور القلب مع الله، فإنهُ كما قال سيدنا الإمام الحداد: "إنّ الحضور روح العبادة، فَمَن خلت عبادته عن الحضور فعبادته هباء منثور"، فمن خلت عبادته عن الحضور فعبادته هباء منثور.

روح العبادة حضور القلب مع الله تبارك وتعالى فيها، فهكذا ينبغي أن نأخذ روح العلم وروح العبادة للسير إلى الله تبارك وتعالى، وقطع هذه العقبات التي شرحها الإمام الغزالي عليه رحمة الله في "منهاج العابدين"، سبع عقبات تنتهي إلى الشُّكر والوصول إلى المشكور جل جلاله وتعالى في علاه، ينبغي اطّلاع طالب العلم عليها.

وكان الإمام الحداد يقول: "يكفي المُبتدئ من كتب الإمام الغزالي: بداية الهداية، والمتوسط: منهاج العابدين، والمنتهي: إحياء علوم الدين"، فهذه كتب جامعة على الله تعالى، والمُعتني بها يتيسَّر له السير إلى الله، وتندفِع عنه كثير من العوائق، حتى يُكرَم بالوصول إلى الخالق جل جلاله وتعالى في علاه. 

رزقنا الله وإياكم التحقُّق بهذه الحقائق، وقطع عنا جميع العوائق، أبعدها وأزالها، ورزقنا الارتقاء وقطع العقبات للوصول إلى رب البريات جل جلاله وتعالى في علاه.

 لا الأسرار إلا لمن صفى السرائر

ويقول الإمام أبو بكر العدني بن عبد الله العيدروس عليه رحمة الله تبارك وتعالى:

أرى طُرُق الحقيقة قليل سالكيها ** وأضحى كل جاهل بلا شيء يدَّعيها

بلا علم وعمل محال أن يرتقيها ** حَمّتها الأسُد مِن دونها العُسْرُ الشواجر

فيا أهل التلابيس ** فلا يغويكم إبليس ** عن التقوى مفاليس

ومن خالَف مقاله فِعاله فهو خاسر ** سألتُ الله يغفر ذنوبي خير غافر

جل جلاله تعالى في علاه. 

في هذه القصيدة كان يقول:

ألذّ العيش كله مع أرباب البصائر ** ولا الأسرار إلا لمن صفّى السرائر

ولا الأسرار إلا لمن صفى السرائر! وهكذا، يقول:

ومن لم يبذل الروح ما يشفي الخواطر ** ومن لم يدمن الغوص -في البحور- ما جاب الجواهر

ولا نال الجوائز ** على التحقيق عاجز

حقيقة كل غالي يكون مرقاه عالي! 

ولابدّ من البذل والتضحية، وكلّ من يطلب عظيماً وجليلاً وكبيراً فيجب أن يبذل عظيماً، ويجتهد جُهداً عظيماً، لينال الأمر العظيم، ولا أعظم مِن التحقُّق بحقّ العلم والعمل والتعليم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، حقّقنا الله وإياكم بذلك وسلك بنا وبكم شريف المسالك.

الدعاء لعلماء الهند وجامعة مركز الثقافة السنية

وجزى خيراً أحبابنا القائمين عندكم في هذه الكلية والجامعة، على تيسير هذا اللقاء وهذا السبيل، ويجعله الله تعالى سبباً للشرب من أحلى سلسبيل، وللحوق بخير جيل، وللانتظام في سلك المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم خير جيل، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وأطال الله عمر الشيخ أبي بكر بن أحمد في عافية، وبارك لنا في أولاده وأحفاده وفي تلامذته وتلامذتهم، وفي بقية سادتنا العلماء بكيرلا وجميع علماء الهند وعلماء المسلمين الصادقين المخلصين في المشارق والمغارب، أطال الله أعمارهم وجمع شملهم وأيَّد بهم الدين والشرع المصون، والحقيقة في سنة خير الخليقة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

وجعلنا وإياكم من خواصّ أنصاره وأنصار رسوله، على خير الوجوه وأكملها وأعلاها وأفضلها، وجمعنا وإياكم في كل مقام كريم وثبّتنا على الصراط المستقيم، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي الأمين محمد ﷺ الفاتحة. 

حياكم الله رب العالمين، تقبل منا ومنكم.

 أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه. اللهم تقبل الدعوات وعجّل الإجابات، واجعلها صِلات بأحبابنا هؤلاء تقرّ بها عين سيد السادات محمد ﷺ، وتكون وصلة لجميع خلفائه ورثته من أهل اليقين وأهل التمكين، واجعلنا في الهُداة المهتدين.

وبارك في هذا المُخيّم، واجعل اللهم بتمامه إتمام النعمة على كل من حضر، بالفضل والجود وواسع الإحسان مِن غير حدود، كما يليق بفضلك في الغيب والشهود يا بر يا ودود، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي الأمين محمد ﷺ.

أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تاريخ النشر الهجري

26 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

11 يونيو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية