صلاح المعاش والمعاد وحيازة أعلى ما يكسب في الحياة من سر رضوان الرحمن والاستنارة بوحيه
للاستماع إلى المحاضرة
Audio Stream
Audio Stream
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ، في مجلس الإحدى عشرية، وذكرى سيدتنا خديجة الكبرى، في مسجد الحبيب أحمد المحضار في منطقة القويرة بوادي دوعن، ليلة السبت 11 صفر الخير 1448هـ بعنوان:
صلاح المعاش والمعاد وحيازة أعلى ما يكسب في الحياة من سر رضوان الرحمن والاستنارة بوحيه
يوضح في المحاضرة أسرار المجالس المباركة، وكيف تقام الحياة الطيبة، وحفظ القلب والدين في زمن الفتن والاضطراب..
من أبرز ما جاء فيها:
- سرّ المجالس التي تتصل برضوان الله وتُحيي القلوب.
- كيف يقود التواصي بالحق والصبر إلى النجاة من الخسران.
- أثر الاتصال بمجالس الصالحين وسند الهداية إلى النبي ﷺ.
- مشاهد مؤثرة من سيرة السيدة خديجة والسيدة صفية رضي الله عنهما.
- لماذا لا تُقاس الحياة الطيبة بالمال والجاه والشهرة؟
- العودة إلى الزراعة والصناعة والاكتفاء الذاتي في أزمنة الأزمات.
- تحذير نبوي من تكفير المسلمين وسوء فهم القرآن.
- كيف يحفظ المؤمن دينه ومعاشه عند اشتداد الفتن؟
- دعاء بصلاح القلوب والفرج على الأمة وجمع شمل المسلمين.
نص المحاضرة:
بركات الاجتماع وفضل مجالس الخير
سبحان مَن أكرمَ بالاجتماع، ووعدَ الانتفاع. لا إله إلّا هو وحدَه لا شريكَ له، هيّأ لنا اللقاءَ في دوائر التُّقى؛ لنتّصلَ بتلكمُ الحِبال، وننالَ نصيبَنا من واسع النَّوال في الدنيا والمآل.
يا واسعَ الإفضال وفِّرْ حظَّ كلِّ حاضر، وحظَّ كلِّ مشاهدٍ وسامع، وحظَّ كلِّ محبٍّ ومُوالٍ، والمسلمين في المشارق والمغارب. أنت المُغيثُ لهم فأغِثْهُم يا خيرَ مُغيثٍ بالغِياث الحثيث، ورُدَّ عنهم شرَّ كلِّ خبيث.
والدواعي التي دعتكُم للاجتماع من فضل ربّكم وعطاياه الوِساع جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه، من شأنها إذا قُمتُم بحقِّ هذه الاستجابة، وما يتّصل بها من نيّاتٍ وعَزَماتٍ تكون في قلوبكم في مستقبل أعماركم، فيما تنطلقون به على نورانيّة وحيِ ربّكم، وبلاغِ نبيّكم المصطفى ﷺ، تحوزون به سرَّ الاتّصال بأسرار الاجتماعات كلِّها.
ومعنى الاجتماعات كلِّها؛ أنّ الاجتماعات التي فيها خيرٌ في الأرض أو في السماء، هي الاجتماعات التي اتّصلت برضوان الله، وما يترتّب على رضوانه ويَنتج من رضوانه؛ من تقريبٍ، أو تعريفٍ، أو تنقيةٍ للقلوب، أو غَفرٍ للذنوب وما إلى ذلك، وكلُّها عطايا الرضوان فوقَها، والرضوانُ أكبرُ منها.
وما من مجلسٍ لم يكن فيه رضوانُه إلّا وذلكم المجلسُ هباءٌ منثور، لا بل آفةٌ ومحذور، وشدائدُ وحسرةٌ في يوم البعث والنشور، وما جلسَ قومٌ مجلسًا لم يذكروا اللهَ فيه، ولم يُصلّوا على نبيّهم إلّا كان عليهم حسرةً يومَ القيامة.
التواصي بالحقّ وثمراتُه
ذكرتُمُ الربَّ، وصلّيتم على حبيبه المُقرَّب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، واستمعتم إلى النصائح والوصايا؛ لندخل في دائرة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصَوْا بالحقِّ وتواصَوْا بالصبر، ومَن سواهم خاسرٌ بحَلِفِ ربّكم في كتابه: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).
دعتكُمُ الدواعي فلبّيتُم وحضرتُم، والتواصي بالحقِّ والصبرِ الذي يقوم على الإيمان وزيادتِه، وهو رأسُ العمل الصالح الذي يقوم به العملُ الصالح، هو التجارةُ الرابحة لنا أجمعين، جعلها اللهُ في كلِّ فردٍ منّا، وفي بيوتنا ومنازلنا ومساكننا، وفي أسواقنا ومساجدنا، وحيثما كنّا وأينما كنّا. وذلكم أداءُ الشكر الذي تنالون به المزيدَ من حضرة المَلك المجيد: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).
اجتمعتم في أمنٍ، اجتمعتم في طمأنينة، اجتمعتم في عافية، اجتمعتم في اتّصال أسانيدَ بالكبار إلى سيّد المختار ﷺ، اجتمعتم وأنتم من أهل الهدى، اجتمعتم في تيسير، واجتمعتم في حُسن تدبيرٍ من العليّ الكبير.
كلُّ ما يجري في العالم وما فيه من مصائبَ ما أُخِذتم بشيءٍ منها، من أين جئتم بالأمن؟ من أين جئتم بالطمأنينة؟ من أين جئتم بالسكينة؟ من أين جئتم بهذه التنزّلات من فوق؟ من أين جئتم بالتشبّه بالكبار؟ من أين جئتم بمجلسٍ يرتبط بما قبله، بما قبله، بما قبله، إلى أن نصلَ إلى مجالس المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟
نماذجُ من نساء الوحي: السيّدة خديجة والسيّدة صفيّة
والذي كان حظُّ سيّدتنا خديجة كبيرًا منها، جالسَتْه من قبل ظهور النبوّة وبعد ظهور النبوّة، وهي في كلِّ الأحوال ألقى ربُّ العرش في قلبها محبّتَه؛ لأنّه أحبَّها جلّ جلالُه، وسمعتم بمرأةٍ ينزل إليها السلامُ من الله خالقِ السماوات والأرض على يد جبريل، إلى خيرِ مصطفًى بالسلام عليها غيرَ خديجة؟ سمعتم؟! ما مقدارُها عند ربّ الأرض والسماء؟ عليها رضوانُ الله تبارك وتعالى.
والإمام مسلمٌ لكم يروي في صحيحه يقول المصطفى ﷺ: «هذه خديجةُ مُقبِلةٌ عليك بإناءٍ فيه طعام». إناءٌ فيه طعام، ليش؟ لأنّها تخدُم، ما عندها خدَم؟ عندها خدَم، عندها عمّال، عندها أموال، عندها ثروة، لكن تحبّ تخدمه بنفسها، تقوم بيدها له، تُقدِّم الطعام له. «فإذا دخلَتْ فأقرِئها السلامَ من الله ومنّي» قال جبريل إذا ربي يسلم عليها انا أُسلِّم عليها! «وبشِّرْها ببيتٍ في الجنّة من قصَب، لا صخَبَ فيه ولا نصَب». دخلَتْ وبشَّرها ﷺ، أجابت، قالت: «اللهُ السلام، ومنه السلام، وعلى جبريلَ السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه».
عليهم سلامُ الله جلّ جلالُه وتعالى في عُلاه، وقامتِ الآثارُ لأسرار هذه الاستجابة، المجالَسة وتوفَّر حظّها منها كثير، عليها رضوانُ الله تبارك وتعالى، واستفادت وتنوَّرت، وهُيِّئت للمراتب العُلى، فكانت خيرَ أزواجه وأفضلَ أزواجه.
وكلُّ أزواجه أمّهاتُ المؤمنين، إلى آخرِ من تزوّج بها عليه الصلاة والسلام؛ صفيّةَ بنتِ حُيَيّ، تحوّلت من يهوديّةٍ وكافرة، إلى مؤمنةٍ ومسلمة، إلى مقرَّبةٍ من الجناب الأشرف، إلى أمومةٍ لأهل الإيمان إلى يوم القيامة، كلُّ هذه السعادات كسبَتْها من القرب منه ﷺ، من الصلة به صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
ولم يزلِ الأمرُ كذلك، حتّى لمّا دار بين أمّهات المؤمنين أنّها هذه كانت في اليهوديّة، أبوها يهوديّ، وعمُّها كان من زعماء اليهود الذين يؤذون رسولَ الله ﷺ.. فذكرَتْ للنبيّ، قال: «إن عُدنَ إلى شيءٍ من مقالتهنّ فقولي لهنّ: مَن مِنكنّ جدُّها نبيٌّ وعمُّها نبيّ؟» أمّا زوجكن النبيّ أنا شاركتُكنّ فيه، زوجُكنّ سيّدُ الأنبياء وأنا معكنّ، لكن جدّي نبيّ وعمّي نبيّ؛ جدّي هارون، قال: جدّك هارون، وعمّها؟ عمّك موسى أخو هارون، وفي يوم يتكلّمون - عمّها يهوديّ - ، قالت: أمّا رسولُ الله محمّدٌ شاركتُكم فيه، ولكن أيُّكنّ مع المشاركة أنّها زوجةُ نبيٍّ، جدُّها نبيٌّ وعمُّها نبيّ؟ قالت أبي هارونُ جدّي وعمّي موسى، سكتنَ، عرفنَ جاءت بالجوابَ من أين! عرفنَ، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
الذي يُصلح الأمورَ ويراعيها ويربّيها عليه الصلاة والسلام، أسرةً، أمّةً، عوالمَ، عُلويّةً وسُفليّةً، ظاهرةً وباطنة، أقامتها إرادةُ الجبّار القهّار بوَساطة النبيّ المختار ﷺ، وبسببيّة النبيّ المختار صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
مكانةُ النبيّ ﷺ في الحضرة الإلهيّة
فالذين يهتدون بهديه كيف يضِلّون؟ أو كيف يضيعون؟ ولكن: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) كما قال الله جلّ جلالُه.
وفي سرِّ هذه المجالسات، وهو عليه الصلاة والسلام جليسُ الرحمن بكلّ المعاني، واختُصَّ أنّه في العالم البشريّ الإنسانيّ الخَلْقيّ الآدميّ الدنياويّ، خُصَّ بجلسةٍ فوق العرش مع الرحمن، ما استطاع طاووسُ الملائكة جبريلُ أن يدنوَ من مكانها، ووقف عند سِدرة المنتهى، وتناولته يدُ العناية حتّى جلس على العرش وكلَّم الربَّ وجالسه.
مجالَسةٌ ما جالسَ بها أحدٌ قبلَه، ولا جالسَ أحدٌ بها بعدَه، وجليسُ مَن ذكرَه سبحانه وتعالى، كان يكتب الحبيبُ عليٌّ الحبشيّ وغيرُه، الحبيبُ أحمد المِحضار يقول: مِن جليس الله أحمد بن محمّد المِحضار. الرحمن يقول في حديثه القدسيّ: «أنا جليسُ مَن ذكرَني»، وذكروه بحقِّ الذكر وعلى وجهه.
فضلُ مجالس القرآن ومكانةُ الصالحين
القبرُ هذا وحدَه شهد ثمانيةَ آلاف خَتْمةٍ قرأها قبل أن يموت! وسط هذا القبر، وإذا كان البيتُ الذي يُقرأ فيه القرآنُ يتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجومُ لأهل الأرض، ماذا ترون في القبّة هذه؟ ماذا ترون في المكان هذا؟ الذي امتلأ بالقرآن وسرِّ القرآن والعملِ بما في القرآن!
وتلكم الهمّةُ العظيمة والنيّةُ الخالصة والجهدُ المتواصل، عليه رضوانُ الله تعالى، فحشى الواديَ فوق ما فيه من المكارم؛ مرَّ النبيُّ هادون ومَن كان من عهد الأنبياء، ومرَّ من بعدهم من المقرَّبين، وجاء الصحابة، وجاء التابعون، وجاء هؤلاء المشايخ الكبار؛ الذين شرَّفوا الوادي من هنا ومن هناك.
وبرزَ من ذريّة كلِّ واحدٍ منهم أعدادٌ على قدَم الاستقامة على منهج خير العباد، كسبوا من الحياة الدنيا ما يُحاز به الكرامةُ في القيامة وفي دار الكرامة، ما يُنال به السلامةُ من أهوال يوم القيامة ومن النار المُوقَدة التي تطّلع على الأفئدة. فمَن أحسنُ منهم كسبًا في هذه الحياة؟ مَن شيَّد القصور؟ أو مَن صنع الطائرات؟ أو مَن افتخر بالأسلحة، وما اسمها؟ الدمار.. دمارٌ وتفتخر به أنّك تملكه؟ أنت مُدمِّر، راضٍ بنفسك أنّك المُدمِّر! كما أنه ينافس ممنوع من أحد يملكه إلّا أنا! غايةٌ في الغَفالة، غايةٌ في الجَهالة، غايةٌ في السَّقاطة، غايةٌ في الضلالة والعياذ بالله تبارك وتعالى.
لكنّ الأنبياء جاؤونا قالوا: اكسِبوا من الحياة الدنيا ما تحوزون به سعادةَ الأبد، والنجاةَ في يوم غد، ومرافقةَ النبيّين والصدّيقين والشهداء.. مَن يكسِب في الدنيا أعظمَ من هذا؟ خيرُ كسبٍ يكسِبه المكلَّفون على ظهر الأرض المؤمنون بالله وبرسله، ولذا قال الله عن جنّاته: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ).
الحياةُ الطيّبة والاكتفاءُ الذاتيّ للمؤمنين
فاستقَوْا من رُسُل الله أقوالَهم وأفعالَهم ونيّاتِهم ومقاصدَهم، ورتّبوا على ذلك أهليهم وحرثَهم وزرعَهم وما إلى ذلك، فصلَحت لهم الدنيا والآخرة، وكما سمعتم ما تسمعون عنهم من كلّ ما نازلَهم، كان بالنسبة لهم ارتقاءً واعتلاءً، وشرفًا ورِفعةً، وسُمُوًّا إلى الخير الذي هو مصبوبٌ على المؤمن عليهم رضوانُ الله تعالى.
فما كان أحدٌ يمكن أن يعيش عيشةً حسنةً في الدنيا أحسنَ من عيشة هؤلاء الذين اتّقَوْا، وقرأها صريحةً في القرآن: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الجبار الخالق الذي بيده الملك يقول: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ)، ماذا؟ (فَلَنُحْيِيَنَّهُ)! جاء بنون العظمة ونون التوكيد، (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً). فوالله طِيب حياتهم، ما حصَّله الغافلون من ملوك الأرض، ولا من أثرياء الأرض، ولا من مُغنّي الأرض، ولا من ممثّلي الأرض، ولا من وزراء الأرض، ولا من أمراء الأرض، طِيبةٌ حصَّلوها، ما يُحصِّلها أولئك!
والمسألة سهلةٌ إذا كانت منقضية، لا، ما أُعِدَّ لهم من طِيبِ حياة البرزخ ثمّ القيامة ثمّ الأبد شأنٌ أكبر، وما أُعِدَّ لأولئك الغافلين من السوء في البرزخ ويوم القيامة أشدُّ وأشقّ: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ) والعياذ بالله تبارك وتعالى!
فاحمَدوا الذي جمعكم هذا الجمع، واللهُ يُعظِّم لكم النفع، ويَنتعش الوادي الميمون بالخيرات الظاهرة والباطنة، فيحيا العلمُ النافع والعملُ الصالح والاتّصالُ بالقرآن. وحتّى الأراضي هذه، هم غرّونا مدّةً طويلة، أبعدونا عن نخيلنا وعن زراعتنا في الأرض وخصوصًا ما يتعلّق بقوتنا، وفتحوا لنا مجالاتٍ أغرونا بها هنا وهناك، وأكثرُها ممّا يستطيعون يقيّدونه في وقتٍ من الوقت، وإذا جاءت مشكلةٌ أو حربٌ وقف وافتعلَ لكم مشكلة، وصرَفك عن شيءٍ تحت يدك، يسمّونه الاكتفاءَ الذاتيّ، من ترتيبك.
كان أهلُكم على هذا، ما قدر عليهم شرقيٌّ ولا غربيّ، وقاموا بأنفسهم ورتّبوا أنفسهم، وإن تحاربوا أهل الشرق والغرب وإلا تراضَوْا أو كذا ما عليهم شيءٌ.. لا في معاشهم ولا في دينهم، دينُهم محفوظ، ومعاشُهم بين أيديهم، وكانوا أهل حضرموت قال: ما يستوردون إلّا الإبرة والكحل فقط! والباقي كلُّه مصنوعٌ من عندهم؛ ثيابُهم، شرابُهم، طعامُهم، دواؤهم، مساكنُهم، آلاتُهم، جميعُ أجهزتهم في الديار من صُنعهم ومن صنع أيديهم، عُقلاء!
فتنُ آخر الزمان والتحذيرُ من تكفير المسلمين
ونحن الآن في آخر الزمان وعلى مشارفِ، مشارفِ افتراق الناس إلى فُسطاطَين: هذا إيمانٌ لا نفاقَ فيه، وهذا نفاقٌ لا إيمانَ فيه، من كلّ هذه الأحداث، وهي أيضًا فيها الإشارةُ النبويّة يقول في هذه المراحل: ألا مَن كان له زرعٌ فليَلحَقْ بزرعه، ومَن كان له إبلٌ فليَلحَقْ بإبله، وماشية؛ فليَلحَقْ بماشيته، يشير إلى أنّه هذه التي ستكون مجالَ صلاحِ معاشِ الناس في تلك الظروف، وفي تلك الحوادث والشدائد.
فيجب أن يكون عندنا نصيبٌ من الرَّجعة إلى حُسن التفكير في مثل هذا، وقيامِ أمرِ معاشنا من أجل معادنا. وهذه ميزةُ المؤمن؛ الكافرُ يحبّ المعاشَ من أجل المعاش ولا يدوم له ولا يصفو له، لكنّ المؤمنَ يريد المعاشَ من أجل المعاد، وكلُّ حالٍ له في المعاش كذا أو كذا يُثاب عليه وينال من صفوِ المعاش: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) يقول جلّ جلالُه، فنِعمَ التجارة التي انفتحت لكم.
والحمد لله، اجتمعتم من بلادٍ شتّى وقبائلَ شتّى، من عامّة مدن هذا الوادي، وجئتم وأنتم نيابةً عمّن في دياركم، وعن بقيّة الأحباب والإخوان، حتّى عن المُعرِضين؛ لأنّنا نتمنّى لهم أن يُقبِلوا عليه، وأن يتوجّهوا إليه، وأن لا يُغالَطوا في فهمٍ، ولا يُغالِطوا في مسلكٍ، ولا يُغالَطوا في معنًى من كلام الله أو كلام رسوله فيخسرون.. إمّا مُعرِضون وإمّا فاهمون مفاهيمَ خاطئةً باطلة.
يقول ﷺ مُحذِّرًا من هذا الخطر الذي يَزلق فيه كثيرٌ من الناس آخرَ الزمان، ماذا قال؟ «إنّ ممّا أخاف عليكم، إنّ ممّا أخاف عليكم؛ رجلٌ قرأ القرآنَ وأتقنَه حتّى رُئيت عليه بهجتُه، ثمّ غرَّه الشيطانُ -وفي رواية: اغترَّ، وفي رواية: غَيَّر- فنبذَه وراء ظهره، وحملَ سيفَه على جاره يرميه بالشِّرك». يقول: مشركين مشركين! وهذا الحديث تعدّدت فيه رواياتٌ عديدة من كتب السنّة، وأكثرها عن سيّدنا حذيفة، وبعضُها عن سيّدنا معاذ، يقولون له ﷺ: «مَن الأحقُّ بالشِّرك، الرامي أم المرميّ؟» قال: «بل الرامي». هذا الذي يقوله مسكين هو الذي واقعٌ في الشرك؛ لأنّه يُشرِّك الموقنين، يُشرِّك ليس عوام المومنين.. يجيء لخواصّهم، يجيء لأهل علمِ اليقين وعينِ اليقين وحقِّ اليقين يقول: مشركين، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فيرتدّ الشِّركُ عليه فيصير هو مشركًا، وفي الألفاظ التي رواها سيّدنا معاذ قال: «كفَّر جارَه»، قال: «مَن أحقُّ بالكفر، الرامي أم المرميّ؟» قال: «الرامي»، هو الذي قال كافر، هو ذاك هو! يعني هولاء الذين رُمُوا بالكفر ليسوا كافرين، شهادة من؟ محمّد، في حوادث تحصل آخر الزمان.. بلَّغ أو ما بلَّغ؟ بيَّن أو ما بيَّن؟ والله ما قصَّر في شيء سيّدُ الوجود ﷺ، وهنيئًا لنا بتعليمه وإرشاده وأخباره، ونتّصِل به اتّصالًا قويًّا إن شاء الله، ونمشي على منهجه السوي.
دعاء وتضرّع إلى الله
الله يجعلها ساعةَ قبولٍ ورضًا، وعافيةٍ ومغفرة، لا تجعل قلبًا من هذه القلوب إلّا وصلتَه بك، وأقبلتَ عليه، فَنعِمَ بالإقبال عليك، مُتذلّلًا بين يديك، بحقِّ القلوب الطاهرة التي أوصلتَها إليك، إن منعَتْ قلوبَنا ذنوبُنا وسيّئاتُنا عن حقيقة خضوعها وخشوعها وأدبها معك، فإنّا نستغفرك ونتوب إليك، ونتوجّه إليك بمحبوبيك؛ أن تتدارك قلوبَنا، وأن تُنقِذ قلوبَنا، وأن تُطَهِّر قلوبَنا، وأن تُصلِح قلوبَنا، وأن تغفر ذنوبَنا، وأن تُبدِّل سيّئاتِنا إلى حسنات.
فارحم موتانا وأحيانا، واجعلها ليلةً من أبركِ الليالي على حضرموت واليمن والشام والشرق والغرب، وأهلِ الحياة وأهلِ البرزخ، يا مُعطي، يا جواد، يجود ولا يبالي، يا مولى الموالي، زِدنا من نوالك، وعظيمِ إفضالك، وأمتِعنا بمناصبنا وعلمائنا وصلحائنا وأهلِ السرّ فينا، ظاهرِهم وخافيهم، وحبِّبْ إليهم البقاءَ فينا.
وأرِنا في الأمّة ما تقرّ به عينُ نبيّك محمّدٍ، وما يفرح به كلُّ مؤمنٍ يا أكرمَ الأكرمين: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).
يا عزيزُ يا رحيم، انصُرْ أهلَ الحقّ والهدى في المشارق والمغارب، وعجِّلْ بالفرج للمسلمين، والهدايةِ للمسلمين، وجمعِ شملِ المسلمين، والصلاحِ للمسلمين، والتوفيقِ لمرضاتك، والدخولِ في أهل محبّتك ومودّاتك في لطفٍ وعافية، والحمد لله ربّ العالمين.
تاريخ النشر الهجري
11 صفَر 1448
تاريخ النشر الميلادي
25 يوليو 2026
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(6)
(69)
(671)
(1970)
(154)
(56)
العربية