كلمة في بيت الشيخ محمد بن عوض البسيري، في الشحر 1448هـ

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في بيت الشيخ محمد بن عوض البسيري، مدينة الشحر، ساحل حضرموت، ضحى الأحد 16 ربيع الثاني 1448هـ

 

نص المحاضرة:

حقيقة الحياة الدنيا وكنوز الابتلاء

ما ينزِل على القلوب والعقول في هذه الحياة الدنيا: عناوين ما يُرادُ بالناس في العُقبى؛ لأن الله سبحانه وتعالى مع قِصَر هذه الحياة وسرعة فنائها وزوالها، خبَّأ فيها من جواهر السَّبْق والظفر بالنعيم والقرب والخُلْد المؤبَّد في العطايا الوسيعة ما لا حدَّ له. بل الأمور الكبيرة الموصوفة في الدار الآخرة مما لا غاية له، نتائجُ كلُّها لما يجري في الحياة القصيرة الفانية، محلِّ الابتلاء والاختبار.

يُبتلى فيها الإنسان بالغنى، يُبتلى فيها بالفقر، يُبتلى بالمرض، يُبتلى بالصحة، يُبتلى بالظهور، يُبتلى بالخفاء، وكلها محلات اختبار، لكن كنوز السَّبْق فيها مخفيَّة، بحسب تلكم الإرادات الكبيرة والوجهات الصادقة الخالصة لوجه الله تبارك وتعالى وقصده سبحانه وتعالى، تلبيةً للنداء الذي حمله الأنبياء، والذين خُتموا بمن شُرِّفتم به وكنتم خير أمة: محمدٍ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

الحقيقة المحمدية وسر الاتصال بالله

الذي لولاه ما كان اجتماعٌ ولا كان استماعٌ ولا كان ارتفاعٌ ولا كانت هذه العلائق القلبية، سواء لهؤلاء المشايخ: آل البسيري، الشيخ عبد الله بن أحمد بن معروف باعبَّاد عليه رضوان الله تبارك وتعالى، وهو رَبْطُهم ببحورٍ ومحيطاتٍ متصلةٍ بالمحيط الكبير للبشير النذير ﷺ. 

والحبيب ﷺ مهمته الكبيرة ربطُ الخلائق بالخالق، سواء منهم الملائكة أو الأنبياء ومن دونهم؛ هو بابُهم وهو سرُّ وصولهم، وهو سرُّ إقبال الحق عليهم وإقبالهم على الحق، فهو الذي لا يعرفه غيرُ ربِّه ﷺ وبارك عليه وعلى آله.

اختيار الحقُّ أن تظهر الحقيقة المحمدية في قالبٍ بشريٍّ آدميٍّ في الصورة، تكرمة للآدمية وللإنسانية؛ فلهذا ما وقع من كرمٍ الله شيءٌ لأجناس الوجود كما وقع لهذا الجنس من الخلق وهم بنو آدم؛ لأن الله اختار أن يُبرز هذه الحقيقة في هذا، وإلَّا فحقيقتُه المحمدية أكبرُ من الآدمية والإنسانية، وأكبرُ من المَلَكية والجِنِّية، وأكبرُ من الجمادات والنباتات والحيوانات بأصنافها من العرش إلى الفرش، شؤونه أجلُّ من ذلك ﷺ.

ولكن الله سبحانه وتعالى أراد إبرازه وظهوره في هذا القالب إنسان بشرًا ﷺ وعلى آله بخصائصه الكبيرة عليه الصلاة والسلام، فحمل المولدُ الكريم عجائبَ من الفضل الرباني والمنَّة على أمته الخيرية ﷺ. وكما سمعتم:

فنحن في ذلك الضياء وذلك الـ** نور وسُبُلَ الرشاد نخترقُ

إلَّا أننا في سبل الرشاد هذه شؤونُ وجهاتنا ونياتنا وإراداتنا هي المؤثرة بحكم سُنَّة الخالق المبدئ المعيد الفعَّال لما يريد جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

موقف سيدنا أبي بكر وطربه برؤية الحسن بن علي

أما شؤون الانطواء في الجناب النبوي الذي يترتب عليه معرفةُ قدر أصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين، ومعرفةُ قدر آل بيته عليهم رضوان الله تعالى، وأن يشهد مثلُ الشيخ عبد الله المعروف عليه رحمة الله تبارك وتعالى اليدَ التي يُقبِّلها من الطفل أنها امتدت من يد محمدٍ ﷺ؛ فهذه شؤونٌ تنطوي بها المسافات، وتَبْعُد الآفات، وتَعْظُمُ الخيرات بما لا حدَّ له ولا له نهايات. 

إذا أراد الله لعبدٍ أن يطويَ عنه المسافة الطويلة ويُبعِد عنه الآفة الرذيل والرذيلة، سلَّط على قلبه المشاهدَ الجميلة، فصار يعيش مع الله ورسوله في الوجود.

هذا الأمر الذي كان سيدنا أبو بكرٍ يقوله في مشهده: "ارْقُبُوا مُحَمَّدًا فِي آل بَيْتِهِ" في صحيح البخاري.

أبو بكرٍ الصديق كان مع فقد للذات المحمدية من حيث هيكله وجسمه الشريف، كان يرقبه ﷺ في آل بيته ويقول هذا عندي، ولما خرج من المسجد مع سيدنا علي بن أبي طالب، وجدوا سيدنا الحسن في الشارع صغير يلعب في ثمان سنين، هفَّ إليه سيدنا أبو بكرٍ وأقبل عليه نحوه، وأخذ يرفعه من الأرض ويضعه، ويقول: "بأبي، بأبي" -يتفدَّاه بأبيه- "شبيهٌ بالنبي لا شبيهٌ بعلي"، قال: أنا أرى وجه الحبيب هنا.

ومع أبيه علي بن أبي طالب لكن قال المرآة تُبرِز نور محمدٍ ﷺ، قال: "بأبي بأبي، بأبي بأبي، شبيهٌ بالنبي لا شبيهٌ بعلي"، وأخذ في طرب، يطرب سيدنا أبو بكرٍ مأخوذَ الروح مع هذا الطفل، وسيدنا عليٌّ قائمٌ يتبسَّم ويضحك، وهذا أخذه مشهدُه الكبير في هذا الطفل وغاب عن العالم كله، وقعد خليفة رسول الله ﷺ يترزّح في طربه: "بأبي بأبي، شبيهٌ بالنبي لا شبيهٌ بعلي، بأبي بأبي…"، لو رأيتَ أبا بكرٍ في طربته في تلك الساعة! لأنه شرب من الكأس، ولَمَّا شرب من الكأس ذاق! هذا الذَّواق الذي لا يُعبَّر عنه، ومسكينٌ من حُرِمَه.

كأس المحبة ووجهات المفلحين

وفيه قالوا: 

على نفسه فَلْيَبْكِ  مَن ضاع عمرُه ** وليس له منها نصيب ولا سهمُ

والله يوفِّر حظَّنا من هذا الذوق ويسقيَنا من تلك الكأس. 

فَبَلَّةٌ من كأسها المَختومِ ** تملأ رياضَ القلب بالعلومِ

وتحفظ الفهمَ عن الوُهومِ ** وتُطلِق العقلَ عن العِقالِ

وفي باب الاتصال بهذه الحقيقة نطقت حكمةُ أخيار الأمة على مدى القرون، وقالوا: مَن لم يرَ وجهَ مفلحٍ كيف يفلح؟ مَن لم يرَ وجهَ مفلحٍ كيف يفلح؟ ومَن رأى وجهَ مفلحٍ -يعني بعين المودّة والمحبة- كيف لا يفلح؟ الباب مفتوحٌ أمامه، ما أقربَ الفلاحَ منه إذا نظر إلى وجوه المفلحين بهذا الأمر!

والمفلحون ووجوهُهم ونورانيَّتُها كلها راجعةٌ إلى ذرَّاتٍ برزت من وجه محمدٍ ﷺ، وجهُ محمدٍ الذي علَّمه الله أن يُنبئنا بقوله: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، ﷺ هو أولُ المسلمين، (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).

الحقُّ تبارك وتعالى في هذه الآيات يقول: أَنبِئْ أمّتَك عن سرٍّ بيني وبينك، أبرِزْ منه هذه الذرَّة والجزئية ممَّا بيني وبينك، وقل لهم: هذا وجهي وهذه وجهتي وهذه حالتي مع الرب جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

فأمرهُ أن يقول ذلك؛ ليتنبَّه مَن يتنبَّه، ويتوجَّه مَن يتوجَّه، ويتذكَّر مَن يتذكَّر، ويتنوَّر مَن يتنوَّر، ويتبصَّر مَن يتبصَّر، ويتهيَّأ للشرب من هذا الكأس الرَّائق العظيم.

وراثة السر النبوي وتذوق شراب المحبة

والذي قال سيدنا شهاب الدين عليه رحمة الله تبارك وتعالى ورضوانه، شيخُ سيدنا الشيخ أبي بكر بن سالم، الذي كان ينظر إليه في حال صباه فيرى أنوارًا كبرى ويرى أحوالًا عظمى. 

حتى لما جاء به أبوه سالم بن عبد الله إلى عنده ويقول له: شوف أبو بكر تأخَّر في حفظ القرآن، قال: ولدُك هذا؟ القرآنُ يُقبل عليه بكُلِّه وسرُّ القرآن فيه، وعاد قافلةُ الروم بتحُطُّ تحت بيته.. يقول لهم، وهو طفلٌ صغير، ويقول عاد قافلةُ الروم بتحُطُّ تحت بيته!

وهكذا الأمر في شأن الرعاية، يقول سيدنا شهاب الدين: 

الحمدُ للهِ نفسي قد عرفتُ لها ** والقلبُ مني بسرِّ الذكرِ منتبها

وغُصتُ في الفكرِ بعد الذكرِ منغمسًا ** في بحرِ نورٍ سما سرِّي بها وزها 

وكنتُ عبدَ الهوى واليومَ مالكُهُ ** وصرتُ مولى الورى مُذ ذُقتُ سلسلَها

إلى أن قال: 

سُلافةٌ من رحيقٍ فائقٍ أنِقٍ ** مَن ذاقها صار نشوانًا بها وَلِها 

هذا شرابُ الشيوخِ والأصولِ لنا ** من لدنْ خيرِ الورى حتى شربتُ لها

هذا شرابُ الشيوخِ والأصولِ لنا ** من لدنْ خيرِ الورى حتى شربتُ لها

هذا شرابُ الشيوخِ والأصولِ لنا ** من لدنْ خيرِ الورى حتى شربتُ لها

قال أربابُ المعرفة: وكان سيدنا الإمام أبو بكرٍ العدني بنُ الإمام العيدروس -عليه رحمة الله- يرعى مَن يأخذ الخلافةَ الكبيرة بعده والمرتبةَ في القطبانية التي فيها، ورأى لها شهابَ الدين واستلمها منه، وكان شهابُ الدين ينظر ويرعى يمين وشمال، مَن الذي يحمل الخلافةَ الكبرى من بعده؟ وأعطاها أبا بكر بن سالم، الشيخَ أبا بكر، عليهم رحمة الله تبارك وتعالى.

بثوابت قد سبقت رتَّب الله عليها إرسالَ الرسل مُرتَّبين، ثم بروزَ الخلفاء لهم في كل أمةٍ من الأمم وفي كل عصرٍ من العصور، إلَّا أنّ الأمة هذه مخصوصةٌ بخصائصَ كبيرةٍ ومميَّزةٌ بميزاتٍ عظيمةٍ من عند الحق جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

وهذه الرعاية القائمة التي امتدت من شاربِ هذه الكؤوس من خيار الناس إلى مثل هذا المجلس المبارك، وسرايةُ العناية وآثارُها فيه ساريةٌ بالفضل الرباني والجود الامتناني، وليبقى هذا النور وهذا الشعاع في الأمة إلى المدى الذي كتبه الله سبحانه وتعالى إلى أن يأذن برفع الخير برفع القرآن.

وهناك تتحوّل الأرض إلى وجهها الخبيث السيئ حتى تقوم الساعة على شرار الخلق والعياذ بالله تعالى، وقبل ذلك فالمدد فيَّاضٌ بعجائب الفيض من الحق تعالى بواسطة نبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

كيف نغتنم لحظات الدنيا لبلوغ النعيم المؤبد؟

فخذوا نصيبكم مِن مثل هذا المجلس في إنابةٍ إلى الرب، وإرادةٍ لأن يظفر الواحدُ منكم أنه من هذا الكأس يشرب، حتى يلحق بأولئك القوم ويدخل في ذلك الركب.

فما أسرعَ ما تنطوي هذه الحياة! ولكن قلنا الجواهرُ التي فيها غاليةٌ وشريفةٌ لمن عرف حقَّها ولمن قام بحقِّها، وإلَّا فكلُّ عجائب مُلْك الآخرة مُرتَّبةٌ على اللحظات هذه التي تمرُّ بنا في الدنيا: من حيث وجهتُنا، من حيث مشهدُنا، من حيث أدبُنا، من حيث صدقُنا، من حيث إخلاصُنا، من حيث اقتداؤنا، من حيث اهتداؤنا، من حيث مخالفتُنا لأهواء أنفسنا، من أجل ربنا قدُّوسنا سبحانه وتعالى، من حيث سكونُ المحبة للحق ولرسوله.

وكما قال الإمام الغزالي: جميعُ المقامات ما قبل المحبة سبيلٌ إليها؛ من التوبة، إلى الصبر، إلى الخوف، إلى الرجاء، إلى الشكر، بأصناف هذه المقامات كلها وسيلةٌ إلى المحبة، وما بعدها ثمرةٌ لها ونتيجةٌ عنها، فهي القطبُ بين المقامات كلها: المحبةُ لله ولرسوله ولآل بيته ولصحابته وما يتفرع عن ذلك.

دعوات مباركة

فالله يرزقنا نصيبًا من هذه المحبة وافيًا. 

يا الله بذرّة مِن محبة الله ** نفنى بها عن كل ما سوى الله

ولا نرى من بعدها سوى الله ** الواحد المعبود ربِّ الأرباب

على بساط العلم والعبادة ** والغيب عندي صار كالشهادة

هذا لعَمري منتهى السعادة ** سبحان ربي مَن رجاه ما خاب

اللهم رجوناك فلا تُخيِّب رجاءنا، ودعوناك فلا تردَّ دعاءنا، واجعل هذه البيوت معمورةً بالخيور، وانظر إليهم وأولادهم وأحفادهم ومَن والاهم فيك نظرًا ربانيًّا تُصلح به شؤونهم الظاهرة والباطنة في الدنيا وفي الآخرة.

وتتولَّانا وإياهم ولايةً تُبعد بها عنا كيدَ إبليس وجُنده وكلَّ عائقٍ يعوق عن الحِمى الرفيع المَصون، واجعلنا في دائرة الأمين المأمون، وبلِّغ أحبابنا هؤلاء والشيخَ محمد والشيخَ سالم ومَن معهم ما يريدون وفوق ما يريدون، وما يرومون وفوق ما يرومون مِن عطائك الواسع.

وبارك لهم في قدوم منصب الشيخ أبي بكر بن سالم، وحضورِ الحاضرين من آل البيت ومن المحبين ومن العلماء ومن الدعاة ومن العامة، وكلُّهم دائرةٌ واحدةٌ تحت نظر من واحدٍ راجعٍ إلى واحد والمقصودُ به الواحد سبحانه وتعالى. 

والله يُتمُّ النعمة علينا وعليكم، ويجمعنا في زمرة حبيبه إن شاء الله وفي دار الكرامة وهو راضٍ عنا، ويُعجِّل بالفرج للمسلمين وغياثِ الأمة أجمعين، ويُحوِّل الأحوال إلى أحسنها، إنه أكرمُ الأكرمين، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

23 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

04 أكتوبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية