من خصوصية حفظ الله للقرآن الكريم في الأمة حفظه لكل من اتصل بالقرآن وقام بحقه
كلمة موجزة تتضمن توجيهات قرآنية قيمة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ قبل ختم القرآن الكريم الأسبوعي في دار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية. بعنوان:
من خصوصية حفظ الله للقرآن الكريم في الأمة حفظه لكل من اتصل بالقرآن وقام بحقه
الخميس 21 شوال 1447هـ
اختصاص هذه الأمة بحفظ القرآن
أكرمَ اللهُ الأُمَّةَ في أعظمِ ما أكرمَها بحبيبِهِ محمَّدٍ والقرآنِ المُنزَلِ عليهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وجعلَ مِن خصائصِ هذا القرآنِ أن يتولَّى بألوهيَّتِهِ وربوبيَّتِهِ وعظمتِهِ تبارك وتعالى حِفظَهُ لهذهِ الأُمَّةِ إلى أن تقومَ الساعةُ، وكان ذلكم مِن أعظمِ وأجلِّ مِنَنِ اللهِ علينا ونِعَمِهِ الكبيرةِ.
وخُصوصيَّةُ الحفظِ للقرآنِ الكريمِ مِن اللهِ تعالى للأُمَّةِ، يرتبطُ بها أنَّهُم كُلَّما اتَّصلوا بهذا القرآنِ وقاموا بحقِّهِ؛ حُفِظوا ودُفِعَت عنهُم أنواعٌ مِن الآفاتِ والبلايا، مِن شُرورِ عدوِّهِم إبليسَ وجُندِهِ مِن الإنسِ والجنِّ، وأنواعُ الشرورِ والآفاتِ والعاهاتِ تُدفَعُ باتِّصالِهِم بهذا القرآنِ.
قوَّةُ يقينِهِم أنَّهُ كلامُ ربِّهِم جلَّ جلالُهُ، ثم تدبُّرُهُ وتأمُّلُ معانيهِ والعملُ بمُقتضاهُ، والاتِّصالُ بهذهِ التلاوةِ والتدبُّرِ للمعاني في مُختلفِ الأحوالِ، وأن يستخرجوا منها رُشدَهُم وهُداهُم فيما يُنازِلُهُم مِن أحوالٍ مُختلفةٍ؛ كلُّ هذا سببُ حفظِ الأُمَّةِ مِن أنواعِ الشرورِ وكُلِّ محذورٍ.
الحفظ الإلهي لأهل القرآن
فإنَّ الذي حَفِظَ الذِّكرَ، يحفَظُ بالذِّكرِ أهلَ الذِّكرِ: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
وكلَّما حَفِظوا هذا القرآنَ، وحَفِظوا معانيهِ، وحَفِظوا العملَ بِما فيهِ، وحَفِظوا تعظيمَهُ وإجلالَهُ؛ ضُرِبَت عليهِم سِرادُقاتُ الحفظِ الإلهيِّ.
حَفِظَهُم في وِجهاتِهِم ونيَّاتِهِم، وحَفِظَهُم في مقاصِدِهِم وعقائدِهِم، وحَفِظَهُم في أنفُسِهِم وأهليهِم وأولادِهِم، وحَفِظَهُم في معاشِهِم، وحَفِظَهُم في معادِهِم، وحَفِظَهُم في مُختلفِ شؤونِهِم، يُحفَظونَ بحَسَبِ ما حَفِظوا.
وهُوَ الذي أشارَ إليهِ ﷺ بقولِهِ لابنِ عبَّاس: "احفظِ اللهَ يَحفَظكَ"، احفظِ اللهَ يحفظك.. ورأسُ حِفظِكَ للهِ -يعني حِفظِكَ لدينِهِ وشريعتِهِ ومنهاجِهِ، وامتثالِ أوامرِهِ واجتنابِ نواهيهِ- رأسُ ذلكَ القرآنُ الكريمُ.
تقوية الصلة بالقرآن وتحقيق حفظ الله
حِفظنا القرآن: إيماناً وتعظيماً وتلاوةً وتدبُّراً وعملاً بِما فيهِ؛ هذا الأساس لأنَّنا حَفِظنا اللهَ فَيَحفَظُنا الله.
"احفظِ اللهَ يَحفَظكَ، احفظِ اللهَ تَجِدهُ تُجاهَكَ"، حاضِراً معكَ في كُلِّ حالٍ وكُلِّ ظرفٍ، وكُلِّ شِدَّةٍ وكُلِّ نازلةٍ، تَجِدهُ أمامَكَ، تَجِدهُ تُجاهَكَ جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاه.
فيجبُ أن تَتَوَثَّقَ صِلَتُنا بالقرآنِ وتَتعمَّقَ، وأن نزدادَ إيماناً ويقيناً بهِ، وحُسنَ تدبُّرٍ لِمعانيهِ، وتأمُّلاً وعملاً بِما يَقتضيهِ، وأن نَسترشِدَ بهِ، نلتمِسُ الهُدى مِنهُ ولا نلتمِسُ الهُدى مِن غيرِهِ.
وبذلك: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
إذاً؛ فنحتاجُ إلى أن نُقَوِّيَ صِلَتَنا بالقرآنِ وحِفظَنا للهِ تعالى في كتابِهِ، مِن خِلالِ هذا التعظيمِ والتلاوةِ والتدبُّرِ، وإعلاءِ شِعارِهِ في ديارِنا وفي مساجدِنا وفي مُجتمعاتِنا وفي أنحاءِ حياتِنا.
رَزَقَنا اللهُ تعظيمَ كتابِه، مَن جَعَلَهُ أمامَهُ قادَهُ إلى الجنَّةِ، ومَن جَعَلَهُ خَلفَ ظهرِهِ ساقَهُ إلى النارِ، نعوذُ باللهِ مِن ذلكَ.
اللهمَّ اجعلنا عِندَكَ مِن أهلِ القرآنِ، وارفعنا بالقرآنِ، واحفظنا بالقرآنِ، واحفَظنا بِما حَفِظتَ بهِ القرآنَ، واجعلنا مِن أهلِ حِفظِ القرآنِ، وفَهمِ معانيهِ، وحِفظِ العملِ بِما فيهِ، برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ.
مجالس الختم والدعاء المستجاب
وطلباً لذلكَ والتحقُّقِ بهِ؛ تقومُ الختومات بالتعظيمِ والإجلالِ، فتتوزَّعونَ كُلُّ بضعةِ نفرٍ مِنكُم يحتلقونَ فيقرأونَ هذهِ السُّوَرَ، لكن بالتعظيمِ، بالإجلالِ، بأن نَستشعِرَ أنَّها كلامُ ربِّ العرشِ العظيمِ، مُكَوِّنِ الأكوانِ والذي بيدِهِ ملكوت كل شيء.
هذا كلامُهُ نَزَلَ على أطهرِ قلبٍ وأنوَرِ قلبٍ وأشرفِ قلبٍ، قلبِ مُحمَّدٍ ﷺ، وبلسانِهِ بُيِّنَ لنا ويُسِّرَ لنا، فنحنُ نتلوهُ؛ ينبغي أن نتلوَهُ بهذا التعظيمِ والمحبَّةِ. ونجتمعُ على الدُّعاءِ عِندَ ختمِ القرآنِ، كما قال سيدنا: كانوا يَرَونَ أنَّ الدُّعاءَ مُستجابٌ عِندَ ختمِ القرآنِ.
وندعو بهذهِ الدعواتِ العظيمةِ للإمامِ علي زينِ العابدينَ بنِ الحسينِ، التي جَمَعَت خَيْراتِ الدُّنيا والآخِرةِ بلسانِ عارفٍ ذائقٍ محبوبٍ للخالقِ، مِن عِترةِ خيرِ الخلائقِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فتوزَّعوا بسمِ اللهِ بالتعظيمِ والإجلالِ والمحبَّةِ، وتدبَّروا هذه السُّوَرَ الكبيرةَ، فيها رُشدُكُم وفوزُكُم ونُجْحُكُم وسعادتُكُم في الدارينِ.
17 ذو القِعدة 1447