محاضرة في مجلس القراءة والدعاء ليلة النصف من شعبان 1447هـ ( الشعبانية ) بدار المصطفى بتريم
للاستماع إلى المحاضرة
Audio Stream
Audio Stream
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في ليلة النصف من شعبان ( الشعبانية ) في دار المصطفى ليلة الثلاثاء 15 شعبان 1447هـ
نص المحاضرة:
الحمدُ للهِ مَوْلَى الكرم والجُود، والفضل الغير محدود، لا إلهَ إلا هو البرُّ المعبود، والإلهُ الموجود، والصمدُ المقصود، الذي بيدهِ ملكوتُ كلِّ شيء.
أكرمَ أهلَ قُربِه، وخواصَّ أهلِ حضرتِه بحقائقِ الشُّهود، فلم يكن لهم سُواهُ مشهود، إنَّهُ البرُّ الودود.
أرسلَ إلينا زينَ الوجود، الحامدَ المحمود، خير مَن عَبَدَ المعبود؛ فاللهُ المعبودُ الواحد، ومحمدٌ خيرُ عابدٍ وأكرمُ عابد، صلواتُ ربي وسلامُه عليه.
وعبادةُ العابدين على قَدْرِ صِلَتِها بسيِّدِ العابدين يكونُ قَدْرُها عند المعبود، ومنزلتُها لدى المقصود، ومرتبتُها في الشُّهود، على قَدْرِ رابطتِها بزينِ الوجود؛ إنْ سجدت فهذا سيِّدُ الساجدين، وإنْ ركعت فهذا سيِّدُ الراكعين، وإنْ قرأتَ القرآنَ فهذا سيِّدُ القارئين، وإنْ ذكرتَ الرحمنَ فهذا سيِّدُ الذاكرين، وهو إمامُهم كلِّهم ﷺ.
إحياء الليلة والاقتداء بسيد الوجود ﷺ
فليكُن ما وُفِّقتَ له من الإحياءِ في هذه الليلةِ مرتبطًا بإحيائِه، ولترتبطْ صلاتك بصلاتِه، وركوعك بركوعِه، وسجودك بسجودِه، وصدقتك بصَدَقَتِه، وزيارتُك للقبورِ بزيارتِه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وأمرَهُ جبريل أنْ يأتيَ أهلَ المقابرِ في هذه الليلةِ ليُؤنِسَهم، وليكونَ لهم نصيبٌ من التجلِّي الكبيرِ بحضورِ البشيرِ النذيرِ والسراجِ المنير، وأهلُ القبورِ يستبشرون بوِفادتِه إذا جاء عند قبورِهم ﷺ.
وإنْ كان المؤمنُ -كما صحَّ في الحديث- يستبشر بأخيهِ المؤمنِ إذا جاء يزورُه إلى عندِ قبرِه، قال: «إلَّا عَرَفَهُ واستأنسَ به» -يقولُ ﷺ-، فكيفَ حالُ المؤمنِ إذا جاء زينُ الوجودِ ووقفَ على قبرِه ﷺ؟
لهذا قال له عنِ المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾؛ فإنَّ الأُنسَ بمقامِكَ للمحبوبين عندنا، والمُقرَّبين، ولِمَن ينالون رحمتَنا وثوابَنا، فقُمْ، فكان يقومُ، وفي الحديثِ أنَّهُ يُطيلُ الوقوفَ على قبورِ المؤمنين ﷺ، حتى في ليلةِ النِّصف، حتى كان كما وصفت السيدة عائشةَ: فأطالَ القيام، أطالَ القيامَ بين القبورِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثمَّ رجعَ وأمضى باقي ليلتِه أيضًا في قيامِه وركوعِه وسجودِه صلوات ربي وسلامه عليه، وفي دعائه، ودعائه وتضرُّعُه وتذلُّلُه للرَّبِّ،
التذلل لله والارتباط بالمصطفى ﷺ
وما هناكَ قلبٌ خلقَهُ ربُّ العرشِ أعظمُ ذِلَّةً له من هذا القلبِ؛ لأنَّهُ أعظمُ معرفةً به، فهو أعظم القلوبِ تذلُّلًا للإلهِ الحقِّ المعبودِ جلَّ جلالُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قوَّى اللهُ رابطتَنا وإيَّاكم بهذا الإيمان بهذا المُقتدَى، بهذا القُدوة، بهذا السيِّد، بهذه الصَّفوة، بهذا المُنتقَى للرحمن، الذي رتَّبَ على مُتابعتِه مَحَبَّتَه.
وآيةُ حبِّ الله مِنَّا اتِّباعُهُ ** به وَعَدَ الغُفرانِ بعدَ المحبَّةِ
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾؛ يُحبِبْكمُ الله.
دعاء للمُحبين وجُند الله المفلحين
سيِّدَنا ومولانا: في الليلةِ الكريمةِ المباركة أدخِلنا دوائرَ أهلِ محبَّتِكَ، يا ربِّ، ومَن كان مُحبًّا فزِدْهُ محبَّة، ومَن كان محبوبًا فزِدْهُ منكَ محبَّة، ومَن كان لم يظهرْ عليه شيءٌ من أثرِ ذلك فألحِقْهُ بالأحِبة، وزُجَّ به إلى رحابِ المحبَّةِ منكَ والمحبَّةِ لكَ يا أرحمَ الراحمين.
وما قُلتَ في كتابِك عند ارتدادِ مَن يرتدّ، وبُعدِ مَن يبتعد، وجُحدِ مَن يجحد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
نسألُكَ في ليلتِنا المباركةِ أنْ تجعلَنا وأهالينا وطُلَّابَنا وأحبابَنا ممَّن تأتي بهم، تُحبُّهم ويُحبُّونك، (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ) يا ذا الفضل تفضَّل علينا (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾؛ قال: أنا أرفعُ الإشكالاتِ وما يحصلُ من الآفاتِ في الأُمَّةِ فيما يتعلَّقُ بهذا الدِّينِ، بمَن أصطفيهم وآتي بهم في كلِّ زمان، وكلَّما ارتدَّ مُرتدُّون، وجَحَدَ جاحدون، فأنا آتي بقومٍ وصفُهم: أُحبُّهم، ولي يُحبُّون.
يا أكرمَ الأكرمين، سيِّدَ محبوبيكَ وسيِّدَ المُحبِّينَ لكَ شَفِّعهُ فينا، شَفِّعهُ فينا في ليلتِنا هذه، شَفِّعهُ في مَجمعِنا وأهلِ مَجمعِنا ومَن يسمعُنا ومَن يُشاهدُنا ومَن يُوالينا فيك، يا حيُّ يا قيُّومُ شَفِّعه؛ بأنْ تُدخِلَنا في دوائرِ محبَّتِكَ مع أحبَّتِك، تجعلُنا من قومٍ تُحبُّهم ويُحبُّونك.
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ليس في قلبِنا غِشٌّ لمسلم، ولا حِقدٌ على مسلم، ولا حسد، ولا كِبر، ولا رياء، ولا غرور. اللهمَّ آمين، يا مُصفِّيَ القلوبِ يا أكرمَ الأكرمين.
أسرار السجود والنصر الإلهي
وذرَّةٌ من أثرِ سجدةٍ من سجداتِه لو امتدَّتْ إليكَ لذُقتَ بها من لذَّةِ الوِدادِ لربِّ العبادِ ما لا يصفُهُ واصف، من أهلِ الأرضِ ولا من أهلِ السماء.
إذا لو جاءتْ ذرَّةٌ من سِرِّ سجدةٍ واحدةٍ من سجداتِهِ وأُمدِدتَ بها؛ ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، صلواتُ ربي وسلامُه عليه.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾؛ وأيُّ رؤية يرى حبيبُه ﷺ؟ هو يرى كلَّ شيء، لكنْ يراهُ حينَ يقوم، كيف يراه؟ كيف يرى الرحمنُ حبيبَهُ حينَ يقوم؟ ويرى تقلُّبَهُ في الساجدين؛ فإذا تقلَّبَ في ساجدٍ نازلَتْهُ عجائبُ فيضِ رحماتِ المسجودِ لهُ سبحانَهُ وتعالى.
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قال: وتابَعَ الحقُّ مُلاطفته لمَّا ذكرَ عشيرتَهُ الأقربين خاصَّةً ثمَّ المؤمنين عامَّة، قال: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ -ما قالَ لهُ: فقُلْ إنِّي بريءٌ منكم-، ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾، بريءٌ ممَّا تعملون، عملُكم هذا، لكنْ أنتم تعالَوْا سأشْفَعْ لكم، تعالوْا وارجِعوا، سأَزُجَّ بكم إلى ميدانِ القرب والمحبَّة والحضرة، ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
له الحمدُ وله المِنَّة، كم رحمَنا بهذا الحبيبِ، ورحمَ العوالمَ والوجودَ بخلقِها وإيجادِها، ولكنْ خصَّنا بأنْ جعل هذا نبيَّنا، جعله قدوتَنا، جعله رسولَنا، وجعله إمامَنا، وجعل بيننا وبينه أشرفَ الأسانيد، وأقوى الصِّلات، وأعظمَ وأوثقَ الروابط، فهذا فضلُ اللهِ تبارك وتعالى الذي تفضَّلَ على من شاء.
حزب الله الغالب
وإذا كان هؤلاء من أُمَّتِه الَّذي يقول: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾، هذا الفضلُ العظيمُ على هذه الأُمَّةِ بواسطتِه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ صِدقُ الولاءِ للهِ ورسوله والمؤمنين؛ يُخلِّصُكَ من مُوالاةِ الكُفَّارِ والفُجَّارِ والأشرارِ والذنوبِ والسيِّئاتِ، وأهلِ الذنوبِ والسيِّئات، تُوالي اللهَ ورسولَهُ والمؤمنين؛ فتصيرُ بذلك من حزبِ الله.
فتكونُ غالبًا مع النبيِّين والذين صدقوا معهم: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ومَن يتولَّى الذين آمنوا لا يقدرُ أحدٌ يشتريهِ ليُؤذيَ أحدًا منهم! لا يقدرُ أحدٌ يشتريهِ من أجل أن يُؤذيَ أحدًا من المؤمنين؛ هذا مُتولٍّ للمؤمنين! ولا يقدرُ أحدٌ يُغريَهُ ليَضُرَّ أحدًا من المؤمنين، ولا ليَغُشَّ أحدًا من المؤمنين؛ لأنَّهُ يتولَّى المؤمنين ويُعطيهم حقوقَهم ويُواليهم، وهذا من حزبِ الله، ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ولا يُغلَبونَ أبدًا لا في الدنيا ولا في الآخرة.
النَّصرُ في الدنيا والآخرة
يقول: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا تَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾، والخيرُ القائمُ في الأُمَّةِ الآنَ في الشرقِ والغرب، إذا نادينا بهِ مَن أُوذي، أو حُبِس، أو طُرِد، أو اختُطِف، أو قُتِلَ في سبيلِ اللهِ من الماضين: قُل أَنُصِرتُم أم لم تُنصَروا؟ لقالوا: نُصِرنا، نُصِرنا في الحياةِ الدنيا، وقامَ الذي من أجلِهِ قتلونا، ومن أجلِهِ حبسونا، ومن أجلِهِ خطفونا، قامَ على رغمِ أنوفِهم في الدنيا، ونحن هنا منصورون في البرزخ، وفي القيامةِ نصرٌ أكبر، القيامةُ نصرٌ أكبر، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾.
وعلى سبيلِ الخصوصِ لو قُلنا: يا روحَ الحسينِ بنِ عليّ، ويا روحَ أحمدَ بنِ صالح الحدَّاد، وروحَ محمدِ بنِ سالمِ بنِ حفيظ، أنُصِرتُم أم لم تُنصَروا؟ لقالوا: نُصِرنا في الحياةِ الدنيا ويومَ يقومُ الأشهاد، النصرُ الأكبرُ مُقبِلٌ علينا، وهمُ المنصورون.
والذين قاتلوهم من أجلِ أنْ يُخبِئوا نورَ أهلِ البيت، أو من أجلِ أنْ يُخبئوا نورَ الطريقةِ هذه، أو من أجلِ أنْ يُطفِئوا نورَ هذه الدعوة، ما حصَّلوا شيئًا من المُراد؛ نورُ الدعوةِ زادَ ضياءً، وزادَ إشراق، وعمَّ الوجود، وقامتْ به ألويةُ الاتِّصالِ بصاحبِ المقامِ المحمود، يا ربِّ صلِّ عليه.
جعلَنا اللهُ لهُ ولهذا المصطفى من خيرةِ الجنودِ يا ربَّ العالمين، اجعلنا من جندِكَ وجندِ رسولِك، أهلِ وُدِّكَ ووُدِّ رسولِك.
المغفرة في النصف من شعبان
بارِكْ لنا في ليلتِنا هذه، أسعِدنا فيها بسرِّ السجدات، وبسرِّ الركوعات، وبسرِّ القراءةِ والتلاوة، وبسرِّ الوِجهةِ إليك، قال: «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا».
وهكذا ذكرَ لنا العِتقَ من النارِ فيها، وذكرَ لنا عمومَ المغفرةِ للمؤمنين إلَّا لهذه الأصنافِ الذين رَضُوا بأنْ يكونوا أتباعًا لِمُعادٍ للهِ ولرسولِه، فاتَّبعوا مُعاديًا للهِ ولرسولِه، فانقطعوا عن مغفرةِ اللهِ جلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاه.
فإمَّا بالشَّحناءِ والبَغضاء أو الكِبرِ أو الحِقد، قال: «ويَدَعُ أهلَ الأحقادِ وحِقدِهم» -أعوذُ باللهِ تبارك وتعالى- فيغفرُ للمؤمنين ويدَعُ أهلَ الحِقدِ والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى.
الاستعداد لرمضان
وحقيقةُ الاستعدادِ لرمضانَ من مِثلِ هذه الليلةِ وبقيَّةِ هذا الشهر، فإنَّ اللهَ يكتبُ أَجْرَهُ ونوافِلَهُ قبلَ أنْ يُدخله -رمضان- ويكتبُ سبحانَهُ وتعالى إصرَهُ ووِزرَهُ قبلَ أنْ يدخله، قبلَ أنْ يدخلَ رمضان، من الآنَ، يكتب أَجرهُ ونوافِلهُ قبلَ أنْ يُدخِله، قبل أن يجيءَ رمضان، ومن الآنَ يتزوَّد مَن يتزوَّد لرمضان.
ورمضانُ بروحِهِ ومعناهُ مُتشوِّقٌ لأعدادٍ في هذه الأُمَّة، استعدُّوا خيرَ استعداد، وكانَ لهم من النصيبِ الوافي من الوِداد، فلمَّا رأى ربهم يَوَدّهم صارَ رمضانُ يَوَدّهم كذلك، ويُحبُّ حضورَهم فيه، وأن يجيء وهم على ظهرِ الأرضِ موجودون يفرحُ بهم في كلِّ ليلةٍ من لياليهِ وفي كلِّ يومٍ من أيامِه.
وكان أربابُ الخيرِ والهُدى جميعُهم يشتاقون لرمضان، يُحبُّون رمضان، فرمضانُ يشتاقُ لخواصٍّ فيهم شوقًا كبيرًا أعظمَ من شوقِ البقيَّةِ له، عليهم رضوانُ اللهِ تبارك وتعالى.
جعلنا اللهُ من خواصِّ أهلِ رمضان، ووفَّرَ حظَّنا من أوَّلِ ليلةٍ منهُ ومن كلِّ ليلةٍ من لياليه، ومن ليلةِ القَدرِ على وجهِ الخصوص، اجعلِ الكلَّ مِنَّا فيها بوافرِ الإمدادِ والنظرِ من الرحمنِ مخصوص.
الدعاء
يا ربِّ هَبْ لنا العطاءَ الوافر، وأصلِحْ لنا الباطنَ والظاهر، فرِّجْ كروبَ أُمَّةِ نبيِّكَ محمد، وادفعِ البلايا عنهم، واجمعْ شملَهم، وألِّفْ ذاتَ بينِهم.
يا ربِّ ألِّفْ بينَ قلوبِهم في الخير، وادفعْ شرَّ بعضِهم عن بعض، يا ربّ وجنِّدهم لكَ ولرسولِك، وخلِّصهم من التجنُّدِ للأنفسِ وللأهواءِ ولشياطينِ الإنسِ والجنِّ من أهلِ الشرقِ والغرب.
أنقِذِ الأُمَّةَ من هذه البلايا ومن جميعِ الرَّزايا، وأصلِح لنا الظواهرَ والخفايا.
اجعلها من أبركِ الليالي علينا وعلى أُمَّةِ حبيبِكَ المحبوب، واغفِرْ لنا جميعَ الذنوب، واعتِقْ رقابَنا من النارِ ورقابَ آبائِنا وأُمَّهاتِنا، وزِدنا من فضلِكَ ما أنتَ أهلُه، يا برُّ يا ودود، يا أكرمَ الأكرمين، ويا أرحمَ الراحمين، بوجاهة عبدِكَ الأمينِ وأهلِ التمكين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
تاريخ النشر الهجري
15 شَعبان 1447
تاريخ النشر الميلادي
02 فبراير 2026
مشاركة
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(6)
(63)
(651)
(1924)
(153)
(41)
العربية



