دروس رمضان وموجبات السعادة وإصلاح جهاز المراقبة لعالم الغيب والشهادة
مذاكرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مسجد الشيخ أبي بكر بن سالم في منطقة عينات، وادي حضرموت، ظهر الجمعة 24 رمضان 1447هـ بعنوان:
دروس رمضان وموجبات السعادة وإصلاح جهاز المراقبة لعالم الغيب والشهادة
لمشاهدة جزء من المحاضرة (اضغط هنا)
نص المحاضرة:
فضل العشر الأواخر ومضاعفة الأجور في رمضان
الحمد لله على هذه التَّنَزُّلَات، الحمد لله على هذه السَّكِينَة، الحمد لله على هذا التَّفَضُّل، الحمد لله على هذا الجُود، الحمد لله على هذا الإحسان.
الحمد لله الذي بَلَّغَنَا رمضان، وأوصلنا إلى أواخره في العشر الأواخر، وهو الموسم الكبير الكريم، العظيم المُنَوَّر، الذي جعله الله مِنَّةً منه لأمة محمد خَاصَّة، والأمم قبلنا عَامَّة، ولكن الخَصَائِص من فضل الله لأمة حبيبه محمد ﷺ أكبر، وأكثر وأعظم وأنوَر.
وجعل لهم الفريضة في هذا الشهر بسبعين فريضة فيما سواه، وجعل النافلة بفريضة، وضَاعَفَ فيه الحسنة حتى جاء في بعض الروايات إلى ألف حسنة، وأنّ حسنة رمضان بألف حسنة، والصدقة بألف صدقة، والركعة بألف ركعة في غير رمضان، والآية بألف آية في غير رمضان، وهكذا جميع الأعمال تَتَضَاعَف في الشهر الكريم.
لهذا كان اغْتِنَامُهُ مِن علامات السعادة، ومِن علامات التوفيق الرَّبَّانِي، كما سمعتم في هذه الخطبة المباركة: اغتنام الوقت بتصفِية القلب والفؤاد، واغتنام ما بقي من الأيام المَعْدُودَات، ما يأتي مثل هذا اليوم إلا وقد فارقنا رمضان وخرج عنا رمضان، فالله يجعله شَاهِداً لنا لا شَاهِداً على أحد منا، وحُجَّةً لنا لا حُجَّةً على أحد منا.
بَلَّغَكُم الحق تعالى هذا الشهر ووصلتم إلى أواخره، وفي العشر الأواخر التي هي أعظم أيام الشهر، وكان اجتهاد نبيّنا وقُدْوَتِنَا فيها -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أعظم مما يجتهد في بقية رمضان، كما يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، فيجتهد في العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيرها من رمضان.
ترتيب السلف الصالح لاغتنام الأوقات وقضاء الصلوات
وكان هذا الترتيب البَدِيع لسيدنا الشيخ أبي بكر بن سالم، لما أظهره الله وأبرزه في مظهر الاقْتِدَاء والاهتداء والخلافة عن نبي الهدى محمد ﷺ، وتَعَلَّقَتْ به قلوب في المشارق والمغارب، وكان مَن حواليه يحبون أن يأتوا إليه، وأن يُبَرِّكُوا له بالشهر الكريم المبارك، وأن يَغْنَمُوا شيئاً من الصلوات معه، ويَغْنَمُوا شيئاً من دعواته ومن الذكر معه عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
فاختار الجمعة الأخيرة من رمضان مِيقَاتاً لهم لأنها تأتي في العشر الأواخر، وقضاء صلوات خمس احتياطاً لما يَطْرَأ من الخَلَل في الصلوات، ولما يُسَنُّ من قضاء ما فات ولو قبل البلوغ من أيام التَّمْيِيز، وفي قول بعض أهل فقه الشريعة: من حين وِلَادَة الإنسان لو أراد أن يَقْضِيَ الصلوات لكان له ذلك.
وعلى كل الأحوال واجتهادات أهل العلم فيما يُقْضَى وما لا يُقْضَى، فما هي إلا للاحتياط، قَضاء هذه الخمس الصلوات.
أما من علم أنه تَرَكَ فرضاً من الفرائض، فيجب عليه المسارعة إلى قضاء ذلك الفرض وأدائه، والمعتمد عند الشافعية أنه إن فَاتَهُ بغير عذر وجبت المبادرة والمسارعة، وإن فَاتَهُ بعذر فعلى التَّرَاخِي لابد أن يَقْضِي، ولا تقْضي الفريضة إلا عن فريضة مهما تَضَاعَفَ أجرها ومهما تَضَاعَفَ خيرها، فلا يجوز لأحد يقول: فَاتَتْنِي سبعين فريضة في قبل رمضان، سأَقْضِي فريضة واحدة في رمضان، قلنا: لا، الفريضة مقابل الفريضة، إنما المضاعفة فضل من الله يُضَاعِف به الخير في هذا الشهر.
فاغْتَنَمَ عليه رضوان الله هذه الجمعة المباركة، فكان من آل العلم وآل المعرفة وآل المحبة وآل الوِجْهَة إلى الله وعموم المؤمنين من يَفِدُون إليه ويُصَلُّون معه هذه الصلوات، قضاءً تَعَرُّضاً لرحمات الله تبارك وتعالى، وما ينزل عندما ينظر الله للمُجْتَمِعِين على ذكره، عندما ينظر الله للمُتَزَاوِرِين فيه والمُتَحَابِّين فيه جل جلاله وتعالى في علاه.
فَتَرَتَّبَتْ تلك الجَمْعِيَّة في مثل هذا اليوم المبارك، ومضى عليها وأولاده من بعده وأحفاده، ومن ارتبط وتَعَلَّقَ من أرباب الخُلُق وذلك في دَرْب الحياة للمؤمنين، تَعَلُّقَاتهم بِصُلَحَائِهِم وأخيارهم من بعد أنبيائهم ورسلهم صلوات الله وسلامه عليهم، قَرْناً بعد قَرْن وزمناً بعد زمن، حتى بُعِثَ صاحب الرسالة خاتم النبيين محمد ﷺ وجاء مُصَدِّقاً لجميع الأنبياء والمرسلين.
حقيقة حياة الأنبياء والشهداء والصالحين في البرزخ
وسَنَّ لنا أن نزور قبور الأنبياء وقبور عموم المؤمنين عامة، وخَاصَّتَهُم خاصة، ولما قَبَرَ شُهداء أُحُد ﷺ في أُحُد، قال: "والذي نفسي بيده لا يقف عليهم أحد فَيُسَلِّم عليهم إلا رَدُّوا عليه السلام إلى يوم القيامة". لا يقف أحد عليهم إلى يوم القيامة فَيُسَلِّم عليهم إلا رَدُّوا عليه السلام، لأنهم من أهل الحياة المخصوصة في البَرْزَخ.
والناس أمام حياة في عالم الأرواح قبل الدنيا، وحياة الدنيا هذه التي فيها الاختبار وفيها الامتحان وفيها التكليف وفيها إنزال الكتب وفيها إرسال الرسل، وفيها يجري ما سَبَقَتْ على الإنسان من سابقة وما يكون له في مستقبله كله، من حياة البَرْزَخ، ثم حياة القيامة، ثم حياة الأَبَد، إما في الجنة وإما في النار.
اللهم اجعلنا من أهل جنتك، اللهم أدخِلنا جنتك، اللهم اجعلنا من أهل الدرجات العُلَى في الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.
كل هذه أنواع من الحياة، وأنواع من الحياة يُطْلَق حتى على النباتات وعلى الحيوانات، والأرض تكون ميتة ثم تحيا، كلها أنواع من الحياة، ولكن أَشْرَف الحياة: حياة الملائكة والإنس والجن ممن يطيع الله، ممن آمن بالله، أَشْرَف الحياة: حياة القلوب والأرواح بمعرفة الله جل جلاله.
وبذلك نعلم أن الشهداء في مرتبة رفيعة من هذه الحياة، أنزل الله القرآن يَمْنَعُنَا ويَنْهَانَا أن نقول لهم أموات؛ قال: (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ)، ونحن نعلم أنهم انتقلوا من الدنيا، هل أحد من هؤلاء الذين ماتوا في سبيل الله لا زال على ظهر الأرض؟ أو لا زالت روحه في جسده؟ أبداً! قد خرجت.. قال لكن لا تقولوا "أموات"، لماذا؟ لأن لفظة الأموات تشعر باستقلال، تشعر باستصغار، قال لهم: لا.. لا تُفضِّلوا حياتكم في الدنيا على حياة هؤلاء، هؤلاء حياتهم كريمة وشريفة، فلا تقولوا لهم أموات.
(وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ)، ويقول في الآية الأخرى: لا تحسبوا، ولا تظنوا، ولا تعتقدوا أن أحد من هؤلاء الشهداء ميت (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ).
ولذا كان يقول بعض علماء مكة كالسيد محمد المالكي عليه رحمة الله: أنت الذي تريد تُعَظِّم حياتك الدنيوية هذه وتنسى حياة الأنبياء وحياة الشهداء في البَرْزَخ، بماذا تَفَضَّلْتَ عليهم في هذه الحياة؟ هذه حياتك فيها قضاء الحاجة، فيها المرض، فيها التعب، فيها الجوع، وعندهم حياة لا فيها وَسَخ ولا فيها مرض! وأنت تُفَضِّل نفسك -يقول بلهجة أهل مكة- لأنك تَشُخّ؟ من شأن أنك تَشُخّ في هذه الدنيا ترى أن لك حياة؟ حياتهم أَشْرَف! حياتهم أكبر! حياتهم أعظم! حياتهم أحسن!
فإذا كان هذا في حق الشهداء.. فكيف في حق الصِّدِّيقِين؟ وإذا كان في الشهداء والصِّدِّيقِين.. فكيف في حق الأنبياء؟ وإذا كان في حق الأنبياء.. فكيف حق سيد الأنبياء محمد ﷺ؟ كيف شأن سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم؟ حياته أعلى حياة، أيام كان في عالم الأرواح لا حياة مثل حياته، وأيام كان في الدنيا لا حياة مثل حياته، وهو الآن في البَرْزَخ لا حياة مثل حياته، وفي القيامة لا حياة مثل حياته، وأهل الجنة أحياء في الجنة، ولكن أعلى حياة حياة صاحب الوسيلة صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، الدرجة العليا في الجنة.
مشروعية التزاور والارتباط بالصالحين
وبذلك نعلم ما شَرَِعَ لنا مع هؤلاء الأموات، ومضى على ذلك سُنَّتُه ﷺ، هذه ابنته فاطمة الزهراء بَضْعَته البَتُول عليها الرضوان، في كل خميس تخرج من المدينة إلى أُحُد من أجل عم أبيها حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء عليه رضوان الله تبارك وتعالى، تزوره وترجع، وفي الخميس الثاني تخرج تزوره وترجع، أمام عين والدها وأبيها محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
وهكذا لم يزل الأمر ولم يزل في الصحابة ثم في التابعين عَلَائِقُهُم بالأخيار والصُّلَحَاء فيهم، ولم يزل ذلك في مختلف الأقطار التي أَشْرَقَ فيها نور الإسلام، والتي دخلتها "لا إله إلا الله محمد رسول الله" على مثل هذا الحال.
الشيخ أبي بكر بن سالم وشيوخه الأكابر
ومن النَّوَادِر فيهم والعجائب أن تجتمع أمثال مناقب الشيخ أبي بكر بن سالم في فرد منهم، وسلسلة أخذه وسنده من الشيوخ الأَكَابِر، مثل شهاب الدين أحمد، مثل عمر بن محمد بَا شَيْبَان، مثل أحمد بن علوي بَا جَحْدَب، مثل الشيخ عمر بن عبد الله بَا مَخْرَمَة، مثل الشيخ معروف بن عبد الله بَا جَمَّال، وغيرهم من الشيوخ الذين اتصل بهم.
وهؤلاء إذا نظرنا إلى تاريخ الأمة فيمن يَحْتَفِي بهم العلماء والصُّلَحَاء في كل زمن، وجدناهم من أَصْفَى الناس وأَرْقَى الناس، مَنَاقِب ومَوَاهِب، واتباعاً وعلم وشرف، ومَكَارِم وأخلاق وفَضَائِل، تَجَمَّعَ في الشيخ أبي بكر بن سالم مَنَاقِب وفضائل أهله وسلفه من عند أبيه ومشايخه إلى الحبيب الأعظم ﷺ؛ مَوَارِيث النبوة، مَوَارِيث الفُتُوَّة، مَوَارِيث العبادة، مَوَارِيث الزَّهَادَة، مَوَارِيث الأدب، مَوَارِيث التقوى، مَوَارِيث الإِنَابَة، مَوَارِيث الخَشْيَة.
فعند زيارة واحد مثل هذا ما تَتَعَرَّض لرحمة الله؟ ما يرضى عنك الله سبحانه وتعالى؟ الذي يأمر ملائكته إذا توجَّه مؤمن لزيارة مؤمن -لأنه أخ له في الله- يأمر المَلَك يُنَادِيه: "طِبْتَ وطَابَ مَمْشَاك وتَبَوَّأْتَ من الجنة منزلاً". طِبْتَ وطَابَ مَمْشَاك وتَبَوَّأْتَ من الجنة منزلاً! لماذا يقول النبي هذا الكلام؟ لنجيء من بعده ونَحْتَقِر الزيارات؟ لِنَجِيء من بعده نُنْكِر الزيارات؟ يقول إن المَلَك ينادي مَن زار أخاً له في الله، مجرد أخ في الله، فكيف إذا كان الأخ في الله وَلِيّ؟ كيف إذا كان الأخ في الله صِدِّيق؟ كيف إذا كان الأخ في الله مُقَرَّب؟ كيف إذا كان عَارِف بالله جل جلاله وتعالى في علاه؟ ما يرضى الله بذلك؟ فبماذا يرضى؟ ينادي مُنَادِيه يوم القيامة: أين المُتَحَابُّون فِيَّ؟ أين المُتَزَاوِرُون فِيَّ؟ أين المُتَجَالِسُون فِيَّ؟ أين المُتَبَاذِلُون فِيَّ؟ اليوم أُظِلُّهُم في ظِلّ عرشي يوم لا ظِلَّ إلا ظِلِّي! اليوم أُظِلُّهُم في ظِلّ عرشي يوم لا ظِلَّ إلا ظِلِّي!
ركن المحبة في الله وعظمة شعائره
ويقول على هذا الرُّكْن العجيب في الفوز والسعادة، رُكْن المحبة في الله: "المُتَحَابُّون في الله على منابر من نور يوم القيامة يَغْبِطُهُم الأنبياء والشهداء" في أسرار المحبة في الله. قامت هذه المَجَامِع وقامت هذه المجالس، وقامت هذه الوفَادَة التي جمعتنا اليوم من عدد من بلدان الوادي المَيْمُون المبارك، وفِينا من الوَافِدِين إلى حضرموت من مختلف أقطار الأرض، واجتمعنا في هذا المكان؛ بأي دافع؟ بأي غرض؟ تحت أي اسْتِنَارَة؟ بأي توجيه؟ توجيه الحق ورسوله، توجيه القرآن الكريم الذي أمرنا بالمسارعة في الخيرات، والذي أمرنا بِالتَّوَادُدِ فيه والتَّحَابُب فيه جل جلاله، وأمرنا سبحانه وتعالى بعمارة المساجد وبتعظيم الشعائر: (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).
أنتم في رمضان من أعظم الشعائر، أنتم في جمعة من أعظم الشعائر، أنتم في ذكر الصلوات الخمس من أعظم شعائر الله تبارك وتعالى، تعظيمها من تقوى القلوب، ملأ الله قلوبنا بالتقوى ووَفَّرَ حظنا من هذا المَجْمَع وما فيه وما يَتَنَزَّل فيه، إنه أكرم الأكرمين.
هدي النبي في توديع رمضان وحرصه على أمته
وبه تُوَدِّعُون الشهر الكريم، بقي معكم هذا الأسبوع، الله يجعله رِفْعَة لنا، ويجعله كَرَامَة لنا، ويجعله رُقِيّ لنا إلى مَرَاقِي قربه ومحبته، نفوز فيه بعظيم العطايا والهبات والمزايا.
تَذَكَّر الذي كان يجتهد في هذه الليالي؛ في كل ليلة يستعد للمناجاة، يَغْتَسِل عليه الصلاة والسلام كل ليلة من ليالي العشر، يَغْتَسِل ويَتَطَيَّب ويَتَبَخَّر للمناجاة، للدعاء، للتَّضَرُّع! وهذا زين الوجود، وما كان ينسانا في لياليه تلك: "أمتي أمتي! أمتي أمتي!" ولا ينسى الذين لا في زمانه ولا مَن يأتي بعده.
حتى في ليلة من الليالي مر على آية سيدنا عيسى يقول في قومه: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وتذكَّر قول إبراهيم في أمته: (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، فَسَرَى فِكره وذكره إلى أمته، وكيف يكون حالهم من بعده وحالهم في القيامة، فأخذ يبكي! واشتد بكاؤه، ورب العرش يقول لجبريل: اخرج إلى عبدي محمد، قل له: يقول لك ربك: ما يُبْكِيكَ؟ وأنا أعلم، فأقبل جبريل على الحبيب الأعظم، قال: يا محمد، رب العرش أرسلني إليك يقول ما يُبْكِيكَ وهو أعلم؟ قال: يا جبريل مررتُ على هذه الآية وذكرتُ قول إبراهيم، فتذكّرتُ أمتي وما يكون حالهم من بعدي وفي القيامة، فهذا الذي أبكاني. عاد جبريل يقول: رب أنت أعلم بما قال عبدك محمد، قال كذا وكذا. قال: ارجع إليه قل له: "إنا سَنُرْضِيكَ في أمتك ولن نَسُوءَكَ فيهم"، إنا سَنُرْضِيكَ في أمتك ولن نَسُوءَكَ فيهم!
كل الأنبياء سَعِدُوا بأنبيائهم وسائط إلى الله وجاؤوا لهم بالخير، ولكن وساطتنا أكبر الوسائط، هذا الذي تَضَرَّعَ لنا، هذا الذي بكى من أجلنا، يا رب صل عليه واملأ قلوبنا بمحبته وباتباعه والاهتداء بهديه.." قل له يقول لك ربك: إنا سَنُرْضِيكَ في أمتك ولن نَسُوءَكَ فيهم".
المؤمنين الصالحين الصادقين
وكان مما أرضاه في أمته بُرُوز هذه الكَوَاكِب والنجوم والشُّمُوس والأَقْمَار، من عِتْرَتِهِ ومن عموم أمته من الصالحين الصادقين المخلصين من أهل الشرق وأهل الغرب والعرب والعجم.
وبَرَزُوا بأنوار الولاية وأنوار الهداية وأنوار الاقْتِدَاء والاهتداء، مرتبطين مؤمنين كما وصفهم الرحمن: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، جل جلاله، اللهم اجعلنا منهم وخَلِّقْنَا بهذه الأخلاق، واجعل فينا هذه الأوصاف التي ذكرتها عن هؤلاء المؤمنين الذين ستَرْحَمهُم برحمتك الواسعة يا أرحم الراحمين، (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)، ووصف نبيه بهذه الرحمة: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).
فالحمد لله على هذه المِنَن، فبقي علينا نقابل المَنَّان جل جلاله الذي أكرمنا بمحمد، وأكرمنا بالقرآن الذي أنزله على سيدنا محمد، وأكرمنا بآل النبي محمد وبأصحاب النبي محمد، وبِوَرَثَة النبي محمد وخلفائه من المقربين والعارفين.
وأكرمنا بالتوفيق، واجتمعتم كلكم في عافية، كلكم في أمان، كلكم في طمأنينة، كلكم في سكينة.. من أين هذا يُشْتَرَى ومن أين يُؤْتَى بهذا؟ هذا فضل الله تبارك وتعالى، الله يُتِمّ النعمة علينا وعليكم، وشؤون الخير هذه تَتَجَدَّد شؤونها، وتَتَجَدَّد أمورها،
إصلاح جهاز المراقبة الباطني في الإنسان
فانظر نصيبك منها وما تخرج به من مثل هذا الجمع الكبير المبارك في نيتك في باقي هذا الشهر، وخروج هذا الشهر.
تخرج بتقوى التي هي نتيجة الصوم، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ومعنى تخرج بالتقوى: أي عمارة وصلاح الجهاز، جهاز المراقبة البَاطِنِيّ. تعرف هذا الجهاز؟ هذا الجهاز لا أنفع لك منه إذا صَلح، جهاز المراقبة لعالم السر والنَّجْوَى، لن تَنْفَعَك مِن بعد الموت إلى الأَبَد أجهزة الكمبيوتر ولا أجهزة الهواتف ولا أجهزة الكهرباء، انظر هذا الجهاز إذا صلح فيك سيَنْفَعَك وسيَرْفَعَك، (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ).
قصة الشاب التائب مع عمر بن الخطاب
يروي الإمام ابن عساكر عن واحد من الشباب كان مِن جلساء سيدنا عمر، اختاره لما رأى فيه من العلم والنور والخير كما اختار عبد الله بن العباس، وهذا الشاب كان يَسْرِي إلى مجلس عمر ويحضر معه مع خواص أهل المجلس سيدنا عمر بن الخطاب.
وتَعَرَّضَتْ له امرأة في الطريق وتقول له: إنّ قلبي تَعَلَّقَ بك، وأريدك تأتيني، قال لها: أنا متوجِّه إلى مجلس أمير المؤمنين، فَتَعَرَّضَتْ له عند العودة وقد رجع، فسار وراءها إلى بيتها فلما دخلت البيت وأراد يرفع رجله تذكَّر، فَأُغْمِيَ عليه، ولما أُغْمِيَ عليه عند باب بيتها خافت الفَضِيحَة وقالت: ما هذا شاب عند باب بيتي سيُتَّهَمُونِي! خرجت إلى جيرانها من النساء تقول لهم: وقعت في مشكلة والآن الرجل عند الباب فتعالوا استروني، نحمله نضعه على باب أبيه هنا! ما دام الوقت ليل ولا أحد يدري، خرجن معها النساء وحَمَلْنَهُ ووضعوه على باب أبيه، وأبوه يَنْتَظِره قال ما له أَبْطَأَ عند عمر، ماله أَبْطَأَ؟ إلى قريب الفجر خرج وجد الولد مُغْمَى عليه عند الباب، رشه بالماء حتى أَفَاقَ: ما لك يا ولدي؟ قال له: أغمي علي، ما السبب؟ قال: هكذا، قال كيف هكذا؟ أخذ يلحّ عليه، قال له: تعرضت لي امرأة، ولما رجعت من عند عمر مشيت معها ودخلت دارها وأرادتني أدخل، فلما أردت أرفع رجلي تذكرت عظمة الله ورؤيته لي، فلما قال كذا أُغْشيَ عليه مرة ثانية وخَرَّ ميت، سقط مات، يحركه أبوه وجده ليس فيه حياة، أخذه إلى التجهيز وجَهَّزه، ودعا جماعة من قرابته وجيرانه وحملوه إلى المقبرة.
سيدنا عمر ما رأى الولد ثاني يوم، ثالث يوم أرسل إلى والده أين ابنك؟ قال: عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين ابني تُوُفِّيَ، قال: متى تُوُفِّيَ؟ قال: ليلة كذا، جاء من عندك، قال: ما سبب وفاته؟ ذكر له القصة. قال: صَدَقَ مع الله اخرجوا بنا إلى قبره. فخرج سيدنا عمر ومعه جماعة وقف على قبره وصلى عليه، ثم قال: أيها الشاب إن الله يقول: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، يقول الراوي: ما شعرنا إلا بصوته يخرق مَسَامِعَنَا يقول: نعم يا عمر، وقد أعطاني ربي الجنتين، وقد أعطاني ربي الجنتين! مات من خشية الله سبحانه وتعالى، ومات من خوف الله.
عسى الجهاز هذا يَتَصَلَّح معك، أنت في آخر رمضان الآن! وإذا تَصَلَّحَ ستصْلح عينك، وستصْلح أذنك، ولسانك، وفرجك، وبطنك، ورجلك، ويدك، ستِصْلَح طول عمرك.. إذا الجهاز هذا تَصَلَّحَ بينك وبين العلي الأعلى جل جلاله وتعالى في علاه، فَتُرَاقِبه حيث لا يراك إلا هو، وتُرَاقِبه فيما في نفسك، (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ). يقول فاحذروه! ماذا بعد هذا الكلام الصريح من ربك في القرآن الكريم؟
أحكام زكاة الفطر وآداب العيد
ويأتيك العيد وقد أخرجتَ زكاة الفِطْرَة كما سمعتم في الخطبة، قبل أن تصلي أخرج زكاة الفِطْرَة.
وزكاة الفِطْرَة إذا كانت من طعام البلد وقُوت أهل البلد مثل الرز عندنا في وادي حضرموت والبُرّ، هذا أكثر قُوت أهل البلد عندنا فهي صحيحة باتفاق المذاهب كلها، فأخرجها، وأما إخراج القيمة فعند الإمام أبي حنيفة يَصِحّ، وبقية الأئمة يقولون غير جائزة وغير صحيحة، اخرج من الخلاف وما دمت تجد الطعام ومَن يقبل الطعام عن نفسك وعن زوجتك وعن أولادك الغير بالغين.
والبالغين القادرين على الكسب أعطهم ينوون عن أنفسهم أو يُوَكِّلُونك تخرج عنهم. وأخرج الزكاة كاملة، فإن الصوم معلق بين السماء والأرض لا يُرْفَع إلا بصدقة الفطر، فَرَضَ الله صدقة الفطر طُهْرَة للصائم من اللَّغْو والرَّفَث.
فضل ليلة العيد والعتق من النار
وتأتي ليلة العيد تُكَبِّر، تكبير حقيقي من داخل قلبك، لا يبقى أكبر من ربك عندك، ولا أكبر من أوامره، ليس هناك أمر أكبر من أمره، ولا نهي أكبر من نهيه جل جلاله وتعالى في علاه، تُكَبِّر وهو شعار المؤمنين.
والمُبَاهَاة آخر ليلة، ليلة العِتْق التي يُعْتِق الله مثل ما أَعْتَقَ من أول الشهر إلى آخره، في كل ليلة ستمائة ألف عَتِيق جاء في الرواية الأخرى في كل ليلة ألف ألف عَتِيق، يعني مليون! فإذا كان آخر ليلة أَعْتَقَ مثل ما أَعْتَقَ من أول الشهر إلى آخره، في ليلة واحدة! هذا كرم ربك يا رب لا تحرمنا العِتْق، ولا أهلينا ولا مَن في ديارنا.
قالوا له: أهي ليلة القدر يا رسول الله؟ قال لا، لا تكون ليلة القدر آخر ليلة كل سنة، تتنَقَّل الليلة، ولكن إنما يُوَفَّى العامل أجره إذا قضى عمله، إذا قضى العامل عمله يأخذ أجره.
التحذير من قواطع المغفرة
ففي آخر ليلة نظرة من الله ويغْفر لجميع أمة محمد مِن كل مَن لا يشرك بالله شيئاً، إلا المُشَاحِن الذي في قلبه شَحْنَاء لمسلم، وعَاقّ الوالدين وقَاطِع الرحم، وشارب الخمر وهذه المسكرات والمخدرات والعياذ بالله تعالى، فهؤلاء حتى في رمضان، حتى في آخر ليلة من رمضان لا يغْفر لهم، فويل لهم! "ويل لِمَن أدرك رمضان فلم يُغْفَر له"!
فلا يخرج رمضان وفي بيتك قَاطِع رحِم، إن كنت تعقل! إن كنت تؤمن! إن كنت تعلم أن محمد صادق وأنه خير الخلائق وأنه رسول الخالق! قال لك لا يُغْفَر لقاطع رحم، لا يبقى في بيتك قَاطِع رحم ولا عَاقّ والدين في هذه الليالي، واصدق مع الله، والجهاز إن شاء الله يشتغل عندك ويَتَصَلَّح وتقع على مراقبة لله سبحانه وتعالى.
وكما سمعتم: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ).
سُئِلَ ﷺ: أهُم الذين يعملون السيئات ويخافون؟ قال: لا، بل يصومون ويتصدّقون ويعملون الصالحات وقلوبهم وَجِلَة يخافون أن لا يُقْبَلُوا، هكذا كان الإمام عمر المحضار بن عبد الرحمن السقاف يقول: لو علمت أن الله قَبِلَ مني تسبيحة واحدة لَضَيَّفْتُ أهل البلد شكراً لله تعالى ثمانية أيام على البُرّ واللحم، أُضَيِّفهُم شُكر لله على قبول التسبيحة! قالوا وهذا من عقله وخوفه وأدبه مع الله، قالوا لأنه لو قَبِلَ منه التسبيحة دلّ على أنه مُتّقي، (إنما يَتَقَبَّل الله من المتقين)، والمتقون لهم خيرات الدنيا والآخرة كلها.
آداب العيد والتحذير من الدخول على النساء الأجنبيات
ثم تأتي في ليلة العيد ويوم العيد تُهَنِّئ أقاربك، وتُهَنِّئ صُلَحَاء أهل بلدك ومَن عندك، ولا تظهر على النساء الأجنبيات؛ لا زوجة أخوك ولا زوجة عمك ولا زوجة خالك! هؤلاء الحَمْو، "إياكُم والدخول على النساء". في الصحيحين يقول لنا: إياكم والدخول على النساء، قالوا يا رسول الله: أفرأيت الحَمْو؟ قال: الحَمْو الموت! الحَمْو الموت! يعني تموت خير لك من أن تُخْتَلي بزوجة أخيك، أو زوجة عمك، أو أحد من هؤلاء الأحماء، الحَمْو الموت! يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وهكذا وخاصة في الزينة كانوا من وَرَعِهِم في الأُسَر عندنا إذا أرادوا طريقة شرعية لدخول أحد على مَن في بيتهم من زوجات أخيه أو غيرهم، عملوا شيء من الرَّضَاع أو شيء من العقد، مع ذلك كله ما يَخْتَلِي بها، ولا يجلس وحدها إلا يكون عندما يصادفها وعندما يجلسون على طعام ونحو ذلك فقط، رعاية لأدب العبد مع الرب جل جلاله،
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ)، (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).
وتأتي إلى صلاة العيد، ليلة الجوائز ليلة العيد، ويوم الجوائز يوم العيد، والعطاء الكبير من الرب الكبير جل جلاله.
ذكر الأعيان الراحلين والوصية برعاية المواريث المحمدية
الله يُغْدِق علينا وعليكم الفضل والجود والنِّعَم، ويُعْلِي درجات مَن تقدّم ومَن مضى قبلنا، وفيهم من الذين حياتهم في البَرْزَخ أعلى من حياتهم في الدنيا وأشرف من حياتهم في الدنيا.
وفارقنا مَن فارقنا في عامنا هذا، والأعوام كلها تفعل فينا هكذا، تُغَيِّب علينا هذا وتُغَيِّب علينا هذا وتأخذ علينا هذا وهكذا، وكلهم عبرة لنا وكلهم نداء للواحد منا: أمامكم وأنتم وراء! وكلّ سيَسْلُك هذا الطريق، ولا يدري في الشهر هذا أو في الشهر هذا، في العام هذا أو في العام هذا! و (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ).
وكان مِن أعظم مَن ودّعنا وفارقنا حبيبنا المُنْصِب حسن بن أحمد بن علي، أعلى الله درجاته وجعل حياته من أعلى الحياة في بَرْزَخ، ورعى الله سبحانه وتعالى صفاته وما كان عليه من أخلاق ومن آداب، ومما وَرِثَهُ من هذا السير ومن هذا المسلك، ومن المَكَارِم ومن الشَّمَائِل، ويجمعها كلها في ولده الحبيب علي ويجمعها في الأولاد وفي الأقارب.
ويبارك لنا ولكم في الوِجْهَة إليه وفي الأدب معه سبحانه وتعالى، وفي رعاية حق هذه الخلافات النبوية والمَوَارِيث المحمدية، والتعاون على البِرّ والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي الحياة التي حَيِيَ بها السعداء وبها يفوزون غداً.
الله يأخذ بيد الحبيب علي، ويُعِينُهُ ويُسَدِّدُهُ ويُؤَيِّدُهُ ويجري على أيديه الخير الكثير، ويأخذ بيد المُنْصِب عبد القادر بن حبيبنا صالح بن عبد القادر الحامد، وبقية مناصبنا وآل الخير والسر فينا، وآل العلم وآل العقل وآل الرأي. الله يجمع شملهم، ويُؤَيِّدُهُم ويُعِينُهُم ويُثَبِّتُهُم، ويجري الخير على أيديهم لبلداننا ووادينا ونَادِينَا وللأمة المحمدية؛ فذلك رَكْب التواصي بالحق والصبر والتعاون على البر والتقوى، فضل من فضل الله سبحانه وتعالى.
والحمد لله الذي جمعكم والحمد لله الذي أسمعكم، والمتقدمين في هذه الأماكن الله يرفع درجاتهم، ويجمعنا بهم في أعلى الجنة.
وكنا قبل مدة فارقنا الحبيب عمر بن حامد الجيلاني أعلى الله درجاته، ولحقه مَن لحقه من آل الخير ومن آل الصلاح، ومن أواخرهم الحبيب طالب بن مصطفى العيدروس، وجاء الحبيب طه بن علي بن محمد السقاف، فيهم من سر أنوار الاقْتِدَاء والاهتداء، الله يرفع مراتبهم لديه ويُعْلِي منازلهم، وجميع موتانا ووالدينا وذوي الحقوق علينا خاصة وأموات المسلمين.
كان الإمام أحمد بن زين الحبشي -كما يَنْقُل عنه الحبيب أحمد بن عمر بن سميط- يقول: في قول ربكم تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)، قال: إخواننا الذين سبقونا بالإيمان مِن آدم إلى آخر واحد مات قبل ما تقرأ الآية هذه، هولاء كلهم إخواننا الذين سبقونا بالإيمان، (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا) قال: بقية الأحياء الذين معك في الأرض، لا في قلبك غِل على صغير ولا كبير، ولا ذكر ولا أنثى (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).
دعاء بصلاح أحوال الأمة
الله يُكرمنا وإياكم في هذه الساعة بنظرة من نظراته الرَّبَّانِيَّة، يرحم الأموات ويحفظ الأحياء ويطيل أعمارهم في طاعة الله، ولا يَصْرِف أحد من هذا المَجْمَع إلا وقد نظر إليه وأقبل سبحانه عليه، وأصلح جهاز قلبه في معرفته ومحبته وخشيته ورجائه سبحانه وتعالى، والقرب إليه.
قَرِّبنا إليك زُلْفَى، واجعلنا في أهل الصدق والوفاء، وثبِّتنا على الاسْتِقَامَة على اتباع الحبيب المصطفى ظاهراً وباطناً، يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات، اجعلها من أَبْرَك الجُمَع علينا وعلى أمة الحبيب الأعظم.
باقي أيام رمضان اجعل لنا فيها رُقِيّ واعْتِلَاء وصفاء ونَقَاء، وبارك اللهم في مرورها وبارك اللهم لنا فيما يستقبلنا من أعمارنا، واجعلها مصروفة في البِرّ والتقوى وما يُرضيك عنا في السر والنَّجْوَى، اللهم واقضِ حاجاتنا وبَلِّغ أمنياتنا، اشف مرضانا، عافِ مُبْتَلَانَا، انظر إلى أمة حبيبك محمد.
نظرة تزيل العَنَا ** عنا وتدني المُنَى ** منا وكل الْهَنَا ** نُعْطَاه في كل حين
أصلح الله الوادي والنادي، واليمن والشام والشرق والغرب، حفظ الله الحرمين الشريفين، وخلَّص الله بيت المقدس من أيدي المعتدين والظالمين، وأصلح الله وادينا ويمننا وشامنا وشرقنا وغربنا وكشف الشدائد عنا وعن أمة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
اللهم آمين اللهم آمين، وزدنا زيادة وأسعِدنا سعادة، ولا تجعله آخر العهد من هذا الشهر ولا من هذا اليوم ولا من هذه المناسبات، وأعِدنا إلى أمثالها في صلاح وفلاح وجمع لشمل الأمة، ورَد لكيد المفسدين والكفار الفاجرين المعتدين الظالمين الغاصبين.
ولا تُبلِّغهم مراد ** ونارهم تصبح رماد ** بـ"كاف ها يا عين صاد" **في الحال وَلَّوْا خائبين!
اكف المسلمين جميع شرورهم، واحفظهم من جميع مكرهم، ومكرُ أولئك هو يَبُور، أيِّدنا يا عزيز يا غفور، واشرح لنا الصدور، ويسِّر لنا الأمور برحمتك، والحمد لله رب العالمين.
25 رَمضان 1447