(445)
(628)
(368)
كلمة موجزة تتضمن توجيهات قرآنية قيمة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ قبل ختم القرآن الكريم الأسبوعي في دار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية. بعنوان:
توسع مجال تدبُّر آيات القرآن الكريم بحسب طهارة القلب واستنارته
الخميس 6 ذو القعدة 1447هـ
مِن وصفِ ربِّنا سُبحانه وتعالى لهذا الكتابِ الذي آتانا إيَّاهُ وخَصَّنا بهِ وجعلنا مِن أهلِهِ، أن قال: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ)، (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ) يقولُ اللهُ تبارك وتعالى.
ويتَوَلَّى إنزالَهُ فهُوَ مِن عِندِهِ جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاهُ، وأعظِمْ بذلك، وما أجَلَّ ذلك، وما أشرفَ ذلك!
(أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ)، إليكَ؛ زَينِ الوجودِ صلى الله وسلم وعلى آلِهِ، خيرِ موجودٍ.
(مُبَارَكٌ) بركاتٍ لا تتناهى، مُتعدِّدةً متنوِّعةً مُتناميةً.
باركَ اللهُ لنا ولكُم في الكتابِ وآياتِهِ وكلماتِهِ وحُروفِهِ وسُوَرِهِ وأنوارِهِ وما فيهِ ومَعانيهِ والعملِ بهِ، اللهمَّ آمين.
إذاً؛ مِن مقاصدِ إنزالِهِ: (لِّيَدَّبَّرُوا)، فهذا كان مِن المقاصدِ العُظمى، وجودُ التدبُّرِ مِنَّا: (لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ).
وآياتُ الكتابِ مِنها هذهِ الكلماتُ التي نقرأُها وتتكوَّنُ مِنها الآياتُ والسُّوَرُ.
وكذلكَ مِن آياتِ الكتابِ العزيزِ ما فيهِ مِن المعاني والمعارفِ والدلالاتِ.
آياتُ الكتابِ العزيزِ ما فيهِ مِن الخصائصِ والمُعجزاتِ، التي تحدَّى اللهُ بها الأوَّلينَ والآخِرينَ.
ومِن أعظمِ آياتِ الكتابِ؛ الذي أُنزِلَ عليهِ الكتابُ، وهُوَ الآيةُ الجامعةُ لمعاني الآياتِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
(لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)؛ فيكونُ للمؤمنِ نصيبٌ مِن تدبُّرِ آياتِ الكتابِ؛ كلماتِهِ وآياتِهِ وسُوَرِهِ وحُروفِهِ، وكذلكَ دلالاتِهِ وإشاراتِهِ، وكذلكَ أنبائِهِ عن الماضي وأنبائِهِ عن المُستقبلِ، وكذلكَ ما حواهُ مِن الخصائصِ والمعاني الجليلةِ، كُلُّها آياتُ الكتابِ تحتاجُ مِن المؤمنِ إلى التدبُّرِ.
وهذا التدبُّرُ يتَّسِعُ بحَسَبِ التطَهُّرِ والتنوُّرِ، فمَن كان أطهرَ قلباً وأنورَ فؤاداً؛ كان مَجالُ تدبُّرِهِ أوسعَ للآياتِ كُلِّها، مِن كلماتِ القرآنِ وسُوَرِهِ وحُروفِهِ، ومِن معانيهِ ودلالاتِهِ وإشاراتِهِ، ومِن إعجازِ هذا القرآنِ وكُلِّ ما فيهِ مِن خصائصَ.
ثُمَّ إنَّ مِن آياتِ هذا الكتابِ؛ صُدورَ الذين صارَ الكتابُ مُندَرِجاً في بواطِنِهِم وصُدورِهِم: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ).
وقُلنا أنَّ أعظمَ آياتِهِ هُوَ الذي أُنزِلَ عليهِ، فهُوَ الآيةُ الكبرى مِن بينِ الآياتِ الشاملةِ والحاويةِ لِمعاني الآياتِ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فوَجَبَ أن نَفتَحَ لنا آفاقاً في هذا التدبُّرِ الذي هُوَ الحكمةُ الكبيرةُ مِن إنزالِ القرآنِ الكريمِ: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ).
بعدَ ذلكَ ميادينُ التذكُّرِ لأربابِ العُقولِ: (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).
يتذكَّرونَ عُهودَهُم القديمةَ وما خاطبهم مُنزِلِ الكتابِ في عالمِ الذَّرِّ، في عالمِ الأرواحِ: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ).
ويتذكَّرونَ معاني هذا الكتابِ وما فيهِ، وما قَصَّ علينا مِن الأنباءِ، وما أخبرَ به عن الدارِ الآخِرةِ، وعن شُؤونِ الحياةِ وما فيها، (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، وتذكُّرات واسعات عظيمات كذلك.
ولكن نَستفتِحُ مِن قوَّةِ صِلَتِنا بهذا الكتابِ، مِن خِلالِ هذا التدبُّرِ الذي نُدِبَنا إليهِ، يقولُ سُبحانه وتعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).
وهكذا يأتي التذكُّرُ والتدبُّرُ، وهُوَ القائلُ عن هذا الكتابِ: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ).
جَعَلنا اللهُ وإيَّاكُم مِمَّن يُحسِنُ التدبُّرَ والتذكُّرَ والتبصُّرَ، ويزدادُ نورُهُ فيتنوَّرُ بأنوارِ كلامِ اللهِ وكتابِ اللهِ تعالى في عُلاهُ.
ولأجلِ الحَظوةِ بنصيبٍ مِن ذلكَ، تأتي اجتماعاتُ ختمِ القرآنِ وحلَقاتُ قراءةِ القرآنِ كذلكَ.
اللهُ يُوفِّرُ حظَّنا مِن القرآنِ. فتوزَّعوا بسمِ اللهِ، كُلُّ بضعةِ نفرٍ يتلونَ هذهِ السُّوَرَ مِن آياتِ اللهِ تعالى ويتدبَّرونَ، حتى تجتمعوا على الدُّعاءِ بعدَ ذلكَ.
واللهُ يكتُبُ لنا القبولَ، ويُنيلُنا غاياتِ السُّؤلِ، ويَربِطُنا بِمَن أُنزِلَ عليهِ القرآنُ سيِّدِنا الرسولِ ﷺ، ربطاً لا ينحلُّ أبداً، في كُلِّ نيَّةٍ وقَصدٍ وفعلٍ وإرادةٍ وحركةٍ وسكونٍ وقولٍ، إنَّهُ أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الراحمينَ، توزَّعوا بسمِ اللهِ.
29 ذو الحِجّة 1447