(636)
(479)
(368)
كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في مجلس الذكر والتذكير في حضرة الإمام أحمد بن زين الحبشي بالحوطة، ظهر يوم الأحد 26 صفر 1448هـ
الحمد لله على سوابق الإفضال، وجزيل النّوال، وأن شرَّفنا بخاتم الإنباء والإرسال، عبده محمد الجامع لكل كمال، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه خير صَحْبٍ وآل، وعلى من والاهم واقتفى سبيلهم في النيّات والمقاصد والأقوال والأفعال، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقرّبين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلى الحضرة وحاضريها، وعلى الوافدين إليها، وعلى والدينا وذوي الحقوق علينا خاصة، وعلى أموات المسلمين وأحياهم إلى يوم الدين عامة، بصلواته التي لا عدَّ لها ولا حصر لها، ولا نهاية لها، كما يليق بجوده وكرمه سبحانه وتعالى.
وسوابق السعادة جمعتكم على موائد الفضل والإحسان، وعظيم الامتنان بفضلٍ من ربكم الرحيم الرحمن جل جلاله، تنتظمون به في سِلْك الذين عبدوا الله تبارك وتعالى، وأقبلوا على الله جل جلاله بالكُليّات، وأقبل بوجهه الكريم عليهم من أنبيائه والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وكلٌّ على ذاك المنهج القويم. قال ربنا: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ).
فكلهم مضوا على ذلك السبيل بتعليم من الملك الجليل، وبوحي وبتنزيل، خُتِم بنبينا خير هادٍ ودليل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وخصّ الله سبحانه وتعالى مناطق وأماكن ولادته ونشأته وبعثته وهجرته صلى الله وسلم عليه وعلى آله، وفاض منها النور إلى ما حواليه، وشرّف الله هذه البلدان بذكره لها، وإشارته إليها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وما اجتمع من ذكره لليمن بعمومها، ولأماكن فيها بخصوصها، ولقبائل من قبائلها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يفوق المئة الحديث والمائتي حديث، التي فيها إشارته إلى اليمن الميمون المبارك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وكانت بقعتكم من البقاع التي دخلت دينه، ودخلت شريعته في حياته ﷺ، وأيام كان على ظهر هذه الأرض ﷺ، وهو الذي ولّى الوالي على هذا الوادي سيدنا زياد بن لبيد عليه رضوان الله تبارك وتعالى، وكان الوالي من بعده في حياة أبي بكر الصديق عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
ثم كان من تمام النعمة بعد أن تقدَّم في الوادي من تقدَّم من الأنبياء، ثم من جاء من الصحابة، ثم من جاء من التابعين وتابع التابعين؛ تَمّ الشرف بإرسال الحق تبارك وتعالى عِتْرَة المصطفى محمد ﷺ إلى الوادي والنادي ليزداد نوره، وتزداد حُبُوره، وتتصل الصِّلات الحِسّيات والمعنويات، والظاهرات والباطنات، بهذه السلالة الطاهرة إلى الحبيب صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
على قدم أهل السنة، البعيد عن الغُلوّ، والبعيد عن التجاوز للحدود، والبعيد عن البغضاء، والبعيد عن الشحناء، والبعيد عن التفرُّق، والبعيد عن التشتت، والذي يقوم على أساس قويم في صراط مستقيم، ونهج قويم في متابعة الحبيب العظيم، ذي الخُلُق العظيم ﷺ.
والحال كما قال سيدنا الإمام الحداد:
أولئك وُرّاث النبي ورهطهُ ** وأولاده بالرّغم للمتعامي
قال وهو القائل بلسان الصدق والحق:
مواريثهم فينا وفينا علومهم ** وأسرارهم فليسأل المترامي
وكان سيدنا الإمام الذي أنتم في حضرته حبيبنا أحمد بن زين، الذي هو باب لكم إلى الحضرات، سلفه وسنده كله إلى الحبيب الأعظم ﷺ، وما المقصود من كل هذا إلا حضرة الإله الملك المعبود جل جلاله، لهذا يطيب التزاور في الله، والتجالس في الله، والتحابب في الله، وتنتشر أسرار قول ربكم جل جلاله في الحديث القدسي: "وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ".
وكانت نتائج كل ذلكم تحريك العزائم من الباطن لتهتدي، ولتقتدي، ولتسلك السبيل الذي تخرج به عن هواها، وتخرج به عن شهواتها، لأن خلاصة الانحراف والبعد عن السبيل الذي ارتضاه الله للنبيين ما قال عنه في كتابه: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ).
(أَضَاعُوا الصَّلَاةَ)؛ فبَعُدوا عن الإقبال على الحق، وبَعُدوا عن الرغبة في الطاعات وفي العبادات، وبَعُدوا عن الاجتماع على الذكر لله سبحانه وتعالى.
(أَضَاعُوا الصَّلَاةَ)؛ فلم تكن لهم هِمَمٌ في تصفية القلوب، وفي الحضور مع علّام الغيوب جل جلاله وتعالى في علاه، وفي التعلق بطاعاته وبعباداته التي إذا تعلَّق بها قلب المؤمن ارتقى المراقي.
وقد جعل نبينا فيمن يظلّهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: "رجلٌ قلبه معلّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه"، فهو دائم في المسجد وقت حضوره بجسده وقلبه، ووقت خروجه منه فهو معلّق القلب بالمسجد، فهو في المسجد بقلبه وهكذا، ونظر الحق إنما يكون إلى تلكم القلوب وبهذه التعلُّقات.
ومعنى (أَضَاعُوا الصَّلَاةَ): ضيَّعوا هذه الصِّلات، وضيَّعوا هذه الوِجْهَات إلى الرب سبحانه وتعالى، والرغبة في الطاعات والعبادات.
وهي التي رأيتم في مسلك سلفكم الأكرمين: ترتيب هذه الحضرات، ترتيب مجالس العلم، ترتيب مجالس الذكر، وترتيب المجالس في ديارهم.
والديار معمورة بالرّاتِب، ومعمورة بقراءة القرآن، ومعمورة بتذاكر العلم وسط الديار، بل خرجت مجالس الذكر والعلم أيضًا حتى إلى أسواقهم.
وكانت معهم وفيهم وفي المتأخرين الذين مضوا على السبيل عليهم رضوان الله، مَن كانوا يمشون إما على أرجلهم في الطريق يتدارسون القرآن أو يتذاكرون العلم، وإلا على دوابهم، وإذا حطّت الدواب في مكان نزلوا، والذين يختصّون بالخدمة يقومون بخدمة المتاع، والبقية الكتاب بينهم مبسوط يقرؤون، والذكر للرحمن سبحانه وتعالى: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ).
قال عن هذا الانحراف: أضاعوا الصلاة، والثاني: (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ)، تعلّقوا بالتُّرَّهات والبطالات، ورضوا بما يبثّون لهم من برامج، وما يأتون لهم به من أفكار، وما يأتون لهم به من صور ومناظر قبيحة سيئة.. تعلّقوا بها والعياذ بالله تعالى، بدل التعلق بالله وبرسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال الله في عاقبة هؤلاء: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا). جاؤوا من بعد الأنبياء، انقطعوا عن العبادة وتعلّقوا بالتُّرَّهات والبطالات والذنوب والمعاصي.
الله يحفظ قلوبنا، ويحفظ ديارنا، ويحفظ وادينا، ويحفظ المسلمين في المشارق والمغارب من الزيغ ومن الضلال، ومن إضاعة الصلاة - بل جعلوا من إضاعتها - أن يُقِيم ظاهرها، ولا يخاطب نفسه بالحضور فيها مع الله جل جلاله، ولا يخاطب نفسه في الخشوع فيها.
والتي يمرّ تعريفها في "الرسالة الجامعة" لسيدنا الحبيب أحمد بن زين، والذي كانوا يبتدئون بتقريرها وبقراءتها للمبتدئين بما فيها من الخيرات.
بل لما وصلت إلى مكة المكرمة، واعتنى بها سيدي أحمد زيني دحلان عليه رحمة الله تبارك وتعالى، وكانت مذاهب الأئمة الأربعة تدرَّس في الحرم، فانتدب من مفتي الحنفية ومفتي المالكية ومفتي الحنابلة في وقته أن يجعلوا الرسالة على ما هي عليه في العقائد وعلوم الإيمان، وفي التصوف وعلوم الإحسان، وأن يأتوا على النمط في فقه الإمام الشافعي بمثيله ونظيره من فقه الإمام أبي حنيفة، وفقه الإمام مالك، وفقه الإمام أحمد بن حنبل، وكُتِب ذلك والحمد لله، وتجدّد الآن طبعها.
وكنا قد طلبنا من بعض العلماء من المالكية وغيرهم أن يحوّلوا هذا الفقه إلى هذا من أجل أهل المذاهب، فإذا بالسيد أحمد زيني قد سبقنا عليه رضوان الله، وقد كملت وكُتِبَت في حياته، فاعتنى أهل الحرم برسالة أحمد بن زين الحبشي عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
وقال فيها: "مَن عرفها وعمل بها نرجو له من الله أن يكون من أهل العلم ظاهرًا وباطنًا"، وما أعظم هذا الرجاء! وإذا عرفنا معناه؛ ما يرضى الواحد منّا لولده وبنته يبلغون السبع والثمان والعشر ما قرأوا هذه الرسالة، ولا تشرّفوا بقراءتها؛ لا في حلقة في معهد، ولا رباط، ولا مسجد، ولا مكان عِلم، ولا حتى في بيوتهم يقرؤون هذه الرسالة المباركة!
وفيها يقول في الحضور: أن يعلم ما يقول ويفعل. قال: والخشوع؛ وهو تدبُّر القراءة وتفهمها مع حضور القلب، وسكون الأعضاء. هذا الشأن في تعلُّم كيف نُصلي، وكيف نؤدي الصلاة على وجهها.
وشيخه الإمام عبد الله الحداد في حضوره مع الله كان يقول لمن حواليه: إذا خرجنا للصلاة لا أحد يكلمنا بكلام، مَن معه سلام ومَن معه خبر يخلّيه بعد الصلاة؛ فإنا نخرج إلى الصلاة بجَمْعيَّة كاملة وحضور مع الله تعالى. وكبّر مرة من المرات فانشقّ الجدار لتكبيرة عبد الله الحداد؛ قال: الله أكبر، فانشق الجدار أمامه من حضوره مع الله سبحانه وتعالى، وسرّ هذا التكبير العظيم عليهم رضوان الله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
واجتماعاتكم هذه وما فيها من الخير والبركة مِنَّة من مِنَن الله عليكم، وأنتم تودّعون الآن شهر صَفَر الخير، يختمه الله لنا بخير وبركة إن شاء الله، ومستقبلين الشهر الزَّيْن، شهر ميلاد سيد الكونين، شهر ظهور نور السماوات والأرض، شهر ظهور شفيع الخلائق يوم العرض، وولادته صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه.
وافرح بذا الشهر لي قالوا لي الشهر هل ** ربيع الأول ونِعمَك شهر ما له مثل
قال حبيبنا جعفر العيدروس عليه رحمة الله:
أسلافنا لي لهم في شهر ثالث وسابع إلى العُلا أعلى ارتفاع
شهر الثالث يقصد به ربيع الأول، والشهر السابع رجب، لهم إلى العُلا أعلى ارتفاع. فهو شهر رابطة خاصة بذكر الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإحياء سننه، والتخلُّق بأخلاقه، والتأدب بآدابه.
وكان أهل الرغبة والمحبة ما يَدَعون في شهر ربيع الأول غرفة من غرفهم في البيت إلا وقرأوا فيها مولده عليه الصلاة والسلام وسيرته مع أولادهم وأهلهم، وانتعشت قلوبهم وأرواحهم وقلوب أهل بيوتهم، وتنوّرت ديارهم ومنازلهم بذكر الله وذكر رسوله المصطفى محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
الذي في ذكره عليه الصلاة والسلام من الخصوصيات والمزايا ما جاءت الإشارة إلى أنه عندما تصعد أعمال العباد إلى السماوات، وكلها الأعمال الصالحة التي تُفْتَح لها السماء بروائحها الطيبة، ولكن تفوح رائحة زكية قوية الطِّيب، فتقول الملائكة: ما هذا؟ فيقال: "مجلس صُلِّيَ فيه على محمد في الأرض" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وهو حسبنا أن يقول لنا: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة". أكثرهم عليَّ صلاة ﷺ! نوّر الله بالصلاة عليه قلوبنا، وقلوب أهالينا وأولادنا.
وإن شاء الله يُقبل علينا ربيع الأول بفرج لنا وللمسلمين، ودفع للبلايا وللآفات، ما يطيق قلب المؤمن الصادق أن يعلم أن أحدًا من المسلمين تضرّر ولو بشوكة، فكيف بقتل؟! فكيف بأذى؟! فكيف بضُرّ؟! وإنما يفرح المؤمن بقتل إذا واجه أعداء الله سبحانه وتعالى من الكفار الذين يصدّون عن سبيل الله، وما عدا ذلك يشقّ على المؤمن أن يُصاب مؤمن بمؤمن، أن يؤذي مؤمن مؤمنًا، أن يتكلم مؤمن على مؤمن، أن يسُبّ مؤمن مؤمنًا! "سِبَاب المسلم فُسُوق وقِتَاله كفر" يقول عليه الصلاة والسلام.
فالله يصلح يمَننا، ويصلح شامنا، ويصلح شرقنا، ويصلح غربنا، ويحمي البلاد والعباد، ويحقن للمسلمين دماءهم، ويعصم سبحانه وتعالى أعراضهم، ويحفظ لهم أموالهم، ويصونهم من الشرور وكل محذور.
وهذه الحضرات، لولاها وما تعلق بها من معاني ذكر الله والعمل بالطاعة وقيام العلم، واتصال القلوب بهذه الوِجْهَات والسند للحبيب ﷺ، لكان الأمر أشد وأخطر. ولولا ما حصّن الله به الوادي..
بهم أصبح الوادي أنيسًا وعامرًا ** أمينًا ومَحمِيًّا بغير حُسامِ
الله يديم الأمن لنا في يمننا ووادينا، وفي جميع أقطار الأرض لجميع المسلمين، ويجعلها ساعة من ساعات القبول لكل صغير وكبير منا، والعوائد تعود على الحياة والوفاة، وعلى الأهل والأولاد، وعلى المؤمنين في المشارق والمغارب.
يا جزيل المواهب، وقفنا على الأبواب، وتوجّهنا بالأحباب، والكتاب، ومَن أنزلت عليه الكتاب، فافتح لنا في الخير كل باب، وبلّغنا الآراب وفوق الآراب.
وأمتعنا وبصلحائنا وعلمائنا، وأمتع بحبيبنا أحمد بن سالم الحبشي، وجميع مناصبنا وعلمائنا، وأهل السر فينا، ظاهرهم وباطنهم، حبِّب لهم البقاء فينا، وأمِدّهم بتأييدك ونصرك، وارزقنا كمال حسن الظن فيهم وفي كل مؤمن، مع أدبٍ كامل معك، وإقبال عليك، واغتنام للعمر وللأوقات، وخَتم بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا يا مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين.
27 صفَر 1448