أسرار شرف الصلة بالله ورسوله المقتضية للوصل وذوق الوصال ونيل الوصول .. مفاتيحها وأبوابها والتعامل بمقتضاها

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في المجلس الأول من مجالس الدعوة إلى الله في شعب النبي هود عليه السلام، ضمن محاور (ترسيخ وتعميق الصلة بالله ورسوله، ضوابط وواجبات التعامل مع أصناف الخلق) ، ليلة السبت 5 شعبان 1447هـ بعنوان:

أسرار شرف الصلة بالله ورسوله المقتضية للوصل وذوق الوصال ونيل الوصول .. مفاتيحها وأبوابها والتعامل بمقتضاها

 

اقرأ فوائد مكتوبة

لتحميل المحاضرة نسخة pdf

نص المحاضرة:

الحمدُ لله العظيمِ الجليل، الكريم الذي لا يُحيطُ بفضلِهِ مُحيط، ولا يُحيطُ بوصفِهِ مُحيط، ولا يُحيطُ بأسمائِهِ مُحيط، فضلاً عن أن يُحيطَ بذاتِهِ مُحيط، وهو بكلِّ شيءٍ مُحيط.

 لا إلهَ إلا هو، يُكرِمُ بالصِّلات ويجعلُها مفتاحَ الوصلات، وأسبابَ المُواصَلات، وسُلَّمَ الوصولِ إلى حضرتِهِ العليَّة، بخاصِّ المعرفةِ التي خصَّ بها خيارَ البريَّة.

له الحمد، له المِنَّة، له الفضل، له الكرم، له الامتنان، ربَّنا لك الحمدُ وشُكراً، ولك المَنُّ فضلاً، سبحانك لا نُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسِك.

 نعوذُ بمُعافاتِك من عقوبتِك، ونعوذُ برضاك من سَخَطِك، ونعوذُ بك منك، سبحانك لا نُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسِك.

 

الشهادة بالرسالة ومواجهة الصُّدود

ثم إنه جعلَ -جلَّ جلالُه- مفتاحَ الصِّلات به القوي الحقيقي: إنباء وإرسال؛ نبَّأ وأرسل باصطفاءِه، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ)، (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا)، ونحنُ مع الملائكةِ نشهدُ بشهادتِك يا ربّ.

 (وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا)؛ هذا صنفٌ ما اكتفَوا بالكُفر، وتجرَّدوا وتجنَّدوا للصَّدِّ عن سبيلِ الله؛ 

  • لا يُريدون أحداً يعرفُ الحقيقة،
  •  لا يُريدون أحداً ينجو من النارِ إلى الجنَّة،
  •  لا يُريدون أحداً يحوزُ حقيقةَ السعادة. 

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا)، كفروا وصدُّوا، وكفروا وظلموا؛ ظلموا عبادَ اللهِ بالكذبِ والدَّجلِ والخِداعِ والتلبيسِ والاستعبادِ المُبطَّنِ لهم، وتسخيرِهم لأغراضِهم ومقاصدِهم، (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا).

 

الإيمان بالرسل ﷺ والصلة بالله

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ) لك الحمد، نعم جاءنا، وأنت الذي بعثتَه، وأنت الذي اخترتَه، وأنت الذي اصطفيتَه، آمنَّا به وشَهِدنا أنه رسولُ الحقِّ ورسولُ الصِّدق، برسالتِهِ عرَفنا نُبوَّةَ "هود" ورسالتَه وبَعثَه إلى قومِ عاد، ومُقابلتَه للتكبُّرِ والعِناد وأهلِ التكبُّرِ والعِناد، وصبرَه ومُجاهدتَه، وأتاهم بالبيِّناتِ فأَبَوا وأصرُّوا، وتوكَّلَ على ربِّه وصَدَقَ فنصرَه الله.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ)؛ ربَّنا آمنَّا بك وبهذا الرسولِ وما جاء به، فاجعلِ الإيمانَ في قلبِ كلِّ حاضرٍ معنا وسامعٍ لنا ثابتاً قوياً يزدادُ قوةً إلى أن تتوفَّى، يا الله، واحفظ علينا سِرَّ هذا الإيمان، ونورَ هذا الإيمان، وبركةَ هذا الإيمان يا كريمُ يا منَّان. 

(فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؛ لا توجدُ هيئةٌ تملكُ ما في السماواتِ والأرض، لا توجدُ دولةٌ تملكُ ما في السماواتِ والأرض، لا توجدُ حضارةٌ تملكُ ما في السماواتِ وما في الأرض. (فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).

اختبرَ العبادَ وأرسلَ إليهم الرُّسُل، ولكلِّ قومٍ هادٍ، وختمَ الرُّسُلَ بزَينِ العِباد، خيرِ داعٍ ومُعلِّمٍ ومُرشدٍ وهادٍ، محمد بن عبد الله، محمد بن عبد الله، محمد بن عبد الله! الذي به كُنتم خيرَ أُمَّة، الذي أنتم في نورِ رسالتِه تتمتَّعون بإفضالاتِ ربِّه وتجلِّياتِه عليكم وتوفيقاتِه وإمداداتِه لكم. 

اللهمَّ صلِّ عليه أفضلَ الصلوات، وعلى آلِه وصحبِه القادات، وعلى من اتَّبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الميقات، وعلى النبيِّ هود وآلِه وصحبِه، وعلى جميعِ أنبيائِك ورُسُلِك وآلهم وصحبِهم، ومن تَبِعَهم بإحسانٍ في الظواهرِ والخَفِيَّات، وعلى ملائكتِك المُقرَّبين وجميعِ عبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

فدارت دائرة السعادة، وإدراكُ الحقيقة، والانتقال من النارِ إلى الجنَّة؛ في صِلةٍ بالله مفتاحُها القوي رُسُلُ اللهِ وأنبياؤُه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم. توقِف القلب والعقل على معرفةِ الإلهِ وأنه المُتفرِّدُ بالإبداءِ والإنشاءِ والاختراعِ والإيجاد، وأنَّ إليه المَرَدّ والمَرجِع والمآب والمَعاد، لا يملكُ غيرُه تغييرَ شيءٍ من هذه الحقيقة.

 (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ)، 

(إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).

 (فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، 

ليس مُحتاجاً لإيمانِ مُؤمن، ولا إسلامِ مُسلم، ولا عبادةِ عابد، ولكن هذا شرفُ الخلقِ وعِزُّهم وسعادتُهم، وخيرُهم ومجدُهم ونعيمُهم، وفضلُ اللهِ تباركَ وتعالى عليهم.

 

منهج الدعوة والتعامل مع الأصناف المختلفة

قامتِ السعادةُ على هذه الحقيقة، وهدى اللهُ من شاء من الخليقة، واللهُ يُكثِّرُ الهدايةَ وينشُرُها، وقد وعدَ نبيَّنا أن يُدخِل دينه كلَّ بيت، فتدخل مِلَّتُه إلى كلِّ بيتٍ على وجهِ الأرض، أرانا اللهُ ذلك في العالَمِ، في لُطفِ عافية ويقين وتمكين مكين. 

على ضوءِ هذه الصِّلةِ باللهِ المُقتضيةِ للوصلةِ وشريفِ المُواصَلة، ثم الارتقاء بالسُّلَّمِ إلى الوصول؛ يتنوَّرُ المُتَّصِلُ في كيفيةِ عملِه عُموماً وتعامُلِه مع نفسِه، مع أُسرتِه، مع أقاربِه، مع أهلِ بلدِه، مع المُعاندين، مع المُضادِّين، مع المُقبِلين، مع المُدبِرين، مع المُغرَّرِ بهم، مع المُغرِّرين، يتنوَّرُ بهذا النورِ، ويمضي في تَبَعِيَّةِ "بدرِ البُدور".

كان أمامَه مُقبِلون، وأمامَه مُغترُّون، وأمامَه مُغرِّرون، وأمامَه صادُّون، وأمامَه مُعاندون، وأمامَه جاحدون، وأمامَه مُخلِصون صادقون، وأمامَه مُدبِرون، وأمامَه كذَّابون، وأمامَه مُقاتِلون؛ فتعاملَ مع الكُلِّ خير منهاج، وأكرم سبيل، وأحسن مُعاملة، في ذِروةِ الكمال.

 (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).

(إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ)، مَجامِعُنا ومَجامعُ الخيرِ في العالَمِ كلُّ ما صحَّ وخَلَصَ منها، وأُكرِمَ أهلُها بالصدق وقُبِلَ عندَ الله؛ هي تحت هذا النَّصر، هي في دائرةِ هذا النَّصر. (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ)، أربابُ الصِّدقِ والإخلاصِ من أهلِ هذه المسالكِ الطيِّبةِ منصورونَ بنصرِ اللهِ لمحمد، (وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا)، فلا يزالون يُقابلُهم هذا النَّصرُ حتى يأتيَ وعدُ الله.

 

الثبات أمام الأذى والنِّفاق

ومنهم تلك الطائفةُ التي أخبرَ عنها: "ظاهرينَ على الحقّ، لا يضُرُّهم من ناوأهم، ولا يضُرُّهم من خذلَهم، ولا يضُرُّهم من خالفَهم". المعنى أنَّ هذه الطائفةَ ستُقابلُ مُناوئينَ ومُخذِّلينَ خاذلينَ ومُخالفين وهم أمامَنا، والقائدُ قال لنا: لا يضُرُّونكم، لا يمكنُ أن يصِلوا إلى حقيقةِ ضرِّكم إلا أن تخونوا أنتم الأمانة، أن تخرُجوا أنتم عن النَّهج، أو تُؤثِروا على اللهِ ورسولِه سواهُما. وأما ما دُمتم تُؤثِرون اللهَ ورسولَه على كلِّ ما سواهُما، وتستضيئون بنورِ الرسالةِ في التعاملِ مع المُناوئينَ، مع المُخالفينَ،ومع الخاذلين؛ فلن يضُرّوكم.

وقال في آية: (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى)؛ سبّ وشتَم ومُحاولات... وعندما يُسمُّونها "ساعةَ الصِّفر" هؤلاء، وعندما تَحِينُ ويكونُ أهلُ هذا المنهجِ بنورانيَّةِ الوحي؛ وَصَلَ إليهم الظُّلمُ والاضطهادُ إلى المُواجهةِ استبداداً وعُدواناً وطُغياناً، فَفُتِحَ لهم بالأمرِ الإلهيِّ الإذنُ بالقتال، فالحال: (وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ).

نفسُ الشيءِ للجماعاتِ منهم وللأفرادِ بمُختلفِ أصنافِهم، فمنهم المُنافقون الذين كانوا في المدينةِ والنبيُّ ﷺ قابلَهم وواجهَهم وعاملَهم، على درجاتِهم في النِّفاق. 

وقال اللهُ عنهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ)؛ وهذا الذي يدورُ بين الخلقِ فيما يُسمُّونه بأيِّ ألقابٍ في الصِّلات بينهم لنُصرة بعضِهم البعض، قال اللهُ تعالى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ).

لمَ؟ لأنَّ الميزانَ القائمَ على ظهرِ الأرضِ أنَّ من آمنَ بربِّ الأرضِ والسماءِ دخلَ في حِصنٍ وحمايةٍ وكنفٍ لهذا الإله، فهو يخشاهُ والربُّ يرعاه.

أما الذين فتنةُ الخلقِ وشرُّ الخلقِ أخوَف عندهم من الخالقِ فلا مجالَ لهم في الغلبة ولا عاقبةَ لهم. 

(لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ)؛ ومن كان هذا وصفُه -يخافُ غيرَ اللهِ أكثرَ من الله- فلا عاقبةَ له، ولا نصرَ له، ولا غلبةَ لهم، ما يمكن! هذا غيرُ مُمكنٍ في سُنَّةِ مُوجِدِ الوجود جل جلاله، (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ)؛ قِلَّةُ الفهمِ أوصلَتهم إلى هذا، وكلُّ من فَهِم؛ يَنتزِع من قلبه خوف غيرِ الله. 

 

أوصاف المحبوبين عند الله

وانظروا إلى ما وصفَ اللهُ به الصادقينَ منَّا في تَبَعِيَّةِ محمدٍ والنُّصرةِ له: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ)؛ يا ربِّ اجعلنا منهم، وحقِّقنا بهذا الوصفِ الذي وصفتَهُم به، واجعلهُ فينا ثابت وفي أهالينا راسخ، في قلوبنا، (وَيَخْشَوْنَهُ) وهو أحقُّ أن يُخشى، بيدِه ملكوتُ كلِّ شيءٍ والأمرُ له، (وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ).

كما قال عن وصفِهم في الآيةِ الأخرى، وهي قريبةٌ منَّا لأنَّ مَن أُنزِلَت فيهم على الخصوص -وهي عامَّةٌ لكلِّ من اتَّصفَ بأوصافِهم إلى يومِ القيامة- كانوا أوائلَنا من هذا البلدِ من اليمن، ونزلَت فيهم كما صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه من الصحابةِ والمفسرّين من بعدهم، نزلَت فيهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ). 

ما أعجبَ صِلَتهم، بل تحقَّقَت وصلَتهم، بل ذاقوا وِصالهم، بل رُشِّحوا للوصول، (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ). 

وهذا بيانُ أوصافِهم: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)؛ أذلَّةٍ على المؤمنين، وإن كانت الجاريةُ لتطلب رسولَ اللهِ أن يمشيَ معها فتأخذُه من الطريق، يمشي ليُكلِّمَ لها هذا، أو يُرتِّبَ لها هذا، أو يشتريَ هذا، فيمشي معها.

(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)؛ اتَّصِف وتقرَّب بهذه الأوصاف لترقى، لتُقبَل، لتدخُل في دوائر مُحمَّديَّة ربَّانيَّة. 

(أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)؛ يَشبَعون تهديداً ما يتزعزع، يَشبَعون إغراءً ما يتأثَّر، أعزَّةٍ على الكافرين. 

(يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)؛ يعني الميزانُ الصحيحُ عندهم قائم، ما دام الميزانُ الصحيحُ قائماً فكلُّ لائمٍ من الخلقِ -غيرِ اللهِ ورسولِه- لا اعتبارَ لِلَومِه، فهُم وأفكارُهم وآراؤُهم مطروحة، كيف تُؤثِّرُ على هؤلاء؟ 

يخافون أن يَغضَب الحقّ، يخافون أن يسخط الإله، يخافون أن يتكدَّرَ قلبُ محمد ﷺ، هذه خشيتُهم، وأما لَومُ اللائمين من شِرارِ الخلقِ إنسٍ وجنٍّ ماذا يُساوي؟ (وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)؛ فقد قام الميزانُ عندهم على الصحَّة، الله أكبر! (قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ)، فيخافونَه دون مَن سواه ولا يخشَون أحداً إلا الله.

يقولُ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ)، صدقتَ يا ربّ، أنت الذي تفضَّلتَ عليهم، وهم بشرٌ مثلُنا، وفَّقتَهم وأخذتَ بأيديهم، وصفَّيتَهم ونقَّيتَهم، وحلَّيتَهم بهذه الحُلَل. فيا صاحبَ الفضلِ الذي تفضَّلَ عليهم نسألُك في مَجمَعِنا أن تتفضَّلَ علينا، نسألُك أن تتفضَّلَ علينا، نسألُك يا من هو أقربُ إلينا من حبلِ الوريد، نسألُك يا من هو أسمعُ لدُعائنا منَّا أن تتفضَّلَ علينا، وتجعلَنا من قومٍ تُحبُّهم ويُحبُّونك، (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ).

 

فقه التعامل مع الإكراه والضرورات

ما أشارَ إليه الشيخُ عبدُ الكريم -ثبَّتَه اللهُ وأحبابَنا والمُنتهجينَ في نَهجِ الخيرِ والتَّبعيَّةِ لخيرِ البريَّةِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فالأمرُ فيه في منهاج النبوَّةِ ضوابط وأسس وأصول، فيها مُراعاة حالات الضرورات والشدائد، إلى حدِّ أن لمَّا أجبرَ الكُفَّارُ الفُجَّارُ بشدَّةِ التعذيبِ سيِّدَنا عمَّار أن ينطقَ بكلمةِ الكُفر، ثم كَبُرَ عليه الأمرُ في باطنِه وضميرِه، وجاء إلى رسولِ اللهِ ﷺ وأخبرَه، فقال له: "إن عادوا فَعُد"؛ إن عادوا إليك وأوصلوك إلى هذا الحدّ، قُل لهم هذا الكلامَ الفارغَ الكاذب، وأنزلَ اللهُ تصديقاً لذلك جلَّ جلالُه وتعالى، يقولُ سبحانَه وتعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)،  يشهد له بالطُّمأنينة! اللهُ أكبر، هؤلاء خرجوا من الحرج.. ولا لومَ عليه ولا عذابَ عليه فيما أُكرِه عليه.

في دون مسألةِ الإكراهِ فيما يُشابِهُها من مثلِ التهديدِ بوظيفةٍ ونحوها، يُمكن بعضُ الصغائرِ من مثلِ كشفِ وجهِها وكشفِ رأسِها في وقتِ العمل، للمبتدئ الذي قَرُبَ عهدُه بالإسلامِ، ولم ينتهِ إلى قوةٍ يستطيعُ أن يُقاوِمَ بها الواقعَ بسُلطانِ الإيثار، عدمِ المُبالاةِ بما ينالُه، فمجالُه في ذلك واسع، ويكونُ ذلك وقتَ الحاجةِ للحاجة، بحسب الحاجة، مع الاستغفار، ومع البحثِ عن الخروجِ إلى عملٍ لا يُوصِلُه بالضغطِ إلى أن يرتكبَ صغيرةً فضلاً عن كبيرة. 

وأن لا يضيقَ الذَّرعُ بمنع من يمنع من إلقاء كلمات في أماكن، ومع ذلك تبقى نيَّةُ الخيرِ لهم وإرادةُ الهدايةِ لهم باقية، ومسألةُ المرورِ عليهم أو الحضور عندهم أحياناً من دون أن نتكلَّمَ إذا لم يترتَّب على ذلك شيءٌ من الأضرار، فذلك كلُّه واسعٌ وممكن.

وإذا ثبَتنا على ما تنوَّرنا به من نورانيَّةِ الوحي؛ فهذا الذي يمنعُ اليومَ يطلبُ غداً، ويَفسَحُ المجالَ غداً، مع ارتباطِ الأمرِ -كما فَهِم- بطرحِ الأمرِ كلِّه على الله، وحُسنِ التضرُّعِ والابتهالِ إليه، والتوسُّلِ بحبيبِه وأهلِ حضرةِ اقترابِه من النبيِّين، مع التوسُّلِ بأسماءِ اللهِ تعالى وصفاتِه.

الدعاء للأُمَّة والرحمة بالخلق

فذلك دأبُ نبيِّنا، ودأبُ الأنبياءِ من قبل، ودأبُ التابعينَ له من خيارِنا؛ يبكون إلى اللهِ من أجلِ الأُمَّة، ويستغيثون اللهَ للأُمَّة، ويستهدون اللهَ للأُمَّة، ويُلِحُّون على اللهِ في شأنِ الأُمَّة. 

وكان من جُملةِ مَهامِّ مجيئِهم إلى شِعبِ النبيِّ هود أداءُ هذه المَهمَّة؛ يُؤدُّون هذه المَهمَّةَ في الليالي، كما يسألون خلاصَهم ونقاءَهم وارتقاءَهم، يسألون الخيرَ للأُمَّةِ كذلك، المُسلمين ثم جميعِ الأُمَّةِ بالهداية، فهم يُلِحُّون على اللهِ بذلك.

وكان إمامُهم كلَّما ذُكِرَ له موقفٌ شديدٌ من مواقفِ المُعادين قال: "اللهمَّ اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"؛ يدعو بالهداية، وكان في هَديِه وسُنَّتِه ما طُلِبَ منه الدُّعاءُ على قومِه إلا عدلَ من الدُّعاءِ عليهم إلى الدُّعاءِ لهم، يا ربِّ صلِّ عليه.

وسمع من يذكر له قبيلةَ "دَوس" -وهم قبيلةَ أبي هريرة- وأنهم أتعبوا المُجاهدينَ من الصحابةِ وكذا: ادعُ اللهَ عليهم يا رسولَ الله، يقولون هلكَت دَوس! فسمعوه يقول ﷺ: "اللهمَّ اهدِ دَوساً وأْتِ بهم مُسلمين"؛ قال: فقدِمَ وافدهم بعد ثلاثةِ أيامٍ بالإسلامِ على رسولِ الله، وجاؤوا مُسلمين.

وهكذا، وشكى إليه بنفسِه أبو هريرة -وهذا كان قبل أبي هريرة، طُفَيلِ بنِ عمرٍو الدَّوسيّ- وأبو هريرة يشتكي إليه من أُمِّه، يدعوها إلى الإسلامِ وأَبَت، والنبيُّ يأمره ببِرِّها، وهو يَبَرُّها وتُؤذيه وتجيء له بكلام تسُبُّ دينَه وتسُبُّ رسولَه، لا حول ولا قوة إلا بالله! ويصبر ويشتكي يقول يا رسول الله.. ! قال: اللهمَّ اهدِ أُمَّ أبي هريرة، وبلغه أنها تسُبّه وتسُبُّ دينَه، قال: "اللهمَّ اهدِ أُمَّ أبي هريرة"، ذهب إلى البيتِ ودخل وجدَ وجهَها آخر وأُسلوبَها آخر.. - كيف هذا الدِّين؟ ماذا يقولُ لكم محمد؟ - أسلَمَت، يا ربِّ صلِّ على المُداوي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وهكذا ثم شأنُنا كلُّه في أحوالِنا وأحوالِ الأُمَّةِ من ورائِنا: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ). إذ تستغيثون ربَّكم! فما لنا إلا هو في الدنيا والآخرة، إنما عبوديَّةً وطلباً لرضوانِه نَجهدُ ونقومُ بالأسباب، ونبذلُ كلَّ ما في وُسعِنا، وإلا نحن وهُم عبيدُه وهو الذي يهدي من يشاءُ ويُضِلُّ من يشاء، ونسألُه أن يُثبِّتَنا وأن يجعلَنا أسباباً لنشرِ الهداية في البريَّة، آمين يا رب.

 

التضرُّع والابتهال في الليالي المباركة

 اجعلها ليالي مباركةً؛ تمتدُّ فيها حِبالٌ قويَّةٌ من الصِّلةِ بك، ومِن نَيلِ وصلَتِك، ومن ذَوقِ وِصالِك، وافتحْ أبوابَ الوصولِ إليك، وافتحْ أبوابَ الوصولِ إليك. 

قوِّ في هذه القلوبِ الصِّلةَ بك وبرسولِك، حتى نبيتَ ليلتَنا وأنت ورسولُك أحبُّ إلينا ممَّا سواكُما، ونكونَ في الليلة التي بعدها أقوى، وفي الليلة التي بعدها أرفع، وفي الليلة التي بعدها أوسع، وفي الليلة التي بعدها أجمع، يا الله، ليالي رَبح في أمثالِها قبلَنا كثير، والذي أربحَهم العليُّ الكبير، السميعُ البصير، العليمُ القدير، وكان إفاضتُه عليهم بواسطةِ البشيرِ النذيرِ والنبيِّ هود، وأربابِ القُربِ منه تعالى والمنزلة لديه. 

فالحمدُ لله، وبهم نتوسَّل إليه أن ينظرَ إلينا، وأن يُصلِح أحوالَ الأُمَّةِ فيما نازلَ أفكارَهم، وما نازلَ آراءَهم، وما نازلَ قلوبَهم من تلبيساتٍ وخِداعاتٍ باسمِ الدِّينِ وبغيرِ اسمِ الدِّين، اللهمَّ أنقِذِ الأُمَّة، واكشِفِ الغُمَّة، وأَجْلِ الظُّلمةَ يا أرحمَ الراحمين.

ومن نعمةِ اللهِ ومِنَّتِه ما بدأ من شعورٍ عند كثيرٍ من الذين كانوا يُضادون أهلَ الإسلامِ ويقومون مع الظَّلمةِ أنهم خُدِعوا، ومن الذي بثَّ الشعورَ فيهم؟ لو عملنا لهم قبل هذا التجلِّي الإلهيِّ مئةَ مُحاضرةٍ ما يتأثَّرون، سيزدادون عِناداً، لكن لمَّا جاء الوقتُ قالوا: خُدِعنا! قالوا خُدِعنا، وسَمِعتم وستسمعون، ومُقبِلٌ أمرٌ كثيرٌ على الأُمَّة.

(وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ)، تعرف لفظة "يأبى" ؟ يأبى! وبلفظ المضارع، ثابت مستمر، (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ). 

اللهم لك الحمد شُكراً، فاخترنا لنصرتك ونُصرة رسولك بكلِّ ما آتيتَنا، من عقلٍ وقلبٍ وسمعٍ وبصرٍ ومالٍ وأهلٍ وعيالٍ ووقتٍ وقوَّةٍ وقُدرةٍ واستطاعة؛ اجعلها كلَّها مصروفةً في مرضاتِك على الوجهِ الأحبًّ إليك وإلى رسولِك، والأرضى لك ولرسولك، والأنفعِ لعبادِك، اللهمَّ آمين. 

هذا الدُّعاءُ ومنك الإجابة، وهذا الجُهدُ وعليك التُّكلان. فانظرْ إلى كلِّ قلبٍ في الحاضرينَ وفي السامعينَ والمُتعلِّقينَ والموالين فيك نظرةً ربَّانيَّةً رحمانيَّة، تُصفِّي بها كلَّ قلبٍ منَّا تصفيةً تامَّة، تصفيةً تامَّة، تصفيةً تامَّةً، في خيرٍ وعافية. نذوقُ لذَّةَ الوِصالِ وتُكرِمُنا بالوصول، يا ذا الإفضال، في هذه الأيامِ والليال، واجعلها من أبركِ الأيامِ والليالي على أُمَّةِ هذا الحبيب، شرقاً وغرباً، عرباً وعجماً، ذُكوراً وإناثاً، إنساً وجِنَّاً، صِغاراً وكِباراً.

يا الله، يا الله، يسمعُكم ويراكم، نادوا قولوا: يا الله.. الأرضُ امتلأت بجموعٍ وتَحاشُداتٍ تطلبُ غيرَه، وتسألُ غيرَه، وترتجي غيرَه، وتشكو على غيرِه. وهذه الجموعُ بقيَت مُسلسَلةً من أثرِ الداعي الكريم العظيم ﷺ تجتمعُ له، وتطلبُه، وتقصدُه، وتسألُه، وتشكو إليه هو، وترجوه هو، فللهِ الحمدُ على بقاءِ هذه التَّحاشُداتِ والجموعِ في الأرضِ بهذه الصورة؛ لا تلتجئُ لغيرِه، لا تشكو إلى غيرِه، لا تطلبُ من غيرِه، بدعوتِه وبتوفيقِه سَمِعوا الخِطابَ على يدِ سيِّدِ الأحبابِ فاستجابوا، وصاروا يحتشدون كما أحبَّ أن يحتشدوا، وكما رغَّبَ أن يحتشدوا، وكما أحبَّ أن يجتمعوا.

وسَمِعوا الرحمنَ من فوق يقول: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)؛ شرَّفَهم وميَّزَهم (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). من باتَ اليومَ منا معدودٍ عند ربِّ العرشِ يُريدُ وجهَه؛ ما أوجَهَه! ما أسعدَه! ما أكرمَه! ما أطيبَه! ما أشرفَه من عبد؛ إذا باتَ الليلةَ وهو عند ربِّ العرشِ معدودٌ ممَّن يُريدون وجهَه، فقال لأوجه وجيه لديه وأنت ضع عينك عليهم لأنَّ نظري إليهم (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ)؛ لأنَّ نظري إليهم، ولا تَعدُ عينُك عنهم. 

لك الحمدُ يا ربّ، صلِّ على محمد وآلِه وصحبِه، وعلى النبيِّ هود وآلِه وصحبِه، وجميعِ الأنبياءِ والمُرسلين. وانظرْ إلينا بهم، انظرْ إلينا بهم، انظرْ إلينا بهم، باركْ لنا في ليالينا، باركْ لنا في أيامِنا، باركْ لنا في ساعاتِ هذا الشِّعبِ المُنوَّرِ المُبارك.

 يا من سبقَت منك السوابقُ في أن وهبتَ مواهبَ كبيرةً لكثيرٍ من عبادِك الصادقينَ الواثقينَ بك والمُقبِلينَ عليك، وحاشاك أن تقطعَ ذلك وأنت الكريمُ الجوادُ الذي يزيدُ ولا ينقص، ويُعطي ولا يمنع، لمن أقبلَ عليه وتوجَّهَ إليه.

يا خيرَ مَرجوّ، يا أكرمَ عفوّ، يا أعظمَ من يُرتجى، يا من إليه اللَّجأُ ومنه النَّجا، لا إلهَ إلا أنت نجِّنا فقد التجأنا إليك. 

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين وجودِك يا أجودَ الأجودين، وأصلِحْ شؤونَ الأُمَّةِ أجمعين، واختِمْ لنا بأكملِ الحسنى وأنت راضٍ عنَّا، ظاهراً وباطناً.

 وهيِّئ جميعَ الحاضرينَ أن يتهيَّأوا لهذا العطاءِ الواسع من خلالِ حُسنِ مُعاملاتِهم، وصفاءِ باطنِهم في خُدورِهم وأماكنِهم، ومآكلِهم ومشاربِهم، وآدابِهم في ليلِهم ونهارِهم، وصلواتِهم ومُخاطبتِهم مع من حواليهم، وتخلُّقِهم بأشرف الأخلاق؛ حتى لا يُحرَموا فيضُ هذا الفضلِ المُتدفِّقِ والجودِ الواسعِ المُتواتر.

لا إلهَ إلا أنت لا تحرِمنا خيرَ ما عندك لشرِّ ما عندنا، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين. وبسِرِّ الفاتحةِ إلى حضرةِ النبيِّ الأمين ﷺ.

 

العربية