حقائق الصلات بالحق ورسوله وخطر انقطاعها عن العلم ومظهر العبادات
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في المجلس الخامس من مجالس الدعوة إلى الله في شعب النبي هود عليه السلام، ضمن محاور (ترسيخ وتعميق الصلة بالله ورسوله، ضوابط وواجبات التعامل مع أصناف الخلق) ، ليلة الأربعاء 9 شعبان 1447هـ بعنوان:
حقائق الصلات بالحق ورسوله وخطر انقطاعها عن العلم ومظهر العبادات
نص المحاضرة:
الحمد لله المَلك الخلَّاق، الذي منه المبتدأ وإليه المرجع والمصير، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يُحيي ويُميت وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
ونشهد أن سيدنا ونبينا وقُرَّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، الذي ختم الله به الأنبياء، أهل الدلالة عليه والدعوة إليه، والإرشاد إلى ما يُرضيه، والتطهير لقلوب المُلبِّين لندائهم والمستجيبين لدعواتهم، والمُهيِّئين لهم إلى القرب من الرحمن، وإلى دخول الجنان، وإلى الخلود في نعيم وقُرب الملك المنَّان جلَّ جلاله.
صلَّى الله على نبينا محمد، وعلى النبي هود، وعلى جميع أولئك الأنبياء والمرسلين، وعلى آل سيدنا محمد وأصحابه، وعلى آل الأنبياء أجمعين وأصحابهم، وعلى أتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، وجعلنا الله وإيَّاكم من خواصِّ أتباعهم وأهل حُسن اتِّباعهم حقيقةً، إنه أكرم الأكرمين.
الاعتبار بالأمم السابقة ومشهد القيامة
في الساحة المباركة تجتمعون، وقد سمعتم الإشارات إلى ما شرع لنا ربُّ الأرض والسماوات من التذكُّر في أخبار الأمم السابقات، وما كان من النهايات والعواقب والنتائج والثمرات، وما هو مُستقبِلٌ لنا ولهم أجمعين في يوم الحُكم الذي لا تعقيب له، والفصل الذي لا مراجعة له. (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)؛ اجعلنا من خواصِّ السعداء يا ربّ.
(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، فيُخرِج منها مَن كان في قلبه ولو مثقال ذرَّة من إيمان، وآخرهم خروجًا من تلك النيران جُهينة -الذي يُقال عنه "عند جُهينة الخبر اليقين"- فيدخل الجنة فيُعطى مِثلَ الدنيا عشر مرَّات.
يقول جلَّ جلاله: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا) وفي قراءة: (سَعِدوا)، (فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)؛ أي غير منقطع ولا مُنتهٍ. (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ).
الدعوة إلى الله عنوان السعادة الكبرى
يقول جلَّ جلاله عن هذه السُّنَّة التي جعلها في الكون وفي تعاقب هؤلاء الخلق -خصوصًا بني آدم- أنهم يتشابهون في الأفكار والاتجاهات في مختلف الأوقات، بمُختلفٍ مِن تلك التوجُّهات والأفكار، ولكنَّ النهاية هي النهاية: مَن أطاع الله أدخله الجنة، ومَن عصاه أدخله النار.
كلُّ مَن بلغته الدعوة فأباها فويلٌ له، وكلُّ مَن حمل نور الدعوة وبلَّغها تضاعف، طُوبى له من وجوه كثيرة، وارتبط بصاحب القيادة في الدعوة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:
وَلَسْتُ أَرَى أَمْرًا يَسُرُّ فُؤَادَ مَنْ ** بِهِ الْكَوْنُ يَزْهُو فِي الْبَرَايَا وَيَفْخَرُ
سِوَى دَعْوَةِ الْهَادِي الشَّفِيعِ مُحَمَّدٍ ** وَتَبْلِيغِهَا فِي كُلِّ مَا عَنْهُ يُؤْثَرُ
وطلب المؤمن أن تكون له منزلة في هذا الوعي للحقيقة، والعمل بمقتضاها، والقيام بالدعوة إليها؛ عنوان سعادة كبرى تجعل له النصيب الوافي مِن قرب الحقِّ، وقرب الحبيب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ومرافقته في القيامة.
ونقرأ في حديثه الصحيح: "أقرب الناس من الرسل يوم القيامة العلماء والشهداء" -يعني العلماء بحقٍّ والشهداء بحقٍّ من غير شكٍّ- وذَكر تحقُّق العلماء بحقيقة العلم، وتحقُّق الشهداء بحقيقة الشهادة في تمام الحديث.
قال: "أما العلماء فدلُّوا الناس على ما بُعث به الرسل"؛ يعني أنهم وَعَوْا وعَلِموا وفقهوا واستوعبوا وعملوا بذلك وطبَّقوا، ثم دلُّوا الناس عليه، فهم أقرب الناس إلى الرسل؛ دلُّوا الناس على ما بُعِث به الرسل. فكلُّ عالم لا يدلُّ الناس على ما بُعث به الرسل؛ ما له قُربٌ من الرسل يوم القيامة، فكيف إذا كان عالمًا يُبعد الناس عمَّا بُعث به الرسل؟! هذا من أبعد الناس عن الله وعن رسله يوم القيامة والعياذ بالله تبارك وتعالى.
خطر الرياء وفساد النيَّة (أوَّل مَن تُسعَّر بهم النار)
لذا بيَّن لنا بصراحة ﷺ أن هؤلاء المنقطعين عن الصدق مع الله ومع رسوله، لا ينفعهم ولا يفيدهم مظاهر القُرب الصُّوريَّة التي لا روح فيها، وقال: "إن أوَّل مَن تُسعَّر بهم النار يوم القيامة عالِم، ومُستشهَد في المعركة مع الكفار، ومُتصدِّق بالأموال". أي: هذه الأبواب الثلاثة من أعزِّ ما يُقرِّب إلى الله، ويُنيل رضاه، ويُقرِّب من أنبيائه في الآخرة، قال ولكن ناس يحملون صورتها ويكونون من أوَّل مَن تُسعَّر بهم النار، من أوَّل مَن يدخل النار، لا إله إلا الله!
وفي مشهد شنيع شديد، الجبَّار يُخاطب أحدهم يقول له: "كَذَبْتَ"، لو ما كان من العذاب إلا هذا لكفى، وتسمعه الملائكة وتقول: "كَذَبْتَ"! أيّ موقف هذا؟! يُقال لهذا العالِم، يُعرِّفه الله نِعَمه؛ يُقرُّ بها، يقول: "ما عملتَ فيها؟" يقول: "قرأتُ فيك القرآن، وتعلَّمتُ فيك العلم، وعلَّمتُ فيك العلم"، يقول له الله: "كَذَبْتَ"، وتقول الملائكة: "كَذَبْتَ، إنما قرأتَ لِيُقَال هو قارئ، وتعلَّمتَ أو علَّمتَ لِيُقَال هو عالِم، فقد قيل".. ما كان قلبُك معي، ما كانت وجهتُك إليَّ، ما تربَّيت، ما تزكَّيت، ما صدقت! اتَّخذتَ العلم وسيلةً لأن يُقال!
والأمر الذي سمعتم عنه -كلام الإمام الغزالي وغيره- أنّ فساد هؤلاء العلماء من أضرِّ شيء على الأُمَّة إذا تقمَّصوا بصورة العلم، وكان سيدنا عمر بن الخطاب يصيح: "أخوف ما أخاف على الأُمَّة: منافق عليم"، قالوا له: كيف عليم منافق؟ قال: عليم اللسان، لكن قلب منافق، عنده علم في اللسان لكنَّ قلبه منافق، والعياذ بالله تبارك وتعالى، فهذا ممَّا يُخاف على الأمة.
يؤيِّده الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده أيضًا، يقول نبينا: "أنا من غير الدجَّال أخوَف عليكم من الدجَّال" -وهو قد بيَّن لنا أنَّ أكبر فتنة من حين تقوم الساعة فتنة الدجَّال- قال: أنا أخوف عليكم من غير الدجَّال؟ قالوا ما هو؟ قال: "من الأئمة المُضلِّين"؛ لما يتقدَّمون أمامكم دينيَّاً، مَظهر الدِّين وهم يُضلُّون، "من الأئمة المُضلِّين" نعوذ بالله من غضب الله جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
صفات العلماء الربَّانيين وحقيقة الجهاد
العلماء الذين يدلُّون الناس على ما بُعث به الرسل، بُعث الرسل بحقائق التوحيد واليقين والإيمان والصدق والإخلاص والعدل والإحسان والبرِّ والتقوى والرحمة.. وما إلى ذلك، هذا الذي بُعث به الرسل.
قال: ويُقالُ لذلك الذي كان قُتِل في المعركة: "ما فعلتَ؟"، يقول: "قاتلتُ في سبيلك حتى استُشهدتُ"، يقول له: "كَذَبْتَ"، وتقول الملائكة: "كَذَبْتَ، إنما قاتلتَ لِيُقَال هو جريء شجاع، فقد قيل"، قال عن الأوَّل وعن الثاني: "فأُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار". ويُأتي لهذا المُتصدِّق: "ما فعلتَ؟"، يقول: "أنفقتُ في سبيلك"، يقول الله: "كَذَبْتَ"، وتقول الملائكة: "كَذَبْتَ، إنما أنفقتَ لِيُقَال هو سخيٌّ جواد، فقد قيل"، فأُمر به فسُحب على وجهه إلى النار؛ فهؤلاء أوَّل مَن تُسعَّر بهم النار يوم القيامة.
الانحراف عن الأصل، عن المسلك خطير؛ لهذا صفة أهل العلم المُتحقِّقين بالعلم يدلُّون الناس على ما بُعث به الرسل: على الإيمان، على اليقين، على الخوف من الله والخشية، على الاستعداد للقائه، على تنزيه القلوب عن الخبائث وما يكره الله جلَّ جلاله، الحفظ للحُرمات: حُرمة الدِّين، حُرمة النفس، حُرمة المال، حُرمة العِرض، أداء الحقوق لأهلها، والعدل والإنصاف، هذا الذي بُعث به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
يقول في ذلك الذي استُشهد: "وأمَّا الشهداء فماتوا على ما بُعث به الرسل"؛ قدَّموا أرواحهم لأجل ما بُعث به الرسل، وهذا يفصل في الحُكم بين كل قتال يحصل إلى أن تقوم الساعة، يُسأل نبيُّنا: الرجل يقاتل للذِّكر، الرجل يقاتل للمغنم، الرجل يقاتل ليُرى مكانه، الرجل يقاتل حميَّةً، الرجل يقاتل شجاعةً، أيُّهم في سبيل الله؟ نفاهُم كلهم، قال: "مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". هذا واحد، يقاتل على ما بُعث به الرسل.
وبهذا يبقى غير جهاد المحاربين من الكفار والبغاة على إمام حقٍّ باطل؛ كل قتال غير هذا باطل وضلال إلى أن تقوم الساعة، فقط مَن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، الله أكبر.
مجاهدة النفس وحفظ الجوارح
وهذه مهمَّة العبد مع سيِّده؛ فالمؤمن الصادق يحمل همَّ أن تكون كلمة الله هي العليا، وأوَّل ما يُعلي كلمة الله في نفسه، وكل شهواتها ومراداتها يرمي بها أمام مراد الله، ويُقدِّم أوامر الله، يضبط كلماته كيف تخرج ويضبطها، ويُقيِّدها بقيد الشرع.
كلمة الله هي العليا: لا تنطقي بكذب، لا تنطقي بغِيبة، لا تنطقي باستهزاء بأحد من خلق الله، لا تنطقي بالغشِّ، لا تحلفي كذب، لا تنطقي بالإفساد بين الناس.
كلمة الله هي العليا في لسانه، كلمة الله هي العليا في عينيه (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)، فبصره مغضوض عن كل ما لا يَرضى الله، بل صدقوا فغضّوا خواطرهم فضلًا عن أبصارهم، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، فهم في أدب مع الله وحضور معه دائم جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
طلب نظر الله لعباده
بُسِطَت بُسُط هذا الحضور الأشرف في مثل هذه المنازل لكثير من المُتوجِّهين إلى الله قبلكم، وجلسوا عليها وحازوها ونالوها.
يا ربَّ العالمين، يا ربَّ العرش العظيم، يا مُرسِل الرسل، يا مُرسِل هود بالحقِّ والهدى، ومُرسِل مَن قبله من آدم وشيث وإدريس ونوح وغيرهم، ومُرسِل مَن بعده من صالح إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ومَن بعدهم بالحقِّ والهدى، وخاتمهم بالنبيِّ محمد ﷺ، انظر إلى أهل مجمعنا، وانظر إلى قلوبهم، وابسط لهم هذا البساط، ومُدَّ لهم هذا السِّماط، يا حيُّ يا قيوم، حتى نمتلئ بقصد وجهك وإفراد القصد لك، مُخلصين لك يا حيُّ يا قيوم.
وكم رفعتَ من أقوام سألوك في مثل هذه المواطن وأجبتَ سؤالهم، وأعطيتهم فوق ما سألوا، وأعظم ممَّا طلبوا، بل أكبر ممَّا أمَّلوا، وأوسع ممَّا تخيَّلوا، وأشرف ممَّا خطر على بالهم. سبحانك!
وهذه سُنَّتكم على المُقبلين عليك، ألستَ القائل في ما حدَّث نبيِّك الصادق خاتم الرسائل: "مَن تقرَّب إليَّ شِبرًا تقرَّبتُ إليه ذِراعًا" -وما مقدارك ومقدار شِبرك؟ هذا الرحمن يتقرَّب إليك!- وما هو مقدار الشبر لديك؟ ذِراعًا! "ومَن تقرَّب إليَّ ذِراعًا تقرَّبتُ إليه باعًا، ومَن أتاني يمشي أتيتُه هَرولةً". ما أعظم هذا الربَّ! ما أجوَد هذا الربَّ! ما أكرم هذا الربَّ!
أنتم بين يديه ودُعيتم إلى موائده على ألسن أنبيائه ورسله، والله لولا محمد ودعوته ما عرفنا النبيَّ هود، ولا اجتمعت هذه الوفود، ولا عُقِدت هذه المجالس، ولا دار بيننا هذا الحديث؛ دُعينا إلى بابه على لسان أحبابه وسيِّد أحبابه، فنحن بين يديه.
فيا رباه نظرةً إلينا، يا ربَّ العرش نظرةً إلى صغيرنا وكبيرنا، حاضرنا ومَن يسمعنا، وأهل القلوب الصادقة معك في شرق الأرض وغربها من الإنس والجنِّ.
نظرةً من نظراتك، نفحةً من نفحاتك يا ربَّ العالمين، تَثبُت بها الأقدام على حُسن التلقِّي لفائضات الجود، والمَن الغير محدود في الغيب والشهود، حتى نُتوفَّى على الوفاء بالعهود، ونُحشَر مع الرُّكَّع السجود والمُقرَّبين الشُّهود، ونحلَّ معهم في جنَّات الخلود، يا برُّ يا ودود، يا الله.
ندعوك ونُلحُّ عليك، فأجِب دعاءنا، ولا تُخلِّف عن هذا المطلب أحدًا من صغارنا ولا كبارنا، يا الله.
بالفضل جمعتنا في هذه المجامع، وبالفضل اجمعنا في الجنة، بالفضل اجمعنا تحت لواء الحمد، بالفضل اجمعنا على الحوض المورود، بفضلك يا الله اجمعنا في ظلِّ عرشك، وبفضلك اجمعنا في فردوسك الأعلى، يا الله.
مُباهاة الله بالذَّاكرين
ومن قلوبكم قولوا: يا الله، وبأرواحكم قولوا: يا الله، وبأسراركم قولوا: يا الله، وبكليَّاتكم قولوا: يا الله.
فأنتم بين يدي الكريم الناظر إلى قلوبكم، الذي يُعطي ولا يُبالي، ينادي ويقول: "عبدي، لو بلغت ذنوبُك عَنان السماء ثم استغفرتني، -استغفرتني بصِدق، بحقٍّ- غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي، عبدي، لو أتيتني بقُراب الأرض ذنوبًا ثم استغفرتني ولقيتني لا تُشرك بي شيئًا لأتيتُك بقُرابها مغفرةً". الله أكبر!
ما أعظم مَن أنتم بين يديه، الله! زيِّن لكم مجامع تيجانها تبعيَّة لحبيبه محمد، لذلك أمثال هذه المجالس تُمَيَّز عن مجالس أهل الأرض بالذِّكر الحَسن في الملأ الأعلى، بل ومُباهاة عالم السرِّ والعلن بها.
وترى ربَّ العرش يُباهي بشيء يسير؟ يُباهي الملائكة والملائكة معصومين، أصحاب قوة الإيمان واليقين، يُباهي لأنه يُنزِل في هذه المجالس ما يعظُم شأنه في عقول الملائكة، وفي معرفة الملائكة، يُباهي بهم الملائكة، سبحانه.
جاء في صحيح مسلم يقول: خرج صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه، سلَّم عليهم وردُّوا السلام، سكتوا في هيبتهم للنبيِّ، قال: "ما أجلسكم؟"، قالوا: "لا شيء يا رسول الله، جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا" -جاء في رواية: ونحمده على ما هدانا بك، خصَّنا بك- قال: "آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟"، قالوا: "آلله، ما أجلسنا إلا ذلك"، قال: "أمَا إني لم أستحلفكم تُهمةً لكم، ولكنَّه جاءني جبريل آنفًا فأخبرني أنَّ الله يُباهي بكم الملائكة".
ربَّنا، نحن من أُمَّته آمنَّا به بما جاء عنك، فحقِّق إيماننا وزدنا إيمانًا في كل نَفَس، اجتمعنا نذكرك ونحمدك على ما هديتنا بمحمد، فصلِّ على محمد واقبل جمعنا، وكما باهيتَ بأصحابه الملأ الأعلى فباهِ بالمجمع ومَن فيه، وسُرَّ قلبه بذلك، بل إذا تمَّ ذلك حتى روح النبيِّ هود تطرب، ويُسَرُّ بهذا الفضل الربَّاني الرحماني، لثُلّة مَن أُمَّة صاحب الشرف العدناني اجتمعوا مُتوجِّهين إلى الله.
سيِّدنا اجعلنا دالِّين على ما بُعث به الرسل، ولا نموت إلا على ما بَعثتَ به الرسل يا الله، ولا تجعل فينا عالِمًا إلا أكرمته بالتوفيق التامِّ ليدلَّ الناس على ما بُعِث به الرسل، ولا تجعل فينا مقتولًا إلا وأكرمته بتاج الصدق أن لا يُقاتل إلا على ما بَعثتَ به الرسل يا الله، يا الله، يا الله، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين.
ذِكر الصالحين (الحبيب عمر بن حامد الجيلاني)
كلُّكم يتذكَّر الخاتمة والعاقبة لحبيبنا عمر بن حامد الجيلاني، ما أعلمنا الله عنه أنه يدلُّ الناس على ما بُعِث به الرسل، وما رحل إلى إندونيسيا إلا ليدلَّ الناس على ما بُعِث به الرسل، ما قصده يجيء بفلوس من إندونيسيا، ولا قصده يعمل شهرةً في إندونيسيا؛ هذا الذي علّمنا الله عنه، فنحسبه كذلك والله يزيده ممَّا أتاه.
وقابله الفضلُ من قبل أن يصل إلى تلك البلاد، وهو بين السماء والأرض، فصار على حالة لا يَقوَى أن يرجع بعدها إلى الدنيا ولا تسعه الدنيا بعدها، ولقي ربه.
ارفع درجاته يا ربِّ، اجمعنا به في أعلى الجنة يا ربِّ، بارِك في نيَّاته وهِمَمه وأهله وأولاده وآثاره، وكلَّ ما نواه اجعله اللهم قائمًا من بعده على ما نواه وزيادةً من فضلك.
الوقوف بين يدي الله
يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين، ويا ذا القُوَّة المتين، ويا راحم المساكين، ويا أوَّل الأوَّلين، ويا آخر الآخرين، ارحم مَن وقف بين يديك ينتظر عطاياك الكبيرة مُعترفًا بذنوبه وخطاياه.
سيِّدنا ومولانا، نتذكَّر ما بعثتَ به الحبيب ونحمدك على ما جعلتنا مِن أُمَّته، وعلى ما هديتنا به، ونشكرك ونسألك أن تحمد نفسك عنَّا، فنحن عاجزون عن أن نقوم بحمدك يا الله، وسنبذل وُسعنا في حمدك وشكرك، وكلُّ ما نبذله يسير وحقير بالنسبة لواحدة من نِعَمك، فكيف بنِعَمك كلِّها؟
الاعتبار بالقرآن وقصص الأُمم
لا إله إلا أنت، (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ).
وذلك في هذه المقارنات أو الموافقات بين المُتَّجِهين، قال سبحانه وتعالى: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ)؛ نفس الشِّركيَّات ونفس الانحرافات في الفكر الإنساني وفي المسلك الإنساني هي مُتكرِّرة، من أوَّل عاصٍ ومُخالف للأنبياء من عند أولاد آدم لصُلبه مباشرةً، من عند قابيل، ثم ما تسلسل ممَّن قدر عليهم إبليس إلى يومنا هذا؛ مُتشابهة أفكارهم، مُتشابهة أطروحاتهم، مُتشابهة وسائلهم، مُتشابهة تخطيطاتهم، ومُتشابهة نهاياتهم.
نهايتهم كذلك، والمؤمنون كذلك من آدم إلى اليوم، "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" معهم كلهم، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، هو هو نفسه، وطريقة تفكيرهم وسلوكهم وأخلاقهم مُتشابه، (كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ)، (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ).
لا تحسبوا أنَّ شيئًا موجودًا في زماننا ما كان له نظير فيما مضى، كلُّه له نظير فيما مضى، ولا تحسبوا أنَّ عاقبة شيء ممَّا هو موجود في زماننا تكون له عاقبة غير عاقبة الذي مضى، لا شيء!
المَلِك واحد، والمُكوِّن واحد، والمُدبِّر واحد، وهو قدير، وهو عليم، وهو خبير، وهو قويٌّ، جعل المصير واحدًا، (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ)، (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
وهكذا، يقول سبحانه وتعالى: وإنا لمُوَفّوهم هؤلاء كما وفَّينا الذين قبلهم، جزاءهم ونهايتهم، (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ). يقول الله: كلُّ الأنبياء والرسل تعرَّضوا لتكذيب ومُعاداة، وفي كلمة سبقت من ربِّك لأجل كلِّ واحد، سواء فرعون، سواء النمرود، سواء عاد، سواء قارون، سواء هامان، أصحاب فرعون هؤلاء، سواء ثمود قوم صالح؛ أجلٌ مُسمًّى، وإلا كان من أوَّل يوم ستنتهي المسألة، لكن تركهم مدة سنين.
(أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ)، ماذا ينفعهم في تلك السنين؟ ما ينفعهم مُتعة تلك السنين إذا الغاية والنهاية (جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ)؟ لا إله إلا الله، (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ)، يقول جل جلاله وتعالى في علاه.
الأمر بالاستقامة والنهي عن الركون للظالمين
(وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)، هذا الذي شيَّب نبيَّنا! (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) ومن تاب معك؛ هذه إذن فتحات لنا، فتحات لنا للالتصاق بالجناب.
ويقول خذوا الخطاب، خاطبت نبيّي وشاب، شاب رأسُه وشَعرُه من هذا الخطاب: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ).
والمسلك الواضح يقول سبحانه وتعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ).
الخاتمة والدعاء
يا مَن وقفتم على بابه، ولُذتم بأعتابه، ونزلتُم في رحابه، واتَّصلتم بأحبابه، وتوسَّلتم بسيِّد أحبابه، وشُرِّفتم بسماع خطابه؛ ربطكم الله بسيِّد أحبابه، وخلَّقكم بأخلاقه، وأدَّبكم بآدابه.
اللهم انظر إلينا في جمعنا، اللهم انظر إلينا في جمعنا، وكما أذِنتَ لنا بالاجتماع هنا فلا تُفرِّقنا غدًا يا ربَّنا،
فيا ربِّ واجمعنا وأحبابًا لنا ** في دارك الفردوس أطيب موضعِ
فضلًا وإحسانًا ومنًّا منك يا ** ذا الجود والفضل الأتمِّ الأوسعِ
نظر الله إلينا وإليكم، وما بقي إلا القليل من أيام الزيارة، بارك الله لنا وللأُمَّة فيها، بارك الله فيها لأهل الأرض والسماء، بارك الله فيها لأهل الحياة ولأهل البرازخ، بارك الله فيها للكائنات والموجودات، اللهم آمين.
لأنك ربُّ الكلِّ وإله الكلِّ، وتفضُّلك ما يُحيط به الكلُّ، ولا يستطيع الكلُّ -بجميع ما أُوتوا من علم ملائكتك ومَن دونهم من أهل أرضك وسمائك- أن يُحيطوا بفضلك، ولا أن يُحيطوا بطَولك، ولا أن يُحيطوا بجودك وإحسانك، سبحانك يا ما أعظمك من رب.
اجعل صِلَة كلِّ فرد منَّا بك من أقوى الصِّلات، وشرِّف صِلتنا برسولك، واجعلها وصلةً تقوى على مدى الأوقات في جميع اللحظات، أبدًا سَرمدًا يا مُجيب الدَّعوات، يا الله، يا الله، يا الله.
وكثير من الأرواح الطاهرة التي مرَّت على مدى القرون لو شعرت أنها تسمع مثل هذه الدعوات في مَجمع تُرفع إلى الربِّ لسَعَت إليه ولو من بُعد سنوات، وقصدتهُ ولو حَبوًا، ولكنَّ الله تعالى هيَّأ لنا هذا الخير وهذا السبيل؛ فاشكروه وتذلَّلوا بين يديه، واعترفوا بفضله واعترفوا بذنوبكم وسيِّئاتكم.
نبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَينا وَنبُوءُ بِذَنْوبنا فَاغْفِرْ لنا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، أتمِم النِّعم علينا يا ربّ.
ونتوجَّه إليك بجمعنا، انظر إلينا نظرة رحمة، وأدخلنا في دائرة نبيِّ الرحمة، وأتمِم علينا النعمة، وكُن لنا في كلِّ مُهمَّة، واجمعنا في أعلى الجنة من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، يا ربَّ العالمين، يا الله.
ابعث في كلِّ قلب من قلوبنا نورًا نستقيم به على ما تُحبُّه منَّا، وترضى به عنَّا، ونتنوَّر به ونُنوِّر أهالينا وأُسَرنا وطُلَّابنا وجُلساءنا وجيراننا ومَن خاطبنا أو خاطبناه، حتى نلقاك على أكمل الرضوان، يا منَّان، يا قديم الإحسان، يا مُنزل القرآن، يا مُرسِل سيِّد الأكوان، يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، والحمد لله ربِّ العالمين.
08 شَعبان 1447