حكمة تعاقب الأطوار ومداولة الأيام وركيزة السعادة في جميعها

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في المجلس الثاني من مجالس الدعوة إلى الله في شعب النبي هود عليه السلام، ضمن محاور (ترسيخ وتعميق الصلة بالله ورسوله، ضوابط وواجبات التعامل مع أصناف الخلق) ، ليلة الأحد 6 شعبان 1447هـ بعنوان:

حكمة تعاقب الأطوار ومداولة الأيام وركيزة السعادة في جميعها

 

نص المحاضرة:

الحمدُ للهِ مُوالي هِباتِه، ومُضاعِف عطيَّاتِه، ومُجزِلِ منوحاتِه، الحيِّ القيومِ الذي لا إلهَ إلا هو، مُرسِل الأنبياءِ هدايةً للخلائق، رحمةً بالمكلَّفين من الإنسِ والجنِّ؛ لينالَ المستجيب لدعوةِ اللهِ على ألسنِ رُسُلِه خلودًا مؤبَّدًا في دارِ الكرامة ومُستقرِّ الرحمة، في نعيمٍ أبى اللهُ تعالى أن يصِلَه خيالُ المتخيِّلين من جميعِ نفوسِ أهلِ السماواتِ والأرَضين، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ)، وختمَ النبيِّين بمحمدٍ الأمين، صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

ميراثُ النبوَّةِ وميادينُ الرَّحمة

وبه جُعِلتُم بفضلِ اللهِ خيرَ أُمَّة، وقامت هذه المُهِمَّة، حتى اجتمعتم في ميادينِ الرَّحمةِ في فضلٍ من اللهِ ونِعمة، تذكرونه وتذكرون نِعَمَه، وتذكرون فضله وإحسانه، وتذكرون رجوعَكم إليه ومصيرَكم ومصيرَ الأوَّلين والآخِرين للوقوفِ بين يديه جلَّ جلاله.

 وتتذكَّرون إمكانيةَ توفيرِ حظّ أحدِكم من العطاءِ الربَّاني والفيضِ الرَّحماني؛ لينالَ مراتب في القرب، وعجائب من الوَهْب، يُسقى بها من أحلى شُرب، ويدخل في خيرِ حزب، في صفوفِ النبيِّين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين، وحسُنَ أولئك رفيقًا، اجعلنا من رُفقائهم يا ربّ، يا أكرمَ الأكرمين وأرحمَ الراحمين.

 بما تستبعثون من الهِمَم بقوَّةِ الصِّلةِ باللهِ ورسولِه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأدائِكم لواجبِ الخطابِ الإلهيِّ والبلاغِ النبويِّ في أمانةِ هدايةِ الناس، ومساعدةِ الناس، وإرشادِ الناس، وتنويرِ الناس، وبسطِ الخُلُقِ والهِمَّةِ والرَّحمةِ والبيانِ للناس، «فوالله لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم»، خيرٌ لك من الدنيا وما فيها.

 

الهجرةُ النبويَّةُ

هذا التذاكرُ بينكم لنيلِ الحظِّ الوافرِ من هذا العطاء، يقومُ في هذا العصرِ بعد مرورِ خمسةَ عشرَ قرنًا على هجرةِ نبيِّكم ﷺ، التي جاءت لتدومَ هذه الخيرات، ولتنال مثلُ هذه المجالسِ الزهيّات، خطواته الكريمة من مكةَ إلى المدينة، ظاهرُها تحت إيذاء وضغط من الكفار: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)؛ ليعودَ بعد ثمانيةِ أعوامٍ ويفتتحَ مكةَ رحمةً من اللهِ بالبَرِيَّة؛ ليتأسَّسَ أساسُ الإسلامِ في البلدِ الميمونِ حتى لا تبقى بعدها هجرةٌ صحيحةٌ من مكةَ إلى آخرِ الزمان، «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْح» يقولُ ﷺ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً. 

 

فِتَن آخر الزمان والثباتُ على الحق

وأخبرَ عن تعاقُبِ الأحوال، أنه أيضًا سيخرجُ قومٌ من دينِ اللهِ أفواجًا في مُستقبَلِ الزمانِ كما دخلوه أفواجًا، وقد حصلَ من هذا شيءٌ كثير. 

وأخبرَ أنه مع مرورِ المراحلِ وتعاقُبها تأتي في آخرِ الزمانِ خِلافةٌ على منهاجِ النُّبُوَّة، وأخبرَ أن اللهَ يبعثُ الإمامَ المهديّ، وأن اللهَ يُنزِلُ عيسى ابنَ مريم، وأخبرَ أنّ في ضِمنِ ذلك أيضًا عجائبَ تسييرِ هذا الكونِ بحكمةِ المُكوِّن، في زمنِ سيِّدِنا الإمامِ المهديِّ يظهرُ الدَّجَّالُ أعظمُ فتنة، وفي زمنِ سيِّدِنا عيسى يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ من كِبارِ الفِتَن.

لأن مُرادَ الخلَّاقِ في هذه الحياةِ الدنيا أن تكونَ في تعاقُبٍ وتداوُلٍ بين الخيورِ والشرور: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)، ومِن عظيمِ الحِكم التي أبرزَها: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا)، يُميِّزُ بين المؤمنِ الصادق، (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ)، 

(وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ)، ولو جعل الناس كلهم مؤمنين من أين يجيء مقام الجهاد في سبيل الله؟ وأين تجيء مراتب الشهادة الخاصة في سبيل الله تعالى؟ وكيف يكون القتال لتكون آية الله هي العُليا؟ (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ).

وعلى كل هذا التعاقب والتداول والاختلاف، وتطوّر الأطوار ومرور المراحل إلى آخر الزمان؛ يبقى الأسعد في جميع هذه الأطوار والمراحل من كان أكثر صِلة بالرحمن، بلا استثناء! 

أسعد أهل كل زمان، أسعد أهل كل مكان، أسعد أهل كل مرحلة من المراحل، من كان أوثق صلة بالله، وأقوى إيمان بالله، وأحسن أدب مع الله، وأقوى محبة لرسول الله؛ هو الأسعد.

في أي مكان، تحتَ أيِّ سُلطان، في أيِّ زمان، السعادةُ منوطةٌ بهذا الارتباطِ بالإله، إيمانًا ومحبَّة، وفَّرَ اللهُ حظَّنا وإياكم منها، والارتباطِ برُسُلِه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم.

التجارةُ الرابحةُ مع الله

و (قَالَ اللَّهُ) قال الله.. بلاغ من عند الرحمن، يُبلِّغه سيِّدُ الأكوان، اسمَعْ: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ)، ثم البرهانُ على ذلك: (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)؛ بذلتُم من عزيزِ أوقاتِكم، من عزيزِ أفكارِكم، من عزيزِ أموالِكم، من عزيزِ أرواحِكم ما تُقدِّمونه لربِّكم جلَّ جلاله؛ لتكونوا صادقين، مُعظِّمين للرُّسُل، مُقيمين للصلاة، مُؤتين للزكاة، (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا). 

إذا حصلَ ذلك منكم فالنتائجُ محسومة: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) فماذا بعد هذا البيان؟ قال الذي يعرض ويتوانى ويتأثر بشيء مما يعرض عليه، بشيء مما يطرأ عليه ويرجع (فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)، فلا يَلومَنَّ إلا نفسَه! «يا عِبادي إنَّما هي أعمالُكم أُحصيها لكم ثم أُوَفِّيكم إيَّاها، فمَن وجدَ خيرًا فَلْيَحْمَدِ الله، ومَن وجدَ غيرَ ذلك فلا يَلومَنَّ إلا نفسَه».

في طلبِنا لنيلِ الحظِّ والنصيبِ من قُربِ ربِّنا ومعرفتِه ومحبَّتِه، وتواصِينا بالقيامِ بأمرِه والدعوةِ إليه سبحانه وتعالى، وخدمةِ هذه الشريعةِ والدِّينِ على المنهجِ الموروثِ بالخُلُقِ الكريمِ والمنهجِ القويمِ والصراطِ المستقيم، والمزايا والشمائلِ والصفاتِ والأخلاقِ وحُسنِ المعاملاتِ المندرِجةِ كلِّها في الإيمانِ والعملِ الصالح.

 

أثرُ الإيمانِ في تهذيبِ الأخلاق

و «أَكْمَلُ المؤمنين إيمانًا أَحْسَنُهُم خُلُقًا»، فقوَّةُ الإيمانِ مؤثِّرةٌ على خُلُقِ المؤمن، كلَّما قَوِيَ تسلَّطَت على أهوائِه وشهواتِه حتى تُميتَها، فلا يبقى لها سُلطانٌ عليه قطّ، فيكونَ أحسنَ خُلُقًا؛ بذلك يَلَذُّ له أن يبذُل، وأن يُضحِّي، وأن يُعطي، وأن يُؤثِر، وأن ينفعَ بما استطاع؛ حتى تجدَ النماذجَ العجيبةَ في حياةِ الأنبياءِ وأصحابِهم وأتباعِهم من البذلِ والتضحيةِ والإيثارِ والمحبَّةِ والنَّفعِ للقريبِ والبعيدِ والصغيرِ والكبير.

وهكذا إلى حدِّ أن فئاتِ المُناوِئين والمُضادِين والمُقاتِلين والمُؤذِين لسيِّدِنا رسولِ اللهِ في بلدِه، والمُتسبِّبين في إخراجِه منها، والمُتابِعين بالقتالِ له، عندما تشتدُّ عليهم شؤونُهم وأحوالُهم يلجأون إليه ليُفرِّجَ كَربة.

 

موقف ثُمامة بن أُثال

ولمَّا قطعَ ثُمامةُ بنُ أثالٍ المِيرةَ من نجد -وكان رجلًا مُطاعًا في قومِه- على أهل مكة، تَعِبوا، تَعبوا صِبيانُهم، تَعِبَ نساؤُهم، يُريدون أكلًا، وكيف يعملون؟ مُشكلةٌ كبيرة.. والحل لها؟ يلجأون إليه، يتوسَّلون به، يطرقون بابَه الكريم، وهم الذين حاربوه وقاتلوه، وأخرجوه من بلدِه وآذوه! فقالوا: إنَّك بُعِثتَ بصِلةِ الرَّحِمِ وهولاء أرحامك.. ولمَّا وصلَت الرسالةُ للرسولِ ﷺ، كتبَ مباشرةً إلى ثُمامةَ بن أُثال: لا تَمنَعِ المِيرة عنهم، اترك الميرة.

أي: سياسةُ الحصارِ الاقتصاديِّ هذه ليست عند الأنبياء ولا عند الصالحين، هذه سياسةُ التقدُّمِ والتطوُّر.. حضارات زمانكم! وما عليهم أن يجوّعوا ثمانيةَ عشرَ مليونًا -قالوا مُمكِن في اليمنِ في خطِّ الفقرِ، وغيرُهم في باقي الأماكن- ما عليهم أن يجوِّعونهم؛ لأنهم مُتقدِّمون، مُتطوِّرون، مُتحضِّرون، عندهم "حقوقُ الإنسان"! نعوذُ باللهِ من الانقطاعِ عن الله، نعوذُ باللهِ من الانحجابِ عن الصِّلةِ بالإلهِ الحقّ.

 ومَن انقطعَ عن ربِّه لا يجيءُ منه الخير، ولا ينفعُ الأُمَّة، ولا يقومُ بحقٍّ ولا بصدقٍ لا من قريبٍ ولا من بعيد، والذي ترتجيه بمَن تنكَّرَ لخالقِه جلَّ جلاله؟ أيَصِحُّ لك أنت؟ أيَنفَعُك أنت؟ أيَمشي في مصالحِك أنت؟ (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ).

 

الدعاءُ والابتهالُ للمولى جلَّ جلاله

ومع ذلك كلِّه، فبحسَبِ ما أخذنا من منهجِ النبوَّةِ ونورانيَّتِها: ارحموهم وادعوهم إلى الله، وما استطعتم أن تُنقِذوا منهم فأَنقِذوهم. 

واعلموا أن الحُكمَ في الدنيا والآخرةِ لواحد اسمُه "الله"، هابوه وتذلَّلوا لجلالِه؛ تَحظَوا بنوالِه وإفضالِه، ولا تتكبَّروا ولا تتجبَّروا.

لبيك يا رسولَ الله، لبيك يا محمد، يا أحمد، يا أبا القاسم.

(سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)، فما قذفتَ يا ربِّ في قلوبِ الصادقين على مدى القرونِ في هذا الإيمانِ بك وبرسولِك؛ امْنُنْ على قلوبِنا بقَذْفهِ فيها، امْنُنْ على قلوبِنا بقَذْفه فيها يا الله.

 ولا تَمُرّ بنا ليالي الشعب هذه في زيارة هذا العام إلا وقد عَمَرتَ وغَمرتَ وحَشَوتَ قلوبًا كثيرة من هذا النور، ويفيضُ فائضٌ منه على غيرِ الحاضرين من المتعلِّقين والمُتابِعين في شرقِ الأرضِ وغربِها، يا كريمُ يا عزيزُ يا غفور.

يا مَن يُعطي ولا يُبالي، أنت الذي وعدتَ حبيبَك أن تنصُرَه، وأن تُدخِلَ دينَه كلَّ بيتٍ في الأرض، لك الحمد، فصَلِّ عليه وارحمنا به، وافتَحْ لنا من الخزائنِ التي خزَّنتَها له ما تنشُرُ به هذا النورَ في جميعِ الأقطار، يا كريمُ يا غفَّار. وترتضي كلَّ واحدٍ من الحاضرين ومَن في ديارِهم لأن يكونوا أنصارًا ومفاتيحَ لهذا الخيرِ وسببًا لنشرِه، آمين يا ربّ.

 

خاتمة الدعاء: طلب لقاء النبيِ ﷺ

هذه انتخاباتٌ ربَّانيَّةٌ لها دَوي في السماء؛ ليُقرِّبَ هذا، ويُدنيَ هذا، ويُسعِدَ هذا، ويُبعِدَ هذا، ويُعطيَ هذا، ويَمنَعَ هذا، سبحانك، لك الأمرُ من قبلُ ومن بعد، لكنَّك أقمتَ أسبابًا وفتحتَ أبوابًا، وسمَّيتَ نفسَك وهَّابًا، وجعلتَ الوسائل إليك أحبابًا، وشرَّفتَنا بسيِّدِهم الذي سمَّيتَه محمَّد، وسمَّيتَه أحمد، وجعلتَه صاحبَ المقامِ المحمود.

فيا ربَّاهُ باصطفائِك له ولرُسُلِك اجعلنا من خواصِّ رُفَقائهم يومَ القيامة، وإذا قامَ مقامَ الحمدِ في المقامِ المحمودِ اجعلنا قريبًا منه يا ربّ، نسمعُ ما تُلهِمُه من المحامد، وما معنى "يُلهِمُني محامدَ لا أعلَمُها الآن" ؟ أنه وإن كان يومَ الغضبِ والشدَّةِ والقهر، فهو بالنسبةِ لي بيني وبينه يومُ الفتحِ والمَنْح، يومُ زيادةِ العطاء، يومُ فتحِ الخزائن، سبحان الله! 

إذا كان يُقالُ لأتباعِه: (هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)، تَحوَّلَت القيامةُ "يومَهم"، أي: يومَ فرحِهم، يومَ سرورِهم، يومَ شرفِهم، يومَ كرامتِهم، يومَ عِزَّتِهم، (هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) الله أكبر! كيف به وهو الذي إذا اشتدَّت الأمورُ وقال كلٌّ: نفسي نفسي، قال: «أنا لها، أنا لها»، يا ربِّ صَلِّ عليه واجعلنا في رُفَقائِه في ذلك اليومِ يا الله.

نداء ومناجاة

أنت الجديرُ أن تُطلَب، وأن يُرغَبَ ما عندك، حتى من قِبَلِ مَن عصى ومَن قصَّر؛ فإن جودَك وإحسانَك أجَلُّ وأكبرُ من أن يَقصُى عنه مَن رجاك وإن كان قد عصى، ومَن طلبَك وإن كان قد أذنب، وأنت الذي تُقابِل بالغُفران، وتُقابِل المُسيءَ بالإحسان، فلك الحمدُ يا منَّان؛ أتمِمْ علينا النِّعمةَ في ليالينا هذه وأيَّامِنا هذه واجتماعاتِنا هذه، واملأْ كلَّ واحدٍ منهم بنورٍ يَثبُتُ به قدمُه على ما يَسُرُّ قلبَ نبيِّك، وما يَحسُنُ به خدمةُ شريعتِه ومنهاجِه وسُنَّتِه وأُمَّتِه، يا أكرمَ الأكرمين، يا أرحمَ الراحمين.

نسألُك ونطلُبُك وندعوك ونرجوك ونتوجَّهُ إليك أن تُتِمَّ النِّعمةَ علينا وتزيدَنا من فضلِك ما أنت أهلُه يا أكرمَ الأكرمين، يا أوَّلَ الأوَّلين، يا آخِرَ الآخِرين، يا ذا القوَّةِ المتين، يا راحمَ المساكين، يا أرحمَ الراحمين، حقِّق ما رُمنا وزدنا ما أنت أهله، حقِّق ما رُمنا وزدنا ما أنت أهله، حقِّق ما رُمنا وزدنا ما أنت أهله، في لُطفٍ وعافية، يا أكرمَ الأكرمين ويا أرحمَ الراحمين يا الله.

ونادوه جميعًا وناجوه وقولوا: يا الله، فما دعاكم ووفَّقَكم إلا وهو يُريدُ أن يَهَبَكم ويتولَّاكم. فنادوه وناجوه وقولوا: يا الله. 

ما أعظمَ مَن تُناجون! ما أعظمَ مَن تدعون! ما أعظمَ مَن ترتجون! ما أعظمَ مَن تطلُبون! وهو أعلمُ بكم وقد دعاكم وجمَعَكم ووفَّقَكم وفتحَ الأبوابَ لكم، فاحمَدوه واشكُروه ونادوه مُتذلِّلين، وقولوا: يا الله، يا الله، يا الله.. 

ما لنا غيرُك وما لنا سِواك، وقَفنا بين يديك والحالُ لا يخفى عليك، فنظرةٌ من نظراتِك يا أرحمَ الراحمين. 

نظرةٌ تُزيلُ العناءَ عنَّا وتُدني المُنى ** منَّا وكلَّ الهَنا نُعطاهُ في كلِّ حين

 يا أرحمَ الراحمين، يا الله..

أَرِنا في الأُمَّةِ ما تَقَرُّ به عينُ نبيِّك، واجعلنا في خواصِّ أنصارِك وجندِك وأهلِ الوفاءِ بعهدِك، وأثبِتْنا في أهلِ محبَّتِك ووُدِّك، في ديوانِ حبيبِك وعبدِك، واجزِ عنَّا أنبياءَك ورُسُلَك والهُداةَ إليك خيرَ الجزاء، واجمعنا بهم في دارِ الكرامةِ والهَناء. 

فيا ربِّ واجمعنا وأحبابًا لنا ** في داركَ الفردوسِ أطيبَ موضعِ

فضلًا وإحسانًا ومَنًّا منك يا ** ذا الجودِ والفضلِ الأتمِّ الأوسعِ

 بسرِّ الفاتحةِ إلى حضرةِ النبيِّ محمدٍ ﷺ.

 

العربية