شرح الموطأ - 7 - كتاب وُقوت الصلاة: باب النوم عن الصلاةِ

شرح الموطأ - 7 - باب النومُ عن الصلاةِ، من حديث: (أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين قَفَلَ مِن خَيْبَرَ أسْرَى..)
للاستماع إلى الدرس

شرح الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، باب النومُ عن الصلاةِ. 

فجر السبت 6 ذي القعدة 1441هـ.

 باب النَّوْمِ عَنِ الصَّلاَةِ

27 - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ وَقَالَ لِبِلاَلٍ: "اكْلأْ لَنَا الصُّبْحَ". وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَكَلأَ بِلاَلٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلاَ بِلاَلٌ وَلاَ أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بِلاَلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْتَادُوا". فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ وَاقْتَادُوا شَيْئاً، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلاَلاً فَأَقَامَ الصَّلاَةَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ، ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلاَةَ: "مَنْ نَسِيَ الصَّلاَةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ في كِتَابِهِ: (وأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري) [طه :14]".

28 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ : عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلاَلاً أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلاَةِ، فَرَقَدَ بِلاَلٌ وَرَقَدُوا، حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَزِعُوا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: "إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ". فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْزِلُوا وَأَنْ يَتَوَضَّؤُوا، وَأَمَرَ بِلاَلاً أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلاَةِ، أَوْ يُقِيمَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاَةِ أَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا، فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا". ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلاَلاً وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَضْجَعَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ". ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلاَلاً، فَأَخْبَرَ بِلاَلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحَمْدُ للهِ مُكْرِمِنَا بِشَرِيعَتهِ، وبلاغِ حبيبه وصفوته، سيِّدنا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وأُمّته، وَعَلَى آبائه و إِخْوَانِهِ  مِنَ الأنبياء والمرسلين صفوة الحق وخيرته، وَعَلَى آلِهم وصحبِهم وتابِعيهمْ، وَعَلَى مَلائِكةِ الله المُقربينَ، وجميع عِبادِ الله الصّالِحين وعلينا مَعهم وفيهم، إِنّهُ أَكرمُ الأكرمينَ وأرْحمُ الراحمين.

ويتحدث الإمام مالك -عليه رحمة الله- عن النَّوم عن الصَّلاة، وقدْ تقدّم معنا في بابِ "جامعِ الوقوت" أحاديث مُتعلّقة بإدراك شيءٍ مِنَ الوقت، وأمور تترتب على الإغماء كذلك وحُكمه، وكانَ ممّا وقع فيه السَهو مِنَّا: ذِكرُ حُكمِ إذا سَافرَ المُسافر مِنَ البلد في أثناء وقت الصَّلاة، 

  • ومِنَ المذاهب ما سبق بيانُه أنَّهُ يقول: إنَّ وقتَ الوجوب قد دخل في الحضَرْ،  فإذا سافرَ فلا قَصرَ لهُ،  
  • لكن المُقرّر عِندَ الشَّافعية غير ما قُلنا مِنْ ذلك: 
    • أنَّهُ يجوزُ لهُ إذا سافرَ وقدْ بَقي مِنْ وقت الصَّلاة ما يَسعُها أن يُقصِر إذا سافر. 
    • وإنْ سَافرَ ولمْ يبقَ مِن وقتِ الصَّلاةِ ما يَسعُها فقدْ أخّرها، فهي قضاءٌ.

وقدْ تقدمَ معنا أنَّ الشَّافعية: 

  • لا يُجيزون القَصرَ في قضاءِ صلاةٍ فاتَتْ في الحَضر،  ولو قضاها في السَفَر، 
  • كَما يُوجِبون أنْ يُتِمَّ إذا قضى صلاةً في الحَضر وإنْ كانَتْ فاتَتْ في السَّفر؛ فلا يجوزُ عِنْدهُم القَصرُ، 
  • إلَّا إنْ كانَتْ فاتَتْهُ في السَّفر، ثُمَّ في السَّفر أرادَ أنْ يقضِيها؛ فيجوزُ لهُ القَصر.

ويتحدثُ الآن عَنِ النومِ عَنِ الصَّلاةِ، وذكرَ في الحديث الواقع في غزوته -عليه الصَّلاةُ والسَّلام - مِنْ أمْرِهِ بلال أن يضبِطَ لهُم الفجر ويرقُبَه ويحفظ عليهم الوقتَ والصَّلاة فيه، فغَلَبَهُ النَّوم ونام الجيشُ كُلُهم، قيلَ: أنَّ ذلكَ حادثةً واحدة حدثتْ معه ﷺ، وقيلَ: أنَّها مرتين كما أوردَ الإمام مالك الحديثَ مرّتين؛ يُشيرُ إلى بعضِ اختلاف في الرِّواية، فكأنَّهُ يُومئُ إلى وقوعها مرتين،  وقالَ بعضُهم: إنَّما هي واقعةٌ واحدة.  

يقولُ: "حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ"، وجاءَ في عددٍ مِنَ الرِوايات، أنَّهُ: "حِينَ قَفَلَ مِنْ تبوك"، أي: رجعَ مِنْ تبوك، قَفَلَ: رَجَعَ. "حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى"، ومعنى أسْرَى -ومثله سَرَى-: مشى في اللَّيلِ، ومضى في اللَّيلِ،  فالمشيُ في اللَّيلِ يُقالُ لهُ: سُرى، ويُقالُ لصَاحبه: سَرَى وأسْرَى، والجماعةُ أيضًا يُقالُ لهم: سُراة، وفي الصَّباح يحمدُ القوم السُراة، الَّذين مَضوا في اللَّيل وأدلَجوا، "مَنْ خَافَ أدلجَ ومَنْ أدلَجَ بَلَغَ المَنزلَ". 

يقولُ: "حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى"، أي مَشى باللَّيل "حتَّى إذا كانَ مِنْ آخرِ اللَّيل عَرَّسَ،" والنزولُ آخِرُ اللَّيل لأجلِ النَّوم والاستراحة يُقالُ لهُ: تَعرِيس، ولا يُقالُ ذلك للنُزُولِ أوَّلَ اللَّيل، ولا للنُزُول في النَّهار.  ولكنْ إذا نزلْ إلى مكان مِنْ أجلِ الاستراحة في آخرِ اللَّيل يُقالُ لهُ: عَرَّسَ، يعني نزلَ آخرَ اللَّيل. "حتَّى إذا كانَ مِنْ آخرِ اللَّيل عَرَّسَ"، أي نزلَ بالمنزل،  ويُروى أنَّهُ مضى بالصَّحابة -عليهمُ الرضوان-  ومشى بهم،  حتَّى قالَ بعضُهم: إنَّ بقيةَ الجيشِ مُتأخر، وقف في مكانٍ حتَّى تكاملوا، فلمَّا تكاملوا، قالَ لهُم: "أرَأَيْتُمْ أنَّ نعرس هَاهُنَا؟ فمنْ يكلأ لنا الصُّبح؟ ‏فقالَ سيِّدنا بلال: أنا. قالَ: أنت؟! قالَ: مَنْ يكلأ لنا الصُّبح؟ قالَ سيِّدنا بلال: أنا. قالَ: أنت؟!  مَنْ يكلأ لنا الصُّبح؟  قالَ سيِّدنا بلال: أنا. قال: "اكْلأْ لَنَا الصُّبْحَ"،  فنامَ القوم، ‏ونزلوا رحلَهم وناموا. وبقي سيِّدنا بلال يدور بينَ النَّاس ويمشي، يمشي مُدة، وبعد قَرُبَ الوقت، ‏جلسَ عندَ راحِلته إلى جهةَ الشَّرق لكي يرقُب طلوع الفجر،  فاستندَ إلى راحلته، فغَفَا ونام، والجيش كُلُهم نيام. 

طلع الفجر، طلعت الشَّمس وهُمْ نيام، حتَّى جاءَ في رواية: "ما أيقظهم إلا حرُّ الشَّمسِ"؛ وهذا يدل على أنَّها قدْ ارتفعت، وقدْ لُمِسَ حرُّها. وفي بعض الروايات: ‏أنَّهُ استيقظ ﷺ أولاً، وفي بعض الروايات: استيقظ سيِّدنا أبو بكر، ثُمَّ استيقظ سيِّدنا عُمر، ولمَّا رأى الشَّمس كَبَّر، فاستيقظ  فقامَ فزعًا؛ لعظمةِ الشَّعائر و‏استجلاء الحكمة في هذا التأخير، ولأنَّه لم يَكُنْ مِنْ عادته عليه الصَّلاةُ والسَّلام. 

يقولُ: "اكْلأْ لَنَا -يا بلال- الصُّبْحَ، وَنَامَ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَكَلأَ بِلاَلٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ ﷺ وَلاَ بِلاَلٌ وَلاَ أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَفَزِعَ ﷺ،  ‏فَقَالَ بِلاَلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ"، قالَ لهُ: أينَ ما قلتهُ يا بلال؟ وقالَ: يا بلال ما صنعتَ بنا؟ ‏وهو مِنَ البداية حين قالَ: أنا. قالَ: أنت؟! يعني أنَّك تنام! يعني قالَ: أنا أكْلأ. قالَ: أنت؟ ثلاثة مرات، ولكنْ ما أحد ثاني ‏استعد، قال: إذًا أنت.. أنت اكْلأْ، فوقعت النوم، فأخبرهم بعدَ ذلك ﷺ أنَّ لله في ذلك حكمة؛ لأجل يَعلم النَّاس الشَّريعة‏، ولأجلِ ينظُرون كيف يفعلُون إذا غلبَهم النوم، وفيه بيانُ الحكم، وبيانُ القضاء. حتَّى كانَ يقولُ ابن عباس: إنَّ صلاتَهُ ﷺ ‏ صلاةَ الصُّبح في أثناء الضُّحى أحبَ إليَّ مِنْ حُمُر النِّعَم ﷺ؛ ‏أي بيّن بها الرخصة للأُمة والحكم وأنَّ مَنْ نام كمن نَسي عليه أنْ يقضي، وأنه بذلك يكونُ كأنَّما صلاها في وقتِها ﷺ.

"فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بِلاَلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ"، يعني : الحق -تبارك وتعالى- الَّذي سلَّط علينا هذا النوم وأرسَلَهُ علينا؛ (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى) [الزمر:42]؛ وفيه رفقه ﷺ به وبالرَّكب. ‏فقال ﷺ: "اقْتَادُوا"، يعني قودوا رَوَاحِلَكمْ، "فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ وَاقْتَادُوا شَيْئاً"، إلى منزل آخر، "ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلاَلاً فَأَقَامَ الصَّلاَةَ"، وأينَ الأذان؟! لم يؤذن؟! أو أقامها بكاملها بالآذان والإقامة؟،  وقدْ جاءَ في رواية: أمرَه فَأَذَّنَ ..فَصَلَّوْا، يعني: سُنّة الفجر، ثُمَّ أقام بلال، فجاء الاختلاف في الآذان للصَّلاة الفائتة، وكذلكَ صلاةُ السُنّة قبلَ فريضة الفائتة، 

  • والذي اعتمده الجماعات مِنَ المُحققين: أنَّهُ يُؤذِّنُ، وكذلك يُصلّي الراتبة قبلَ الفرض. 
  • وقالَ بعضُ الأئمة: إذا فاتتْ، فلا آذان، وإنَّما يكون للفوائت الإقامة فقط.
  • ويقولُ الشَّافعية: إذا كان عدد مِنَ الفوائت ، فالآذانُ مرَّة واحدة للأولى، ثُمَّ في البقية يُقيمُ مِنْ دونِ آذان. 
  • قالَ الحنابلة: يُؤذِّن ويُقيم لكُلِّ صلاة، كلِّ فائتة يُؤذِّن، ولو تعددن، فلكل واحدة يُسن يُؤذِّن ويُقيم، ويُؤذِّن ويُقيم. 
  • قالَ الإمام مالك: لا آذان في الفوائتْ، ما يكون إلَّا إقامة فقط، والآذان إنَّما يكونُ للصَّلاة في وقتها، في غير وقتها لا يكون شيء. 

"فَأَقَامَ الصَّلاَةَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ، ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلاَة:َ "مَنْ نَسِيَ الصَّلاَةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا،" فجعل هذا الحُكم للنَّوم وللنِّسيان "فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ في كِتَابِهِ: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه:14]". أين الاستشهاد بالآية؟ (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، لِذِكْرِي؛ لأجل تُؤدّي ذكري؛ فاذكُرني. أو لتنالَ ذكري لك، تذكُرَني فأذكرك. فأين يأتي فليُصلّها إذا ذكرها في قوله: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)؟ 

ذكر المُفسرون في معنى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه:14]، 

  • إمًَا أنَّها مِنْ إضافة المصدر إلى فاعله، أو إلى مفعوله، (لِذِكْرِي)؛ لأجل أنْ تُحقق ذكري، فتذكرني، وتنال فضيلة ذكري، 
  • وإمَّا لذكري: أي لتنال فضيلة وشرف ذكري لك، لأذكُرك أنا، (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)؛ لأجل تنال شرف ذكري إيِّاك، فأذكُرك بالصَّلاة ذكرًا خاصًّا، 

ولكنْ لا مانعَ أنْ تتناول الآية معاني مِنَ الذكر ‌‏إذا صحّت الرواية في الاستشهاد بهذا فرسول الله ﷺ أعلم بمعنى الآية ودلالتها مِنْ جميع المُفسرين بلا شك. فلا بُدَّ أنْ يكونَ فيها؛ في الاستشهاد بها، تطابق بينَ معناها وبينَ الواقعة التي استشهد فيها رسول الله ﷺ بالآية الشَّريفة، فيكونُ في (ذكري) أوسع نطاقًا في المعنى مِمَّا ذكرَ المُفسرون. (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، وهو ما أوحى الله تعالى به إلى سيِّدنا موسى عليه السَّلام، كما جاء في سورة طه. 

"رَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي"، فخرجوا مِنْ هذا الوادي الَّذي وقعَ فيه النَّوم، وفي قوله: "إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ"، يعني: أنَّ الشَّيطانَ يَفرحُ بمثلِ هذا التأخير، ولكن ما دام حصلَ عن نومٍ منهم وغير تقصير؛ فلا. ولكنْ أرادَ أن يُخزيه بهذا الانتقال، وبيانُ الرُخصة، وبيانُ العُذر مِنَ الحق تبارك وتعالى.  

وأمَّا في قول مَنْ قال: أنَّهُ أرادَ أنْ ينتقل لأجل ترتفع الشَّمس؛ فيه بعضُ البُعد؛ لأنَّه ما يُصيبُهم حرَّ الشَّمس إلَّا وقد ارتفعت، لن يُصيبَهم حرَّ الشَّمس أول ما تُشرق وإلى مدة ركوبهم ما يُحسون بحرّ الشَّمس إلَّا بعد أنْ ترتفع، ومدة أنْ يقوموا ويتوضؤوا تكون قد ارتفعت بيقين، ولكن أحب الانتقال مِنْ نفس البُقعة الَّتي وقعَ فيها هذا النَّوم إلى بقعة أُخرى، فانتقل عنها ﷺ ثُمَّ نزلوا في المنزل الآخر، وتوضؤوا، وأمرَ بلال فأذَّن، وأقامَ بعد أنْ ركعَ ﷺ، كما كانَ يفعل في وقتِ قيامِهِ في وقت الفجر؛ ركعَ ودعا؛ وأمرَ بلال أنْ يُقِيمَ، فأقامَ وصلى بهم، وأخبرهم أنَّ الحق تبارك وتعالى أرادَ أنْ تكونَ سُنَّةً لمَن بعدهم، فكان أعظم الحكمة في إلقاء النَّوم عليهم إلى هذا الوقت لتكون سُنَّةً لهذه الأُمة، لمَنْ غلبهُ النّوم مِنْ غير تقصير، فيفعل مثلَ ذلك، على أنَّ القضاء لازم على مَنْ كانَ بعُذرٍ ومَنْ كانَ بغيرِ عُذرٍ كذلك؛ فعليه أنْ يقضي تلك الصَّلاة. 

يقولُ: "وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ"، أين تكون طريق مكة؟ إذا هُم راجعين مِن تبوك مِن الشَّام، إذا هُم في الرُجوع  فطريق مكة  لابُدَّ أنْ يمرّوا مِن الشَّام -يجيء يمرّ مِن المدينة-، فهي نفسها طريق إلى مكة، وهذا على القول باتحاد الواقعة، أنَّ الواقعة واحدة، وأمَّا على القول بأنَّهم عند الرجوع مِن حُنين، فهذا في طريق مكة واضح، طريق الدخول إلى مكة، ووكَّلَ بلالًا يُوقظهم للصَّلاة ، "فَرَقَدَ بِلاَلٌ وَرَقَدُوا، حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَزِعُوا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، وقالَ: "إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ" يعني: فَرِحَ به الشَّيطان "فركبوا حتى خرجوا حتى خرجوا مِنْ ذلك الوادي، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْزِلُوا وَأَنْ يَتَوَضَّؤُوا، وَأَمَرَ بِلاَلاً أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلاَةِ، أَوْ يُقِيمَ" هنا جاء بلفظة: أو "فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ انصرفَ إليهم، وقد رأى من فزعهم، فقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاَةِ أَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا، فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا"، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلاَلاً وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَضْجَعَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ". ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلاَلًا.." قالَ: مالك؟ قال: كُنت قائم أصلي، بعد ذلك حسّيت بثقل كذا، ثُمَّ اضطجعت وكأن أحد يهدئني، ثُمَّ نمت، فما حسيت، "فَقَالَ سيدنا أبا بَكْرٍ -وقد سمع مِن النَّبي يقول ذلك-: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ" ﷺ؛ وهذا يُؤكد أنَّ الواقعة تعدّدت مرة ثانية، وأن هذه الثانية غير تلك الأولى التي أسند فيها ظهرهُ إلى الراحلة وهو مُستقبل الإشراق، مستقبل محل طلوع الفجر -عليه رضوان الله-. 

وفي كلا الواقعتين كان الَّذي يكلأ سيِّدنا بلال، يكلأ لهم الفجر، وفيه أنَّه يُوكل إليه -عليه الصَّلاة والسَّلام- وأنَّه مُتناسب معه؛ لأنه هو المؤذِّن، فهو يُراعي الأوقات، فهو مؤذنه ﷺ؛ وفي تلك القصة أشار إليه أنَّك تنامُ بقوله: أنت؟! يقولُ: أنا بأكلأ لكم الفجر يا رسول الله،  يقول له: أنت؟! ﷺ، فقضى الله تعالى ما شاء، وشرَّع لنا على يد رسوله المُصطفى ﷺ. "فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي.."، وفي رواية قبلها: "اقْتَادُوا"؛ يعني صاروا يمشون. ما ركبوا قادوا الإبل، بعضُهم ركب، وبعضُهم مشى، ركب مَنْ ركب، ومشى مَنْ مشى؛ اقتادوا يعني: إلى محل قريب من المحل الذي ناموا فيه ﷺ. "أمرهم أن ينزلو وأمر بلالًا أنْ يُؤذِّن أو يُقيم"، في شك مِنَ الراوي، قال: "إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا" -على سبيل التأنيس بهم والرفق لهم.

وهكذا ما جاءَ عن سيِّدنا علي في الاعتذار له ﷺ، لمَّا جاء وطرق بيته هو والسيِّدة فاطمة رضي الله عنها، فقال: "أَلَا تُصَلِّيَانِ؟" فقال سيِّدنا علي: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّما أنْفُسُنَا بيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ -رَسولَ اللَّهِ- حِينَ قُلتُ ذلكَ، ولَمْ يَرْجِعْ إلَيَّ شيئًا، وسمعته وهو يولّي ويضرب فخذه، ويقول: (وَكانَ الإنْسَانُ أكْثَرَ شيءٍ جَدَلًا) [الكهف:54]، وإنَّما أراد رسول الله ﷺ أنْ يتأسَّف على مَنْ فاته ذلك، ويشق ولا يخف عليه، ويسهُل فوات ما فاته من العبادة؛ لأن الأجر الجزيل يحصُل للمُتأسف، بلْ على قدر الأسف لمَن فاته شيءٌ مِنَ القيام وغيره يعظم الأجر حتى يزيد على أجر القيام إذا حزن وأسِف، وهذا معنى قولهم: "فَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ"؛ وأنَّه رأى فيهم الفزع، ثمّ أمرهم بالاعتدال في ذلك الفزع، وليُبقوا على التأسُف والحزن، وليسلّموا للأمر، ولا يعدوا ذلك كشأن مَنْ تعمَّد، ومَنْ أخّر؛ فرق كبير بينَ هذا وهذا، مَنْ كان معذور، ومَنْ لم يكُن معذور، ومَنْ كان يُبالي ويُعظِّم، ومَنْ كان غير مُكترث ولا مُبالي؛ فرق كبير بينَ هذا وهذا، ولهذا قال: "أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ".  

ففي قوله: "كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا"؛ يأتي هُنا الخلاف، فهل جهر؟ أمْ لمْ يَجهر؟ هل جهر في صلاة الصُّبح ؟ أم أسَر؟ 

  • والشَّافعية عندهم إذا قضى أي صلاة في النَّهار أسَر. وإذا قضى أي صلاة كانت في اللَّيل جهر. فلو قضى الظُهر في اللَّيل يَجهر، ولو قضى العِشاء في النَّهار يَسر. هذا هو المُعتمد عند الشَّافعية. 
  • وعند بعضهم  يُراعي الصَّلاة المَقضية؛ 
    • إنْ كانت المَقضية صلاة جهرٍ جهرَ ولو كان في النَّهار. 
    • وإنْ كانت المَقضية صلاة إسرارٍ أسَر ولو كان في اللَّيل. 

فاستدلّ الذين قالوا أنَّه يَجهر بقولهم: "كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا"؛ صلّاها كما كان يُصليها في وقتها. والمعلوم أنَّه في وقتها كانَ يجهر. ولكنْ قالَ الشَّافعية: "كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا"؛ يعني مِنْ طولها وهيئتها كمثل الصَّلاة، ولم يتعرّضوا للجهر. 

ففي هذه الرواية الثَّانية، قال ﷺ لأبي بكر: "إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلاَلاً وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي في الليل"، ثُمَّ استدعى بلال، قال: هاتوا بلال يقوم النَّاس، جاء، قال: مالك؟ قال: يا رسول الله، أَنَا كنت أصلي، ثُمَّ ثقلت علي عيني، وزاد عليّ الشيطان، وشيطاني "..أضجعني وهدأني كما يُهدأ الصبي.."، فما دريت ولا أحسست بشيء، ولمَّا كان حدثهم بذلك رسول الله، "قال سيدنا أبا بكر :أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ"، فمَنْ انتبه مِنْ نومٍ عنْ صلاةٍ فاتَتْهُ فينبغي أنْ يتحوّل مِنَ المكان الَّذي نام فيه. وهكذا فلو غلَبهُ النُّوم  ليلةٍ مِنَ الليالي ولو في بيته، فينبغي أن يخرج مِنْ هذه الغرفة إلى غرفة أخرى، ويُصلّي هناك يقضي في مكانٍ آخر. 

ثُمَّ توضأ ﷺ وتوضأ النَّاس، "وأمر بلالًا أنْ يُنادي بالصلاة"؛ يُؤذِّن في النَّاس "أو يُقيم"، "..ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ"، فآنسهم -عليه الصَّلاة والسَّلام- وقال: "لا ضَيْرَ" أو "لا يَضير" و"لا يَسوء ولا يُضير"، كما جاءَ في روايات، وقال لهم لمَّا شكو إليه يقولوا: ما كفّارة ما صنعنا بتفريطنا في صَّلاتنا يا رسول الله؟ لذلك ليست عادة أحد من الصحابة يقوم بعد الإشراق أو ينام.. ثُمَّ قالَ ﷺ: "أَما لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ إنَّما التَّفْرِيطُ علَى مَن لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةَ الأُخْرَى"، أمَّا مَنْ كان ناسي، ومَنْ كان نائم، فلا يُؤاخذه الله بشيء. فأقرّهم على تحسُّرهم، وعدّلَ التحسر حتَّى لا تأتي التساؤلات: أين الكفارة؟ وماذا نعمل؟ لا لا ليس إلى هذا الحد.

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا"، وإنَّ هذه الأرواح عاريةٌ في أجساد العباد، يقبضها ويُرسلها متى شاء، "وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاَةِ أَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا، فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا"، لو أراد الله ألّا تناموا عنها؛ لم تناموا. ولكنْ أراد أنْ تكون لمَن بعدكم، فهكذا لمَنْ نام أو نسي -كما جاء في رواية الإمام أحمد-، ولهذا قال سيِّدنا ابن عباس في هذه الرُخصة: ما يسرُّني بهنَّ الدُّنيا وما فيها، يقول ابن مسروق كذلك: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بصلاة رسول الله ﷺ بعد طلوع الشَّمس". لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ:

  • فالمُبادرة بالقضاء واجب عند المالكية، واجب أنْ يُبادر بالقضاء إنْ فاتته بسرعة بمجرد ما يذكرها، بمجرد ما يقوم مِنَ النَّوم يؤدي الصَّلاة. 
  • وهو سُنّة عند الشَّافعية إذا كان بعُذر، أمَّا مَنْ فاتَتْهُ بغير عُذر وَجَب عليه أن يُبادر بالقضاء. فإنْ كان بعُذر: فيُسن عند الشَّافعية. 
  • وهو في كلا الحالتين عند المالكية: واجب أن يُبادر بالقضاء، "فليُصلّها إذا ذكرها". 

بل القضاء يأتي حتى في النَّوافل على اختلاف الأئمة، فمَنْ فاته شيء مِنَ النَّوافل، يقول الشَّافعية: أن كل ذات وقت مِنَ النَّوافل إذا فاتت تُقضى، وكل ما كان وِردًا وعادة للإنسان مِنَ النَّوافل إذا فاته يقضيه، وفي الحديث : "..مِنْ نامَ عن وِردِهِ فقضاه ما بينَ طلوع الشَّمس إلى الزوال كُتِبَ له كَأنَّما صلاهُ مِنَ اللَّيل". 

وأمَّا ذوات الأسباب فلا يُمكن قضاؤها: سُنة وضوء، ولا سُنة سفر، ولا تحية مسجد، ولا كسوف شمس، ولا خسوف قمر؛ هذه لها سبب، إذا فاتت فاتت، لا قضاء فيها. قال ابن المُقري في ذلك: وتُقضى ذاتُ وقتٍ وعادةٍ لا سبب. ما كان موقتًا مثل الرواتب وغيرها. واختلفَ في ذلك الأئمة: 

  • فيقول الحنفية والمالكية: لا يُقضى شيء مِنَ السُنن سوى سُنّة الفجر، إذا فاتت تُقضى؛ وقيل بوجوبها عند بعض الحنفية؛ سُنة الفجر فإذا فاتت تُقضى، لكن تُقضى متى؟ تُقضى بعد ارتفاع الشَّمس قدر رُمح. وجاء عن أُم سَلمة قالت: "دخل ﷺ  حجرتي بعد العصر فصلّى ركعتين فقلت: يا رسول الله، ما هاتان الركعتانِ الَّلتان لم تكن تُصليهما مِنْ قبل؟ فقال ﷺ: "رَكعتانِ كنتُ أصلِّيهِما بعدَ الظُّهرِ"، -وفي رواية: ركعتا الظهر، شَغَلَنِي عَنْهُمَا الْوَفْدُ فَكَرِهْتُ أَنْ أُصَلِّيَهُمَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ. قالت: أَفَأَقْضِيهِمَا إذَا فَاتَتَا؟ قال: لا. ففي قوله: لا؛ هذا أخذ به الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك قال: لا تُقضى، وإنَّما هذا خصوصية له عليه الصَّلاة والسَّلام
  • وكذلك بخلاف الوتر، الوتر أيضًا واجب عند الحنفية، إذا فات على الإنسان وجَبَ عليه أنْ يَقضيه.
  •  وهكذا يقول سيدنا الإمام أحمد بن حنبل: لم يبلغني أن رسول الله ﷺ قضى شيئًا مِنَ التطوع إلَّا ركعتي الفجر، وركعتين بعد العصر .

وهكذا جاء اختلاف الأئمة في السُنن الراتبة: أتُقضى أم لا؟ فأمَّا ذوات الأسباب كالكسوف والخسوف: 

  • فبالاجماع بالاتفاق: لا تُقضى إذا فاتت، لا قضاء لها. 
  • وعلمت أيضًا عن سُنّة الفجر وأنَّها هي الَّتي إذا فاتت تُقضى. وفي روايات عند الحنفية، في قول عندهم: إذا فاتت مع الفجر يَقضيها، أمَّا إذا فاتت وحدها هي؛ فلا. ولكنْ في قول عندهم بوجوب سُنة الصُّبح -غير المعتمد-. 
  • ويقول الجمهور: أنَّها تُقضى سواء فاتت مع الفجر، أو أدرك الفجر وفاتت السُنة وحدها، كمثل الَّذي جاء والنَّاس يُصلون الفجر فصلى معهم، ولم يُصل السُنة بعد، فعليه أنْ يقضيها. 
  • مع أنَّ الشَّافعية يقولون: أنَ وقتها باقي يجوز أنْ يَقضيها بعد الصَّلاة، 

ولكن عند الحنفية: لا، وهو الأفضل عند الشَّافعية -خُروجًا مِن الخلاف- أن يؤخر قضائها إلى ما بعد ارتفاع الشَّمس قدر رُمح فيقضيها مع الضُّحى. 

وإذا قد شَرَعَ في شيءٍ مِنَ النفل -ولو كان نفل مطلق-: 

  • فالمالكية يقولون: بوجوب الإتمام: ما يجوز أنِ يخرج مِنه. 
  • وكذلك قول عند الحنفية: أنَّه يجب يتم، فإذا شرع في شيءٍ مِن النفل ففسد عليه؛ فعليه قضاؤه عند مَنْ أوجبَ إتمام النفل. 
  • ويقول الحنابلة مثل الشَّافعية: يُستحبّ الإتمام ولا يجب، فيُستحب له إذا فسدتْ صلاتُه أنْ يَقضيها؛ ما شَرَعَ فيه مِنَ النَّوافل يُستحبّ له أنْ يقضيه، والله أعلم. 

رزقنا اللهُ الإيمان واليقين والإخلاص والصِّدق والتوفيق، وألحقنا بخير فريق، ووقانا الأسواء، وأصلحَ لنا السِّرَ والنَّجوى،  بسِرَِ الفاتحة وإلى حضرةِ النَّبي ﷺ.

تاريخ النشر الهجري

07 ذو القِعدة 1441

تاريخ النشر الميلادي

27 يونيو 2020

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام