شرح الموطأ - 515 - كتاب التعوّذ والمتحابين في الله: باب ما جاء في المُتَحَابِّين في الله
للاستماع إلى الدرس
Audio Stream
Audio Stream
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب التعوّذ والمتحابين في الله، باب ما جاء في المُتَحَابِّين في الله .
فجر الثلاثاء 23 رجب 1444هـ.
باب مَا جَاءَ فِي الْمُتَحَابِّينِ فِي الله (1)
2764 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ أبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلاَلِي، الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي, يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي".
2765 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَاري، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَوْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ : إنِّي أَخَافُ الله ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ".
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرمنا بخيرِ البيان، على لسان أكرمِ إنسان، سيدِ أهل الأكوان محمَّد بن عبد الله عظيم الشان، مَن أُنزلَ عليه القرآن، اللهم صلّ وسلم وبارك وكرّم على عبدك المُجتبى المصطفى من عدنان، وعلى آله المطهَّرين عن الأدران، وأصحابه الغُرّ الأعيان، وعلى من والاهم فيك واتّبَعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، ساداتِ أهل القُرْب والعرفان، وعلى آلهم وصحبهم وأتباعهم، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا رحيم يا رحمن.
وبعدُ،
يذكر الإمام مالك -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في هذا الفصل: "مَا جَاءَ فِي الْمُتَحَابِّينِ فِي اللَّهِ"، ومعنى المتحابّين في الله أي: من أجل الله، ولقصد وجه الله لا يريدون غيره، يُخلصون في التحابُب بينهم من أجله جلّ جلاله وتعالى في علاه، جعلنا الله منهم وألحقنا بهم.
وذلكم ترجمةٌ قويةٌ صريحةٌ لما يحِلُّ في القلب من الإيمان بالله ومحبة الله، فعلى قدر الإيمان بالله ومحبته في القلب يحبُّ صاحب هذا القلب في الله تبارك وتعالى ويوالي في الله، وكلَّما قوي إيمانه ومحبته لله تعالى صار في محبته من أجل الله أقوى وأمكنَ وأرسخ، فالله يرزقنا ذرة من محبته نَفنى بها عما سواه، ولا نحبُّ إلا من أجله، ولا نبغض إلا من أجله.
وهكذا استقامة قلب المؤمن على حقيقة الإيمان، ألا يحبَّ إلا لأجل الله ولا يبغض إلا لأجل الله، ويتركُ هواه ونفسه ومراده ورغباته، وتصير رغبته في ما أحبّ الله تعالى منه، وفي تتبُّع مواضع محابِّه ومرضاته سبحانه وتعالى، وحينئذٍ يتنزّه عن مدّ الشيطان شباكه إلى قلبه؛ لأنه:
- بواسطة محبة غير الله تعالى يَتوصلُ الشيطان إلى أن يحرف الإنسان إلى السوء، ويصرفَه عن الحق تعالى والخير، ويوقعَه في أنواع المهالك برغبة قلبه.
- فإذا لم يُحبّ إلا الله ولم يُحبّ إلا من أجل الله، ضاق على الشيطان تأثيرُه على قلب هذا الذي لا يحب، يغريه بالأشياء فيجده لا يحبّها، ولا يحبُّ إلا ربه وما يعينه على طاعة ربه، فكيف يحرفُه ويصرفه؟! يصعب عليه ذلك..
فلذلك كان الحبّ في الله والبغض في الله من أَوثق عُرَى الإيمان. وهكذا لما قال ﷺ لسيدنا عبد الله بن مسعود: "يابن مسعود أَتَدري أيَّ عُرى الإيمان أوثَق؟.. قال: اللهُ ورسوله أعلم، قال: الحبُّ في الله، والبغضُ في الله".
وأورد لنا حديث أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ قال: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" على رؤوس الأشهاد، رفعةً لشأن هؤلاء، "أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلاَلِي" وفي روايةٍ "بجلالي"؛ أي: تعظيمًا لي، يتحابون لأجلي، تعظيمًا لمكانتي، إجلالاً لمنزلتي، والمكانة لدي، فهم بإجلالهم لي يتحابُّون فيّ، ومن أجلي، "أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلاَلِي"؛ أي: لتعظيم حقي وطاعتي، لتعظيم ربُوبيتي بتحقيق عبوديتهم، لا لغرضٍ دنيويٍ ولا فانٍ، بأي نوعٍ من أنواع الأصناف، وخصّ الجلالة بالذكر دلالةً على الهيبة والسطوة، يعني: المُنزّهون عن شوائب الهوى في محبتهم، فلا يتحابّون إلا لأجلي، لا لغرضٍ آخر، كائنًا ما كان.
وقالوا: إنّ من علامة قوة الإخلاص في الحُبّ في الله، وإذا كان لجلالِ الله:
- فلا يزيدُ بالبر والإحسان ممَّن أحببتَه من أجله
- ولا ينقص بالجفاء والإعراض مِمن أحببتَه من أجله
لأنك أحببتَه من أجل الله جلّ جلاله سبحانه وتعالى. وأما إذا أحببتَه لأنه يحسنُ إليك، هذا أمرٌ ثانٍ، هذا دخل فيه غرضٌ وقصدٌ آخر، ولكن إذا كمل إخلاصُك فأنتَ من أجل الله تحبُّه، ولو جفاك وقلاك، ومهما أحسن إليك، فإنَّ الذي أحببتَه من أجله وليُّ الإحسان، وإحسانُه أكبر وأعظم، فأنت تزداد محبةً له بوجه الله ولأجل الله، لا لإحسان ذلك المخلوق.
"أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلاَلِي، الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي" أضافه لنفسه تشريفًا، والمراد به ظلُّ عرشه جلّ جلاله وتعالى في علاه، حتى جاء في رواية الطبراني: يقول ﷺ: "الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ عَلَى كَرَاسِيَّ مِنْ يَاقُوتٍ تَحْتَ الْعَرْشِ" لا إله إلا الله!
والناسُ عامتُهم في وهج حرّ الشمس، حينما تُكوَّرُ، يُذهِب ضوئها ويُبقي حراراتَها، ويُدنيها من رؤوس أهل الموقف، ويجعل من يشاء في ظله، ولم يبق هناك قدرةٌ لأحدٍ من الإنس والجن أن يوجِدَ له مظلةً ولا ظلالًا، ولا يوجِد له كهف ولا جبل يستظل بظله، ولا جدار ولا شيء من ذلك، فقد دُكدكَت الجبال ودُكَّت مع الْأَرْض دَكًّا فَتركها قَاعًا صَفْصَفًا (لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلاۤ أَمْتًا)[طه:107]، لا انخفاضَ ولا طلوعَ، مستوية، والشمس تعمُّهم كلهم، ويسيل العرق منهم حتى يغوص في الأرض إلى سبعين ذراعًا، ويُلجِمُ هذا إلى كعبيه، وهذا إلى ركبتيه، وهذا إلى حِقويه، وهذا إلى سُرّته، وهذا إلى رقبته، ومنهم من يُلجمه العرق.. ووضَع ﷺ يده في فمه. اللهم اجعلنا في ظلّك يوم لا ظلَّ إلا ظلُّك، أظِلَّنا بظل عرشك.
يقول: هذا جزاء المتحابين في الله، أن يُنادي عليهم بين رؤوس الأشهاد، ويعلنُ أنه يُظلّهم في ظلّ عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه جلّ جلاله وتعالى في علاه.
والقصد كما أشرنا: أنه لا يمكن في ذلك اليوم لأحدٍ أن يتسبب في إيجاد ظلٍ بشيءٍ من الأسباب التي كانوا في الدنيا يتسببون بها، من خيامٍ، ومن خرقٍ، ومن جدرانٍ، ومن جبالٍ ومن عِصِيٍ ومن أي شيءٍ آخر، لا أحد يملك شيء من هذا ولا يمكنه، ما عاد بقي إلا ظلّه، معنى ظلُّه: ظِلُّه الذي يَسمح به، وهو بواسطة أعمال، مثل: "المرءُ في ظلِّ صدَقتِه يوم القيامة حتى يقضي الله تعالى بين الخلائق" وهكذا..
فإذًا هناك ظلالٌ بحسب الأعمال، يقي اللهُ تعالى أصحابها حرَّ الشمس، ولكنَّ أعظَمها وأجلّها ظلُّ العرش؛ يختص الله له من يشاء، ويجعل فيه من يشاء من عباده، ومنهم المتحابُّون في الله تعالى، وسيأتي حديثُ السبعة عندنا، والوارد في الحديث ممَّن يُظلُّهم الله في ظلِّ عرشه نحو السبعين، ولكن هؤلاء سبعةٌ ذَكرَهم جملةً واحدة، في وقتٍ واحد، ومجلسٍٍ واحد، وألّف الإمام السيوطي كتاب: (تمهيدُ الفَرْش في الخصال الموجِبَة لظلِّ العرش)، وذكر أعدادًا من الروايات التي فيها أعمالٌ، أصحابُها يظلّهم الله في ظل عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظِلُّه.
وذكر لنا حديث أبو هريرة أيضًا: "أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ"؛ هذه الصفات العجيبة التي يذكرها لنا، واحدةً بعد الأخرى.
فأوَّلُها يقول:
- "إِمَامٌ عَادِلٌ"
حاكمٌ حكمَ بالحق والعدل، لم يَمِل مع هواه ولا أغراضه ولا نفسه، ولا أطغاه قدرته وسيطرته، بل خاف الله وراقبَه، وأنصفَ صاحب الحق، وأنصف المظلوم من الظالم، وأعطى كلَّ ذي حقٍّ حقه، وعدل بحكم الله تعالى، فهذا بمنزلةٍ رفيعةٍ عند الله سبحانه وتعالى، وقد جاء في صحيح مسلم: "إن المُقسطين" يعني: العادلين "إنَّ المُقسطين عند الله على منابرَ من نورٍ عن يَمين الرّحمن ، -جلّ جلاله وتعالى في علاه- الذين يَعدلون في حُكمهِم وأهلهم وما ملكت أيمانُهم وما وُلُّوا" أي: ما تولُّوه، وما مُكِّنوا منه وقدروا عليه، يقيمون العدل، فهؤلاء لهم شأوٌ في الرّفعة والعلوّ؛ لعظمة هذا الأمر وصعوبته على النفس.
وهكذا: قد سمعنا البارحة سؤالَ سيدنا عمر بن عبد العزيز لبعض سادة التابعين عن العدل، قال له: اجعل كلَّ من كان أكبرَ منك أبًا لك، واعتبره كذلك، واجعل كلَّ من كان أصغرَ منك، ابنًا لك، واجعل مَن كان في سِنّكَ أخًا لك، وعاقبهم على قدرِ ذنوبهم وقدر أجسادهم، واحذرْ أن تضرب سوطاً واحدًا غضبًا لنفسك؛ فتكونَ من العادين! خارجين عن العدل، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
لما عظُمَ هذا الشأن كان الثوابُ عليه عظيم، ولكن إنما يتحصّل على القيام في الغالب بهذا، من طُلبَ للإمارة ولم يَطلبها، فإنَّ مَن طَلبها وَكلَهُ الله إليها، ومن وكلهُ الله إلى نفسه وإلى إمارته هلك، والعياذ بالله وتعالى.
وإنما يتولَّى من كُلّفَ بها ولم يكن ملتفت القلب إليها ولا راغبًا فيها؛ فيُعان من قِبل الرّحمن جلّ جلاله، ويقوم بالأمر بتوفيق الله، وقال في عمومها صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "إنكم سَتَحْرِصُونَ على الإِمَارَة، وإنها ستكونُ نَدَامَةً يوم القيامة".
ورأيتموهم حرصوا بعد ذلك عليها، وجعلوا لهم دعاياتٍ؛ لأجل أن ينتخبهم الناس، وقتلوا بعضهم البعض من أجل أن يَتولَّوا على الأمر، إلى غير ذلك مما حصل في واقع الأمة، فصلى الله على نبيها الناصح لها، الذي لم يتركْ بابًا من أبواب الشر إلا وحذَّرَها منه، ولا بابًا من أبواب الخير إِلَّا ودَلّها عليه، ﷺ.
قال: "إِمَامٌ عَادِلٌ"
- "وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ" الله أكبر!
"نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ"، جاء في روايةٍ يقول: "أفنى شبابَه في عبادة الله"، لم يستسلم لسَوْرَة قُوة شهواته وأهوائه، وخضع وأقبل على طاعة الرَّب جلّ جلاله وتعالى في علاه، وفي هذه المرحلة من العمر التي يغلب فيها على الإنسان قواهُ الجسدية والشهوانية، في هذا المرحلة من العمر -مرحلة الشباب- فخصَّه بالذكر وقال: "وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ"، عزَّ وجل. وفي الخبر أيضًا: "فَضلُ الشّابِّ العابِدِ الذي تَعَبَّدَ في صباهُ على الشيخ الذي تَعبَّدَ بعد ما كَبِرَت سِنُّه" ما كان على قدمٍ في العبادة أيام الشباب، ومن رجع بعدما كبرت سِنُّه يقبل على العبادة، فرقٌ بينه وبين هذا، "كَفَضلِ المُرسَلِينَ على سائرِ الناسِ" "فَضلُ الشابِّ العابدِ الذي تَعبَّدَ في صباهُ على الشيخ الذي تَعَبَّدَ بعدَ ما كَبِرَت سِنُّه كَفَضل المُرسَلينَ على سائر الناس" لا إله إلا الله!
"وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ" عزّ وجل.
- "وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسْجِدِ"
يفرحُ بالمجيء إلى المسجد، ويستأنس بحضوره في المسجد؛ مِن أجل المسجود له سبحانه وتعالى، ويُسرّ بذلك، ويَودُّ أن لا يخرج من المسجد، وكلما خرج منه بجسده كان قلبه معلقًا به، حتى يعود إليه في المرة الأخرى، حتى هذا قال: "إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ" يعني: يترقَّبُ متى أقرب وقت يرجع إلى المسجد، ويُحصِّل نصيبه من العكوف على باب الرَّب جلّ جلاله، والتعرض لنفحاته، الله أكبر! "إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ" يعني: فهو مهما خرج من المسجد فقلبُه معلقٌ بالمسجد، لا إله إلا الله!..
وفي روايةٍ: "معلقٌ بالمساجد" وفي رواية: "من حُبِّها" ،"إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ"؛ ولذا كان أحبُّ الخلق إلى الله أول داخلٍ للمسجد وآخر خارجٍ منه. ومن علامة البغض: التبكير إلى السوق وأن يكون أولَ داخل إلى السوق وآخرَ خارج منه. "فأحبُّ البقاع إلى الله أحبُّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغضُ البلاد إلى الله أسواقُها".
- قال: " وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ"
وهذا موضع الشاهد؛ "تَحَابَّا فِي اللَّهِ" أي: في طلب رضاه لأجل الله، لا لأي غرضٍ آخر مما يجمع بين الناس في التحابُب، من أنواع الشهوات والمرادات والأغراض الفانية، الزائلة الدنيوية الحقيرة، "اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ"، وفي لفْظٍ: "اجْتَمَعَا عَلَيْهِ"، يعني: على الحبّ في الله تبارك وتعالى، "وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ"؛ يعني: يحفظان الحبَّ في الحضور والغيبة، تفرُّقًا عليه من مَجامعِهما، أولا يزالان كذلك، حتى يُفرّقَ بينهما سفرٌ أو موت، وهما على ذلك؛ فيظلُّهم الله في ظل عرشه جزاءً لمحبتهم في الله تبارك وتعالى.
وجاء أيضًا في الحديث: "لَيَبعَثَنَّ اللهُ أقوامًا يَومَ القيامةِ في وُجوهِهمُ النُّورُ على مَنابِرِ اللُّؤلُؤِ، يَغبِطُهمُ الناسُ، ليسوا بأنبياءَ ولا شُهَداءَ. قال: فجَثا أعرابيٌّ على رُكبَتَيْه فقال: يا رسولَ اللهِ، جَلِّهم لنا نَعرِفهم" في لفظ: "حلِّهِم لنا" صفهم لنا نعرفهم ؟ من هؤلاء؟ "قال: همُ المُتَحابُّونَ في اللهِ مِن قَبائِلَ شَتَّى وبِلادٍ شَتَّى، يَجتَمِعون على ذِكر اللهِ يَذكُرونَه." معلقين بالله يتحابون يجلسون، يرتبون لهم أذكار وتذكُّر، وأخبار عن الحق ورسوله وعن الدار الآخرة، وهم ما بين تسبيحٍ وتحميدٍ وتهليلٍ وتكبير، ودعاء وتضرع، وصلاةٍ على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، "يَجتَمِعونَ على ذِكرِ اللهِ يَذكُرونَه.".
- "وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ" أي: بقلبه، "خَالِيًا" يعني: عن الناس
ليس عنده أحدٌ من الخلق، لا إله إلا الله! "ذكَرَ الله بين يديه" في رواية عند البيهقي، ذكر الله في خَلاء، في موضعٍ خالٍ من الناس، لا يشوبه رياء، "وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا"، في بعض النسخ: "من قلبِهِ"، يعني: لا يكون الذكر إلا مستجمعٌ في الذكر، منبعث في ذكره من عمق قلبه، "فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ"، أي: الدموع من عينَيه، "فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ،" خرجت الدموع من عينيه، خشيةً ومعرفةً ومحبةً لله تبارك وتعالى. وهكذا:
- يكون البكاء من خشية الله
- ويكونُ البكاء من المعرفة
- ويكون البكاء من خالص الشوق والمحبة
فهذه أَولى الدرجات، في أوصاف الجلال، يكون البكاء من خشية الله، وعند مطالعة أوصاف الجمال، يكون البكاء من الشوق إليه سبحانه وتعالى، فالبكاء من المعرفة قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) هكذا..
- "وَرَجُلٌ دَعَتْهُ" امرأةٌ "دَعَتْهُ ذَاتُ حَسَبٍ"
وفي البخاري: "طَلَبته ذاتُ منصبٍ" وفي رواية مشهورة: "دَعَتْهُ امرَأَةٌ ذَاتُ حَسَبٍ" يطلق على الأصل وعلى المال، وما يعدُّه الإنسان من المفاخر أو الخصال الحميدة. "وَجَمَالٍ" أي: مَزيدُ حُسنٍ، دَعتْه إلى نفسها لفعل الحرام، "فَقَالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ" جلّ جلاله، "رب العالمين"، في رواية سبحانه وتعالى، فيقول ذلك بلسانه ليزجُرها، وهو راسخٌ في قلبه تعظيمُه لأجل الله، فهذا الذي تركَ شهوته من أجل الله يظلُّه الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
- "وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ"
جاء بها نكرة، أيّ صدقةٍ كان، قال لكن أخلص لوجه الله فيها "فَأَخْفَاهَا" أي: كتَمَها عن الناس، حتى من شدَّة المبالغة في الكتم قال: "لاَ تَعْلَمَ شمَالُهُ مَا تُنْفقُ يَمِينُهُ" لا إله إلا الله! يعني: لو كان لليد اليسرى عينٌ وبصرٌ والتفاتٌ، لما درت بما أنفقت اليمين من شدة إخفائه، إشارةٌ إلى قوة الإخفاء ومبالغته أن لا يعلم بصدقَته أحدٌ من الناس. من هنا قال الأئمة الأربعة:
- إن صدقةَ التطوع الأفضلُ فيها الإخفاء.
- بخلاف الزكاة الواجبة فإظهارها أفضل، مثل الفروض.
ولكن الصدقة المندوبة والمسنونة إخفاؤها أفضل.
وقد قال ﷺ: "صنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ السوءِ"، مصرع السوء: تقع في هدم، تقع في غرق، تقع في حادثة، تقع في… مصرع سوء "صنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ السوءِ". وقال: "وَصدقةُ السرِّ تطفئُ غضبَ الربِّ، وصِلَةُ الرَّحِمِ تَزيدُ في العُمْرِ" هكذا جاء عند الطبراني في الكبير بسند حسن. يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "صنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ السوءِ وَصدقةُ السرِّ تطفئُ غضبَ الربِّ." جلّ جلاله وتعالى في علاه، "وصِلَةُ الرَّحِمِ تَزيدُ في العُمرِ"؛ فيبارك لصاحب صلة الرحم في عمره، ويُوَسَّع رزقه كذلك. "من أحبّ أن يُبْسَطَ عليه في رزقه، وأن يُنْسَأَ له في أَثَرِه، فَليَصِلْ رحمه". وهكذا جاءتنا الأحاديث بعدد كثير مِمن يظلّهم الله في ظلّ عرشه. جعلنا الله فيهم ومنهم.
وجاء عند الترمذي بسند حسن، من حديث أبي سعيد: "إن أحبَّ الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسًا إمامٌ عادل".
ثم يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "ورجلٌ كان في سريةٍ مع قوم، فلقَوا العدو، فانكشفوا، -فرُّوا- فحَمَى آثارهم، حتى نجَوا ونجا أو استُشهد" فهذا ممّن يظلهم الله في ظل عرشه.
يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "ورجلٌ تعلمَ القرآن في صِغَره، فهو يتلوه في كبره"، ارتبط بالقرآن من أول حياته إلى آخرها، معلّق بالقرآن، فهذا أيضًا كما جاء عند الحاكم والبيهقي مِمّن يظلّهم الله في ظل عرشه.
وجاء عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: ورجلٌ يُراعي الشمسَ لمواقيت الصلاة.
"ورجلٌ إن تكلمَ تكلم بعِلمٍ وإن سكت سكت بحِلمٍ." هكذا في رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند لوالده. أو في زوائد الزهد لوالده يقول: "رجلٌ إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت بحلم"؛ ضابط لسانه، ما يتكلم إلا بعلم، فلا يقول ما لا يعلم، ولا يستعجل في الكلام، ولا يجهل على أحد، ولا يقول كلمةً نابية، ولا يسب ولا يشتم، ولا يُغلِظ في القول بغير محله.. يتكلم بعلم، وإن سكت سكت بحلم، لا يسكت لغرض نفسه ولمراده، ولكن لأجل الله تبارك وتعالى، وحلمًا على عباد الله تبارك وتعالى، قال هذا الذي يضبط لسانه ممن يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
يقول ﷺ: ورجلٌ تاجرٌ اشترى وباع، فلم يقل إلا حقّا. أقام حق الله في التجارة، وتأتيه فرص من هنا ومن هنا، وهذا قل كذا، وافعل كذا، يقول: لا.. ما أمشي معكم في هذا الخطط، عندي تقوى، ما أقول إلا الحق، أتكلم بالصدق، ولا أغش أحد، فيظِلّه الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
يقول ﷺ: ورجل أو يقول: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسرًا،" لهُ دين على واحد، وهذا الواحد مسكين أعسر، قال له على رِسلك، لا تقلق نفسَك ولا تخف، متى ما يسر الله لك هات، لا تحمل في نفسك شيء، وراعاه لكونه مُعسر؛ حتى يُيسر الله عليه، يظلُّهُ الله في ظل عرشه. "أو وضعَ له،" قال أنت الآن ظروفك تعبانة..هات النص، الباقي مـسامح فيه، أو هات الرُّبع.. "أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أو وضَعَ لَه، أظَلَّهُ الله يوم القيامة تحت ظِل عرشه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه"
وكم بيشتري ظل العرش؟ يشتريه بكم؟ لو بالدنيا كلها يسير، ولكن بشيء يسير يعطي الله شيء كبير جلّ جلاله. في لفظ "أو تركَ لغارم" واحد عليه دين له، تركه لغارم، يقول في الحديث يقول : "مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا أوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ أظَلَّهُ الله يوم القيامة تحت ظِل عرشه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه".
ويقول: "أو أعان أخرَقا"، أبلَه مسكين ما يعرف بيخسر ويفشل في أمره، رتَّب له أمره، قل كذا، وصلّح كذا.. رتبَ له أمره، وخلّاه يتخلص منها، وإلا هو مسكين أبلَه بليد، بيضحكون عليه، قام معه ورتب له أمره، فيظله الله في ظلّ عرشه. "أعان أخرق".
وفي الحديث أيضًا:" "مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ" فأعانه بشيء من عنده. "يُظِلُّهُ اللَّهُ في ظِلَّ عرشِه".لا إله إلا الله!
"ومن أظلّ رأس غازٍ"، واحد من الغزاة والمجاهدين في سبيل الله أدخله بيته، ظلّله في ظله، أو حمل مظلة فوق واحد من المجاهدين الغزاة، وظلّل المجاهد، مقابله يظلّه الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. لا إله إلا الله! "من أظل رأس غازٍ".
يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "الوضوءُ على المكاره"؛
- وقتَ البرد
- ووقت الكسل
- ووقت المرض
يحسِن الوضوء، يتوضأ على المكاره، يحسِن الوضوء على المكاره، عنده مريض تعبان وكسلان وبرد ونفسه ما تريد الماء، ويحسن الوضوء؛ من أجل الله تبارك وتعالى، فهذا أيضا.
قال: "والمشيُ إلى المساجد في الظُّلَم" وقت الظلم، المراد مثل: العشاء والفجر، المشي إلى المساجد في العشاء والفجر، هذا وقت الظُّلَم.
"وإطعامُ الجائع"، يصادف صاحب جَوْعة، وفي لفظٍ جاء في الحديث:" من أطعم الجائع حتى يشبِع"؛ أطعم جائع حتى أشبعه.
قال: وتاجرٌ لا يتمنى الغلاء للمؤمنين؛
يفرح إذا رخص السعر على الناس، وما تيسّر له من الربح كفاه، أما ذا يتمنى أن تغلو الحاجات التي عنده على خلق الله تعالى ليحصّل رزق أكثر! يضيِّع أمر كبير، مسكين! قال: تاجرُ لا يتمنى الغلاء للمؤمنين.
وإحسان الخُلُقِ ولو مع الكفار. لا إله إلا الله! .. وأوحى الله ذلك إلى إبراهيم، وجاءه يوماً مجوسيٌّ، من عبدة النار يستضيفه، قال له: أسلم ونطعمك، قال له: لا، راح، فأوحى الله إليه: أن هذا يشرك بي وأنا أطعمه منذ خلقتُه، واستطعمَك يوم واحد ما أطعمتَه! قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، يقول له: أشركَ بك أنتَ أم أشرك بي أنا؟!.. رجع راح يجري وراءه، حصّله فوجده وقال له: تعال، قال: أنا قد جئت عندك ما أطعمتني.. قال له: عاتبني الله فيك، تعجّب قال: الله يعاتبك فيّ وأنا أعبدُ غيره! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، أسلم، وجاءه وأكرمه، ربك يعاتبك فيّ أنا وأنا أعبد غيره ومع ذلك… فرجع أسلم، ورحمه الله، فعاتب اللهُ سيدنا الخليل إبراهيم قال له: يوم واحد استطعمك، وأنا كل يوم أطعمه، وهو يكفر بي ويعبد غيري، وما قطعت عنه رزقي! لا إله إلا الله...
قال: ومن كفل يتيمًا أو أرملة، يظلُّه الله في ظلّ عرشه يوم لا ظل إلا ظله، كما جاء في رواية الإمام أحمد في المسند.
ومن إذا أُعطِيَ الحقَّ قبِلَه وإذا سُئِلَ بذَلَه؛ حكْمه للناس كحكمِهِ لنفسه .. يظلُّه الله في ظلِّ عرشه؛ لأنه استظل بظِلِّ الإنصاف من أجل الله في الدنيا، أنصف من نفسه.
ومن سُلَّطَ عليه حزنٌ في الدنيا فصبر لذلك، ولم يجزع ولم يتضجّر، يظله الله في ظلِّ عرشه. لا إله إلا الله!..
قال: ومن نصحَ الوالي في نفسه وفي عباد الله. قال: ومن يكون بالمؤمنين رحيما، لا إله إلا الله!
قال: "ومن يُصبِّر الثكلى"؛ التي فقدت ابنها، فيصبّرها ويهدئها، ويهدئ روعها، ويكلمها بما يخفّف عليها حزنها، ويربطها بالتسليم بقضاء الله تعالى وإرادته، فيحصل ذلك.
من يحرص على عيادة المريض وتشييع الموتى، وجاء يقول سيدنا موسى فيما روى ابن أبي الدنيا: أي رب مَن تظل تحت ظلّ عرشك يوم لا ظلّ إلا ظلك؟ قال: يا موسى الذين يَعودون المرضى ويُشيعون الهلكى. يعتنون بعيادة المريض وتشييع الميت، قال أظلهم في ظلِّ عرشي. لا إله إلا الله..
وجاء أيضًا عن سيدنا علي رواه بعض الأحاديث يقول: من والاه، من والى سيدنا عليّ، يكون في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله. لا إله إلا الله!..
وجاء في الخبر أيضا: من لا ينظر بعينه الزنى ،ولا يبتغي في ماله الرِّبا، ولا يأخذ على أحكامه الرِّشى. وجاء في الحديث: "رجل لم تأخذُه في الله لومة لائم، ورجلٌ لم يمُدَ يدَه إلى ما لا يحل له، ورجل لم ينظر إلى ما حُرِّم عليه" الله أكبر!..
كذلك جاء في الخبر فيمن إذا صلى الغداة يعني: الفجر، قرأ ثلاث آيات من سورة الأنعام، من أولها إلى قوله (وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ). بسم الله الرحمن الرحيم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ* وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ).[الأنعام:1-3]، هذه الآيات أن من يقرأها كل يوم في الصباح يظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، أول سورة الأنعام، ثلاث آيات.
وواصلُ الرحم، وامرأة مات زوجها وترك عليها أيتامًا صغارًا فقالت: لا أتزوج على أيتامي حتى يموتوا أو يغنيهم الله. فحبست نفسها على اليتامى وتربيتهم، يظلّها الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
ورجلٌ صنعَ طعامًا فأطاب صنعه وأحسن نفقته؛ حكّم طبخة زينة، يريد أكلها،.. فدعا على طعامه اليتيم والمسكين فأطعمهما لوجه الله، يقول: هذا الطعام الطيب الذي تشتاقه نفسي، أُقدّمه لليتيم والمسكين، ويؤثرهما، الله لا إله إلا الله!
"ورجلٌ حيث توجهَ علم أن الله معه"؛ أي: قويُّ المراقبة لله، يستشعر وجود الحق معه حيثما كان، فيظلُّه الله. ورجل يحب الناس لجلاله؛ هذا كما جاءنا في الحديث. ويقول ﷺ: المؤذن في ظل رحمة الله حتى يفرغَ من أذانه. ويقول: من فرَّج عن مكروب من أمتي، وأحيا سنتي، وأكثر الصلاة عليّ يظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. كذلك جاء: "حملةُ القرآن في ظلِّ الله مع أنبيائه وأصفيائه" لا إله إلا الله..
الذي ابتُلي بأمراضٍ فصبر على المرض، المريض في ظل العرش. مكثرو الصيام، وجاء في رواية: ذكر ابن ناصر في أماليه عن سيدنا أبي سعيد الخدري: أن من صام من رجب ثلاثة عشر يومًا يظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
وجاء أيضًا فيما أورده القسطلاني في شرح البخاري، وجاء عند الزرقاني وغيره، يقول: من صلّى ركعتين بعد ركعتي المغرب، قرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) خمس عشرة مرة؛ يصلي بعد المغرب كل ليلة ركعتين، بعد سنة المغرب ركعتين من الأوابين، يقرأ في كل ركعة الفاتحة وخمسة عشر من (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في كل ركعة، يظلّه الله في ظلّ عرشه يوم لا ظل إلا ظله. لا إله إلا الله..
وأطفالُ المؤمنين الذين ماتوا أطفال صغار يُظلّون في ظل العرش، قال ﷺ لرجل مات ابنه قال: أما ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظلّ العرش؟ يخفف عليه فراق الولد، وقال له: أما ترضى أن يكون ولدك مع ولدي؟ وأنا قد مات ولدي الصغير وهو طفل، إبراهيم، وولدك هذا يكون مع ولدي إبراهيم يلاعبه في ظل العرش. الله أكبر! الرجل ما عاد يحس بالألم على فراق الولد. الله أكبر!
ومن كان يغلب عليه ذكر الله بالقلب واللسان. وجاء أيضًا في الخبر: رجل لا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله. يقول ابن مسعود: إن الله تعالى قال لموسى: الذي لا يحسدُ الناس ولا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة في ظل العرش.
في الخبر: الطاهرة قلوبهم، النقية أبدانهم، الذين إذا ذُكر الله ذُكروا به، وإذا ذُكروا ذُكر الله بهم، عليهم الرِّضوان. وجاء أيضًا في خبر الحق تبارك وتعالى لسيدنا موسى يقول: الذين يعمرون مساجدي ويستغفرون في الأسحار. وجاء في الخبر: عن شهداء أحد عليهم الرِّضوان: "أرواحُهم في قناديلَ من ذهبٍ معلقةٍ في ظل العرش".
وجاء أيضًا خبر في المعلمين للقرآن لأطفال المسلمين، فتلهج الألسنُ بالقرآن على أيديهم، يعلمونهم كيف يقرأون القرآن من ألف باء تاء ثاء حتى يختموا القرآن على أيديهم، وإذا بعددٍ كبير من الأمة يقرؤون القرآن على حسابه هذا، ببركته، هو الذي علمهم القرآن، فمعلمو القرآن لأطفال المسلمين يظلهم الله في ظل عرشه.
"الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر" نعم. وفي حديثٍ أيضًا صحيحٍ عند ابن حبان: "مَن جاهدَ بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقَى العدوَّ قاتلَهم حتى قُتل فذلك الشهيدُ المـمتحنُ في خيمة الله تحت ظل العرش".لا إله إلا الله..
وجاء عند الإمام أحمد بن حنبل في المسند مرفوعًا يقول: أن سيدنا عليّ رضي الله عنه يسير يوم القيامة بلواء الحمد وهو حامله، والحسن عن يمينه والحسين عن يساره، حتى يثِب بين النبي وبين إبراهيم عليه السلام في ظل العرش. في روايةٍ: "حتى يقفَ"، وفي رواية: "حتى يثبَ" هكذا أورده الإمام أحمد في مسنده، لا إله إلا الله!.. ذكره القسطلاني في شرحه للبخاري. يقول: إنه يناوله ﷺ لواء الحمد، قال: يسير وهو حامله، والحسن عن يمينه والحسين عن يساره، حتى يقف بين النبي محمدٍ وإبراهيم عليه السلام في ظل العرش. الله يجمعنا بهم.
وفي روايةٍ: يقول "أنا وعليٌ وفاطمة والحسن والحسين يوم القيامة في قبةٍ تحت العرش". لا إله إلا الله.. وقد سمعتَ كلامه عن ابنه إبراهيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فهكذا جاءتنا الأحاديث بهؤلاء الذين يُظلون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله.
ويبقى معنا حديث جبريل عليه السلام فيمن يحبه الله، والحديث بعده يأتي إن شاء الله تعالى في الدرس المقبل.
يجعلنا متحابين فيه ويجعلنا محبوبين له، ويجعلنا محبين صادقين له ولرسوله ومن أجله، ويجعلنا من الذين يستمعون القول في فيتبعون أحسنه، الفاتحة.
تاريخ النشر الهجري
23 رَجب 1444
تاريخ النشر الميلادي
14 فبراير 2023
مشاركة
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(163)
(616)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(339)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(8)
(4)
(24)
(394)