مقاصد أداء الأمانة الكبيرة والوفاء بعهد الله ومجالاتها في اتباع النبيين
مذاكرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في مجلس الذكر والتذكير في زيارة الإمام الشيخ أبي بكر بن سالم للنبي هود عليه السلام، في وادي حضرموت، ضحى الخميس 10 شعبان 1447هـ بعنوان:
مقاصد أداء الأمانة الكبيرة والوفاء بعهد الله ومجالاتها في اتباع النبيين
اقرأ في المحاضرة:
- حقيقة ختم النبوّة.
- سرّ النور المحمّدي الذي أضاء الأكوان.
- مكانة السيّدة خديجة رضي الله عنها ولماذا اختصّها الله.
- كيف استمرّ تمام النعمة في الأُمّة: علمًا، ووراثة، وسندًا، وصدقًا.
- لواء الحمد، والشفاعة العظمى، ومشهد اجتماع الأنبياء والأولياء تحت راية واحدة.
- لماذا كانت حضرموت وتريم معقلَ علمٍ وسندٍ.
- كيف تُبنى الزيارات الشرعيّة على التذاكر والتراحم والتهيّؤ ليوم القيامة.
- معنى سجود القلب.
- تحذيرٌ صريح: من الفتن، ومن التقليد الأعمى، ومن استبدال القدوات النبويّة بنماذج السقوط والانحطاط.
نص المحاضرة:
الحمدُ لله الأحدِ الحيِّ القيُّوم، الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، نشهدُ أنَّه الله الذي لا إله إلَّا هو وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمد، يُحيي ويُميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخيرُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، منه المبتدأُ وإليه المرجعُ والمصير.
ونشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وقرَّةَ أعينِنا ونورَ قلوبِنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه، ونبيُّه وصفيُّه وحبيبُه وخليلُه، أرسلَه بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إليه بإذنِه وسراجًا منيرًا.
ختمَ به النبيِّين، وجعلَه سيِّدَ المرسَلين، وجعلَ أُمَّتَه خيرَ الأمم، وأتمَّ به حقائقَ أسرارِ النبوَّة للعبادِ أجمعين.
ولقد قال ﷺ: «إنَّ مَثَلي ومَثَلَ الأنبياءِ قبلي كمَثَلِ مَلِكٍ ابتنى بيتًا -ابتنى دارًا- فأحسنَ بناءَها إلَّا موضعَ لَبِنَةٍ منها، فجعلَ الناسُ يطوفون بها ويقولون: ما أحسنَها لولا موضعُ هذه اللَّبِنَة! قال: فأنا موضعُ تلك اللَّبِنَة» صلى الله عليه وسلم.
مولد النور والآيات الكونية المصاحبة له
تمَّت أسرارُ النبوَّة وأسرارُ الرسالة -أي حقائق ما أرادَ ربُّ العرشِ أن يُنعِمَ به على عبادِه المكلَّفين على ظهرِ الأرض- تمَّ وكَمُلَ بأسمى وأعلى وأسنى تجلٍّ للرحمن، وتفضُّلٍ للمَلِكِ المنَّان، على يدِ محمَّدٍ معدِنِ الإحسان، صلَّى الله وسلَّمَ وباركَ وكرَّمَ عليه وعلى آله.
فتمَّت به النعمةُ عليه الصلاةُ والسلام، ولم تزل تمامُ هذه النعمةِ وكمالُها في معانٍ من الازدياد من غير نفاد، وتمَّ الأصلُ لكلِّ ذلك في حياتِه الكريمة وعمرِه الذي أقسمَ اللهُ به في كتابِه في قولِه: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).
وعَمرُه ابتدأَ من حينِ ولدَت به آمنةُ بنتُ وهبِ بنِ عبدِ منافِ بنِ زُهرةَ بنِ حَكيمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالب -إلى آخرِ نسبِه الشريف-، حينما ولدَت به آمنةُ ابتدأَ هذا العَمر، فكان من تلك اللحظةِ تجلٍّ للرحمنِ لأهلِ الوجود ما كان فيما مضى من الأزمان.
برزَ إلى عالَمِ الشهادةِ من عالَمِ الغيب، وإلى عالَمِ المُلكِ من عالَمِ الملكوت، فنُكِّسَت أصنامُ الدنيا في ذلكم اليوم، وخمدَت نارُ فارسَ ولها ألفُ سنةٍ لم تخمد، وسقطَت شُرّافات قصرِ قيصر، وكان أيضًا أن غاضَت بُحيرةُ ساوة، وكان من النورِ ما حدَّثَ عنه معدِنُ النورِ وقال: «وإنَّ أُمِّي رأَت حين وضعَتني نورًا أضاءَت له قصورُ الشام». قال: «وكذلك أُمَّهاتُ النبيِّين يَرَين».
وقال له عمُّه العبَّاسُ بنُ عبدِ المطَّلب:
وأنتَ لمَّا وُلِدتَ أشرقَت الأرضُ وضاءَت بنورِكَ الأُفُقُ
فنحن في ذلك الضياء وذلك النور وسُبل الرشادِ نخترقُ
دعوة للخشوع والتبعية
يا أهلَ الجمع؛ حقائقُ النورِ المحمَّديِّ وإكمالُ النعمةِ به تُناديكم معانيها في هذه الجموع؛ لأن تنالَكم نصيبٌ من الخشوعِ والخضوع، والدخولِ في دوائرِ التبعيَّةِ لأكرمِ متبوع، بسلاسلِ أتباعه الكُمَّل، أهلِ القدرِ المرفوع.
ثمَّ كان من بعدِ ولادتِه ﷺ، والحقُّ يتجلَّى على أهلِ الوجودِ تجلِّيات، حتى جاءَ وقتُ إتمامِ النعمةِ بالبعثةِ والرسالة، وأنزلَ الحقُّ تعالى على يدِ جبرائيلَ إلى غارِ حِراء: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)، وربُّه الأكرمُ فتحَ أبوابَ الكرمِ بفتحٍ لم يكن مسبوقًا من قبل، فضلًا منه تباركَ وتعالى.
مكانة السيدة خديجة
وتمَّت النعمة على السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، فكانوا هم سادةَ هذه الأُمَّة، وكانوا هم قادةَ هذه الأُمَّة، وكانوا هم الذين قاموا بحقِّ الأمانة ووفَوا بالعهدِ على أكملِ الوجوه، عليهم رضوانُ الله تباركَ وتعالى.
وأوَّلُهم كانت السيِّدةُ خديجةُ بنتُ خُوَيلِد، وسط بيتِه الكريم، لمَّا علَّقَ اللهُ قلبَها به من قبلِ الوحيِ ومن قبلِ التكريمِ بالبعثةِ والرسالة، وكان ممَّا في فطرتِها وقلبِها أنَّ هذا الدينَ الذي هم عليه من الشركِ ومن الاستبدادِ ومن الظلمِ باطلٌ وخطأ، ولا يُمكنُ أنَّ اللهَ خلقَ الخلقَ لأجلِ هذا، ولا يرتضي هذا منهم، وأنَّ للهِ دينَ حقًّا.
وأخذَت تبحث يَمنةً ويَسرة، وابنُ عمِّها ورقةُ بنُ نوفَل اهتدى إلى نورِ الإيمانِ وآمنَ بعيسى بنِ مريمَ عليه السلام، واتَّخذَ النصرانيَّةَ دينًا وتنصَّرَ في الجاهليَّة، وقرأَ من كتابِ الإنجيلِ ومنه ما بقيَ مِمّا سَلِم من التحريفِ والتبديل، وفيه صفةُ النبيِّ المصطفى محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان يقُصُّ عليها بعضَ هذا الخبر.
وكانت تترقَّبُ من يكونُ هذا الذي يُنقِذُ اللهُ به الأُمَّةَ والعالَمَ ويُجدِّدُ به دينَه في المكلَّفين، ورأَت آثارَ النبيِّ المصطفى تلمعُ بمكَّة، فمالَ قلبُها إلى هذا الجَنابِ رعايةً وسَوقًا من ربِّ الأربابِ جلَّ جلالُه.
تجلِّيات الحقِّ على قلوب الصالحات
يُهيِّئ قلبَ خديجةَ لما لا يتهيَّأ له قلبُ امرأة، إلَّا ما تفرَّعَ عنها بواسطتِه ﷺ من الزهراءِ البتولِ عليها الرضوانُ وبناتِه الكريمات.
وإلَّا فما في قلوبِ النساء -مع فُضلَياتٍ منهنَّ سبَقنَ كمريمَ وكآسية- ولكن لا أحد منهنَّ تجلَّى الحقُّ على قلبِها كتجلِّيهِ على خديجة، إن تجلَّى على آسيةَ بصبرِها وصدقِها وواسطةِ موسى، وتجلَّى على مريمَ بقنوتِها وعبادتِها وتحصينِها لفرجِها، وبُعدِها عن الآفاتِ وقيامِها بالإنابةِ والإخباتِ بواسطةِ عيسى.
لكن خديجةَ تجلَّى الجبَّارُ على قلبِها بواسطةِ محمَّدٍ زينِ الوجودِ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بكرمِها وصدقِها وإخلاصِها وتضحيتِها وبذلِها وإعطائِها.
ثمَّ خرجَ من غارِ حِراءَ إلى عندِها، فهي أوَّلُ من رأَت الوجهَ بعد نزولِ الوحي، وهي أوَّل من سمعَت خبرَ السماءِ بمجيءِ البعثةِ وإتمامِ النعمةِ بهذا النورِ المبين، فكانت أوَّلَ من سبقَ إلى الإيمانِ والإسلام.
ولم يكن مِن سَبْقٍ قبلِها قطّ، إلَّا ما كان بالتبعيَّةِ لبناتِها الكريماتِ بحُكمِ أنَّهنَّ بناتُ زينِ الوجود.
وكان البناتُ من قبلِ البلوغِ إسلامُهنَّ بإسلامِ أبيهنَّ، إذا أسلمَ أبوهنَّ فقد أسلَمنَ؛ ولذا لمَّا تجدون أهلَ السيرةِ يذكرون أوَّلَ من أسلَم، ما ذكروا لنا بناتِ النبيّ! ذكروا لنا السيِّدةَ خديجة، ذكروا لنا سيِّدَنا عليَّ بنَ أبي طالب، ذكروا لنا سيِّدَنا زيدَ بنَ حارثة، ذكروا لنا سيِّدَنا أبا بكرٍ الصدِّيق.. وأين بناتُ النبيّ؟ بنات النبي إسلامُهنَّ بإسلامِه، من حينِ نزولِ الوحيِ هنَّ مسلِمات، من حينِ نزولِ الوحيِ وهو وسطَ غارِ حِراءَ هنَّ مؤمِنات، عليهنَّ رضوانُ الله تباركَ وتعالى.
نُصرة الحق واكتمال الدين
وسبقَت السيِّدةُ خديجةُ بقيَّةَ الأُمَّة، وآمنَت وفرِحَت بهذا الفضلِ الذي كانت تتشوَّفُ إليه وتتمنَّاه وترتجيه، وحقَّقَ اللهُ رجاءَها جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
وقصَّت خبرَه على ابنِ عمِّها ورقةَ بنِ نوفَل فقال له: في النومِ رأيتَ هذا؟ قال: في اليقظةِ لا أشُكُّ في ذلك، قال: واللهِ إنَّ هذا الناموسَ الأكبرَ الذي كان ينزل على موسى، ياليتني فيها جَذَعًا، أنصُرُكَ نصرًا مؤزَّرًا حين يُخرجُكَ قومُك. قال: أَوَ مُخرجيَّ هم؟ قال: ما جاءَ أحدٌ بمثلِ ما جئتَ به إلَّا آذاه قومُه وأتعَبوه، ويا ليتني كنتُ جَذَعًا -أي شابًّا- أقومُ معكَ وأنصُرُك، هذا الناموسُ الأكبرُ -أي الوحيُ الأعظمُ- الذي كان ينزلُ على موسى على نبيِّنا وعليهم أفضلُ الصلاةِ والسلام، ونزلَ على عيسى. وجاءَت هذه الرسالةُ لإكمالِ معاني أداءِ الأمانةِ والوفاءِ بعهدِ اللهِ على ظهرِ هذه الأرض.
وبركاتُ هذا العمرِ وإتمامِ النعمةِ فيه تمتدّ، حتى جاءَ إلى حجَّةِ الوَداعِ وقُبيلَ وفاتِه بثمانين ليلةً أنزلَ اللهُ قولَه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، ثمَّ تهيَّأَ ﷺ للرحيلِ من الدنيا والانتقالِ إلى الرفيقِ الأعلى بعد أن أكملَ اللهُ به هذا الدين.
استمرار الخيريَّة في الأُمَّة
وقال لنا فيما صحَّ من حديثِه: «حياتي خيرٌ لكم»، أُكملُ تمامَ النعمةِ إلى غايتِها، ويبقى ما يتفرَّعُ منها ويُبنى عليها إلى الأبد، ومعنى إلى الأبد: كلُّ الخيور التي تَبتثُّ في الأُمَّة، بدايةً من السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، ثمَّ بمن تبِعَهم ممَّن أسلمَ من بعدِ الفتح، ثمَّ لمن صدَقَ وارتقى من طبقةِ التابعين، ثمَّ من طبقةِ تابعي التابعين، ثمَّ من طبقة تابعي التابعين على الخصوصِ وعلى العموم؛ كلُّ هذه الخيور مستمرَّةٌ من أصلِ تمامِ تلك النعمةِ إلى آخرِ مؤمنٍ على ظهرِ الأرض.
وما ظهورُ سيِّدِنا محمَّدٍ المهديّ، ولا مَن يُمهِّدُ قبلَه، ولا خروجُ عيسى بنِ مريمَ من السماءِ بعدَه، إلَّا من آثارِ تمامِ النعمةِ من الحقِّ على يدِ عبدِه محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلى آخرِ من يكونُ من المؤمنين حين تهُبُّ الريحُ فتخطَف من في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من إيمان، ولا يبقى على ظهرِ الأرضِ مؤمِن. ثمَّ لا يبقى إلَّا كافر ابن كافر، ثمَّ لا يبقى إلَّا كافر بن كافرٍ بن كافر، توالى الكفرُ على الأقلِّ في ثلاثِ طبقاتٍ منهم شِرارُ الخَلق، عليهم تقومُ الساعة.
لواء الحمد والشفاعة العظمى
ثم الخيور التي تجري في البرزخِ والخيور التي تجري في القيامةِ أثرٌ من آثارِ تمامِ النعمةِ على محمَّدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولذلك هو المتقدِّمُ فيها، وهو الإمام فيها، وهو فاتحُ بابَ الشفاعة، وهو فاتحُ بابِ الجنَّةِ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وقال: «وأنا أوَّلُ من تنشقُّ عنه الأرض، وأنا أوَّلُ شافعٍ وأوَّلُ مُشفَّع». وقال ﷺ: «وأنا أكرمُ الأوَّلين والآخِرين على اللهِ يومَ القيامةِ ولا فَخر، وأنا أكرمُ الأوَّلين والآخِرين على اللهِ يومَ القيامةِ ولا فَخر، ولواءُ الحمدِ بيدي، آدمُ فمن دونَه تحتَ لوائي».
آدمُ فمن دونَه تحتَ لوائِي: آدمُ بِرَاياتِه وألوِيَتِه، وشِيثُ بنُ آدم، وإدريسُ بِرَاياتِه وألوِيَتِه، ونوحٌ بِرَاياتِه وألَوِيَتِه، ومَن بينهَ من النبيِّين، إلى الخليلِ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ وبقيَّةِ النبيِّين بِرَاياتِهم وألَوِيَتِهم تحتَ هذا اللواء.
وألويةُ المقرَّبين من السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصارِ ومن تبِعَهم على الوفاءِ بالعهدِ وأداءِ الأمانة، مثلُ هذه الألويةِ التي ترَونَها أمامَكم تحتَ هذا اللواء، يُحشر الجميعَ تحتَ ألويةِ الأنبياءِ وألويةِ الأولياءِ تحتَ لواءِ الحمد، والحاملُ له محمَّد. يا ربِّ صلِّ على محمَّد.
تحتَه النبيُّون، تحتَه الصدِّيقون، تحتَه المقرَّبون، تحتَه العارفون، تحتَه كلُّ من له سابقةُ السعادة، وكلُّ من يدخلُ الجنَّةَ من المكلَّفين، فلا بدَّ أن يحضُرَ أوَّلًا تحتَ لواءِ سيِّدِ المرسَلين وتحتَ لواءِ الحمد. مَن لم يَستظِلَّ بظِلِّ هذا اللواءِ لم يَشَمَّ رائحةَ الجنَّةِ ولم يَقرُب من الجنَّة، فإذا دخلوا تحتَ اللواءِ تهيَّؤوا لدخولِ الجنَّةِ ونظروا إلى وجهِ محمَّدٍ ﷺ ووجوهِ النبيِّين معه.
زيارة نبي الله هود وميراث السلف
ومنهم نبيُّ اللهِ هودٌ الذي كان سببَ هذه الاجتماعاتِ بواسطةِ كُمَّلِ وَرَثَةِ محمد، من عترتِه وذرِّيَّتِه ومن غيرِهم من أربابِ الوراثةِ الصحيحة، أربابِ الصدقِ والإخلاصِ مع اللهِ تباركَ وتعالى، والذين حملَهم العزمُ بتوجيهاتِ الكتابِ والسُّنَّةِ إلى زيارةِ هذا النبيِّ المرسَلِ هودٍ عليه السلام، وإلى الاجتماعِ في شِعبِه، وإلى القيامِ في أيَّامِ الزيارةِ بالخيرات.
وقد احتوى سيِّدُنا الفقيهُ المقدَّمُ على أسرارِها وجمعِها من جميعِ الجوانب، ورتَّبَ الترتيبَ هذا الموروثَ عن جدِّه المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ في أن يسلُكوا مسلَكَ التراحمِ والتعاطفِ والتذاكُرِ والذِّكرِ والاجتماعِ عليه، والتزاوُرِ بينهم البَين، والتذاكُرِ في شؤونِهم المهمَّةِ، وفي أخبارِ الحقِّ ورسولِه وفي أخبارِ الدارِ الآخرةِ، والتواصي بالحقِّ والصبر.
فتمَّ على يدِ الفقيهِ المقدَّمِ وتسلسلَت تِلْكُم الزياراتُ إلى هذه التي أنتم فيها. الحمدُ للهِ على هذه المِنَّة وعلى هذه النعمةِ؛ المقصودِ منها التهيُّؤُ ليومِ القيامةِ بالوفاءِ بعهدِ اللهِ وأداءِ الأمانةِ الكبرى.
الأمانة التي حملها الوَرَثة
الأمانةُ الكبرى التي لا تُبحَثُ في مجالسِ رؤساءِ العالَمِ، ولا تُبحَثُ في مجالسِ ملوكِ العالَم، وإنَّما تُبحَثُ على بُسُطِ النبوَّةِ والرسالة.
وتمَّ الختمُ على يدِ محمَّد، فحملَها الخلفاءُ الوَرَثَةُ بصدقٍ وحقّ، وامتلأوا رحمةً لعبادِ الله، وتهذَّبَت أخلاقُهم وزكَت نفوسُهم؛ فلم يبقَ ذرَّةٌ من كِبر، ولم يبقَ ذرَّةٌ من رياء، ولم يبقَ ذرَّةٌ من حسدٍ في قلبِ أحدِهم، ولم يبقَ ذرَّةٌ من غرورٍ في قلبِ أحدِهم، وخَضَعوا وخشَعوا وتذلَّلوا واصطَفَتْهُم حضرةُ الألوهيَّةِ والربوبيَّةِ فكانوا محلَّ النظر.
ومع ذلك كلِّه، فالحقُّ يُظهِرُ مَن يُظهِرُ منهم، لا برغبتِه ولا بالتفاتِه، ولكن قهرًا وقسرًا لما يريدُ اللهُ من الرحمةِ به، لما يريدُ اللهُ من نشرِ الخيرِ على يدِه.
ومنهم رجالٌ ظاهرون بأمرِه ** لإرشادِ هذا الخَلقِ نَهجَ الطريقةِ
فهم حُجَّةٌ للمؤمنين بربِّهم ** وفيهم لمُرتادِ الهُدى خيرُ بُغيةِ
عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى.
والخلفاءُ بعدَه والعترةُ ** بهم مع القرآنِ مستمرَّة
ملَّتُه محفوظةٌ مِن فترةٍ ** على الهدى دأبًا بلا انفصالِ
وكان في الوادي الميمونِ المباركِ من الصحبِ الأكرمين، ومن أهلِ بدرٍ مَن جاءَ إلى الوادي، ومن اتَّصلَ بهم من التابعين؛ بدورٌ وأئمَّةٌ أشرقَ بهم النورُ وحُفِظَت فيهم العهودُ والمواثيق، وخَلَفَهم أكابرُ من أربابِ الخيرِ من تابعي التابعين وتابعيهم، حتى تمَّمَ اللهُ النعمةَ في مَدرِجِ الإتمامِ الذي نتحدَّثُ عنه بمجيءِ المهاجِرِ إلى اللهِ أحمدَ بنِ عيسى.
حضرموت ومدينة تريم: مَعقِل العلم والعلماء
وجاءَت عترةُ محمَّدٍ إلى وادي حضرموت، واتَّصلَت بقبائلِ حضرموتَ وبرجالِ حضرموت، وتواصلَت معها القلوبُ المنيرةُ وأهلُ العلمِ والبِرِّ والتقوى، وامتزَجوا وتوالَوا في الله، وتحابُّوا في اللهِ وتآخَوا في اللهِ، وتعاونوا على مرضاةِ اللهِ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
وقامَ خيارُ كلِّ طبقةٍ من طبقاتِهم بمعرفةِ الحقِّ لأهلِ البيت، ومعرفةِ الحقِّ لأهلِ العلم، ومعرفةِ الحقِّ للصحابة، ومعرفةِ الحقِّ لسلاسلِ الإسناد، إلى غيرِ ذلك ممَّا أوجبَهم عليه الإسلامُ والإيمانُ والإحسان، وإلى ما فاضَ عليهم حين زُجُّوا في مراتبِ المعرفةِ الخاصَّةِ والمحبَّةِ الخالصة، فقاموا بأداءِ الأمانةِ عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى.
من مختلفِ قبائلِ حضرموت، ولا يكادُ في طبقةٍ من طبقاتِهم إلَّا وفيهم أحدٌ -قلُّوا أو كثُروا- من هؤلاء، ويزدادون في بعضِ الأوقاتِ حتى يحملُ التاريخُ لنا أن تمُرَّ أوقاتٌ على مثلِ مدينةِ تريم -من جملةِ مُدُنِ العلمِ في الوادي الميمون- أن يوجَدَ ثلاثمائةٍ وستُّون مُفتي، ليس باعتبارات درجة الماجستير ولا الدكتوراة، تحقيقٌ في العلومِ مأخوذٌ من طريقةِ التلقِّي، عندهم فيها رقي كاسع واطِّلاعٌ كبيرٌ واسع.
فاجتمعَ ثلاثمائةٍ وستُّون مُفتي، لا مثلُهم ثلاثمائةٍ وستِّين دكتور ولا مثلُهم ثلاثمائةٍ وستِّين بروفيسور، لا في علمِ الشريعةِ ولا في غيرِها، بل تحقيقٌ أقوى وأتم مأخوذٌ بالسَّنَد. ووصلوا إلى هذه الدرجةِ حتى كان لا يُصلِّي في الجامعِ في الصفِّ الأوَّلِ إلَّا مُفتون، من طرَفِ الصفِّ إلى طرَفِه كلُّهم بلغوا درجةَ الفتوى.
في وقت من الأوقاتِ مرَّ على ذلك الوادي الميمونِ المبارك، وفيهم من اتِّصالاتِهم بحقِّ هذه الأمانةِ وأدائِها، ما كان الإمامُ محمَّدُ بنُ عمرَ أبو مُرَيِّم وحدَه على يدِه تُحفَّظ وسطَ مدينةِ تريمَ وحدَها -غيرَ المدنِ الأخرى في الوادي- ثمانمائةِ حافظ، وقرؤوا «رُبعَ التنبيه»، أي حفِظوا القرآنَ وتفقَّهوا في الشرعِ وخرجوا فقهاء ثمانمائة! ثمانمائة.. كم عددُ السكَّان تلك الأيَّام؟ هؤلاء رُبعُ سكَّانِ البلادِ أو أكثرُ من ذلك، كلُّهم حفظة القرآن، والباقين؟ يعني كم نسبةُ الحُفَّاظ؟ فلا تكادُ تجدُ في كلِّ بيتٍ إلَّا حَفَظَة لكتابِ الله، وإلَّا لمن قرؤوا «رُبعَ التنبيه».
الآن تجد من لم يقرأ رسالةَ الإمامِ أحمد بنِ زينٍ الحبشيّ، ومن لم يقرأ «سفينةَ النجاة»؛ يُمكن ما يخلو بيتٌ من بيوتِنا إلَّا فيه من لم يقرأ هذه المختصَراتِ ولم يقرأ هذه البدايات، أولئك تجاوزوا هذا، أقلُّه إلى رُبعِ «التنبيه» عندهم قرأوه في فقهِهم في الشريعة.
فكان مستواهم في معرفةِ حقِّ الأمانةِ وفي الوفاءِ بالعهدِ رفيعًا أيُّها الأحباب، رفيعًا أيُّها الإخوان، ما أثَّرَت عليهم أفكارُ الشرقِ ولا أفكارُ الغرب، ولا ما يبُثُّه إبليسُ على يدِ الأباليسِ من تلبيسٍ وتدليسٍ وتحسينٍ للخسيس، وإثارة شحناء وبغضاء، وتنافُسٍ على مُتعِ الدنيا وعلى شهرتِها أو على جاهِها.
الشيخ أبو بكر بن سالم: نموذج للولاية والتواضع
وأولئك الذين أظهرَهم اللهُ لا باختيارٍ منهم ولا بالتفاتٍ منهم، توالَوا حتى ظهرَ الشيخُ أبو بكرِ بنُ سالم، عليه رضوان الله، واختارَه شيخُه الإمامُ شهابُ الدينِ أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، صاحبُ التمكينِ والإرثِ القويِّ الكبيرِ للبشيرِ النذير، وانتهَت إليه أسرارُ سلَفِه.
فلمَّا عجزَ عن المجيءِ للزيارةِ بالناس، التفتَ ببصيرتِه يَمنةً ويَسرةً وأمامًا وخلفًا، ولم يجِد أهلًا مثلَ الشيخِ أبي بكر، كثيرٌ متأهِّلون لكن أهليَّةُ هذا فوق، كثيرٌ قديرون ولكن قدرةُ هذا أوسع، كثيرٌ منوَّرون ولكن هذا أنوَر.
فنظرَ إليه وقال له: عندكَ الخِلافة، ولكَ تقومُ بحقِّ هذه الزيارة، ولمَّا اعتذرَ إليه بوجودِ الكثير، قال: لا، أنتَ المخوَّلُ من قِبَلِنا لأنَّكَ الأهلُ لها من البقيَّةِ والمقدَّمُ على الجميع، وعليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى.
واستمرَّ فوقَ الأربعين زيارة، هذه التي في شعبانَ التي أَمسَكَها بعده سيِّدِنا الشيخِ شهابِ الدين، وفي آخرِ زياراتِه وهو محمول، صاروا يتدافَعون ويأخُذون أثرَه من الأرضِ تبرُّكًا، وتزاحَموا عليه عند «بئرِ التسليم» هذا. فالتفتَ إلى الجمعِ بقلبِه الخاشعِ الخاضعِ وبكى وقال: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ)، (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ) عليه رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى، ونِعمَ العبادُ الذين أنعمَ عليهم، فازدادوا بالنعمةِ تواضعًا، وازدادوا بالنعمةِ خشوعًا، وازدادوا بالنعمةِ أدبًا.
وقد ظلَّ سبعةَ عشرَ سنةً لا يُرى إلَّا مُتورِّكًا في البيتِ وخارجَ البيت، في المسجدِ وفي أيِّ مكانٍ لا يجلسُ إلَّا جَلسةَ التورُّك، قالوا: يا شيخ تتعبُ من هذه الجِلسة، حوِّل جِلستَك؟ قال لهم: هذه جِلسةُ العبدِ بين يدَي سيِّدِه، هذه جِلسةُ العبدِ بين يدَي سيِّدِه، وأنا عبدٌ بين يدَي سيِّدي! غلبَه شهود، فكان يجلسُ هذا المجلس.
فاتَّصلَ بالشيوخِ الأكابر الأكارم، وكان سيدنا الإمامُ شهابُ الدينِ من أكبرِهم وأعظمِهم، وعلى يدِه كان ما كان من الخيرِ الكبير.
واتَّصلَ بالإمامِ عمرَ بنِ محمَّدٍ صاحب قَسَمِ «باشَيْبَان» عليه رحمةُ الله، واتَّصلَ بالشيخِ عمرَ بنِ عبدِ اللهِ بامخرمة، واتَّصلَ بالشيخِ معروفِ بنِ عبدِ اللهِ باجَمَّال عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى، وبغيرِهم من أئمَّةِ وقتِه.
واتَّصلَ به أئمَّةُ الوقتِ والزمانِ في القريبِ والبعيد، في حضرموتَ وبقيَّةِ أجزاءِ أنحاءِ اليمن، وفي الشام، ومن الحرمَين الشريفَين، ومن المغربِ ومن مصر، وجاءَت قوافلُ من الرومِ وحطَّت تحتَ دارِه في «عينات» هذه القريةِ التي صارَت به مَظهَرَ علمٍ وهُدًى ونور، عليه رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى.
أثر مجالسة الصالحين وسجود القلب
وجئتم أيُّها الأحباب وقد مرَّ بكم الأطياب في أهلِ هذا المنهاجِ بحُلَّةِ العلمِ والآداب، قومًا بعدَ قومٍ عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى.
وقفَ الحبيبُ علي الحبشي مرَّة في هذا المكانِ ليتكلَّمُ وغلبَه البكاء، ورفعَ الناسُ أبصارَهم وجدوه يبكي، يقول له الحبيبُ عمرُ بنُ حامد: حبيب ما يبكيك؟ قال: تذكَّرتُ الصدورَ الذين كانوا يجلسون في هذا المكان، والرجالَ الذين أدركَهم من قبلُ كانوا يحُفُّون بهذا المكانِ عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى.
تُذكِّرُكَ باللهِ رؤيتُهم ونُطقُهم، بل ثوبهم إذا رأيتَ أحدَهم تشعرُ في قلبِكَ بطمأنينة، تشعرُ في قلبِكَ بإيمانٍ يتحرَّك؛ لأنَّهم خُلَّص للهِ من رأسِهم إلى قدَمِهم "لا إله إلَّا الله"، من رأسِهم إلى قدَمِهم خشوعٌ لله، من رأسِهم إلى قدَمِهم إخلاصٌ لوجهِ الله، من رأسِهم إلى قدَمِهم تواضعٌ لعظمةِ الله، من رأسِهم إلى قدَمِهم رحمةٌ بعبادِ الله، على هذا الحالِ كانوا عليهم رضوانُ اللهِ جل جلاله وتعالى في علاه.
وإنَّما جئنا على الآثار، فعسى تُشرِقُ الأنوارُ في ساحةِ كلِّ قلبٍ منَّا، فتُنحَّى عنه الأكدار، ويُصفَّى من الأدرانِ ومن الرَّانِ ومن كلِّ التفاتٍ إلى غيرِ الرحمن.
لننعَمَ بنعمةِ سجودِ القلبِ كما أُنعمَ علينا بنعمةِ سجودِ الجسدِ والجبهة، فإنَّ المقصودَ من سجودِ الجسدِ والجبهةِ أن يسجدَ القلب، والقلبُ إذا سجدَ لم يُطِق أن يُرفَعَ من سجودِه أبدًا، لم يُطِق أن يرفعَ من سجودِه أبدًا؛ بمجرَّدِ ما يذوقُ لذَّةَ السجودِ للربِّ، لا يقدر أن يرتفعُ عن هذا، بل يزدادُ في معنى السجودِ أبدًا سرمدًا.
وتتحوَّلُ سجداتُه الجسديَّةُ إلى زيادةٍ من سرِّ سجودِ قلبِه، والتعمُّقُ لقلبِه في السجودِ للملِكِ المعبودِ جلَّ جلالُه، وعلى قدرِ هذا العُمقِ يقرُبون من صاحبِ السجدةِ تحتَ العرشِ في المقامِ المحمودِ -صلى الله عليه وسلم- في يومِ القيامة.
تحذير من الفتن والتقليد الأعمى
فيا أيُّها الأحباب، أحْضِرُوا القلوبَ وانظروا أنَّ علَّامَ الغيوبِ ينظرُ إلى قلوبِكم، ومن صَدَقَ معه نقَّاه عن العيوب، وغفرَ له الذنوبَ وذلك يسيرٌ عليه.
ومن ضيَّعَ الفرصةَ وبقيَ في مثلِ هذا المجمعِ يُصِرُّ على أن يؤذيَ أحدًا، يُصِرُّ على أن يتكبَّرَ على أحد، يُصِرُّ على أن يكونَ عبدًا للشهرةِ أو للشهوةِ أو للمالِ أو للنساءِ أو لظهورٍ بين الخلقِ أو لشيءٍ من هذه الأشياء؛ شرَفُكَ تكونُ عبدًا لربِّ العرشِ يا هذا، وتكونُ مقتديًا بمحمَّدٍ زينِ الوجودِ ﷺ.
أمَّا تَتْبع نفسَكَ وهواكَ وأهلَكَ في البيت، أحدهن تتبع يهوديَّةً وأحدهن تتبع نصرانيَّةً وأحدهن تتبع ملحِدةً في زيِّها، في حلاقتِها، في قصَّتِها؛ كأنَّها خُلِقَت تَبَعًا لأولئك! ما عندها نبوَّةٌ ولا رسالة، ولا فاطمةُ بنت محمَّد، ولا خديجةُ بنت خويلد، ولا أُمَّهاتُ المؤمنين! عندها فاسقةٌ ومجرِمةٌ وكافرةٌ قُدوةٌ لها! ما هذا الانحطاط؟ ما هذا السقوط؟ ما هذا البُعد؟ ما استبدالُ (الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)؟ ما تبديلُ الصدِّيقيَّةِ والنبوَّةِ والرسالةِ بالفسوقِ والكفرِ والفجور؟ وأوائلنا الذين أنعمَ اللهُ عليهم وقاموا بالعهد قال الله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ).
وجاءَ هذا من أين؟ من مَعِيَّة لمحمَّدٍ ومن اتِّصال به (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) -لو كان يمشي مع آرائكم فيما ترَون وتتخيَّلون ستقعُ لكم مشقَّاتٌ كثيرةٌ ومصائبُ ولكنَّه يُجنِّبُكم إيَّاها و (لَعَنِتُّمْ)- (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ) وجعلُكم في تبعيَّةِ سيِّدِ الأكوان، (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً).
التوبة والابتعاد عن المحرَّمات
فتوجَّهوا إلى الرحمن، واصدُقوا في التوبةِ إليه، وفي القيامِ بحقِّ اللهِ وأداءِ الأمانةِ والعهدِ الذي عاهَدَكم عليه؛ في دياركم وأُسَركم، في أنفسِكم، في أهليكم، في أقوالِكم، في أفعالِكم.
هناك محرَّماتٌ حرَّمَها هو الذي خلَق، ابتعِد عنها، اجعَل بينكَ وبينَها بَون! هذه حِمى ملِكِ الملوك، "ألا وإنَّ لكلِّ ملِكٍ حِمًى" -مكانٌ يمنعُ الناسَ يجيئون فيه- "ألا وإنَّ حِمى اللهِ محارمُه".
وإذا تعرَّضتَ لحِمى الملوكِ مسَكوك، وجاؤوا بكَ جنُودهم والمخابراتُ وأدخَلوكَ لداخلِ ولا أدري ماذا يعملون بك! وتجيء لحِمى ملِكِ الملوكِ وما تستحي؟ ما تخافُ هيبةَ الجبَّارِ الأعلى؟
لا تعصِ بعينِك، لا تعصِ بأُذُنِك، لا تعصِ بلسانِك، لا تعصِ بفرجِك، لا تعصِ ببطنِك، تسمعُ أو لا تسمع! لا تعصِ بشيءٍ من أعضائِك، ولا تعصِ بقلبِك.
حَضَرتَ مثلَ هذا المحضر، فاخرجَ بنظَر، واخرج بطُهرٍ مع من تطَهَّر. واصدُق كم باقٍ من عُمرِك، وما تدري كم هو، باركَ اللهُ لنا ولكم في الأعمارِ وصرَفَها في الخير، وغفرَ للمتقدِّمين في هذه المواطن.
الدعاء للصالحين ومن فقدنا
وكان من أواخرِ من فقَدنا من علمائِنا وأهلِ النورِ والسِّرِّ فينا حبيبنا عمرَ بنِ حامدٍ الجيلاني، أعلى اللهُ له الدرجاتِ وجمَعَنا به في أعلى الجنَّات، واختارَه ربُّ الأرضِ والسماواتِ في رحلةٍ إلى اللهِ تباركَ وتعالى، خارجٌ في سبيلِ اللهِ وتبليغِ دعوةِ اللهِ ووفاءِ بعهدِ الله، عليه رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى، وأداء لحقَّ الأمانة.
فاللهُ يجمعنا به في أعلى الدرجات، واللهُ يُبلِّغُه فوقَ ما رجا من الخيرات، ويُباركُ في أولادِه وأحفادِه وأسباطِه وتلامذتِه وآثارِه، وما نوى من إقامةِ المعهدِ وغيرِها من نيات تَتِمَّ على خيرِ ما أرادَ وفوقَ ذلك، ويُعِمَّ اللهُ سبحانَه وتعالى ببركةِ آثارِه الوجود، بالفضلِ والجود، إنَّه أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين، وكم فقَدنا في عامِنا هذا وكم فقَدنا من الأعوام.
واللهُ يُمتعنا بالبقيَّةِ ومناصبِنا هؤلاء الذين حضروا، وحبيبُنا حسنٌ تخلَّفَ لمرضٍ به، ومنعَه الدكتورُ أوالطبيبُ أن يحضُرَ هذا المحضَر، ولكن إن شاءَ اللهُ هو بروحِه حاضر، وقد أنابَ ابنُه الأكبرُ كعادةِ آبائِه وأسلافِه. اللهُ يمُدُّه بالعافيةِ وتمامِ العافية، ويُطيلُ عمرَه في عافية، ويُطيل عمر مناصبِنا هؤلاء، وأهلِ السِّرِّ فينا وأهلِ العلمِ والخير، ويرزقُنا معرفةَ قدرِهم ومعرفةَ مكانتِهم حتى نُنزِلَ الأمورَ منازلَها، ويرضى عنَّا الربُّ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
خاتمة الدعاء والمناجاة
اللهم اجعلها ساعةَ نقاء، وساعةَ هُدًى، وساعةَ عطاء، وساعةَ نظَر، وساعةَ منحة، وساعةَ تُحفَة، وساعةَ فتح، وساعةَ نجح، وساعةَ صلح، وساعةَ هداية، وساعةَ رعاية، وساعةَ عناية، وساعةَ قُرب، وساعةَ معرفة، وساعةَ تأييد، وساعةَ تسديد، وساعةَ فضل، وساعةَ إحسان، وساعةَ نظرةٍ منكَ يا رحمنُ، بسيِّدِ الأكوانِ والنبيِّ هودٍ وأربابِ الشهود.
لا انصَرَف أحدنا إلَّا منظورًا بهذه النظرة، صالح له أمرُه سره وجهره، متولِّيًا له أنتَ يا مولانا، لا واكِلا له إلى نفْسِه ولا غيرِكَ من الخلائقِ في الدنيا والآخرة.
يا الله يا الله، تُب علينا توبةً نصوحًا، زكِّنا بها قلبًا وجسمًا وروحًا، لا صَرَفتَنا من المجمعِ إلَّا والقلوبُ عليكَ مجموعة، والدعوات كلُّها مسموعة، والأعمال الصالحة مقبولة ومرفوعة، والشرورُ والبلايا مدفوعة، والآفاتُ والعاهاتُ ممنوعة.
اللهمَّ أيِّدنا منكَ بتأييد، وسدِّدنا بتسديد، وخُذ بأيدينا يا مولانا، وولاةُ الأمرِ كلُّ من نوى منهم الخيرَ والصلاحَ للعبادِ والبلادِ والقيامَ بالحقِّ خُذ بيَدِه وتولَّهُ وألهِمه الرُّشدَ يا ربّ.
ومن أرادَ من الولاةِ أو الرعيَّةِ ضرًّا أو أذًى أو شرًّا بالمؤمنين فادفَع شرَّهم، ادفَع شرَّهم عن المؤمنين، ادفَع شرَّهم عن المسلمين، ادفَع شرَّهم وادفَعهم وامنَعهم واردَعهم بما شئتَ يا قويُّ يا متين، ورُدَّ كيدَ الكفَّارِ والفجَّارِ أعداءَكَ أعداءَ الدين.
انظُر إلى فلسطينَ وأهلِ فلسطينَ والشامِ كله ومن فيه، وانظُر إلى اليمنِ وأهليه، وانظُر إلى الشرقِ وانظُر إلى الغرب، فرِّج على الأُمَّةِ أجمع، فرِّج على الأُمَّةِ أجمع، يا خيرَ من يسمع.
في ساحةِ الدعوة والاستجابةِ ندعوكَ ونؤمِّلُكَ يا مولانا، متوجِّهين بذاتِكَ وأسمائِكَ وصفاتِكَ وكتابِكَ وسيِّدِ أحبابِكَ وأنبيائِكَ والنبيِّ هودٍ وجميعِ الأنبياءِ والمرسَلين، وأوليائِكَ وأصفيائِكَ، وما تُحِبُّ ومن تُحِبّ؛ أن تُعجِّلَ بالفرَج، أن ترفعَ الضيقَ والحرَج، أن تغفرَ لنا فيما مضى وتحفظَنا فيما بقي، اغفِر لنا ما مضى واحفَظنا فيما بقي، اغفِر لنا ما مضى واحفَظنا فيما بقي.
لا تَعصِ قلوبُنا بعدَ اليومِ يا ربّ، لا تَعصِ عيونُنا بعدَ اليومِ يا ربّ. اجعَلها طائعة، اجعَلها عابدة، اجعَلها متقرِّبةً إليك، اجعَلها محفوفةً بعنايتِكَ؛ حتى نلقاكَ على التحقُّقِ بلا إله إلَّا الله، وتختِمَ عُمرَ كلِّ واحدٍ منَّا بلا إله إلَّا الله، وتجعلَها آخرَ كلامِنا من الدنيا يا الله.
باركْ للأُمَّةِ في هذا الجمع، وفي هذه الزيارةِ التي تمَّت بفضلِكَ على رُغمِ عدوِّكَ إبليس! كم حاولَ إبليسُ يصُدُّ ويمنعُ ولكنَّ القويَّ قال له: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ). لكنَّه خبيثٌ كأنَّه ما سمِعَها، وقد قالها من أيَّامِ آدم، ولكنَّه قاعد كلَّ ساعةٍ يُكسِّر رأسَه يُحاولُ على أولياءِ اللهِ وأصفِيَائَهم.
وقد قال له من قبلُ: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان) وهو يعرفُ ذلك، ولكن سبقَت الشقاوةُ عليه، قال له: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين) - الناس الذين أنت تحبهم بينك وبينهم.. أنا لا أقدر- (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) لا إلهَ إلَّا اللهِ.
اجعَلنا من عبادِكَ المخلَصين، واجعَلنا من الهُداةِ المهتدين، يا اللهُ وبحقِّ الذين تقدَّموا وأرواحُهم حاضرةٌ إلى النبيِّ هودٍ وإلى آدمَ عليه السلام، والدُّرّة بينَهم زينُ الوجود، يا ربِّ صلِّ وسلِّم عليه، شرِّف به جمعَنا، اقبَل به دعاءَنا، حقِّق به رجاءَنا، بلِّغنا به مُنانا، كلُّ واحدٍ من الحاضرين، بَل من السامعين، بل مِمَّن في بيوتِهم، اكسه حُلَّة من حُلَلِ النقاءِ وحُلَل التقى ولا تنزَعها عنا، ورضاكَ الأكبرُ!
يا الله رضا، يا الله رضا ** والعفو عمَّا قد مضى
يا الله رضا، يا الله رضا ** يا الله بتوبة والقبول
وصلاح الشأن لنا وللأمة أجمعين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
10 شَعبان 1447