(394)
(339)
(9)
(617)
مذاكرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مجلس الوعظ والتذكير في مولد آل بلفقيه في شعب النبي هود عليه السلام، ليلة الخميس 10 شعبان 1447هـ
الحمد لله على مجامع مُناديها، منادي الحقِّ، والداعي إليها، الداعي إلى الحقِّ، رسول الحقِّ، خاتم الأنبياء وسيِّد المرسلين، بلَّغنا عن الله ما أوحاه الله إليه، وبيَّن أحسن التبيين، وجُعِلنا به خير أمَّةٍ أُخرجت للناس.
فبقي في هذه الأمَّة من آثار دعوته عليه الصلاة والسلام، ما يعبدون الله به، من صلواتٍ مفروضة، وزكواتٍ مؤدَّاةٍ على كلِّ من وجبت عليه الزكاة -زكاة مالٍ أو زكاة بدن-، وصيامٍ لشهر رمضان، وحجٍّ للبيت للمستطيع، وبرٍّ بالوالدين، وصلةٌ للأرحام، وانتباهٌ من حقوق الجيران. بل أعطاء كلَّ ذي حقٍّ حقَّه؛ من المسلم، ومن الآدمي، ومن الحيوان، ومن النبات، ومن الجماد.
وكان فيما خلَّف فينا ﷺ: الاجتماع على ذكر الله، وعلى الدعاء والتضرُّع، وعقدُ مجالس الذكر ومجالس التعليم والدعوة إلى الله تعالى.
وكان ممَّا دعانا: زيارةُ الأنبياء وقبورهم وآثارهم، وزيارةُ قبور عموم المؤمنين، وصرَّح في حديثه بقوله: "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنَّها تُذكِّركم الآخرة".
ثمَّ يذكُر لنا عليه الصلاة والسلام قدوته لنا في ذلك ويقول: "مررتُ على موسى ليلة أُسري بي وهو قائمٌ يُصلِّي في قبره"، ثمَّ تقول أمُّ المؤمنين: "ما بات عندي رسول الله ليلةً إلَّا وأتى فيها البقيع يزور مقابر المؤمنين"، في كلِّ ليلةٍ يبيت عندها يخرج فيزورهم عليه الصلاة والسلام.
ولو رأى ذلك من لم يعرف حقائق شريعته لقال: هذا فعلُ قبوري -كما يقولون- يبيت كلَّ ليلةٍ عند القبور صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويزور هذه المقابر.
خلَّف فينا هذه السُّنن والآداب والتعاليم والاجتماعات على الذِّكر، وهي التي تتكوَّن منها أعمال زيارة النبي هود، فيما رتَّبه علماء الشرع المصون وورثة الأمين المأمون.
ويجتمعون ليتطهَّروا، وليتنظَّفوا، وليتزكَّوا، ولتتنقَّى بواطنهم، وليتذكَّروا معادهم ومرجعهم ومآلهم، وليراجعوا حساباتهم فيما بينهم وبين هذا الربِّ، في أنفسهم وفي أهليهم وفي أولادهم بعد إنذاره وإخباره وأمره تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا).
ومجالس الزيارة مجالس التوبة لمن يتحقَّق بالتوبة، ولمن عرف عَظَمة المُتاب إليه، وهو العالم المحيط بكلِّ شيء، الذي يُقيم الوزن، الذي يُؤثِّر فيه مثاقيل الذرِّ: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ).
وأعمال الزيارة مِن أوَّلها إلى آخرها: ما بين صلاةٍ، وقراءة قرآن، وذكرٍ للرحمن، من تسبيحٍ وتحميدٍ وتهليل، وإنشاد الشعر في ذكر الله وذكر رسوله، ومدح رسوله ﷺ، وفي التذكير بسيرته وأخلاقه وشمائله، وفي التذكير بالدار الآخرة؛ وهي التي تنطوي عليها القصائد التي تُقرأ في الشِّعب المَصون المبارك، مع توجُّهاتٍ إلى الله وتوسُّلاتٍ إليه بذاته وأسمائه وصفاته وأنبيائه وأوليائه والصالحين من عباده.
في دخول دائرة أهل السُّنَّة والجماعة فيما شرع الحقُّ لهم من التوسُّل، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ).
وفيما عرفوا عن الأنبياء السابقين أنَّ هديهم أن يتَّخذوا الوسيلة إلى الله، ومن الوسائل التي يتَّخذها الأنبياء أن يروا الأقرب فالأقرب ويتقرَّبون ويتوسَّلون به إلى الله.
قال تعالى ردًّا على أهل الانحراف من الذين طهَّر الله منهم أمَّة محمد بِهدي محمد وجهاد النبي محمد ﷺ -طهَّر المصلِّين إلى آخر الزمان أن يكون فيهم هذا الانحراف والاعوجاج بادِّعاء ألوهية أو ربوبية لصنم، أو لنبي، أو لولي، أو لأرض، أو لشمس، أو لقمر، أو لعلم، أو لاكتشاف، أو لأيِّ شيء- لا ألوهية ولا ربوبية إلَّا لله الواحد الحقِّ الحيِّ القيُّوم جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
وكلُّ من سواه مملوكون مصنوعون مخلوقون عبيدٌ له: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) جلَّ جلاله.
قال جلَّ جلاله عن الذين يدَّعون الألوهية لسيدنا عيسى أو يقولون إنَّه ابن الله، أو لعُزير ويقولون إنَّه ابن الله كما تقول اليهود، ويدَّعون الألوهية في أحدٍ من الأنبياء، قال: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ).
قال: هؤلاء الأنبياء الذين تدَّعون الألوهية لهم، هم بأنفسهم كانوا موحِّدين، يعظِّمون الله، ويبتغون الوسيلة إلى الله أيُّهم أقرب، فيتوسَّلون بالأقرب إلى الربِّ.
فكان التوسُّل الصحيح بعيدًا عن الشرك، بعيدًا عن ادِّعاء الألوهية، مسلكَ الأنبياء؛ يبتغون إلى ربِّهم الوسيلة.
وإذا كان في الخلق وسيلة، وإذا كان في برِّ الوالدين وسيلة فتتحوَّل الوالدان إلى وسيلة، وإذا كان في صلة الأرحام وسيلة، وإذا كان في طاعة الطائعين وسيلة؛ فسيِّد الطائعين محمد، وأكرم ذاتٍ شَرُفت على الربِّ نبيُّنا أحمد ﷺ، وأكرم الخلق عليه بعده ﷺ النبيُّون عليهم صلوات الله، بعدهم الصِّدِّيقون من المقرَّبين أربابِ التمكين عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، فهم أحقُّ بأن يُتَّخَذوا وسيلة.
كيف والحقُّ تبارك وتعالى يُجري من شؤون إرادته في إقامة الوسيلة أن لا يرفع الشمس من فوق رؤوس الناس في يوم القيامة إلَّا بالوسيلة! حتى يتوسَّلوا وحتى يتَّخذوا الوسيلة إليه.
ففي الموقف كثيرٌ من عباد الله مؤمنين وكفَّار، ومعهم جهادٌ في المؤمنين ومعهم أعمالٌ وفيهم أولياء، ولكن ما أحدٌ منهم يقول أنا أدعو ربِّي مباشرة.
ويذهب أهل الموقف إلى آدم يطلبون الوسيلة ويتوسَّلون إلى الربِّ جلَّ جلاله، وسيدنا آدم يعتذر ويذهبون إلى نوح، وهو يقول لهم آدم: "اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح". ليس في عقلية آدم وإيمانه: لماذا تذهبون عند الخلق؟ ادعوا ربَّكم مباشرة، ما بينكم وبينه حجاب! (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، ادعوا ربَّكم! بل يقول لهم: "اذهبوا إلى غيري".
ليس في عقليات الأنبياء هذه الصورة الغريبة التي طرأت على الناس وكفَّروا بها عباد الله جلَّ جلاله، وكفَّروا بها المؤمنين الموحِّدين! بل يقول: "اذهبوا إلى غيري".. فهل آدم هذا صوفيٌّ مشرك أو ماذا معه؟! "اذهبوا إلى غيري"، ما قال لهم اذهبوا إلى الله، قال لهم توسَّلوا إلى الله بنوح، "اذهبوا إلى نوح"، فكلُّ واحدٍ من الأنبياء يدلُّ على التوسُّل ويُقيم التوسُّل في أصعب المواقف يوم القيامة.
فإذا جاؤوا إلى نوح اعتذر النبي نوح وقال: "نفسي نفسي"، لكن يقول لهم: "اذهبوا إلى غيري". ليس في عقلية نوح أن يقول: أنا بُعثتُ بالتوحيد ونَهيتُ عن عبادة سُواع ويغوث ويعوق ونسر، واليوم تجيئون من عند واحدٍ لواحد؟ اذهبوا إلى عند ربِّكم.. ما عنده هذا الفكر؛ إيمانه ودينه يقتضي: "اذهبوا إلى إبراهيم"، اذهبوا إلى عند الخليل، توسَّلوا إلى الله بالخليل.. هذا توحيد الأنبياء، هذه عقائد الأنبياء، هذا علم الأنبياء، هذا مسلك الأنبياء؛ يتَّخذون الوسائل صلوات الله وسلامه عليهم.
"اذهبوا إلى إبراهيم"، وإذا جاؤوا إلى الخليل إبراهيم -سيدنا الخليل إبراهيم- يقول لهم أنا قد قاتلتُ عمِّي هذا الذي يُسمَّى أبي على عبادة الأصنام وتباغضت انا وإيَّاه، ولمَّا تبيَّن لي أنَّه عدوٌّ لله تبرَّأتُ منه، وأنتم اليوم تجيئون تشركون بي؟ لا يقول كذا، ما هذا شركٌ ولا هذه عبادةٌ لغير الله؛ هذا توسُّلٌ إلى الله تعالى.. يقول لهم إبراهيم: "نفسي، لكن اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى".
وكلُّ واحدٍ يأمرهم بالذهاب إلى واحد من الأساطين والأراكين الذين لهم شأنٌ عند ربِّ العالمين، وإنَّما أراد الله أن يتنقَّلوا بين هؤلاء ليُظهر فضل الأفضل، وكمال الأكمل، ومقام الأشرف الأعلى محمد.
فيذهبون إلى موسى ويقول: "نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى"، ويأتون إلى عند عيسى فيقول: "نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد"، صاحب الرسالة يقول: "فيأتوني"، وإذا جاؤوا إليه ما يقول لهم: "إذا سألتَ فاسأل الله"! هو الذي قال هذا الكلام وهو أعرف به، ولكن ما ينكر مجيئهم إلى عنده ولا ينكر توسُّلهم به!
بل قال كما في صحيح البخاري: "استغاثوا بآدم"، يقول عن أهل الموقف، سمَّى التوسُّل استغاثة، قال: "استغاثوا بآدم ويُحوِّلهم آدم.. قال: فإذا أتوني وشَكَوا إليَّ ما بهم أقول: أنا لها أنا لها"، يعني أنا الوسيلة الكبرى، أنا الواسطة العظمى، "أنا لها أنا لها، وأسجد لربِّي سجدةً ويُلهمني محامد لا أعلمها اليوم، فيناديني الربُّ: ارفع رأسك وسَل تُعطَ، وقُل يُسمَع لقولك، واشفع تُشفَّع"، هذا مقام محمد عند ربِّه.
يا ربِّ صلِّ عليه، به نتوسَّل إليك أن تكشف الغمَّ عنَّا وعن الأمَّة، ولا تجعل أحدًا من الزائرين إلَّا منوَّرًا بنور الإيمان واليقين، ويَثبُت على ذلك إلى حين الوفاة، ويُتَوفَّى كلُّ منَّا على "لا إله إلا الله" مُتحقِّقًا بحقائقها، آمين يا الله.
وكانت هذه من مقاصد عقد الزيارات هذه؛ أن نتَّصل بأنوار "لا إله إلا الله" وسرِّ "لا إله إلا الله"، ونثبت عليها وتُختَم أعمارنا بها؛ لأنَّ أهلها كلُّ من مات على الإيمان بها وإن لم ينطق بها عند موته لابدَّ من دخوله الجنَّة وإن عُذِّب بشيءٍ من ذنوبه ثمَّ يُنقَل إلى الجنَّة، لكن من قالها ونطق بها عند الموت دُفِع العذاب كلِّيَّةً عنه، ودخل الجنَّة مع السابقين.
وقال لنبيِّنا: "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنَّة"، أي مع السابقين من غير عذابٍ ومن غير تعرُّضٍ لدخول النار، فالله يختم أعمارنا بـ "لا إله إلا الله" ويجعل آخر كلامنا من الدنيا "لا إله إلا الله"، اللهمَّ حقِّقنا بحقائقها واجعلنا من خواصِّ أهلها.
وهي تُنزِّه باطن المؤمن عن قصد غير الله، وعن الاعتماد على غير الله، وعن تقديم هواه على أمر الله، وعن الإضرار بأحدٍ من خلق الله جلَّ جلاله؛ لأنَّ الشرع المصون الذي بعث به الأمينَ المأمون فيه هذه التعاليم، كان من ركائزه التي قام عليها: احذر أن تَضُرَّ ولو حيوانًا فضلًا عن إنسان.
ولو صدر منك إضرارٌ وإساءةٌ لحيوانٍ بغير حقٍّ فلابدَّ أن تُجمَع بينك وبينه في القيامة، تُجمَع معه في القيامة ثمَّ يُطالَب بحقِّه؛ إن رفستَه، وإن ضربتَه، وإن طعنتَه، وإن آذيتَه بغير حقّ، أو جوَّعتَه، إن كنتَ ملكتَ شيئًا من الحيوانات وجوَّعتَها ولم تُطعمها تُطالَب بحقِّها، ويُبطَح لك بساطٌ من النار -والعياذ بالله-، وحجارةٌ تُوضَع عليها وينطحك ويرمحك بمقدار ما آذيتَه في الدنيا، (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ).
بل قال ﷺ في أبعد من ذلك وأعظم من ذلك، إنَّه في موقف القيامة يتجلَّى عدل الله، قال: "فيُقاد للشاة الجمّاء من الشاة القرناء", الشاة التي كانت لها قرونٌ في الدنيا وأخرى جمّاء ما فيها قرون، ويعِشن في درعٍ واحد أو يمشين مشيًا واحدًا وهذه تنطحها، وإذا جاءت عند الأكل والأكل قليل رفستها بقرنها وتلك ما معها قرنٌ مسكينة، فما يترك الله هذا؛ حيوانٌ مع حيوانٍ غير مكلَّفين وهو يُعطي لكلِّ واحدٍ حقَّه، فكيف بالمكلَّف العاقل! السميع البصير يظنُّ أنَّه سيظلم حد وتمشي المسألة؟ الإضرار ممنوعٌ في شرع الله، وكان من ركائز الدين: "لا ضَرر ولا ضِرار".
وكان يقول أهل الحكمة فيهم، يقول: "إلَّا اثنتين فلا تقرَبهما أبدًا: الشرك بالله والإضرار بالناس"، الشرك بالله والإضرار بالناس. وهكذا، إذا تمسَّكتَ بحقيقة "لا إله إلا الله" بل تطهِّرك تطهيرًا تامًّا.
فيُقاد للشاة الجمَّاء من الشاة القرناء، ويُقال: انطحيها، تُبدَّل القرون هذه إلى رأس هذه، يقال: "انطحيها بقدر ما نطحتك في الدنيا"، ثمَّ يقول للحيوانات: "كوني ترابًا". والكفَّار والظالمون يشاهدون يقولون: يا ليت أنا كنتُ حيوان، لأنَّ أمامه نارٌ لا: "كوني تراب"، ويقول الكافر يا ليتني.. (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا)، فما يُحصِّل هذا!
أيُّها المجتمعون في هذا المجمع، مجامعٌ من دعوة محمد عُقِدت لكم لتتذكَّروا، ولتتبصَّروا، ولتتنوَّروا، ولتتطهَّروا، ولتخرجوا من هذه المجامع بفوائد الإنابة والخشية والذكرى، وتقويم الحساب وإعادة ترتيبه لملاقاة ربِّ الأرباب جلَّ جلاله، الذي له كتاب (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
وبهذا لمَّا تكلَّم بعضهم أمام سيدنا عمر بن عبد العزيز عليه رضوان الله، وقال له: تستفزُّني بحُكم الإمارة؟ وإذا الآن أغلظ عليك من شأن تنتقِم مني في القيامة؟ لا لا.. ما استَفَزُّه وأحسن إليه، قال له: اليوم أنت تستفزُّني من شأن أنا بسطوة الملك أتصرَّف فيك وبعد ذلك تقع عليَّ الحجَّة في القيامة، تأخذ حقَّك منِّي في يوم الحكم الشديد.. مؤمن ما رضي لنفسه بهذه الخيبة ولا بهذا الخسران، وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا - (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) والعياذ بالله.
(إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا * جَنَّاتُ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) جلَّ جلاله، (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ) جلَّ جلاله.
بهذه المبادئ العظيمة التي يُذكَّرون بها في هذه المواطن، ويذكرون النماذج التي مشت على الاستقامة مِن الأكابر ومن الأطاهر، مثل الذي بنى هذه القبَّة الحبيب أبي بكر بن محمد بلفقيه عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
وجاء من بعده أئمَّةٌ كبار، من جملتهم من أسرتهمثل علَّامة الدنيا عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه، ومثل الإمام العلَّامة الفقيه العارف بالله عبد الله بن حسين بلفقيه، وغيرهم كثيرٌ من الأسرة ومن غير الأسرة، وممَّن اتَّصلوا بهم من أرباب العلم وأرباب السِّيَر وأرباب التقوى، الذين هم كنز الوادي الميمون.
كنز الوادي الميمون أئمَّة أهل تقى وأهل خشية وأهل إنابة، لا يكاد قبيلةٌ من قبائل الوادي إلَّا ومرَّ فيهم مَن أشرق نور اليقين في قلبه وكان على قدم قويم في حاله، حتى من عوامِّ الناس من مختلف القبائل عندنا، وجوهٌ تعنو للحقِّ وتسجد في كلِّ ليلة، بعضهم من صغره إلى ليلة وفاته ما ترك قيام الليل وهو عامِّي يُعَدُّ من العوام، ولهم ورع وتجنُّبٌ للمنكرات وتجنُّبٌ للشُّبهات فضلًا عن المحرَّمات.
هم هؤلاء كنز الوادي الميمون وهم سرُّه، ليس النفط ولا هذا.. هذه وسائلُ إن أُخِذت بعهدها مع الله تعالى وأُخِذت ووُزِّعت في مصالح الناس كما يُحبُّ الله كانت منفعةً من المنافع أو سلاح: إذا استُعمِل في الطاعة رفع أصحابه، وإذا استُعمِل في المعصية هبط بأصحابه وهوى بهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
ولكنَّ الكنوز الحقيقية: قلوبٌ امتلأت بالتقوى وامتلأت بالعلم والمعرفة، هي فخركم وهي حقائق مجدكم في تاريخكم، ومجد المسلمين والإسلام عليهم رضوان الله تعالى.
يقول الإمام عبد الله بن حسين بلفقيه:
وفاتني من خيار الناس كم رجلٍ ** ما فارق الذِّكرَ طول العمر والكُتُبا
عبادةٌ وعلم.. ما فارق الذِّكرَ طول العمر والكُتُبا
بكَّاءُ ليلتِه سجَّادُ خلوتِه ** من خوف مالكه يستعذب التَّعَبا
له اشتغالٌ بحفظ السرِّ عن دَخَلٍ ** ليثُ النزال إذا ما عارك الرُّقَبا
تلقاه في الجود كالطائيِّ وأحنفُهم ** في الحلم قد فاق قُسًّا حيثما خطبا
عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
فإن كان لكم تشوُّفٌ إلى حقيقة المجد فهذا حقيقة المجد، وإذا انتبهتم من حقيقة المجد فثرواتكم الحسِّيَّة ستُصرَف في مصرفها الصحيح، وستعود بالمنافع عليكم وستأتي لكم بالخير في الدنيا قبل الآخرة؛
نرجع إلى حقيقة المجد هذا الشريف فتتبعه هذه الثروات، ولا يتسلَّط عليها بعيدٌ ولا مجرمٌ ولا ظالم.
وإذا اتَّقينا الله سبحانه وتعالى وقمنا بأمره في أنفسنا وفي أُسَرنا وفي أهلينا، ورفضنا ما يخالف شرعه المصون ودين الأمين المأمون ﷺ.
فالحمد لله الذي جمعكم، والله ينفعكم والله يرفعكم، والله يعمُّ بالخير الزائرين وبقيَّة الأمَّة.
إنَّما نتوجَّه إلى ربِّ الجميع وإله الجميع، ومن حضر نائب عن من بقي من المسلمين في شرق الأرض وغربها، بل بحمد الله في المظهر الحسِّيِّ عندكم ما تكاد قارَّةٌ من القارَّات السبع في الأرض إلَّا وموجودٌ أحدٌ منها هنا في المجمع هذا، وكلُّنا نتوجَّه إلى ربِّ الأرض والسماء.
الله يرحم المسلمين، ويُغيث المسلمين، ويفرِّج على المسلمين، ويُمتِعنا بالصلحاء والأخيار فينا، ويجنِّبنا شرور الفساد والضُّر والمعاداة والمباغضة على فَتات الدنيا، وهي حرفة إبليس ومهمَّته التي يُقيم مشاريعه عليها.
قال ﷺ: "إنَّ الشيطان قد أَيِسَ أن يعبده المصلُّون في جزيرة العرب"، ما أحد مُصلٍّ يُشرك بالله ولا يعتقد مع الله إلهًا آخر، تريدون إلى هذه الموارد وغيركم في الشام أو في مصر أو في المغرب أو في العراق أو في غيرها، يزورون الأنبياء ويزورون الأولياء؛ لا أحدٌ منهم يسجد لغير الله، ولا أحدٌ منهم يعتقد أنَّ الوليَّ إلهٌ مع الله تعالى، ولا أحدٌ منهم يعتقد أنَّه ربٌّ مع الله سبحانه وتعالى، وكلُّهم عقيدتهم "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، عقيدتهم: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
"إنَّ الشيطان قد أَيِسَ أن يعبده المصلُّون في جزيرة العرب" - قال صاحب الرسالة - " فإن يطمع في شيء ففي التحريش بينهم" هذا شغله! يُحرِّش بينهم؛ ساعةً بالعصَبية، وساعةً بالحزبية، وساعةً بالسياسة، وساعةً بالقَبَلية، وبأيِّ صورةٍ القصد يُحرِّش بينهم يضرب بعضهم ببعض، هذا شغل إبليس!
شغل الأنبياء: يجمعون القلوب ويُؤلِّفون بين الناس، ويقولون: لا عدوان إلَّا على الظالمين، من لم يظلم لا نعادي أحدًا، بل يدعون كلَّ أحد.
وكان نبيُّنا صاحب الرسالة إذا طُلِب منه الدعاء على قومٍ -وهم كفَّار- عَدَل من الدعاء عليهم إلى الدعاء لهم.
حتى لمَّا شكَوا إليه بعض الصحابة شراسة قبيلة "دَوس" قابلوهم وآذوا الصحابة وقاتلوهم، قالوا: ادعُ عليهم يا رسول الله. رفع يديه قال: "اللهمَّ اهدِ دَوسًا وأْتِ بهم مسلمين"، قال: فما مرَّ ثلاثة أيَّامٍ إلَّا ووَفَد وافدُهم بالإسلام على رسول الله وجاؤوا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
يقول له أبو هريرة يا رسول الله أمِّي أتعبتنا، أدعوها إلى الإسلام وتُسمعني ما أكره -تسبُّ ديني وتسبُّك وتسبُّ رفع يديه وقال: "اللهمَّ اهدِ أمَّ أبي هريرة". قال رجعتُ تلك الليلة للبيت وجدت وجهها ثاني، وقالت لي: إلى ماذا يدعو محمد؟ يدعو إلى شهادة الله قالت: أنا أُسلِم، وأسلمت من ليلتها". صلى الله على زين الوجود.
وكان يقول: "اللهمَّ اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون"، لأنَّه لو علموا الحقيقة لن يرضون لأنفسهم بهذه النار، أين أودى بنفسه أبو جهل؟ أين أودى بنفسه عقبة بن أبي مُعَيط؟ أين أودوا بنفوسهم الذين قاتلوا المصطفى ﷺ؟ هَوَوا بأنفسهم إلى عذابٍ أليم.
وقف على القَليب في بدر لمَّا وَضَعوا فيه جثث أكثر السبعين من هؤلاء الذين قُتِلوا من زعماء المشركين في يوم بدر- وقف عليهم قال: "يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعد ربُّكم حقًّا؟ فقد وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًّا"!
قال سيدنا عمر: يا رسول الله ما تكلِّم من أجسادٍ لا أرواح فيها، إنَّهم قومٌ جيفوا؟-صاروا جِيَفًا- قال: "لستم بأسمعَ لما أقول منهم، غير أنَّهم لا يُؤذَن لهم في الجواب"، لا يستطيعون يجاوبون عليَّ، لا يظهر جوابهم على حسب السُّنَّة الإلهية إلَّا في نوادر نوادر الخوارق للعادات.
وهكذا شأن الدعوة النبوية المحمدية، حَمَل سرَّها هؤلاء الذين أسَّسوا لنا هذه المجالس وهذه الزيارات، والله يُبقي لنا خيرها وبركتها، ويعمُّنا والمسلمين برحمةٍ سابغةٍ هَنيَّة.
ويأخذ بيد كلِّ من أراد الصلاح من الولاة ومن قلَّدهم الله الأمر ومن الرعيَّة، كلُّ من أراد الخير للناس والصلاح والعدل والبرَّ والقسط الله يوفِّقهم ويأخذ بأيديهم، ويُلهمهم رشدهم ويتولَّاهم، ومن أراد المسلمين بسوءٍ وضُرٍّ وبلاءٍ دفع الله شرَّهم عن المؤمنين، دفع الله ضُرَّهم عن أهل الدين، أصلح الله أمور المسلمين، صرف الله شرَّ المؤذين، إنَّه أكرم الأكرمين.
الله يتولَّانا ويرعانا ويرزقنا التواصي بالحقِّ والصبر، ونخرج من المجالس هذه والزيارات بنورها وبركتها الذي نستقيم به على المنهاج بلا اعوجاجٍ إلى أن نلقى الربَّ، ونموت على "لا إله إلا الله"، وتكون قبورنا رياضًا من رياض الجنَّة، وإذا جاء الحشر مع محمد إن شاء الله والمقرَّبين.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
اجعلنا معه يا ربِّ، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربَّنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا، إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير.
اللهمَّ اجزِ عنَّا النبيَّ هودًا خير الجزاء وقد قصصتَ علينا قصَّته وذكرتَ فيها العِبَر، فاجعلنا ممَّن يذَّكَّر ويعتبر.
اللهمَّ املأنا بأنوار الإقبال عليك في مجامعنا هذه، وأقبِل يا ربِّ بوجهك الكريم علينا، وامتِعنا بصُلحائنا وأهل الخير فينا، وانشر المحبَّة وانشر الأُلفة وانشر الأُخوَّة بيننا، إنَّك قلتَ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ).
اللهمَّ ألِّف ذات بيننا وألِّف ذات بين المسلمين، وانشر المحبَّة بينهم ورُدَّ عنهم تحريش إبليس وجند إبليس، واجعلنا يا مولانا من السالمين من الخداع والتلبيس، والقائمين على التقوى بخير تأسيس، حتى نلتقي مع أهل المقام الرفيع الأنيس، وأنت عنَّا راضٍ وقد أَيِس منَّا إبليس.
يا حيُّ يا قيُّوم احفظنا واحرسنا وسدِّدنا، وأمتِعنا بعلمائنا وصُلحائنا وبارك في أحبابنا القائمين على هذه الزيارات والحُداة والقائمين بالخدمات، وكلُّهم متشاركون متعاونون على خدمة الشريعة والدين والحقِّ والهدي النبوي.
وكم من إنسانٍ من ملوك الأرض وغيرهم سيتمنَّى يوم القيامة أنَّه قدَّم خدمةً في مثل المجمع هذا، سيتمنَّى يوم القيامة أنَّه حمل مكنسةً ونظَّف مكانًا من هذه الأماكن، ولكن كلٌّ سيحصِّل جزاء ما عمل: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).
يا من وفَّق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وفِّقنا إلى الخير وأعنَّا عليه، والحمد لله ربِّ العالمين.
17 شَعبان 1447