(9)
(616)
(394)
(4)
مذاكرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مجلس الذكر والتذكير في زيارة الإمام أحمد بن زين الحبشي لشعب النبي هود عليه السلام، ضحى الثلاثاء 8 شعبان 1447هـ
تضمنت المحاضرة:
الحمد لله على الدواعي العُلويَّة، والتجلِّيات الرحمانيَّة، والفيوضات الربَّانيَّة، والاتِّصالات المحمديَّة الأحمديَّة الهوديَّة العلويَّة، بمظاهر الفضل من الرحمن الذي عمَّ فضلُه سبحانه وتعالى الأكوان.
وخصَّ الأمَّة بخصوصيَّاتٍ رجَح لهم بها الميزان، بواسطة سيِّد الأكوان، مَن علَّمنا هذه المسالك، ومن قادنا إلى هذه الطُّرق القويمة من محبَّة أنبياء الله، وتعظيم أنبياء الله، والحرص على زيارة آثارهم وزيارة قبورهم، المُتفرِّع عن التعزير، أي التعظيم لهم، ووعدنا بلسان الصِّدق فيما أوحى إليه الخالق جلَّ جلاله: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ).
(آمَنتُم بِرُسُلِي): صدَّقتم أنَّني اخترتُهم وانتخبتُهم واصطفيتُهم ونبَّأتُهم وأرسلتُهم من حضرتي الربَّانيَّة إليكم؛ لتتَّصلوا ولتواصلوا.
(آمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ): أعطيتموهم ما يستحقُّون من التعظيم، وأنَّى لنا بما يستحقُّون؟ لكن اكتفى الحقُّ منَّا بما نقدر عليه، وبما يدخل تحت دوائر استطاعتنا في تعظيم أنبيائه، فكيف بحقِّه سبحانه وتعالى الذي لا يقدر أن يقوم به أحد؟ ولكن اكتفى من خلقه بما قدروا وما استطاعوا: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
قال الإمام الحدَّاد عليه رضوان الله تعالى: وهذه الآية مبيِّنة للمراد بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)، قال: ومَن يقدر أن يقوم بتقوى الله حقَّ تقاته؟ قال: فخفَّف الأمرَ وبيَّن أنَّ المراد: (مَا اسْتَطَعْتُمْ)، (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، ورجَّح هذا القول على قول مَن قال أنَّها ناسخة للآية السابقة، قال: بل مبيِّنة للمراد منها؛ فضلًا من الله من البداية ما كلَّفنا إلَّا بما نستطيع، لقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا).
فصارت متاجرةً ومرابحةً مع الإله الأعظم، دُعينا إليها على أيدي الأنبياء لنربح، في سرِّ ما خلقنا وأوجدنا؛ إنَّ الله خلق الخلق ليربحوا عليه، لا ليربح عليهم جلَّ جلاله، فهو الغنيُّ عن كلِّ شيء، وهو المفتقَر إليه كلُّ شيء، ولكن هذه الأرباح التي تأتي لمن آمن، ولمن أجاب النداء الذي حمله له المرسلون، وشُرِّفتم بحمل النداء على لسان سيِّد المرسلين وخاتم النبيِّين، وسمعتم نداء الرحمن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ).
الحياة التي تتميَّزون بها عن حياة مَن كفر، عن حياة مَن أعرض، عن حياة مَن خالف، عن حياة مَن فَسق؛ حياةٌ يشاركك فيها الملحد واليهوديُّ والنصرانيُّ، هذه ليست حياة! هذه حياة تعدُّها حياة؟ حياة يشاركك فيها البعيد الفاسق! هذه حياة؟ الحياة: التي لا يحيا بها إلَّا مَن كُتب لهم مرافقة سيِّد المرسلين، إلَّا مَن كُتب لهم مرافقة النبيِّين والصِّدِّيقين، إلَّا مَن كُتب لهم الاستظلال بظلِّ لواء الحمد يوم يحمله نبيُّكم محمد صلى الله عليه وعلى آله؛ هذه هي الحياة، ليست كلُّ حياة.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ)، (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ)؛ عملٌ سيِّئٌ خبيث لكن زُيِّن له، ويسمِّيه حضارة، ويسمِّيه تقدُّم، ويسمِّيه تطوُّر، ويسمِّيه ما يسمِّيه.. (زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ)، (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ). والعياذ بالله: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ).
فيا مَن تعرَّضتم للأرباح بالإيمان، وفوق هذا الإيمان امتدَّت لكم حبال المعرفة بحقائق النداء الإلهيِّ والخطاب الربَّانيِّ، كما عرفه الأوائل الأكابر من الصحابة الكرام وآل بيت المصطفى الذين كانوا في عصره، رؤوسهم أهل الكساء عليهم رضوان الله، وعَوا خطاب الله ببلاغ محمد بن عبد الله أتمَّ الوعي وأبلغه.
ومفاهيمهم لهذا الوحي والخطاب وللكتاب وللسُّنَّة هي التي تسلسلت في هؤلاء الأكابر، هي التي تسلسلت في هؤلاء الأفاضل، هي التي وصلت إلى أحمد بن زين -قرَّة العين- على يد "حدَّاد القلوب"، ووصلت إلى يد "حدَّاد القلوب" على يد محمد بن علوي السقَّاف، وعمر بن عبد الرحمن العطَّاس، ومَن اتَّصل بهم وأخذ عنهم، وصلت إلى أيديهم على أيدي مشايخهم الكرام الكبار العظام، كالحسين بن الشيخ أبي بكر بن سالم، وكالإمام عبد الله بن علي صاحب الوهط الذي أخذ عنه الحبيب محمد بن علوي، وهكذا تلقَّوها عن شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن ومَن في طبقته من الأكابر، واطلع؛ إلى عبد الرحمن بن علي، والشيخ علي وأخوه عبد الله العيدروس، إلى عمر المحضار، وعبد الرحمن السقَّاف.. واطلع.
مفاهيم كتابٍ وسُنَّةٍ ما شابها شائب، ولا دخلتها أهواء، ولا لعبت بها ألاعيب السياسة ولا الخساسة.
فهم القوم الذين هُدوا ** وبفضل الله قد سعدوا
ولغير الله ما قصدوا ** ومع القرآن في قَرَنِ
تكاد تجد وترى نور القرآن على جباههم، على عيونهم، على كلامهم إن تكلَّموا، على آثارهم، بل تكاد ثيابهم تنطق بنور القرآن، وتنطق بسرِّ القرآن عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، "ومع القرآن في قَرَن".
والذي أُنزل عليه القرآن يُخبر، يقول: لن يتفرَّقا، كتاب الله وعترتي، لن يتفرَّقا، صدق الصادق، صدق خير الخلائق، صدق حبيب الخالق، "لن يتفرَّقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض". فإن تُرِد موردًا على الحوض؛ أمسِك بالطريق والحقْ الفريق، وهم مع القرآن.
وإن جئتَ إلى فِكرِ مَن قالوا "تفرَّقوا" فقد كذَّبتَ مَن أُنزل عليه القرآن! لا والله ما تفرَّقوا، "لن يتفرَّقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض"، فإن حِدتَ عنهم فلا حوض لك، ابحث عن حوض غير حوض جدهم، اذهب وانظر لك أحدًا معه حوضٌ ثانٍ! ما من أحدٍ معه الحوض إلَّا الأنبياء صلوات الله عليهم، يقفون على أحواضهم ويَرِد عليه مَن اتَّبعهم.
وأنت إن كان شيخك الذي علَّمك المفاهيم الخاطئة في الكتاب والسُّنَّة عنده حوض؛ اذهب إلى عنده! أمَّا حوض محمد؛ حرام على مَن عادى ذرِّيَّته، حرام على مَن عادى ورثته، حرام على مَن خرج عن سُنَّته، حرام على مَن اعتدى على حُرمة أصفيائه وورثته عليه الصلاة والسلام، وربُّه يقول فيما أخبر هو عنه: "مَن عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب"، والعياذ بالله تعالى.
الأرباح توفَّرت لكم، وجئتم إلى المواطن الكريمة المباركة، يكفي تحت هذه الحصاة عرفت وجوههم كلَّهم، أحمد بن زين وشيوخه، والذين جاءوا بعده والذين جاءوا قبلهم، حتى وجه النبيِّ هود تعرفه هذه الحصاة، وكم وكم.. وكلُّهم قرأوا تحت هذا المكان، وطلبوا تحت هذا المكان، وخضعوا في هذا المكان، وخشعوا في هذا المكان، وتجلَّى الرحمن عليهم في هذا المكان، وجئتم على الآثار، وحاشا الكريم الغفَّار أن يحرم كلَّ مَن أقبل منكم، وكلَّ مَن توجَّه منكم، وكلَّ مَن له صدقٌ منكم مع الله تبارك وتعالى.
والله ما أُقيمت هذه الحضرات وهذه الزيارات عبث ولا هُزُو ولا لَعِب، ولا لجاه ولا لمالٍ، ولا لشيءٍ من هذه الدنيا؛ فقد عرفوا من معرفتهم بربِّهم أنَّ الدنيا من طرفها إلى طرفها، من أوَّل ما خُلقت من قبل آدم إلى أن تقوم الساعة؛ ما تساوي عند ربِّهم جناح بعوضة، فهي في ذوقهم ما تساوي جناح بعوضة، وهي في إدراكهم ما تساوي جناح بعوضة، ولكنَّهم قومٌ أرادوا أداء الأمانة التي حملوها عن المصطفى، فأقاموا لنا هذه الخيرات، وأقاموا لنا هذه الزيارات، والتي خيراتها ممتدَّة وباقية بفضل الله تبارك وتعالى ما دام القرآن موجود، ما دامت آيات الله تُتلى، حتى يأذن الله تعالى برفع القرآن والعياذ بالله بعد سيِّدنا عيسى بن مريم، ولا يبقى في الأمَّة بعد ذلك خير، نعوذ بالله من غضب الله.
وما دامت هذه الخيرات موجودة، ودُعيتم للأرباح، والأرباح في هذه المواطن كبيرة وثمينة وغالية، تَرجمَت عنها ألسن الأكابر فيما تسمعون من قصائدهم، وما تسمعون من كلامهم.
والقصد أن تتَّصل قلوبكم بالقلوب، وأرواحكم بالأرواح، وأسراركم بالأسرار؛ لأنَّه الأسلوب الوحيد والباب الوحيد الذي جعله الله لإفاضة إمداداته ولإفاضة خيراته.
لا والله، لو ما استقبلت قلوب الصحابة قلب زين الوجود ﷺ ما انتقلوا من الشِّرك، ولا خرجوا من الكفر، ولا بعُدوا من ظُلم الجاهليَّة، ولكن استقبلت قلوبهم قلبه؛ فطابت قلوبهم، وصفَت قلوبهم، تنوَّرت قلوبهم، واستقبلت أرواحهم روحه؛ ففاضت عليهم من أسرار المحبَّة ما حيَّر الألباب.
ينظر إليهم الكافر وهو كافر في ساعةٍ من النهار فيرجع إلى قومه يقول: وفدتُ على كسرى في ملكه، وعلى قيصر في ملكه، وعلى النجاشيِّ في ملكه، فلا والله ما رأيت أحدًا يُعظِّم أحدًا كما يعظِّم أصحابُ محمدٍ محمدًا، ولا رأيت أحدًا يحبُّ أحدًا كما يحبُّ أصحابُ محمدٍ محمدًا ﷺ.
امتلأت قلوبهم بالمحبَّة، ولقد كان يقول سيِّدنا أبو بكر الصِّدِّيق كما روى البخاريُّ في صحيحه: "لَقرابةُ رسول الله أحبُّ إليَّ أن أصِلَ من قرابتي"، وهذا مسلك الصحابة ومسلك أهل السُّنَّة جيلًا بعد جيل؛ لقرابة رسول الله أحبُّ إليَّ أن أصِل من قرابتي.
قال في كلامه الآخر: "والله لقد كان إسلام أبي طالبٍ أحبَّ إليَّ من إسلام أبي قُحافة" ، مَن أبو قُحافة؟ أبوه، والد سيِّدنا أبي بكر الصِّدِّيق، فرح بإسلام أبيه، أسلم عام الفتح، وهنَّأه النبيُّ بإسلام أبيه، ولكن قال: "إسلام أبي طالب كان أحبَّ إليَّ من إسلام أبي" ، أنا فرحان بإسلام أبي وإنقاذه، لكن إسلام أبي طالب أحبُّ إليَّ. قالوا له: كيف وهو أبوك وذاك إسلامه أحب؟ قال: لأنَّه أحبُّ إلى قلب النبيِّ فهو أحبُّ إلي، ما قطعته أبوَّة، ولا عصبيَّة، ولا مظهر ولا شيء، ما يعرف إلَّا الله ورسوله.
" ما تركتَ لأهلك وولدك؟" قال: "تركتُ لهم الله ورسوله"، جاء بماله كلِّه في غزوة العُسرة، في غزوة تبوك جهَّز جيش العُسرة، قال له: يا أبا بكر ما تركتَ لأهلك وولدك؟ قال: "تركتُ لهم الله ورسوله"، وفسِّروا كلامه، إن أحد من "المُتشطِّحين" الذين خانتهم الأمانة في فهم نصوص الكتاب والسُّنَّة، يقول: أبو بكر مشرك هذا! كيف تركت لهم الله ورسوله؟ والنبيُّ سيجلس عند أهلك وعند عيالك يأكِّلهم؟ وأنت ستخرج أنت وإيَّاه في الغزوة، كيف تركتَ لهم؟ ولماذا تضع الرسول عند الله كذا، كيف تركتَ لهم الله ورسوله؟! لكنَّها مدرسة محمد، وتعاليم النبيِّ محمد، هي التي مضى عليها رجالنا وأئمَّتنا في فهمهم لمعاني الخطاب الإلهيِّ والنبويِّ، ومعاني الكتاب والسُّنَّة عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
"عن الكتاب والسُّنَّة الغرَّاء ما حادوا"، كما قال سيِّدنا الإمام الحدَّاد شيخ صاحب المقام سيِّدنا أحمد بن زين عليهم رحمة الله ورضوانه، وأعاد الله علينا عوائد الاتِّصال بهم في ولاءٍ لله خالصٍ مقبول، نرتقي بأعلى مراتب أهل المودَّة في الله والمحبَّة في الله تحت ظلِّ عرشه، وتحت لواء الحمد، وعلى الحوض إن شاء الله، الله يُرينا وجوههم في تلك المواطن، وإلى دار الكرامة ومستقرِّ الرحمة، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
"فالمرء يُحشر" في حديث المصطفى "مع مَن أحبَّ"
جئتم للأرباح، والله يُروِّح لكم الأرواح، ويفتح عليكم الفتَّاح، وترجعون إلى بيوتٍ زاد نورها بقلوبٍ زاد نورها، وترجعون إلى أُسَرٍ زاد خيرها واتِّصالها بهذا المسلك.
يا أحبابنا ما عندنا حاجة لنقتدي بفاجر، ولا بكافر، ولا بنصرانيٍّ، ولا بيهوديٍّ، ولا بملحد! لا رجالنا ولا نساؤنا.. ما الذي طرأ علينا؟ في معهد القوم الكرام، سُنَنٌ نبويَّة وآثارٌ مأخوذة من الكتاب، ومسالك للأحباب؛ نتركها ونقتدي بيهوديَّة؟ بنصرانيَّة؟ بفاسقة؟ بمجرمةٍ تقتدي بها بنتك وسط الدار؟ تسري أفكارها لبناتك من خلال الجوَّال ومن خلال هذه المشاهدات، وأنت في غفلةٍ! ما تعرف بيتك؟ ومن مضى في بيوت الوادي الميمون من سِيَرٍ، من مكارم، من أخلاق.
وقد درج الأسلاف من قبل هؤلاء ** وهمَّتهم نيل المكارم والفضلِ
لقد رفضوا الدنيا الغرور وما سعوا ** لها والذي يأتي يُبادَر بالبذلِ
فقيرهمُ حرٌّ وذو المال منفق..
مَن الذي سيحرِّركم هذا؟ مَن الذي سيُحَضِّركم هذا؟ مَن الذي سيُقدِّمكم هذا! كتاب الله وسُنَّة رسوله وألسِنَة الحُداة!
فقيرهم حرٌّ وذو المال منفقٌ ** رجاء ثواب الله في صالح السُّبلِ
لباسهم التقوى؛ وهذا اللباس أحدٌ يحيكه في شيءٍ من المصانع هذه! التي حبَّبت إلى بعض شبابنا وشابَّاتنا التهتُّك والتعرِّي وإظهار العورات، ما هذه اللباسات التي يجلبونها لكم؟ وهي غالية، بثمنٍ غالٍ! يقول لك اشترِ النار، وبفلوسك وناموسك، بِع ناموسك مع فلوسك واشترِ بها نارًا، واشترِ بها تشبُّهًا بالكفَّار والفجَّار.
قال لك: "موضة"! موضة مَن الذي "مَوَّضها" لك؟ ومَن الذي "ضوَّاها" لك؟ ومَن الذي جاء بها لك؟ أما عندك من موضات محمد؟ أما عند بنتك موضة من موضات فاطمة بنت سيد الوجود، سيِّدة نساء أهل الجنَّة، بَضعة المصطفى، يُرضيه ما يُرضيها ويُغضبه ما يُغضبها؟ ما تعجبك هذه الموضات؟ أردتَ موضة فاجر؟ أردتَ موضة كافر؟ أردتَ موضة ساقطٍ من عين الله؟ ما سجد لله سجدةً طول عمره، مأواه جهنَّم والعياذ بالله تبارك وتعالى!
ولماذا ضحك علينا بهذه الأشياء؛ ما لنا أصل؟ ما لنا مبدأ؟ ما لنا منهاج؟ ما لنا سند؟ والله كلُّه عندنا، أقوى الأسانيد عندنا، أعظم المناهج عندنا، أصفى المراجع عندنا، تنزيلٌ من الرحمن وبلاغٌ من سيِّد الأكوان، حملته قلوبٌ طُهِّرت عن الأدران وجاءوا بها لنا صافية.
قال سيِّدنا أحمد بن زين لشيخه الإمام الحدَّاد: ما طريقة آل باعلوي؟ قال خمس: "العلم، والعمل، والإخلاص، والورع، والخوف من الله عزَّ وجلَّ"، هل شيء أصفى من هذا؟ ذكرتُها مرَّةً للشيخ سعيد البوطي عليه رحمة الله في الشام، قال: هذا روح الإسلام، لُبُّ الإسلام كله، أخذتم لُبَّ الإسلام وروح الإسلام، قلنا له عندنا طريقة قائمة على هذه الخمس، قال: روح الإسلام، أخذتم لُبَّ الدِّين كلِّه.." العلم، والعمل، والإخلاص، والورع، والخوف من الله عزَّ وجلَّ".
نصيبك من هذه الخمس، ونصيب زوجتك، ونصيب بنتك، ونصيب أختك، أنت ما تعرف نصيبها من هذه؟ تعرف فقط شيء من هذه اللباسات والأطعمة والأشربة! هذه القِسَم والمواريث الغالية، خُذ نصيبك منها وتشرَّف بها من أجل أن تجيء تحت لواء الحمد، يحمله الحبيب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
والأنبياء كلُّهم يجيئون، سيِّدنا النبيُّ هود ستحصِّلونه، مَن ورد منكم إلى تحت اللواء سيحصِّل النبيَّ هود، وسيحصِّل النبيَّ صالح، وسيحصِّل النبيَّ نوح من قبلهم، وسيحصِّل مَن جاء من بعدهم.
(وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا).
كلُّ مَن خالف الرُّسل أهلكه الله، أمَّةً بعد أمَّة وطائفةً بعد طائفة، وتظنُّون أهل زمانكم لهم سُنَّة ثانية؟ لا لا، (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)، وهكذا هو الحال.
(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ) الحُكم الكبير مُقبلٌ على الكلِّ، (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ).
خطاب الله لأهل كلِّ زمان، قال: أمثالكم قد عدُّوا قبلكم، أنتم لستم أولاد آدم الأوَّلين، ألوف قد مضوا قبلكم ومثلكم قد جاء، في العناد، في التكبُّر، في الفخر، في الاعتزاز بالقوَّة المادِّيَّة، كلُّكم قد جاءوا قبلكم، مَن انتهج منكم أيَّ نهج.
(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ).
الله يجمعنا معهم، قال سيِّدنا الإمام الحدَّاد:
في مقعد الصِّدق الذي قد أشرقت ** أنوارهُ بالعَنْد يا لك من سنا
والمتَّقونَ رجاله وحضوره ** يا ربِّ ألحِقنا بهم يا ربنا
الله يُلحقنا بهم، وعلامة أنَّه يُلحقك بهم: تعلُّق قلبك بمسالكهم، بعلومهم، بمعارفهم، بكتبهم، بأخلاقهم؛ لا تستبدلوا بها ساقطين ولا بطَّالين ولا بعيدين، فالشرف لكم في الدنيا والآخرة بهذه المسالك، وبهؤلاء الأكابر عليهم رضوان الله.
الله يُبارك في جَمعنا، ويُطيل عمر حبيبنا أحمد بن سالم في خيرٍ وعافيةٍ وسرورٍ وأُنسٍ وحُبور، ويمتعنا ببقيَّة مناصبنا وعلمائنا وصلحائنا وأهل السرِّ فينا، مَن أظهرهم الله وما أقلَّهم، ومَن سترهم بيننا، الله يُمتِّعنا بهم متعةً تامَّة، ويرحم المتقدِّمين.
ذُكِّرتُم بالحبيب عمر بن حامد الجيلاني عليه رحمة الله تبارك وتعالى، امتلأ مِن مواريث القوم ومن سرِّهم ومن الاتِّصال بهم، عِلمًا وعملًا وذوقًا وأدبًا وتواضعًا وإنابةً وخشيةً وتقوى وزهادة، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
جمعنا الله به في أعلى دار الكرامة، من غير سابقة عذابٍ ولا عتابٍ ولا فتنةٍ ولا حساب، وضاعف البركة في أولادهم وأحفادهم وأسباطهم وتلامذتهم وآثارهم.
وكلُّ ما نواه من إقامة الخير والمعاهد والدعوة إلى الله يُقيمها الله من بعده على ما يحبُّ وفوق ما يحبُّ، وعلى خير الوجوه إن شاء الله، ويرعاها من بعده.
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ).
يتولَّاهم ويتولَّى آثارهم مِن بعدهم جلَّ جلاله: "إذا أطاعني عبدي رضيتُ عنه، وإذا رضيتُ عنه باركتُ فيه وفي أثره، وليس لبركتي مِن نهاية".
الحمد لله على هذا الفضل، وإن شاء الله نظرةٌ من الله في المجمع الكريم، ألا يا الله بنظرةٍ من العين الرحيمة، تُداوي كلَّ ما بنا أمراض سقيمة، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وفي الارتباط والاتِّصال تجديدٌ إن شاء الله سنسمعه من المنصب نيابةً عن هذه السلسلة كلِّها إلى الأحمد بن زين، وسلسلته إلى الحبيب الزَّين ﷺ، في تلقين الذِّكر: "لا إله إلَّا الله"، وعهدٌ بيننا وبين الله نجدِّد عهدنا مع الله، ونجدِّد به إيماننا إن شاء الله، ونحقِّق توبتنا في المجلس.
ابتدأتم الزيارات المرتَّبة المأثورة من هذا اليوم، وابتدأ إن شاء الله الفيض يزداد علينا وعلى الحاضرين وعلى المتعلِّقين وعلى مَن في ديارهم..
الله لا يحرم منَّا صغيرًا ولا كبيرًا، الله يَمُنُّ علينا بالعطاء الوفير والمنِّ الكبير والخير الكثير، الله يجعلها ساعةً يقبل فيها توبتنا، ويقبل فيها دعوتنا، ويقبل فيها وجهتنا، ويقبل فيها إقبالنا عليه، ويُقبل بوجهه الكريم علينا، ويُقبل بوجهه الكريم علينا، ويا فوز مَن أقبل ربُّ العرش عليه، فوز الأبد وسعادة الأبد.
هيِّئنا اللهمَّ لواسع الأرباح، وروِّح بالخير لنا الأرواح، وتولَّنا بما تولَّيتَ به أهل الفلاح والصلاح، والحمد لله ربِّ العالمين.
09 شَعبان 1447