مذاكرة في مجلس الذكر والتذكير في زيارة الإمام الحداد للنبي هود عليه السلام 1447هـ

مذاكرة في زيارة الإمام الحداد للنبي هود عليه السلام 1447
للاستماع إلى المحاضرة

مذاكرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مجلس الوعظ والتذكير في زيارة الإمام عبد الله بن علوي الحداد للنبي هود عليه السلام، شرق وادي حضرموت، ضحى الأربعاء 9 شعبان 1447هـ

 

نص المحاضرة:

الحمدُ لله على هذه التَّفضُّلات الصَّمدانيَّة الرَّبَّانيَّة الرَّحمانيَّة، واتِّصال حبال الوصل بالإنزال والتَّنزيل، والرِّسالة والرَّسول، وما فاض من النُّور الرَّبَّاني بواسطة صاحب الشَّرف العدناني، صلى الله وسلم وبارَكَ وكرَّم عليه. 

فجعل الله سبحانه له أوعيةً من قلوب الصَّحب والآل الأكرمين الطَّاهرين، عليهم رضوان ربِّنا، فكانوا رأس هذه الأمَّة، وكانوا أساس هذه الأمَّة، وكانوا الذين أخذوا وتلقَّوا عن خير الخلق حقائقَ الوحي المُنزَّل عليه من الله الخالق جلَّ جلاله.

 

خاتم الرسالة

وهو الذي -كما قال سيِّدنا صاحب هذه الزِّيارة الإمام الحدَّاد عليه رحمة الله:

 وقد جمع الأسرار والأمر كلَّه ** محمَّدٌ المبعوثُ للخَلْقِ رحمةِ

بهِ خَتَمَ اللهُ النُّبوَّةَ وابتدا ** فللهِ مِن خَتْمٍ بهِ وبدايةِ

صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه

وإنَّ رسولَ اللهِ مِن غيرِ رِيبةٍ ** إمامٌ على الإطلاقِ في كلِّ حضرةِ 

وجيهٌ لدى الرَّحمنِ في كلِّ موطنٍ ** وصدرُ صدورِ العارفينَ الأئمَّةِ

صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

وقد أتانا خاتَمُ الرِّسالة ** بكلِّ ما جاؤوا به -أي الأنبياء من قبله- بكلِّ ما جاؤوا به من حالة

فعمَّ كلَّ الخلق بالدَّلالة ** وأشرقت مناهج الكمالِ

فكلُّه فضلًا أتى ورحمة ** وكلُّه حُكْمُ هُدًى وحكمة

وهو إمامُ كلِّ ذي مُهِمَّة ** وقُدوةٌ في سائر الخِصالِ

قال ربِّي: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). 

وقال جلَّ جلاله: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)؛ لا صِدقَ في محبَّة الله لِمُكلَّفٍ من إنسيٍّ ولا جِنِّيٍّ حتَّى يتَّبعَ محمَّدَ بنَ عبد الله، ويتَّصلَ بهذا الأصل، وبهذا الباب، وبهذا المدخل إلى حضرة القرب من الإله الوهَّاب جلَّ جلاله:

أنتَ بابُ الله نالَ المُرتَجَى ** والأماني مَن عليهِ وَقَفا 

أنتَ حبلُ اللهِ مَن أمسَكَهُ ** فازَ بالخيرِ وبالعهدِ وَفَى

 

دعوةُ الحقِّ والسِّباقُ إلى الخيرات

ولأجل الاستمساك بهذا الحبل، قامت لكم هذه الزِّيارات، ودُعِيتُم إلى هذه الحضرات، ونازَلَتكم هذه التَّنزُّلات الرَّبَّانيَّات؛ لكلِّ صادقٍ منكم، لكلِّ مُقبِلٍ بالصِّدق منكم، لكلِّ مُتوجِّهٍ بالتَّوجُّه التَّامِّ إلى المَلك العلَّام جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

 فتأمَّل أين أنت؟ وفي أيِّ موطنٍ أنت؟ ولماذا جئتَ إلى هنا؟ وما المقاصد؟ وما المُرادات؟ وما الوِجهات؟

قال ربِّي جلَّ جلاله: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ). هل تعرف تستبق الخير في المَجمع هذا الكريم المبارك؟ استباقُك للخير تتَّصل بنور التَّنزيل، تتَّصل بنور الرَّسول، تتَّصل بحبال الوصل بحبيب الرَّحمن جلَّ جلاله؛ من خلال ما خلَّفَ فينا، من خلال ما تَرَكَ فينا، من خلال المواريث التي حمَلَها الأكابر -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- من كلِّ طاهر.

فهم القومُ الذين هُدُوا ** وبفضل الله قد سَعِدُوا

ولغير الله ما قَصَدُوا ** ومع القرآن في قَرْنِ

ربِّي فانفَعنا ببركتهم ** واهدِنا الحسنى بحُرمتهم

وأَمِتنا في طريقتهم ** ومُعافاةً من الفِتَنِ

اجتمعتْ تلك المواريث في هذا المَجلَى الذي أبرزهُ الله تبارك وتعالى مُجدِّدًا للدِّين، ومُبيِّنًا لحقائق الوحي بخير التَّبيين، عليه رضوان الله تبارك وتعالى، وهو الذي قال:

مَواريثُهُم فِينا وفِينا عُلومُهُم ** وأسرارُهُم فَلْيَسأَلِ المُتَرامِ

إذا جاءَ بالصِّدقِ الذي هو سُلَّمٌ ** إلى كلِّ خيرٍ نالَ كلَّ مَرامِ

الله يجعلنا من أهل الصِّدق، ويجعل حضورنا حضورَ صِدق، واستماعَنا استماعَ صِدق، وزيارتَنا زيارةَ أهل الصِّدق. 

ألا يا بَختَ مَن زارهم بالصِّدق واندَر ** إليهم مُعتَني كلُّ مطلوبه تَيسَّرَ

تيسَّر بإذن الله تبارك وتعالى، وذلكم الصِّدق الذي مَن جاء به أفلَحَ ونَجَح، والإمام عليه رحمة الله في فائض فضل الله وتنزيله عليه يقول: مَن خطا إلى بابنا خطوةً أفلَح، ونَجَح. مَن خطا إلى بابنا خطوةً أفلَح، عليه رحمة الله ورضوانه.

 

حقيقة الرُّوح والمَركَب الجسدي

وها أنتم تحت هَطَّال هذا المطر الرَّبَّاني، تعلَّم أن تأخذ هذا العطاء الكبير بشَبَكة الصِّدق، بشَبَكة الصِّدق مع الله جلَّ جلاله؛ فإنَّه فيها تجتمع صُيودُ الخيرات والمواهب. 

وهذا الصِّدق كان يُعبِّر عنه الإمام الحدَّاد قال: أن تجتمع بجميع قواك الظَّاهرة والباطنة على المقصود، فتُؤدِّيه على خير وجه، فتَصدُق مع الله في صلاةٍ إن صلَّيتَ، في قراءةٍ إن قرأتَ، في تلاوةٍ إن تَلَوتَ، في صومٍ إن صُمتَ، في زكاةٍ إن زكَّيتَ، في زيارةٍ إن زُرتَ، في مواصلة أرحامٍ إذا واصَلتَهم، في استماعٍ إلى كلام العارفين وأنفاسهم التي تُتلَى في مثل هذه المواطن. 

تتطلَّب القلوبُ التي تتعرَّف، تتطلَّب القلوبُ التي تُحب تتشرَّف، تتطلَّب القلوبُ التي تُحب تتنظَّف، تتطلَّب القلوبُ التي تُحب تتلطَّف، تتطلَّب القلوبُ التي تُحب أن تَعرِف، تتطلَّب الأرواحُ التي تُحب، تتطلَّب الأسرارُ المُهيَّأةُ للشُّهود.

ففي أنفاسهم مفاتيحُ للقلب بأنوار المعرفة، ومفاتيحُ للسِّرِّ بأنوار المحبَّة، ومفاتيحُ للرُّوح بأنوار المحبَّة، ومفاتيحُ للسِّرِّ بأنوار الشُّهود والمشاهدة.

وأنتم في موطن ذلك كلِّه، لكن اعلَم عظمةَ الذي كوَّنَكَ وخلَقَكَ في أحسن تقويم، وجعل لك جسمًا ليس هو المقصود، ولكنَّه مَركَبٌ مؤقَّتٌ، من وقت تكوينك في بطن أمِّك إلى وقت انتزاع الرُّوح من بدنك والغَرغَرة، وانتهت مَهمَّة المَركَب هذا. تنتهي مَهمَّة المَركَب وتبقى أنتَ إنسان، لا بهذا الجسد، تبقى ذلكم الرُّوح، تبقى الحقيقة التي شُرِّفتَ بها، ونُفِخَت تلك الرُّوحُ المُضافةُ إلى الرَّبِّ سبحانه قُدُّوس سُبُّوح تكريمًا وتشريفًا.

يقول سيِّدنا الإمام مخاطبًا لهذا الرُّوح الذي يحمله كلُّ واحدٍ منَّا:

يا أيُّها الرُّوحُ هل تَرضَى مُجاوَرةً ** طُولَ الدَّوامِ لهذا المُظلِمِ الكَدِرِ -هذا الجسد- 

"وأينَ كُنتَ ولا جِسم تُساكِنُهُ؟" قبل ما يتكوَّن جسمك هذا أين كنتَ؟ وأين كنتَ ولا جسمٌ تُساكنه؟ كنتَ في السَّماء، وكنتَ حوالَي آدم -ما أدري يمينه ولا يساره-، وهذه النَّسَمُ التي تخرج بعد أن يتكوَّن الجسد في بطن كلِّ أمٍّ، إمَّا من على يمين آدم أو من على يساره؛ إمَّا من أهل الجنَّة وإمَّا من أهل النَّار، إمَّا من أهل السَّعادة وإمَّا من أهل الشَّقاوة.

وقد شاهدهم ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج، وإذا بآدم في السَّماء الأولى، إذا التفتَ عن يمينه ضَحِكَ، وإذا التفتَ عن يساره بَكَى، يقول لسيِّدنا جبريل: "ما هذا؟"، قال: "نَسَمُ بنيه" -يعني الأرواح لبني آدم التي لم تخرج بعدُ إلى الأرض-، أهلُ الجنَّة عن يمينه، وأهلُ النَّار عن يساره؛ فإذا التفتَ عن يمينه ورأى مَن يدخل الجنَّة من ذُرِّيَّته ضَحِكَ وفَرِحَ، وإذا التفتَ عن يساره ورأى العددَ الكبيرَ الضَّخمَ من أهل النَّار يدخلون النَّار من ذُرِّيَّته بَكَى عليهم وتحسَّرَ عليهم.

 

شهداء المحبة وعاقبة الأجساد

وتُخرَج هذه الأرواح كلُّ واحدٍ له مُسمَّى جسدٍ معيَّن، محدَّد، مخصَّص، عُيِّنَ وخُصِّصَ من قبل خلق السَّماوات والأرض، إذا حَمَلَت به أمُّه كائنةً مَن كانت، جِيءَ بهذه النَّسَمة والرُّوح فنُفِخَت فيها بأمر الله تبارك وتعالى، وبواسطة المَلَك الذي ينفخ الأرواح وسط البطون.

فجسدُك هذا مَركَبٌ لهذه الرُّوح مؤقَّتٌ ستخرج عنه، إن كنتَ رعَيتَ حقَّ الله فيه، ورعَيتَ حقَّ الرُّوح فيه، فللجسد شأنٌ لأنَّه سيعود؛ إمَّا بعد أن يَبلَى في التُّراب ويَفنَى، وإمَّا أن يصل إلى درجةٍ من الإكرام لا يَبلَى ولا يَفنَى، كأجساد الأنبياء، وأجساد الشُّهداء، وأجساد العلماء العاملين بعلمهم، وأجساد حَفَظة القرآن الذين لا يُغالُون فيه ولا يَتجافَون عنه، وأجساد المؤذِّنين الذين يؤذِّنون لله مُحتسِبِين -أحدهم في مسجدٍ سبعَ سنواتٍ يؤذِّن للصَّلوات الخمس مُحتسِبًا لله تبارك وتعالى-، وكذلك أجساد الشُّهداء في سبيل الله جلَّ جلاله.

ومن أعلى الشُّهداء: شُهداء المحبَّة، الذين تبلُغ بهم محبَّة الله مَبلَغًا في قلوبهم يصل إلى أن يَقطَعَ نِياطَ القلب من شدَّة الشَّوق والمحبَّة فيموت. 

هؤلاء الشُّهداء شُهداء المحبَّة، قال أهلُ المعرفة هم أعلى الشُّهداء عند الله جلَّ جلاله، أكبر من الذي يموت بسيف الحديد أو بالخشب أو بالقُنبُلة، يقَطْع نِياط قلبه شدَّة شوقه إلى ربِّه، قوَّة محبَّته إلى الرَّبِّ جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه؛ هؤلاء من أعظم الشُّهداء.

وهكذا كان يقول بعض أهل المحبَّة والعلم من أهل الشَّام:

جسدٌ تمكَّنَ حُبُّ أحمدَ فيهِ ** تاللهِ إنَّ الأرضَ لا تُبلِيهِ 

أم كيفَ يأكُلُهُ التُّرابُ وحُبُّهُ ** في قلبِهِ ومديحُهُ في فِيهِ؟!

قال: عاشَ وحبُّ النَّبيِّ في قلبه والمديح في لسانه طول عمره، يجيء ترابٌ يأكله؟! لن يأكله هذا التُّراب! قُبِرَ هذا الشَّيخ عليه رحمة الله بالمدينة المنوَّرة -الشَّيخ البيانوني- وكلَّما جاؤوا يحفرون قبره وجدوه كما هو، كما يوم وُضِعَ، ما مسَّته التُّراب.!

جسدٌ تمكَّنَ حُبُّ أحمدَ فيهِ ** تاللهِ إنَّ الأرضَ لا تُبلِيهِ

وهذا المَركَب الذي أنتَ عليه الآن، إن قُمتَ بحقِّ الله فربَّما ارتفعَ إلى هذه المرتبة وصار لا يُؤكَل في الأرض، وربَّما أُكِلَ في الأرض ولا غَضاضةَ في ذلك، فكثيرٌ من أهل السَّعادة وكثيرٌ من أهل الجنَّة تأكل الأرضُ أجسادَهم، ولا تُبقِي ولا تَذَر إلَّا عَجْبَ الذَّنَب كما قدَّر الحقُّ الخالق، عَجْبُ الذَّنَب مثل حبَّة الذَّرَّة في آخر العُصعُص عندك، في آخر العمود الفقري، هذا لا تَهضِمُه هاضمة، ولا تَطحَنُه طاحونة، ولا شيءٌ يَقطَعُه، ولا شيءٌ يُبِيدُه أبدًا، يبقى في الأرض محلَّه، إذا جاء المطر بين النَّفختَين رجع الجسد الذي كان عليه بقدرة الله تبارك وتعالى.

البعثُ والرُّجوعُ إلى الله

الذي يُحيي العظام وهي رميم، يقول عن عقليَّات الكفَّار والغافلين الذين قالوا: مَن يُحيي العظام وهي رميم؟ (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ) جاء يخاصم. 

(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)، نَسِيَ بدايته من أين جاء هو! وعظمه ذا اللي يتكلَّم عليه ويرجع رميم.. من أين جاء؟ هل عنده مصانع تُكوِّن العظام هذه وإلا من أي جاء؟ قال أنا الذي صنَعتُه ويقول لي كيف ستصنَعُني مرَّة ثانية! وقد صنَعتُكَ أوَّل مرَّة يا يا بليد، أما ترى صَنعَتي لك أوَّل مرَّة؟

(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)، (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)، (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، جلَّ جلاله (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ).

 جانِبَ العقلَ مَنِ استَشكَلَ العودةَ ونَسِيَ الجَيئة، نَسِيَ البداية، نَسِيَ الأصل كيف تَركَّبَ وكيف جاء: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

والله إنَّ مَرجِعُنا إليه، ولكن هل شيء زاد من مثل هذه المواطن؟ رجَعنا إليه وهو راضٍ عنَّا، رجَعنا إليه وهو مُهيِّئٌ لنا مرافقةَ المقرَّبين والصِّدِّيقين؟ 

والمصيبة لمَن يرجع إليه وهو بعيد، لمَن يرجع إليه وهو مُعرِض، لمَن يرجع إليه وهو مُصِرٌّ على ذنب، لمَن يرجع إليه وهو مُضيِّعٌ للفرائض، لمَن يرجع إليه تعالى وهو قاطعٌ لرحم -وقاطعُ الرَّحم ملعونٌ ولو مات في جوف الكعبة-، لو كان وسط الكعبة مات فلعنة الله -والعياذ بالله تعالى- بسبب قطيعة الرَّحم. 

المصيبة لمَن يرجع إلى الله واللهُ مُعرِضٌ عنه، المصيبة لمَن يرجع إلى الله تعالى واللهُ يُبغِضُه -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ويا فوزَ الذين يرجعون إلى الله وهو راضٍ عنهم، ويا فوزَ الذين يرجعون إلى الله وهم على وفاءٍ بعهده.

 

حال الجسد إذا قام بحق الله

قال سيِّدنا الإمام الحدَّاد: 

يموت ميِّتُهم من حيث شاء فأرضُ الله واحدةٌ والقومُ أمجادُ

فالموتُ للمُحسِن الأوَّاب تُحفتُه ** وفيه كلُّ الذي يَبغِي ويَرتادُ

 لقا الكريم تعالى مَجدُه وسَمَا ** مع النَّعيم الذي ما فيه أنكادُ

هذا حالُ مَن قام بحقِّ الله أيَّامَ ركوب روحه على مَركَب الجسد، وما غرَّه الجسد، ولا ألهاه الجسد. 

كان يقول سيِّدي أحمد بن علوان: "مَن شغَلَه تغذيةُ جسده عن تغذية روحه، فإن طلَبَ أجرًا فليطلُبه من الحيتان والدِّيدان". قال لماذا؟ قال: لأنَّه عاش يخدم الجسد ويُغذِّيه، والجسدُ طُعمةٌ للحيتان والدِّيدان؛ يريد أجر يذهب إلى عندهم، يقول يا حوت أعطني أجر، لأنَّه عاش خادمٌ له، نَسِيَ ربَّه، مُعتَنٍ بجسده وجسده طُعمة الحوت، طُعمة الحيتان والدِّيدان في القبر، فهو عاش خادمٌ لهم، قال يذهب يبحث عن أجر من عندهم، هؤلاء سينعِّمونه أو هؤلاء سيدخلونه الجنَّة؟ سيحصِّل أجر عندهم؟ أراد أجرًا من ربِّه؟ قال: ما اشتغلتَ بربِّك، ما قُمتَ بحقِّ ربِّك، تريد أجرًا من عنده، أنت اشتغلتَ بجسدك!

نعم عالَمُ الأرواحِ خيرٌ من الجسمِ .** وأعلى ولا يَخفَى على كلِّ ذي علمِ 

فمالكَ قد أفنَيتَ عُمرَكَ جاهدًا ** بخدمةِ هذا الجسمِ والهيكلِ الرَّسمِي؟ 

ظَلَمتَ، وما إلَّا لنفسِكَ يا فتى ** ظَلَمتَ، وظُلمُ النَّفسِ من أقبحِ الظُّلمِ

تنبَّه هداكَ اللهُ من نوم غفلةٍ ** ولهوٍ ولا تَعمَل على الشَّكِّ والوهمِ

حضاراتٌ قائمةٌ على شكٍّ ووَهم، مؤسَّساتٌ قائمةٌ على شكٍّ ووَهم، دولٌ قائمةٌ على شكٍّ ووهم، وكلُّهم والله يخسَرون، وكلُّهم والله يندَمون، بعد أن تبلُغَهم دعوة الأمين المأمون، عن عالَم الظُّهور والبُطون يدعوهم إليه جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

فقُم بحقِّ الله، لا يُلهِيكَ هذا الجسد، بل سيِّره في طاعة الواحد الأحد، بسلطان الرُّوح، بسلطان هذا القلب، بسلطان هذا السِّرِّ الذي فيك، وأنتَ مُكوَّنٌ من هذا التَّكوين البديع: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ).

قُوِّمتَ بأمر الله تبارك وتعالى، قال: 

وأين كنتَ ولا جسمٌ تُساكنهُ ** ألستَ في حضرات القُدس فادَّكرِ 

تَأوِي مع الملأ الأعلى وتَكرَع من ** حياض أُنْسٍ كما تَجنِي من الثَّمرِ

حتَّى جُعِلتَ بإذن الله في قَفَصٍ -هذا الجسد- ** ليَبتَليَكَ، فكُن من خير مُختَبَرِِ

جعَلَ روحَكَ في هذا الجسد اختبارًا لك، وأجرى لك مُسمَّى سَمعٍ ومُسمَّى بصرٍ في هذا الجسد بواسطة هذه الرُّوح: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، تُؤدُّوا حقَّ الله تبارك وتعالى بالأسماع والأبصار والأفئدة التي آتاكم الله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

مسلك الإمام الحداد

تعلمون هذا المَسلَك، هذا المُجدِّد لدين الله سيِّدنا الإمام الحدَّاد يقول: "ما من سُنَّةٍ سنَّها رسولُ الله إلَّا وأرجو أنِّي قد عملتُ بها"، "إلَّا وأرجو أنِّي قد عملتُ بها". 

في وَلَعه بأمر الله، وكان أعمى البصر -وهو ابن أربع سنين- لكنَّ هذه البصيرة المفتوحة، ما سَمِعَ بكتابٍ من كتب العلم في وادي حضرموت يمكن الوصول إليه إلَّا توصَّلَ إليه، ولا سَمِعَ بشيخٍ دالٍّ على الله جامعٍ شيئًا من الخيرات إلَّا واتَّصلَ به. 

وكان يذكر فيمَن اتَّصلَ بهم من الشُّيوخ فوق المئة في بداية أمره، والحال كما قال سيِّدنا الإمام العيدروس: "كنتُ أستمدُّ من الجميع، حتَّى رقَّاني الله إلى مقامٍ صار الجميع يستمدُّ منِّي"، رَسَخَ قَدَمه في الخلافة عن محمَّد ﷺ.

فهو الخليفةُ في جميعِ أمورِهِ ** عن خيرِ داعٍ للبريَّةِ هادِي 

أَبدَت نصائحُهُ علومًا طالَمَا ** رَدَعَت عَبِيدَ الغَيِّ والإفسادِ

عليه رضوان الله تبارك وتعالى،

 عمَّت مراحمُه العباد،فكلُّهم ** منه استمدُّوا أكملَ استمدادِ

فَرعٌ تسلسَلَ عن كرامٍ فضلُهُم ** قد شاعَ في الأغوارِ والأنجادِ

 فهو المُبلِّغُ عنهمُ أسرارَهُم ** وعلومَهُم للأهلِ والأحفادِ 

فجميعُ مَن سَلَكَ الطَّريقةَ بعدَهُ ** مُستَصبِحُونَ بنورِهِ الوقَّادِ

 

أدبُ العلماء ومحبَّتُهم للصَّالحين

وإذا كان مِن بعدهم مِن خُلفائهم، مثل الحبيب طاهر بن حسين، يقول: أَسَفِي على مَن كان في الوادي الميمون من أهل البيت ومن أهل الإيمان وما رآنا، مرَّ عُمرَه وأنا بين يديه وما رآنا!  ومَن لم يرَ وجهَ مُفلِحٍ كيف يُفلِح؟ مَن لم يرَ وجهَ مُفلِحٍ كيف يُفلِح؟! ومَن رأى وجهَ مُفلِحٍ بعين المحبَّة والتَّعظيم كيف لا يُفلِح؟! 

والحبيب ﷺ يقول في هذا المعنى: "يغزو فِئامٌ من النَّاس فيُبطِئُ الفتحُ عليهم" -أبطأَ الفتحُ عليهم، وما فَتَحَ الله عليهم في قيامهم بجهادٍ صحيح، لا قتال من أجل سُلطة ولا من أجل كرسيٍّ ولا من أجل مالٍ ولا من أجل شُهرة، لتكون كلمةُ الله هي العُليا، لكنَّ الفتحَ أبطأ-. قال: "فيقولون: هل فيكم مَن رأى رسولَ الله؟". يرجعون يُصحِّحون وضعهم، ويُرتِّبون أمورهم: من أين الخلَل دَخَل؟ ولِمَ أخَّرَ اللهُ الفتحَ علينا؟ يقول: "هل فيكم مَن رأى رسولَ الله؟"، فيقولون: "نعم" -باقي قليل من الصَّحابة- قال: "فيُقدِّمونهم فيُفتَح لهم".

لا زاد عددُهم، ولا زاد أسلحتُهم.. إلَّا قدَّموا أهلَ التَّقديم، عرفوا القدرَ لأهل النَّظرة، الذين نظروا إلى وجه محمَّد! قدَّموهم، عيونٌ بينهم رأت محمَّدَ بنَ عبد الله كيف يجعلونها في الوراء؟ كيف يجعلونها بعيد؟ قدَّموهم وعرفوا قدرَهم، جاء النَّصرُ من الله تبارك وتعالى، وهكذا لِمَن يَعرِف لأهل القدر قدرَهم ينصُرُه الله، ويُؤيِّدُه الله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

قال: "ثمَّ يغزو فِئامٌ من النَّاس -ما عاد أحدٌ من الصَّحابة، ولا عاد من التَّابعين إلَّا القليل- فيُبطِئُ الفتحُ عليهم، فيُقال: هل فيكم مَن رأى مَن رأى رسولَ الله؟" -الصَّحابة ما عادوا موجودين، ولكنَّ بعض التَّابعين موجودين-، قال: "فيُقال: نعم، فيُقدِّمونهم فيُفتَح لهم".

والحديث في صحيح البخاري يقول لك: "ثمَّ يغزو فِئامٌ من النَّاس فيُبطِئُ الفتحُ عليهم، فيُقال: هل فيكم مَن رأى مَن رأى مَن صَحِبَ رسولَ الله؟ -بَختَ مَن قد رآهم أو رأى مَن رآهم-، رأيتَ النَّظرة المحمَّديَّة تَفُكُّ على النَّاس المشاكل في قضاياهم المُهمَّة الكبيرة! والعقليَّات عند التَّابعين وتابع التَّابعين كانوا يُعظِّمون هذه الثَّقافة، يعرفون الثَّقافة هذه، يعرفون العلم هذا، ويعرفون معنى قول الإمام الحدَّاد:

هُداةُ الوَرَى طُوبَى لعبدٍ رآهُمُ ** وجالَسَهُم لو مرَّةً منهُ في العُمرِ

وكان الإمام السُّبكي عليه رحمة الله مُتوجِّهًا لزيارة الإمام النَّووي، يمشي على جمَل، استأجَرَ جَمَّال، جاء يقود له الجمَل وهو صاحب الجمَل، وطَلَعَ على الهَودَج فوق الجمَل يمشي.. وإذا في الطَّريق الجَمَّال يتناقش مع واحدٍ في مسألة -في الدِّين، فقهيَّة- يقول له هذا كذا، يقول له لا كذا. قال: "أنا سألتُ عنها يحيى النَّووي في دار الحديث قال لي كذا". سَمِعَ كشَفَ السِّتارة وقام، قال: "أنتَ رأيتَ يحيى النَّووي؟"، قال: "نعم". قال: "اصبر محلَّك قِف". خرج من الجمَل، قال: "اطلَع أنت". رأى المسألة بينهم وحصَّلَ الصَّوابُ مع الرَّجُل هذا، وقال: أنت رأيت يحيى النووي؟ اطلَع، قال: "كيف أطلَع؟ أنتَ استأجَرتَنا وعطَيتَنا الأجرة!". قال: "ما أَركَب فوق عينٍ رأت وجهَ يحيى النَّووي".. عينٌ رأت وجهَ يحيى النَّووي أنا ما أَركَب فوقها، اطلَع! يا إمام تراجَع! قال: والله ما أقدر أَركَب فوق عينٍ رأت وجهَ يحيى النَّووي.

رأيت أهلَ العلم كيف؟ من مصر مُتوجِّهٌ إلى الشَّام من أجل أن يزور الإمام النَّووي، وخرَجَ وصار هو اللي يقود الجمَل، هو الجَمَّال ورَكَّبَ الجَمَّالُ، لأنَّه عنده عينٌ رأت وجهَ يحيى النَّووي -عليهم رحمة الله تعالى-. وصَلَ، قالوا له: "تُوفِّيَ النَّوويُّ". قال: "دُلُّوني على مكان تدريسه". جاؤوا به إلى دار الحديث، المحلِّ اللي يُدرِّس فيه، أخذ يتمرَّغ فيه، يُقبِّله، ويقول:

وفي دارِ الحديثِ لطيفُ معنًى ** إلى بُسُطٍ لها أَصبُو وآوِي 

لعلِّي أن أَمَسَّ بحُرِّ وجهِي ** مكانًا مَسَّهُ قَدَمُ النَّوَاوِي.. عليه رحمة الله.

انظروا روح الحَجَرة هذه تَهتزُّ لأن أذكر الكلام هذا، لأنَّها عَرَفَت أُناسًا مثل النَّووي وفوق النَّووي، وجلسوا في ذا المكان، ودعَوا في ذا المكان، وذكَروا في ذا المكان، والآن أنتم مَن معه صدقٌ منكم سيُقبَل، مَن معه صدقٌ منكم سيَغنَم مثل هذه العطايا والمِنَح، في حَضْرة بواسطة هؤلاء الأئمَّة الكبار، حدَّاد القلوب عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

ومن تلامذته عبد الرَّحمن بلفقيه علَّامة الدُّنيا عليه رحمة الله تعالى، ومن جماعتهم ممَّن سبَقَ ببناية هذه القُبَّة محمَّد بن أبي بكر بلفقيه، وكان في أدب أهل هذا العلم، وأهل هذا الشَّأن، ومعرفة القدر لأهله، يحمل المظلَّةَ "علَّامةُ الدُّنيا" عبد الرَّحمن بلفقيه فوق رأس الإمام الحدَّاد، ويمشي حاملَ المِظلَّة يُظلِّله من الشَّمس في شِعْب النَّبيِّ هود، وهو علَّامة الدُّنيا! لكن عَرَفَ لأهل القدر قدرَهم، وعَرَفَ لأهل الفضل فضلَهم، وبذا ارتفَعَ، ارتفَعَ شأنُه وارتفَعَ قدرُه.

 

تزكيةُ النَّفس 

عندنا قلوبٌ كثيرةٌ من المسلمين: شيءٌ عظَّمَ الدُّنيا، وشيءٌ عظَّمَ أهلَ الدُّنيا، وشيءٌ عظَّمَ السِّياسة، وشيءٌ عظَّمَ أهلَ السِّياسة، وشيءٌ عظَّمَ الكُفَّار، وشيءٌ عظَّمَ الفُجَّار، وشيءٌ عظَّمَ الثَّقافات الغربيَّة.

 وتعظيمُ الله ورسوله ما أدري أين ذهب من القلوب! عندنا قلوبٌ ما عَرَفَت عظمةَ الله، عندنا قلوبٌ ما عَرَفَت عظمةَ محمَّد بن عبد الله. الله يُنقِذها، الله يُطهِّرها، الله يُصفِّيها، الله يَرُدُّها إليه ردًّا جميلًا.

إذا لقيتَ اللهَ بهذه الحالة ما عَرَفتَ معنى "الله أكبر"، إن قالت باللِّسان، القلبُ ما فيه تكبير، لأنَّه مُكبِّرٌ السَّقطة، ومُكبِّرٌ البعيدين عن الله تعالى، ما كبَّرَ اللهَ جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

وهكذا يقول سيِّدنا أبو يزيد البسطامي عليه رحمة الله، يقول لواحدٍ من أهل العلم كان عنده، قال: دَرَسنا نحن وإيَّاك مرَّة، وتجي بعلوم هذه، ما أدري من أين تجيء بها، وما أقدر أحصِّلها، قال له: أنتَ لن تُحصِّلها إلَّا تَسلُك. قال: سأسلُك طريقها، قال: لن تقدِر، قال: سأقدر، أيَّ شيءٍ تأمرنا به سأعمَلُه، قال: أنتَ مشهورٌ في المنطقة هذه؟ قال: نعم، قال: هاتِ مِخلاةً املأها باللَّوز، وامشِ في الأماكن اللي أنتَ معروفٌ فيها وفي السُّوق، قُل للصِّبيان: كلُّ مَن صَفَعَني أُعطِيه من اللَّوز، سيتجمَّعون عليك وأنتَ قَسِّم عليهم". قال: "سبحان الله!".

قال له سيِّدنا أبو يزيد: سبحان الله! هذا قولك سبحان الله شِرك! أنتَ لا سبَّحتَ ربَّك، ولا أنت مُقدِّسٌ ربَّك، أنت مُقدِّسٌ نفسَك! ترى نفسَك في مقامٍ ما يَصلُح لك، تقول سبحان الله وأنت إلَّا تُسبِّح نفسَك ما سبَّحتَ ربَّك، قال: هذا صعبٌ أعطني غيره، قال: هذا أوَّل شيء، هذا أوَّل شيء.. بعدها أُعطِيك غيره، هذا أوَّل خطوة في الطَّريق، قال: هذا لا أقدر عليه، قال: فلو قَعَدتَ تعبُد اللهَ محلَّك سبعين سنة، لن تحصِّل من هذا العلم شيء، ولا تذوق هذا المذاق، أولاً صَلِّح نفسَك، اذهب هذِّب نفسَك، زَكِّ نفسَك وطهِّرها، لا إله إلَّا الله.

ترى أهلَ طهارة النَّفس، البالغين الذِّروةَ في زكاتها، يقول:

"يا ويحَ نفسٍ الغَويَّة"، وهو نفسه مُزكّاة من الصبا، نفسه مزكّاة من الطفولة! 

يا ويحَ نفسٍ الغَويَّة ** عن السَّبيلِ السَّوِية 

أضحَت تُروِّج عليَّ ** وقصدُها الجاه والمال

وهو الذي رفَضَ الجاه، وهو اللي رفَضَ المال، وهو خاطَبَ الدُّنيا قال:

تنحَّي تنحَّي لا سلاماً ولا رِضَا ** تُرِيدِينَ قطعِي عن سبيلِ غَنائِي

ومع ذلك هكذا يتَّهم نفسَه:

يا ربِّ قد غَلَبَتنِي ** وبالأمانيِّ سَبَتنِي 

وفي الحظوظِ كَبَتنِي ** وقيَّدَتنِي بالأكبال

وقد استعَنتُكَ ربِّي ** على مُداواةِ قلبي

ونحن يا ربِّ بهذه الأنفاس الصَّادقة نستعينُكَ داوِ قلوبَنا.

قد استعَنتُكَ ربِّي ** على مُداواةِ قلبي

 وحلِّ عُقدةِ كربِي ** فانظُر إلى الغمِّ يَنجال

والقلوب التي ابتُلِيَت وتلوَّثَت بهذا اللَّوَث في ديارنا أو في منازلنا طهِّرها يا الله.

ألا يا الله بنظرةٍ من العين الرَّحيمة ** تُداوي كلَّ ما بِنا من أمراضٍ سقيمة

اخرُج من الزِّيارة وأنتَ مُعظِّمٌ لله، مُكبِّرٌ لله جلَّ جلاله، مَن عظَّمَ اللهَ وكبَّره ما قدَّمَ أمرًا على أمر ربِّه، ولا نازَعَته نفسُه أمام شرعٍ من شرع الله سبحانه وتعالى، ويَرَى وهو يكتسب من الحلال ويصرفه فيما أحلَّ الله، أنَّه لو تَقفَّلَت عليه الأبواب إلَّا من حرامٍ أو من شُبهة، لرأى أنَّ موتَه جوعًا خيرٌ له من أن يأخذ الشُّبهة، وخيرٌ له من أن يأخذ حرامًا.. هذا كبَّرَ اللهَ، هذا مُكبِّر، هذا مُسبِّح، هذا يقول لا إله إلَّا الله بصدق، وأنتَ "لا إله إلَّا الله" وإذا جاء شيء تَلهِفَه، ولا أنتَ تدري أين الحلال والحرام! 

قال ﷺ: "لا تزال لا إله إلَّا الله تَذُبُّ عن أهلها سَخَطَ الله ما لم يُؤثِروا صَفْقَة دنياهم على آخرتهم، فإذا فعلوا ذلك ثمَّ قالوها قال الله: كذَبتُم لستُم بها بصادقين"، كذَبتُم لستُم بها بصادقين! 

 

الخاتمة والدُّعاء

وإن شاء الله نَخرُج بلباس الصِّدق من هذه الحضرة العظيمة، المحمَّديَّة، الهوديَّة، الحدَّاديَّة، العلويَّة، النَّبويَّة، الصِّدِّيقيَّة.

الله يُكرِمنا في هذه السَّاعة بنظرةٍ من نظراته الكبيرة، وكلُّ واحدٍ منَّا يُكبِّر حقيقةً، ويُسبِّح حقيقةً، ويُهلِّل حقيقةً، ويَحمَد حقيقةً، وتَسرِي الحقيقة إلى قلوب أهله وأولاده ومَن في داره، كلُّهم يُكبِّرون الله، وكلُّهم يُعظِّمون الله. 

ويعلَمون أنَّ الخلائق -عُلويَّها وسُفليَّها، أوَّلها وآخرها- ما أحد أعظمُ من محمَّد بن عبد الله، وبعده الأنبياء والمرسلين لا أحدَ أعظمُ منهم؛ لا مُفكِّر، ولا مُختَرِع، ولا رائد فضاء، ولا صاحب بحار، ولا مالك جيوشٍ وأسلحة دمارٍ شامل؛ ما أحدٌ أعظمُ من الأنبياء، الأنبياء فوق الكلِّ، الأنبياء أعظمُ من الكلِّ، الأنبياء أشرفُ من الكلِّ، الأنبياء خيرُ الخلق عند الرَّبِّ جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

سيِّدُ الرُّسلِ قَدرُهُ معلومُ ** أينَ منهُ المسيحُ أينَ الكليم ** أينَ موسى وأينَ إبراهيمُ ** كلُّهُم عن مقامِهِ مَفطُومُ ** فعليهِ الصَّلاةُ والتَّسليمُ

أينَ كلُّ العوالمِ العُلويَّة ** أينَ كلُّ العوالمِ السُّفليَّة ** أينَ كلُّ الوَرَى بكلِّ مزيَّة؟ ** إنَّما فوقَهُ العليُّ العظيمُ 

إنَّما فوقه العليُّ العظيم ** فعليه الصَّلاة والتَّسليمُ

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

ساعة من ساعات العطاء الرَّبَّاني، جاءتكم العناية، جاءت بكم إلى هنا، لولا عنايةُ الله ستكون مَرمِيٌّ في محلٍّ ثانٍ، ولكن جاء بك إلى محلٍّ تَصُبُّ فيه الرَّحمة، وتَهطِل فيه الخيرات، والوسائط كِبار، وسائط كِبار لهم شأنٌ عند الغفَّار سبحانه وتعالى؛ أنبياء وصدِّيقين وأولياء من الكِبار الكِبار، الحمد لله على هذه النِّعمة، عسى تمام النِّعمة علينا وعليكم.

الله يُمتِعنا بسرِّ الإقبال عليه، ويجعل هذه الأجساد محشوَّةً بأنوار الطَّاعة مِن كلِّ جانب، حتَّى يتنوَّر منَّا الدَّمُ، واللَّحمُ، والعظمُ، والشَّعرُ، والبَشَر، وجميع أجزائنا، ويُنوِّر قلوبَنا بنور المعرفة بالله، ويُنوِّر أرواحَنا بنور المحبَّة لله والمحبَّة من الله، ويُنوِّر أسرارَنا بأنوار الشُّهود حتَّى نعبُدَه كأنَّنا نراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك.

ونُحيِي هذه العلوم من خلال كتب الإمام الحدَّاد عليه رحمة الله، إن كانت مهجورةً في بيتك اعمُر بيتَك بالنَّظر فيها، بعد القرآن انظر كتب الإمام الحدَّاد. 

قال بعض الذين دخلوا على الحبيب علوي بن شهاب عليه رحمة الله: عسى ما فيك ضِيقٌ عمِّي علوي؟ قال: ما بي ضِيقٌ وعندي كلام الله وعندي تثبيت الفؤاد للإمام الحدَّاد وكتبه، من أين يجيئني الضِّيق؟ اذهب ابحث الضِّيق عند مَن انقطَع، أمَّا مَن عنده ربُّه وكلام ربِّه وعنده كلام مثل الإمام الحدَّاد ما يجيهم الضِّيق. 

قال الحبيب علي:

مِن أينَ يخطُرُ على قلبي الكدَرُ والحُزن

 وأنا معي خيرُ خلقِ اللهِ جَدُّ الحَسَنْ

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.

راجِعوا هذه الكتب، وتأمَّلوا فيها وفي معانيها، وهي مفاتيح لكم، تُقرِّب البعيد، وتُحوِّل الشَّقي إلى سعيد، وفضلٌ من ربِّكم واسع، الحمد لله. 

الله يُحيي فينا علومَهم، ويُحيي فينا أعمالَهم، ويُحيي فينا أسرارَهم، إنَّه أكرم الأكرمين. 

ويَرحَم الذين انتقلوا من بيننا، في هذا الحَدْو الطَّيِّب المربوط بسرِّ الإمام الحدَّاد، وسرُّ الإمام الحدَّاد إرثُ نبوَّةٍ خالص، فأصحابه والمرتبطون به مرتبطون برسول الله ﷺ.

الشَّيخ سالم عليه رحمة الله كان معنا، ومَن فقَدناه في هذه الأعوام من جماعته، وتقدَّمَ قبله المعلِّم هود، والمعلِّم عبد الرَّحمن، ووَلَدُ هود أيضًا اسمه عبد الهادي بن هود، الله يُعلِي درجاتهم، الله يجعل لهم من صَبَّاب ما في هذه السَّاعة ما تَتروَّح به أرواحُهم في البرازخ، ويرتقون به مرتقى أهل القرب في الاتِّصال بهؤلاء أهل الكمال، والاتِّصال بصاحب النُّبوَّة والإرسال.

الله يُبارِك في أولادهم، ويُبارِك في أحفادهم، ويُبارِك في أسباطهم، ويُبارِك لنا ولكم في هذه الإقبالات وهذه التَّوجُّهات. 

يا ربِّ اجعَلها من أكبر الزِّيارات، يا ربِّ اجعَلها من أشرف الزِّيارات، يا ربِّ اجعَلها مفتاحًا للرَّحمة وللفَرَج للمسلمين، ودَفعًا للبلاء وصلاحًا لحضرموت واليمن والشَّام والشَّرق والغرب يا أرحم الرَّاحمين.

ومَن تولَّى الأمرَ للمسلمين، كلُّ مَن أراد منهم الخيرَ والصَّلاح والنَّفع للعباد خُذ بيده وألهِمه رُشدَه ووفِّقه للخير، ومَن أراد الضُّرَّ، ومَن أراد السُّوء، ومَن أراد الشَّرَّ، ابعِدهم واصرِف شرَّهم عنَّا وعن أهل لا إله إلَّا الله.

اللَّهمَّ هيِّئ لنا من أمرنا رَشَدًا، واجعَل معونتَك العظمى لنا مَدَدًا، ولا تَكِلنا إلى تدبير أنفسنا فالنَّفس تعجز عن إصلاح ما فَسَدا. 

وإليك فوَّضنا الأمرَ، وتوكَّلنا عليك، واعتمَدنا عليك، فاجعَل شُغلَنا بك يا ربَّ العالمين، فاجعَل شُغلَنا بك يا ربَّ العالمين. 

الذي لغيرك لن يصل إليك ** والذي قُسِمَ لك حاصل لديك 

فاشتغِل بربِّك -اجعَل شُغلَنا به إن شاء الله- فاشتغِل بربِّك والذي عليك.

وكيف تشتغل بربِّك؟ قال: 

في فَرض الحقيقة والشَّرع المصون ** لا يَكثُر همُّك ما قُدِّرَ يكون

 أي شرع؟ قال: 

شرع المصطفى الهادي البشير ** ختم الأنبياء البدر المنير

صلى عليه الرَّبُّ القدير ** ما رِيحُ الصَّبا مالت بالغُصون ** لا يَكثُر همُّك ما قُدِّرَ يكون.

لا صَرَفتَنا إلَّا مقبولين، لا صَرَفتَنا إلَّا منظورين، لا صَرَفتَنا إلَّا مُوفَّقين، اجعَل مَركَبَ الأجساد في الاقتداء بخير هادٍ، واجعَل الأرواحَ تتروَّح بأنوار المحبَّة، ونَرقَى فيها رُتبةً بعد رُتبة.

يا اللهَ بذَرَّةٍ من محبَّة الله ** أَفنَى بها عن كلِّ ما سوى الله 

ولا أرى من بعدِها سوى الله ** الواحد المعبود ربِّ الأرباب

قَبِلَنا اللهُ أجمعين، وفَرَّجَ كُرُوبَ الأمَّة أجمعين، وزادَنا من فضله والحمد لله ربِّ العالمين.

 

العربية