(9)
(394)
(616)
(4)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مسجد الإمام المهاجر إلى الله أحمد بن عيسى، في منطقة الحُسيِّسة، بوادي حضرموت، ليلة الأربعاء 2 شعبان 1447هـ بعنوان:
عجائب الصلات بواسع الإفضال وسرايات جوده بخاتم الإنباء والإرسال
لك الحمدُ يا واسعَ الإفضال، لك الحمدُ يا جزيلَ النَّوال، لك الحمدُ يا مَن ختمتَ النُّبوَّةَ والإرسالَ بإرسالِ سيِّدِنا محمَّدٍ مَجلى الكمال، مفتاحِ بابِ الإفضالِ الذي لا حدَّ له أبدَ الآباد، مَن جعلتَه في الورى سيِّدَ الأسياد، وإمامَ العُبَّادِ والزُّهَّاد.
اللهمَّ أدِم صلواتِكَ على خيرِ هادٍ إليك ودالٍّ عليك، عبدِكَ المختارِ سيِّدِنا محمَّد، وعلى آلِه وصحبِه، وعلى النبي هود، وعلى الأنبياءِ والمرسلين وآلِهم وصحبِهم، وعلى سيِّدِنا المهاجرِ إليك أحمدَ بنِ عيسى وذُرِّيَّتِه، وعلى جميعِ عبادِك الصالحين، وعلى والدِينا وذوي الحقوقِ علينا، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.
واغمُرِ المجمعَ يا مولانا بنظرٍ من عندِك يَرفع إلى مراتبِ قربِك والفهمِ عنك، ونستفيدُ به في أيَّامِنا وليالينا ما يفوقُ مراداتِنا وأمانِينا؛ فإنَّ لكَ عجائبَ جودٍ إذا قابلت عبدًا من العبيد خرجَ عمَّا يُحصِّله منك حَد كل حَد وعَدّ كل عَد، وكان ذلك جودُكَ الذي يُعَدُّ ولا يُحَدّ.
لا إله إلا أنت، سبحانَك من واحدٍ أحد، ومن فردٍ صمد.
خصَّصتَنا بحبيبِك محمَّدٍ صلى الله وسلم عليه وعلى آله، فانتشرتْ به وقامتْ به حقائقُ الوصلِ منك وبك، والإقبالِ عليك والوجهةِ إليك، في الهُدى الذي بعثتَه به والنورِ الذي أرسلتَه به، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وخاطبتَنا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا).
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ)، وكانت مظاهرُ الإيمانِ والاعتصامِ بالله: اللُّجوءُ إلى الله، والاجتماعاتُ التي يحصلُ فيها التوجُّهُ إلى الله تبارك وتعالى. وما زيارةُ أوليائه ولا زيارة أنبيائه إلا لِياذ به، وإلا اعتصام به، وإلا قُربة إليه، وإلا توسُّل إليه، وإلا استرضاء له سبحانه وتعالى، وإلا تذلُّل لعظمتِه جلَّ جلالُه، واعترافٌ وانكسارٌ وافتقارٌ يصحبُ هؤلاء الزائرين والمتوسِّلين.
وبذلك علّمنا الحقُّ سبحانه وتعالى أنَّ العاصيَ والمذنبَ منَّا يتعرَّضُ لأن يغفرَ له الله، بل أن يجدَ الله؛ أن يجد الله توَّابًا رحيمًا، إذا لم يستقلَّ بنفسِه، وإذا قامَ بالانكسار، وإذا جاءَه من الأبوابِ التي جعلَها سبحانه، وقال في هذا المعنى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ)، ما اكتفى الحقُّ بهذا، قال: (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا).
ليست مغفرةً فقط، بل وجد الغَفّار كلُّه! (لَوَجَدُوا اللَّهَ)؛ بأيِّ مَجلًى يتجلَّى عليهم؟ بأيِّ صفة؟ (تَوَّابًا رَّحِيمًا). هل بقي شيء ناقص عليك؟ "توَّابٌ رحيم" أمامك يتجلَّى عليك بالتوبةِ وبالرحمةِ في أحوالِك وشؤونِك كلِّها، يا ما أعظمه من إله سبحانه وتعالى!
لكن (جَاءُوكَ)، ما معنى جاؤوك؟ ما قالوا: نحن نعرفُ ربَّنا وسنستغفرُه وماذا علينا من محمد! ما قالوا كذا.. نحن نعرف ربنا سنستغفره.. قال: (جَاءُوكَ)؛ قصدوك، قاموا في رِحابِك، وقفوا على بابِك، لاذوا بجَنابِك.
(جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ)، وهو أيضاً، أنتم مهما استغفرتم فحقه الثاني هو؛ الاستغفار حقه فوق: (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا)، وهم يجيئون إليه ﷺ: سواءً في مظاهرِ ورثتِه وأهلِ خلافتِه، أو في مظاهرِ إخوانِه من الأنبياء؛ يجيئون إليه ﷺ، (جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا).
وكان كما سمعتم في قولَة هذا الإمام -الإمام أحمد بن محمد الحبشي- صاحبِ الشِّعب: "مَن زار النبيَّ هود ولو للفضول غفرَ الله ذنوبَه"، من يقولُ هكذا؟ الرسولُ ﷺ، جاء بها من كلام الرسول، قال: يقولُ للقومُ إذا اجتمعوا لذكرٍ: أُشهِدُكم يا ملائكتي أنِّي قد غفرتُ لهم. قال: يقول مَلك من الملائكة: إلا فلان، عبد خطّاء! ما جاء للذِّكر.. هذا فُضول، هذا صاحبُ فُضول، ما جاء للذِّكرِ وجاء للفضول، إنَّما جاء لحاجة، يقول له الله: وله قد غفرتُ، هم القومُ لا يشقى بهم جليسُهم.
هذه المعاني الدقيقة في لجوئِهم إلى ربِّهم، وتذلُّلِهم لخالقِهم، وانكسارِ قلوبِهم، واتِّخاذِهم ما شَرعَ لهم سبحانه وأحبَّ؛ من وسائلَ ووسائطَ مِن أنبيائه وأوليائه؛ أقاموا فيها وكسَوها بكِسوةِ العلمِ والتعليمِ والذِّكرِ والتذكير، وصبغوها بنيَّاتٍ.. نيَّاتِ مقرَّبين، نيَّاتِ صدِّيقين، نيَّاتِ خواصِّ أهلِ المعرفةِ بربِّ العالمين، نيَّاتِ خواصِّ ورثةِ سيِّدِ المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
لو قعدتَ تُعدِّدُ نيَّاتٍ عشرين سنة سبعين سنة ما تصلُ إلى نيَّةٍ واحدةٍ من النيَّات التي نَوَوها؛ لأنَّ قلوبَهم أين وأنتَ أين؟ وأرواحَهم أين وأنتَ أين؟ أين ستصل إلى نيَّتِهم الواحدة إذا صدرت؟ ولذا قالوا عن مَن وصلَ إلى مقامٍ في القربِ من الحقِّ جلَّ جلالُه: "إنَّ النَّفَسَ من أنفاسِه يعدلُ بعملِ الثَّقلَين ممَّن لم يصل لهذا المقام". النَّفَسُ من أنفاسِه، تعرف عملَ الثَّقلَين -إنسٍ وجنٍّ- كم أعمال لهم؟ كم صلواتٍ؟ كم صيامٍ؟ كم جهادٍ؟ كم قيامٍ؟ كم صدقاتٍ؟ نَفَسٌ واحدٌ يعدلُها هذه كلَّها من أنفاسِ أهلِ القرب من الله جلَّ جلالُه.
والحقُّ سبحانه وتعالى يقولُ لكم في كتابِه: (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)، وأيضاً فوقَ المضاعفة سبعمائة، سبعة آلاف، أضعافٌ كثيرة.. وفوقَ هذا كلِّه: (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)، تعرفُ الأجرَ اللَّدُنِّي؟ تعرفُ العلمَ اللَّدُنِّي؟ هذا أجرٌ لَدُنِّي! تعرفُ الأجرَ اللَّدُنِّي؟ ليس في حسابِ أحد، اترك الحسابَ والمضاعفات؛ من عندِه! (مِن لَّدُنْهُ)، (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
والحمدُ لله الذي جعلَكم في هذه الأمَّة، وفتحَ لكم أبوابَ الاتِّصالِ بأهلِ الأجرِ اللَّدُنِّي والعلمِ اللَّدُنِّي والفضلِ اللَّدُنِّي، عليهم رضوانُ الله تبارك وتعالى. وهيَّأَ لكم الأسبابَ بما فسحوا لكم من مجالاتِ هذه الزياراتِ وهذه الاجتماعات، فاغنموا صفوَها، وهي من جودِ الرحمن سبحانه ربِّ العرشِ العظيم، وسرِّ رعايتِه لحبيبِه المصطفى ﷺ، والسراية التي سرت لأكابرِ الخلفاءِ والورثةِ أنتم فيهم، وعنايتِه سبحانه وتعالى ترعاها من كلِّ جانب.
فاغنموها واغنموا الوجهةَ إلى الله، وكثرةَ الدعاءِ والتضرُّعِ لكم ولأمَّةِ الحبيبِ الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وتجنون إن شاء الله ثمارَها وخيراتِها في الدنيا والبرزخِ والقيامةِ ودارِ الكرامةِ مستقرِّ الرحمة، وحتى تجدون من جَنيِ ثمارِها في ساحةِ النظرِ إلى وجهِ الله الكريم ما تجدون.
اللهمَّ لا تحرمنا خيرَ ما عندَك لشرِّ ما عندنا يا أكرمَ الأكرمين. والرحمنُ الذي خلقَنا لنربحَ عليه لا ليربحَ علينا، بسط هذه البُسط وأعدَّ، وقال في حديثِه القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ». قُل لي: ما الذي يخطرُ على بالك؟ أقولُ لك: أكبرُ منه! «وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، مَن أعدَّه؟ هو، وكُلٌّ يُعِدُّ على قدر قُدرتِه، على قدرِ عظمتِه، وهذا ربُّك ربُّ العالمين.. ماذا سيعد؟ "أعددتُ لعبادي الصالحين".. الله أكبر، وقال على الجنة أُعِدّت لهم، (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا).
وهكذا في جوده عليهم، كان ﷺ إذا ذَكرَ أصنافَ نعيمِ الجنَّة وَصفَ، يقفُ ويقول: "وفيها ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت.." ويشير إلى الآية، يقول: اقرؤوا إن شئتم قولَه تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ)، أيّ من قرَّة الأعين تعلم نفسُك؟ امتدَّ إلى الغائب يقول لك هذا فوقَ، ما تعلم! ما تعلم نفس؛ لا نفس إنسي ولا نفس جِنِّي، ولا نفس مَلَك! هو خبَّأ لهم وأعطى وأخفى لهم، حتى الملائكةُ ما يعرفونه من نعيمِ الجنَّة وهم أعرف منا بها.. ولكن الحق أخفى ما لا تعلمُ أنفسُهم -هم الملائكة-.
وتسمع.. حتى الداخل إلى الجنَّة ما تعلم نفسُه ما سيُعطى بعدَ قليل! يُعطى عطاءً كبيرًا ما كانت تعلمُ نفسُه، وأيضاً اصبر.. بعدَه عطاءٌ أيضًا ما تعلمُ نفسُك الآن، وفي اليومِ الثاني ما لم تعلمه في اليومِ الأول، وخُذها بلا نهاية! (هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
يا الذي ضاعَ في فَضله حساب المُحَسِّب! قل للحُسّاب وقّفوهم عند حدِّكم، هذا عطاءٌ ما له حسابٌ ولا يقفُ عند حساب، وهْب الوهَّابُ وجودَ ربِّ الأرباب جلَّ جلالُه.
دُعينا إليه من قِبَلِه تعالى على لسانِ عبدِه وحبيبِه محمَّد، صلى الله وسلم عليه وعلى آله، وانبسط بسرِّ هذه الدعوة ومجيء المهاجر إلى هذا المكان وإلى هذا الوادي وقيامه، ما تفرَّعَ عن ذلك إلى ما أنتم فيه الآن، وعسى الله يُلحقُ الفرعَ بأصلِه، ولا ينزعُ السِّر من محلِّه، ويُلحقُنا بعبادِه الصالحين.
هذه همومُ النبيِّين مَن قبلِنا، الأنبياء من قبلنا في هذه الحياة؛ سيِّدُنا يوسفُ عليه السلام لمَّا أكرمَه الله وآتاه، وبوَّأه الأرضَ (يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ)، وجاء له بأبيه وأمِّه، وجاء له بإخوتِه معترفين منكسرين، وتمَّت النعمة، أخذَ يدعو: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).
وهذه مناهجُ الأنبياء، ما تدخلُ فيها ولايةٌ لغيرِ الله سبحانه وتعالى، ولا يوالون إلا لله ومن أجلِ الله، (أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، يوسفُ الصِّدِّيقُ يقول: ألحقني بالصالحين! رأيتَ الانكسارَ عندهم؟ ورأيتَ هِمَمَهم وهَمَّهم أن يلحقوا بالصالحين (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).
ولا يوسف الصِّدِّيق وحدَه.. سيِّدُنا سليمان آتاه الله مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدِه، وفي وسطِ مُلكِه هذا يُفكِّرُ في المسألةِ هذه، وعندَه همُّ هذه القضية.. (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا) -النملة- وقال: (ربي) في قمَّةِ مُلكه، واسعُ العطاءِ عندَه: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ).
الاعتناء بالوالدَين والآباءِ والأجداد وما أوتوا كان من هديِ الأنبياء، في القرآن منصوصٌ عليه هديُ الأنبياء: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ)، نعبدُ إلهَك وإلهَ آبائك، عليهم صلواتُ الله وتسليماتُه.
يقول سيِّدنا سليمانُ عليه السلام: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)، عندَه همٌّ بالقضية هذه؛ الدخولُ في الصالحين، الدخولُ في الصالحين يحملُه الأنبياءُ من همومِهم صلواتُ الله وسلامُه عليهم، فكيف مَن دونَهم؟!
ولا سليمان ويوسف وحدَهم؛ الخليلُ إبراهيمُ أفضلُ الخلقِ بعدَ نبيِّنا محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام، يقول: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، ألحقني بالصالحين!
ولا الخليل وحدَه؛ الحبيب بنفسِه ﷺ، سيِّدُهم الذي ينضمُّون تحتَ رايتِه كلُّهم من أولِهم إلى آخرِهم، في كلِّ يومٍ يُناجي الرحمن: "أسألُك الصبرَ عندَ القضاء، والفوزَ عندَ اللِّقاء، ومنازلَ الشهداء، وعيشَ السعداء، والنصرَ على الأعداء، ومرافقةَ الأنبياء"، وإلا هم تحت لِوائه، ويقول: "مرافقة الأنبياء".
إذا ذَكر الجنَّة ذَكرَ أهلها وكبارُهم هؤلاء والارتباطُ بهم! "أسألُك الأمنَ يومَ الوعيد، والجنَّةَ يومَ الخلود، مع المُقرَّبين الشُّهود". المقربين كلُّهم وراه، واللهِ كلُّهم وراه! ولكن ما يقول: "مع المقرَّبين الشُّهود والرُّكَّع السُّجود"؟ وهل أحَد ركعَ مثلُه؟ وهل أحَد سجدَ مثلُه؟ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، سجدةٌ من سجداتِه ما تقومُ لها سجداتُ أهلِ السماواتِ والأرضِ من أولِهم إلى آخرِهم! قال: "مع المقرَّبين الشُّهود والرُّكَّع السُّجود، الموفين لك بالعهود، إنَّك رحيمٌ ودود، وأنت تفعلُ ما تريد".
وبعدَ هذا من الأنبياءِ وسيِّدِ الأنبياء يجيءُ واحدٌ يشمئزُّ من التبرُّك، ويشمئزُّ من التوسُّل؟ ويشمئزُّ من الرغبةِ في الدخولِ في الصالحين؟! من أين جاء هذا؟ مَن ربَّاه هذا؟ مَن علَّمَه؟ هذا هديُ الأنبياء، هذا هدي سيِّدُ الأنبياء، هذه همَّتُهم، هذا همُّهم، هذه وِجهتُهم، هذا أدبُهم مع ربِّهم جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
ونحن أحوجُ لأن نُلِحَّ عليه أن يُلحقَنا بالصالحين، ويُدخلَنا في الصالحين، ومع المقرَّبين الشُّهود والرُّكَّعِ السُّجود الموفين لك بالعهود، ونحن أهلُ الذنبِ وأهلُ التقصيرِ، وأهلُ الإساءةِ فيما بيننا وبينَه وفيما بيننا وبين عبادِه، وما لنا إلا هو لإساءتِنا، وهو لسيِّئاتِنا، وهو لزَلَّاتِنا، جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه، ومَن يغفرُ الذنوبَ إلا الله جلَّ جلالُه.
وهلَّ الشهرُ الكريم، مباركٌ إن شاء الله علينا وعليكم وعلى الأمَّةِ أجمعين، والزيارة من عندِ رأسٍ من رؤوسِ الوادي وأئمَّتهم من ورثةِ الحبيب ﷺ وذُرِّيَّتِه؛ المهاجرِ إلى الله أحمدَ بنِ عيسى عليه رضوانُ الله تبارك وتعالى.
تحامى عن الدنيا وهاجرَ فارِراً ** إلى الله والأحداثُ ذاتُ ضِرامِ
من البصرةِ الخضراء يخترقُ القُرى ** ويلحقُ أغوارًا لها بأكامِ
إلى أن أتى الواديَ المباركَ فارتضى ** ومدَّ به أطنابَهُ بخيامِ
وأصبحَ فيه ثاويًا متوطِّنًا ** بذُرِّيَّةٍ مزمومةٍ بزمامِ
من البِرِّ والتقوى وحُسنِ شمائلِ ** كرامِ السَّجايا أردفت بكرامِ
أولئك وراث النبيِّ ورهطه **وأولاده بالرغمِ للمُتعامي
قال سيِّدُنا الحدَّاد:
مواريثُهم فينا وفينا علومُهم ** وأسرارُهم فليَسألِ المُترامِ
إذا جاء بالصدقِ الذي هو سُلَّمٌ ** إلى كلِّ خيرٍ نال كل مَرامِ
الله يرزقُنا الصدقَ والإقبال، ويُباركُ لنا في إهلالِ هذا الشهرِ وأيَّامِه ولياليه، وزيارةِ النبيِّ هود في هذا العام؛ يجعلُها من أعظمِ وأكبرِ وأفضلِ وأشرفِ الزياراتِ وأبركِها على أهلِ الأرضين والسماوات، وعلى المؤمنين والمؤمنات، وعلى الأحياءِ والأموات، وعلى الوجودِ وأهلِ الوجود، يا برُّ يا ودود.
باركْ لنا في هذه الزيارة، وأعطِنا البشارةَ تلوَ البشارة، وزِدنا من فضلِكَ ما أنت أهلُه ظاهرًا وباطنًا يا مجيبَ الدعوات.
الله يُباركُ لنا ولكم في المجامع، ويُباركُ في المجالس، ويُباركُ لنا في مناصبِنا وحبايبِنا، والقائمين في هذا الشِّعبِ والمواصلين الخدمةَ فيه، والقائمين في الوادي الميمون، والقائمين في شِعبِ النبيِّ هود.
الله يجزي الجميعَ من عندِه بجزاءٍ وافرٍ من الخيرِ الباطنِ والظاهر، ويجمعُنا وإيَّاكم في خيرِ الحظائر، ومع خواصِّ الأكابر، اللهمَّ لا حرمتنا خيرَ ما عندَك لشرِّ ما عندنا، باركْ لنا في شعبان لياليه وأيَّامِه كلِّها، وبلِّغنا رمضان، واجعلنا من خواصِّ أهلِ رمضان عندَك، وأسعِدنا بكلِّ ما فيه وما تؤتيه أهليه.
وأصلِح أحوالَ الأمَّة، وعجِّل بالفرجِ للمسلمين، وخُذ بيدِ كلِّ مَن يريدُ الخيرَ للوادي والنادي وللمسلمين في المشارقِ والمغارب، وأعِنهم وصُنهم وأيِّدهم وألهِمهم رُشدَهم. وكلُّ مَن أراد السوءَ والضُّرَّ والشرَّ بالإسلامِ والمسلمين رُدَّ كيدَهم في نحورِهم، وادفع عن المسلمين جميعَ شرورِهم، ولا تُبلِّغهم مُرادًا فينا ولا في أحدٍ من أهلِ الإسلام، يا ذا الجلالِ والإكرام، يا ذا الطَّولِ والإنعام.
أنت وِجهتُنا، وأنت حِرزُنا، وأنت حِصنُنا، وأنت أمانُنا، وأنت بك اللِّياذ، وبك المَعاذ، ولا إله إلا أنت سبحانَك، عليك توكَّلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، فزِدنا من فضلِك ما أنت أهلُه، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
03 شَعبان 1447