مذاكرة الحبيب عمر بن حفيظ في مسجد العناية بتريم 1447هـ

للاستماع إلى المحاضرة

مذاكرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مسجد العناية، بحارة عيديد القبلية، عصر الأربعاء 2 شعبان 1447هـ

 

نص الكلمة:

 

مقام السجود وأكرم الساجدين

الحمدُ لله، وما أعجبَها من نسائمَ تهِب في السجود لأهل السجود، والرُّكَّعِ السُّجودِ، المتحقِّقين بحقائق السجود، والذين يقتدون في سجودهم بالحامد المحمود، أكرم الساجدين، وخير الساجدين، وأعلى الساجدين لربِّ العالمين صلى الله وسلم عليه وعلى آله.

ما تحقَّق بحقائق السجود لله أحدٌ في أرضه وسماه كما تحقَّق سيدُنا محمد بن عبد الله. 

وجعل الله تعالى السجودَ لأُمَّتِه قُربةً يقربون بها إلى المولى جلَّ جلاله، وقال نبيُّنا: "أقربُ ما يكون العبدُ من ربِّه وهو ساجد".

ويقول له عليه الصلاة والسلام: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ). قال: من معاني هذا التقلُّب ما منه ذكره ابن عباس، أنه تقلُّبٌ في أصلاب وأرحام الآباء والأمهات من الساجدين، من عهد آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وَهْب. 

(وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)، ثم تقلُّبه في الساجدين من أُمَّته: عنايتُه بهم ورعايتُه لهم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأنواعٌ من هذا التقلُّب في الساجدين لسيِّد الساجدين ﷺ.

نسائم السجود وثمراته

منهم هؤلاء الذين هبَّت عليهم نسائمُ حقائق السجود، وقال: هبَّت صَبا نسمةُ السعود للخالص الصَّبِّ في السجود، في سجودُه هبَّت عليه هذه النسمة، والنسماتُ التي تهبُّ في السجود تُخلِّص المؤمنين من أنواع الآفات، ومن أنواع القواطع، ومن أنواع الظُّلُمات، ومن أنواع الحُجُب، وتُحقِّق لهم القُربَ من الربِّ.

(كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)، قال بعض العارفين لمَّا رأى تلميذه يسجد، قال: يا ولدي، هذا السجود فأين الاقتراب؟ فأين الاقتراب؟ الربُّ قال: اسجُد واقترِب. ما المقصود مجرَّد السجود هذا، ولكن قُرْبٌ بينك وبينه جلَّ جلاله.

لا له دَخْل للجهة، ولا له دَخْل للمسافة، ولا له دَخْل في الأماكن، القُربُ من الله تعالى! لا له دَخْل في أرضٍ ولا لسماءٍ ولا جهةٍ من الجهات ولا صورةٍ من الصُّوَر، هذا قُربٌ معنويٌّ من الرحمن الرحيم. 

"أقربُ ما يكون العبدُ من ربِّه وهو ساجد"، فلو فرضنا عبدًا في السماء غير ساجدٍ وعبدًا في الأرض ساجدًا، لكان الذي في الأرض ساجد أقربَ إلى الله من الذي في السماء وهو غير ساجد، القُربُ قُربٌ معنوي، فالله يُقرِّبنا إليه زُلفى.

فضل مجامع الذكر

ويجدون معاني هذا القُرب في مثل هذه المجامع والموسم الذي خصَّ الله به سبحانه وتعالى أهلَ هذا الوادي، وإن كان مجامعُ الذكر والتذكير كلُّها غنائمَ ونِعَمًا على العباد، ولكن إذا تمَّت على أيدي المقرَّبين والصِّدِّيقين والأكابر وبنيَّاتهم، ويجتمع فيها الجمعُ الكثير، تمَّت النعمةُ من الله على الإنسان.

ولهذا قالوا: ما يخلف إلا مبعود؛ المبعود لأنه آثَرَ هواه وشهوتَه على مجامع القُربة من الله سبحانه وتعالى، والتَّلقِّي لفائض جود الله سبحانه وتعالى، فأعرض عن ذكر الله، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ).

فكانت هذه المجامعُ الكريمةُ المباركة؛ إذا كان صلاةُ الرجل مع الرجل أزكى من صلاته لنفسه، وصلاتُه مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وصلاتُه مع ثلاثة أزكى من صلاته مع الرجلين، وهكذا.. فكذلك المجامعُ بمن تحويه كلَّما كَثُرَت.

لمَّا سُئِل بعضُ المشايخ العارفين وقال: إني إذا رُحتُ زيارةً وحدي يحصل لي حضورٌ وخشوع، مع الجَمع هكذا ما يحصل لي مثل ذلك، فما الأفضل؟ قال له: إذا كثُر الماءُ لم يحمل الخَبَث.. إذا صار الماء كثير فلا يحمل الخبث ولا يتنجَّس، اذهب وابقى مع حضورُك أنت وحدك هذا، احضر مع القوم.

لهذا سمعتُه يقول: 

"واعزم معانا، واجزم ترانا، واطرب كمانا"، بفائضات جود مولانا، بما يُصلِح به ظواهرَنا وخفايانا ودنيانا وأُخرانا.

 وما يُطرِبُهم شيءٌ من الفانيات، ولا يُطرِبُهم شيءٌ من الغفلات، ولا يُطرِبُهم شيءٌ من الزائلات.. طَرَبُهم إلا بــ : (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).

وتسري سرايةُ ذلك حتى لعوامِّهم، يعملون مراجِزَهم، ويعملون خَوَايبهم، يعملون هكذا. ويسري سرايةُ طَرَبِ الحاضرين مع الله إلى هؤلاء، وكنَّا نشاهدها حتى في العوام، وتجد عيونَهم تدمع وتجري وهم في خابّتهم وهم في أهازيجهم؛ لأنهم يُحِسُّون بشيء ويذوقون شيء.

والمسألة ليست صُوَرٌ ولا مظاهر، هذه حقائقُ قائمةٌ على اتِّباعٍ لخير الخلائق، مقصودٌ بها وجهُ الخالق جلَّ جلاله. بِضاعةٌ غالية ليست من بضاعات الأحزاب الدنيا، ولا مؤسَّسات الدنيا، ولا حكومات الدنيا. الأمرُ أكبر من ذلك. 

هذه بضائع غالية، بضائع إذا قُبِل العبدُ فيها سَعِدَ سعادةً لا يشقى بعدها أبدًا، إذا قُبِل العبدُ فيها تَهيَّأ لمرافقة النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، أي شيء أغلى من هذه البضائع؟ وأي شيء أعَزُّ من هذه المِنَح والعطايا؟ ولكن لمن عرفها ولمن عرف قدرَها.

فرحة القلوب بمواسم القُرب

جاءكم شعبان بما فيه. الحبيب عبد الله الشاطري يقول: "يا فرحةَ القلب لي قالوا دخل شهر هود"، وتظنُّ أنَّ قلبًا مثل عبد الله الشاطري يفرح بشيءٍ حقير أو بشيءٍ يسير؟ ما يفرحون إلا بأعلى مراتب القُرب، وإلا مع أعظمَ شؤون الوَهْب، وأجلَّ معاني التحقُّق بالعبودية ونيل مراتب الشهود الأسنى، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

لذا قال: 

كم وكم عبدٍ عارفٍ نحوها حنَّ طَارَه

كم وكم عبدٍ وقعت له هناك الإمارة

وارتقى حالٌ عن وصفه تضيق العبارة

 

كم رَقَوْا في مراقي عاليات الصعود

 تحت سِتْر الدَّياجي والوَرا في رُقود

كم سُقُوا من رحيقٍ في كؤوس الشهود

في مثاني قيامٍ أو مَثَنَّى سجود؛

في مثاني القيام وما يتلونه في القيام من السبع المثاني ومن القرآن، أو مَثَنَّى السجود؛ السجدة الأولى والسجدة الثانية. "في مثاني قيامٍ أو مَثنَّى السجود".

وأَنْعِمْ بهم وأَكْرِمْ على قلوبٍ صافية ونقيَّة. من قبل ما يتحرَّكون من البلد يُجدِّدون توبتَهم وهم توَّابين، ويُجدِّدون إنابتَهم إلى الله وهم مُنيبين، وينتبهون من صلة أرحامهم، ينتبهون من الأخذ بخواطر جيرانهم، وينتبهون أَنه ما عليهم مَظلمة لأحد، ويُجدِّدون توبتَهم ويعزمون ويتوسَّلون إلى الله تعالى بهذه الوسائل.

زيارة شعب النبي هود عليه السلام

يمرُّون على ضريح الفقيه المقدَّم لأنه مؤسِّس هذه الزيارة على هذا الوجه، والزيارة من قبله، ومن قبل الإسلام، قبل بعثة النبي محمد ﷺ، عدد من الأمم، من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. 

حتى جاء في الأخبار أنَّ سيدنا سليمان عليه السلام أمر الريحُ فحملته إلى قبر النبي هود في الأحقاف وسلَّم على النبي هود. سيدنا النبي سليمان، على نبيِّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام الذي سخَّر الله له الريح. وذو القرنين الذي ذكره في سورة الكهف زار ضريحَ النبي هود، وهكذا.. وهذا من قبل مجيء سيدنا عيسى عليه السلام، ومن قبل ظهور سيدنا النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

ثم جاء النبي محمد وكان ذِكرُ النبي هود مشهورًا في حضرموت ومعلومًا بين أهلها، ثم توالى بعد ذلك، جاء المئات والألوف من أنحاء اليمن وجاؤوا  ألوف من غير اليمن، وجاؤوا أيضاً من الحرمين، وجاؤوا من الشام، وجاؤوا من مصر، وجاؤوامن غيرها.. من العارفين والأولياء والعلماء، وكلُّهم زاروا هذا الضريحَ. 

" ضريح قبرَ النبي هود فسِرْ إليه واترك القعود"، لا تركن إلى غفلتك. مهما آتاك الله القوَّة والقدرة والفُرصة فاغنم ذلك. 

الله يرزقنا اغتنامَ الأوقات، ويُبارك لنا في شهر شعبان وإهلاله، وزيارة هذا العام يجعلها الله مفتاحًا كبيرًا للفَرَج الكبير، الله يجعلها مفتاح كبير للفرج الكبير، للمسلمين في المشارق والمغارب.

ولكن كلٌّ يذهب ويحضر بالعزم والصِّدق والنيَّة، وإخلاص القصد لوجه الله، وصفاء الطَّويَّة، والإلحاح على الله في صلاح أحوال المسلمين، (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) جلَّ جلاله.

الله يُضاعف البركةَ في مساجدنا هذه، وفي أعمالنا هذه، وفي المواريث هذه التي وصلت إلينا من معدنها خزانة النبي محمد ﷺ، وجاءت على أيدي ورثته وخلفائه من الكبار وأهل الأنوار. الله يُبارك لنا فيها، ولأهل بلداننا، ولأهل ديارنا، ولأهل أوطاننا، ولأهل زماننا، وللأُمَّة المحمدية، ويُبلِّغنا أقصى الأُمنيَّة.

يا من وفَّق أهلَ الخير للخير وأعانهم عليه، وفِّقنا للخير وأعِنَّا عليه.

 

 

العربية