مذاكرة في مجلس الذكر والتذكير في حضرة الإمام أحمد بن زين الحبشي بالحوطة، رجب 1447هـ

للاستماع إلى المحاضرة

مذاكرة الحبيب عمر بن حفيظ، في مجلس الذكر والتذكير في حضرة الإمام أحمد بن زين الحبشي بالحوطة، وادي حضرموت، يوم الأحد 29 رجب 1447هـ

 

نص المحاضرة:

الحَمدُ للهِ شُكرًا على نِعَمٍ منه تَترى، نَحمَدُه سِرًّا وجَهرًا، وبالغدايا والآصال، واللهُ يجعله حَمدًا مُرتبِط ومُنطوي في حَمدِ المحبوبين والمُقرَّبين، حتى يَتَّصِلَ بحَمدِ أحمَدِ الحامدين وسيِّدِ المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فتعودَ علينا عوائدُ الحَمدِ التي الواحدةُ منها تملأُ الميزان؛ قال ﷺ: «الحمدُ لله تملأُ الميزان».

ومِثلُكم أيُّها المجتمعون في هذه المجامعِ يحقّ أن تحمَدوا الذي جَمَعَكم من صميمِ قلوبِكم؛ فإنَّه جَعَلَكم في خيرِ أُمَّةٍ، وجَعَلَكم في أهلِ سُنَّةِ المصطفى ﷺ، وجَعَلَكم في الوادي الميمونِ المباركِ، وجَعَلَكم في حاضري هذه الحضراتِ مُتَّصِلين بأسانيدِ الثِّقاتِ إلى خيرِ البريَّاتِ، ومُتوجِّهين إليه ومعكم الوجاهة؛ قلوبُ الحاضرين بين يديه سبحانه وتعالى، وسلسلةُ سندهم إلى سيِّدِنا وسيِّدِهم محمدهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

اللهمَّ لك الحمدُ شُكرًا، ولك المَنُّ فضلًا، فأتمِمِ النِّعمةَ على كلِّ حاضرٍ، وعلى كلِّ مَن في بيتِه ودارِه، وعلى الوادي وأهلِ الوادي يا عالِمَ الخافي والبادي، ادفَعْ جميعَ الشُّرورِ، وكلَّ محذورٍ، وأصلِحِ الأمورَ، واشرَحِ الصُّدورَ، يا بَرُّ يا غفورُ.

 

فضلُ المجالسِ والنيَّةِ الصالحةِ

أيُّها الحاضرُ في المحضرِ الكريمِ المبارك، خُذْ نصيبَكَ ممَّا يَتنزَّلُ من جودِ مولاكَ، ورحمةِ مولاكَ، ونظرِ مولاكَ، وعنايةِ مولاكَ، ومغفرةِ مولاكَ، والإدخالِ في أهلِ السعادةِ بشاهدِ قولِه فيما روى عنه حبيبُه محمد ﷺ: «وله قد غفرتُ، هُمُ القومُ لا يشقى بهم جليسُهم».

فالحمدُ للهِ الذي جَمَعَنا، ونسألُه أن يجمعَ الخيرَ لنا، ويُؤهِّلَنا لتلقِّي فائضات هذا الجودِ، فواللهِ ما عُقِدَت هذه الحضراتُ إلَّا لنحظى بالنظراتِ، والتنقِّي عن الشائباتِ، ونرقى عليّ الدرجاتِ، وإلَّا لتُكَفَّرَ الذُّنوبُ والخطيئاتُ والسَّيِّئاتُ، وإلَّا لنتحقَّقَ بالتوبةِ وحُسنِ الرُّجوعِ والأوبةِ، بما يوجبُ كشفَ كلِّ كُربةٍ؛ فإنَّه سبحانه وتعالى يكشفُ الكُرَبَ عمَّن أنابَ إليه، وعمَّن توجَّهَ إليه سبحانه وتعالى.

وكان رسولُه الهادي يقولُ لنا: «تعرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاءِ يعرِفْكَ في الشِّدَّةِ» جل جلاله وتعالى في علاه، وهذه التعرُّفاتُ أُقيمَتْ لها هذه المجامعُ والحضراتُ المباركةُ في واديكم الميمونِ، وفيها حِفظُه، وفيها سلامتُه، وفيها دفعُ الآفاتِ عنه، فاللهُ يحفظُ الواديَ والناديَ من شرِّ كلِّ عادي في الخافي والبادي، ويُصلحُ أحوالَنا وأحوالَ المسلمين.

 

طهارةُ القلوبِ ومراقبةُ علَّامِ الغيوبِ

احضُرْ بقلبٍ، واحضُرْ بوِجهةٍ؛ إذا حضرتَ بقلبِكَ ونظرَ إليكَ ربك، ما أسرعَ ما يغفرُ ذنبَكَ، ويكشفُ كربَكَ، ويُصلحُ شأنَكَ، ويُشيِّد بالتقوى بُنيانَكَ، ويُدخِلُكَ في دوائرِ مَن أحبَّ، ومَن ارتضى ومَن قرَّبَ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.

ولكنَّ القلب! الشأنَ شأنُ القلبِ؛ «إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أجسادِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم»، وشأنُ القلوبِ إذا تطلَّبَتْ دواها، وتطلَّبَتْ شِفاها، وتعلَّقَتْ بمُداوي القلوبِ وسيِّدِهم الحبيبِ المحبوبِ صلى الله وسلم وبارَكَ عليه وعلى آله، طِبِّ القلوبِ ودوائِها، وعافيةِ الأبدانِ وشِفائِها، وقُوتِ الأرواحِ وغِذائِها، ونورِ الأبصارِ وضِيائِها، صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

فإذا تعلَّقَتْ بذلك الدواءِ، واستوَتْ على منهجِ السَّواءِ، وخرجَتْ عن الغوى، وعمَّا يُنازِلُ قلبَ الإنسانِ من حسدٍ، أو من حقدٍ، أو من رياءٍ، أو من كِبرٍ، أو من عُجبٍ، أو من غُرورٍ، أو إرادةِ شرٍّ لأحدٍ من المسلمين، أو إهمالٍ لأمرِ اللهِ في نفسِه، أو إهمالٍ لأمرِ اللهِ في أُسرتِه وبيتِه وأولادِه، أو إهمالٍ لأمرِ اللهِ في جيرانِه وأصحابِه، أو إهمالٍ لأمرِ اللهِ في قرابتِه وأرحامِه؛ إذا تنزَّهَ عن ذلك ونظرَ الحقُّ إلى هذا القلبِ؛ قَرَّبَ ورَضِي سبحانه وتعالى، وأسعدَ صاحبَه بالسعادة.

ولكنَّ الذي لا يُبالي بقلبِه؛ يبيتُ على كِبرٍ ولا يُبالي، يبيتُ على حسدٍ ولا يُبالي، يبيتُ على خيانةٍ بينه وبين اللهِ تعالى في أمانةٍ تتعلَّقُ بزوجة، أو تتعلَّقُ بأبٍ، أو تتعلَّقُ بأُمٍّ، أو تتعلَّقُ بجارٍ، أو تتعلَّقُ بمالِ أوقافٍ، أو تتعلَّقُ بمعاملةٍ مع قريبٍ أو بعيدٍ، ويبيتُ على الخيانةِ ويُصبحُ على الخيانةِ ولا يُبالي؛ كيف ينظرُ الرحمنُ إليه؟ كيف يُقبِلُ الربُّ عليه؟! 

وهو القائلُ جلَّ جلالُه في فضلِه: «مَن تقرَّبَ إليَّ شِبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا»، وقال في التحذير: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى.

جُمِعتُم على بابِ هذا الربِّ بواسطةِ الجامعين عليه سبحانه وتعالى، فأحضروا قلوبَكم؛ عسى تعودُ العائدةُ علينا وعلى مَن في ديارِنا، وعلى الوادي والنادي، عائدةُ فضلٍ من المُتفضِّلِ الكريمِ في خاتمةِ رجبٍ العظيمِ.

 الذي يذكرُ أهلُ السِّيرةِ تخصيصَ نبيِّكم ﷺ فيه بالإسراءِ والمعراجِ، وظهورَ تقديمِه على جميعِ أهلِ السماواتِ وأهلِ الأرَضين، صلى ١٠ وسلم وبارَكَ عليه وعلى آلِه. 

وشاهَدَ جنَّاتٍ ونارًا وبرزخًا ** وأحوالَ أملاك وأهلَ النُّبوَّةِ 

وصلَّى وصلَّوا خلفَه فإذا هو ** المُقدَّمُ وهو الرأسُ لأهلِ الرِّئاسةِ 

صلى الله عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم.

وفي أسرارِ خلافتِه ووِراثتِه خُصِّصتُم في الوادي بأكابرِ الأكابرِ، وأطاهرِ الأطاهرِ، من أهلِ السَّرائرِ، ومن أهلِ البصائرِ، ومن أهلِ الصِّلةِ الخاصَّةِ بالنبيِّ الطاهرِ ﷺ.

 

الارتباطُ بالسَّلَفِ الصالحِ 

شيخُ سيِّدِنا أحمدَ بنِ زينٍ؛ الإمامُ الحدَّادُ يقولُ:

ولي من رسولِ اللهِ جدِّي عنايةٌ ** ووَجهٌ وإمدادٌ وإرثٌ وإيثارُ

وما هذا الإيثارُ الذي حَصَّلوه من جانبِ المختارِ؟ وما هي السَّوابقُ التي سبقَتْ لهم؟

ألا يا سفر لي جيتَ فانشدْ من حِماهُم ** فبالله ليس تلقى في الدنيا كماهُم 

ولا أطيَب من مَعايشِهم أو عَذب ماهُم ** ولو لي بَخت كنت في المَغنى مَعاهُم

وعسى نكونُ في المَغنى مَعاهُم، والذي يكونُ معاهُم ينشق شَذاهُم، ويتشوَّق إلى الشُّربِ من ماهم.

فَاسع فيما سَعَوا واشرَبْ مع القوم ماهُم ** علّ يحبوك ربُّك مثل ما قد حَباهُم 

حيث ما كانوا احضُرْ في مجالس صَفاهُم ** وقت يدعون أمِّنْ حين تسمعُ دُعاهُم 

والتمِسْ من مَدَدِهم واستمِد من نَداهُم ** فإنَّ فيما سَعَوا خيرُ الورى مُقتَداهُم

يقول سيِّدُنا الإمامُ الحدَّاد: "ما مِن سُنَّةٍ سنَّها رسولُ اللهِ إلَّا وأرجو أنِّي قد عمِلتُ بها". ومَن ترَونَ من أهل هذه المواريثِ، وأهلِ هذا الصِّدقِ، وأهلِ هذا الجهادِ والاجتهادِ خُصِّصتُم بهم في واديكم وناديكم؛ احمَدوا اللهَ على هذا الفضلِ، واتَّصِلوا بالقلوبِ، واتَّصِلوا بالأرواحِ.

 

التحذيرُ من القطيعةِ وإهمالِ التربيةِ

لا يحجُبُك عن الخيرِ الكبيرِ أذى لقريبٍ وإلا لبعيدٍ، وإلا قطيعة رَحِم، وإلا تأخير صلاةٍ عن وقتِها، وإلا إهمالٌ لولدٍ يسيرُ مع أشرارٍ ومع فُسَّاقٍ، وعلَّموه المناظرَ الحرامَ، ورجعَ إلى الكلامِ الحرامِ، وبعدها مُخدِّراتٌ، وراح هنا وراحَ هناكَ، وضيَّعتَ نفسَكَ وضيَّعتَ ولدَكَ والخيراتِ الكبيرةَ بمقابلِ ماذا؟ بمقابلِ إهمالِ أمرِ اللهِ جلَّ جلالُه! بمقابلِ التساهُلِ في القيامِ بحقِّ اللهِ في نفسِكَ وفي أُسرتِكَ وفي أهلِكَ!

وهؤلاء يدعونكم؛ كُتُبُهم تدعوكم، مناقبُهم تدعوكم، آثارُهم تدعوكم، حضراتُهم تدعوكم، وِراثتُهم تدعوكم، أنوارُهم تدعوكم؛ لأن تُصلِحوا شأنَكم مع الرحمنِ في السِّرِّ والإعلان، وأن تُصلِحوا هذه القلوبَ، وتأخُذوا نصيبَكم من هذا الجودِ، ومن هذا الفضلِ الربَّانيِّ، والفيضِ الامتنانيِّ، والعطاءِ الصَّمَدانيِّ، بوجاهةِ مَن أُنزِلَتْ عليه المَثاني، صاحبِ الشَّرَفِ العَدنانيِّ صلى الله وسلم وبارَكَ عليه وعلى آلِه، صاحبِ مقامِ: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ).

يقولُ سيِّدُنا الشيخُ عبدُالرحيمِ البُرعيُّ عليه رحمةُ اللهِ:

فلو قارنتَ لفظةَ (لَن تَرانِي) *** بـ(مَا كَذَبَ الفُؤادُ) فهِمتَ مَعنى

قال لسيِّدِنا موسى (لَنْ تَرَانِي) حين كلَّمَه عند الطُّورِ، وقال لزَينِ الوجودِ وقد رآه هناكَ: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ) صلى الله وسلم وبارَكَ عليه وعلى آلِه.

فالحمدُ للهِ الذي جعلَنا في أُمَّتِه، وجعلَ لنا سندًا إليه من خيارِ وَرَثَتِه، وكُمَّلِ أهلِ خِلافتِه، صلى الله وسلم عليه وعلى آلِه.

قال سيِّدُنا الحدَّادُ:

أولئك وُرَّاثُ النبيِّ ورَهطُهُ ** وأولادُه بالرَّغمِ للمُتعامي

 مواريثُهم فينا وفينا علومُهم ** وأسرارُهم فليَسألِ المُترامي

 إذا جاء بالصِّدقِ الذي هو سُلَّمٌ ** إلى كلِّ خيرٍ نالَ كلَّ مَرامِ

وعسى نجيءُ بالصِّدقِ، ونحضُر بالصِّدقِ، ونستمعُ بالصِّدقِ، ونذكُرُ بالصِّدقِ، ونُقيمُ الزِّياراتِ هذه بالصدقٍ.

 

توديعُ رجبٍ واستقبالُ شعبانَ ورمضانَ

 توديع لشهرِ رجب من هذه القُبَّةِ المباركةِ، من هذه الحضرةِ المُعظَّمةِ، اللهُ يجعلُه شاهدًا لنا لا شاهدًا علينا، وحُجَّةً لنا لا حُجَّةً علينا.

اللهمَّ بارِكْ لنا في خاتمةِ رجبٍ، وبارِكْ لنا في شعبانَ، وبلِّغْنا جميعًا رمضانَ، واجعلْنا عندكَ من خواصِّ أهلِ رمضانَ، يا قديمَ الإحسانِ، يا عظيمَ الشأنِ، يا ذا العطايا الرِّزانِ، يا كريمُ يا منَّانُ، يا رحيمُ يا رحمنُ، يا أكرمَ الأكرمين، يا أرحمَ الراحمين يا الله.

وقال نبيُّنا المصطفى: «ما من ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ إلَّا واللهُ فيها يُعطي»، وساعتُكَ يُعطي فيها، ولكن كيف ينظرُ إليكَ؟ وماذا يرى في قلبِكَ؟

 يقولُ سبحانه وتعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ)؛ يعلمُ ما في أنفسِكم فاحذَروه، فلا تترك -وأنت في الحضرةِ هذه- شيءٌ لا يرضى به ربُّكَ، ولا يرضى به نبيُّكَ، مُعلَّقًا بقلبِكَ من قريبٍ ولا من بعيدٍ، وخُذِ السلامةَ، وخُذِ النَّقاءَ، وخُذِ التُّقى، وخُذِ الطُّهرَ للفؤادِ؛ فإنَّه مكانُ تطهير.

والمُداوونَ للقلوبِ قائمونَ عندنا، قائمونَ دكاترةٌ كِبارٌ، أي دكاترةٌ؟ بروفيسوراتٌ كِبارٌ! أي بروفيسورات! والرأس طِبُّ القلوبِ ودواؤها صلى الله عليه وعلى آلِه. 

ونظرة منه إن صحَّتْ على أحدٍ ** بعينِ وُدٍّ -بإذنِ اللهِ- تُحييهِ

فاللهُ يُكرِمُنا وإيَّاكم بالسعادةِ في المجالسِ الكريمةِ المباركةِ، ونقومُ بخيرات هذه الحضرات، وما فيها من نظراتِ ربِّ الأرَضينَ والسماواتِ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.

وقد كان يقولُ الإمامُ أحمد بن زينٍ عليه رحمةُ الله: "مُجالَسَةُ الصالحينَ خيرٌ من مائةِ عُزلةٍ"، ويقولُ: "رُبَّما مُجالسةُ واحدٍ خيرٌ من سبعينَ ألفَ واحدٍ"، تجالسه في جلسة.. 

هم العلماءِ العارفينَ الذينَ في ** مجالسِهم للمرءِ أعظمُ إسعادِ

ما قال الحبيب علي الحبشي: إسعاد، قال: "أعظمُ إسعادِ"، في مجالسِهم للمرءِ أعظمُ إسعادِ!

فالله يُباركُ لنا في المجالسِ، ويُباركُ لنا في الجليسِ، ويُباركُ لنا في أخذِ العطاءِ النفيسِ، والدُّخولِ في الحِمى الأنيسِ إن شاء اللهُ.

ولو لي بَخت كنت في المَغنى مَعاهُم

اللهُ يُكرِمُنا وإيَّاكم هذه المَعيَّةَ، ويُنيلُنا المَزِيَّةَ، ويختمُ لنا رجبَ بخيرٍ، ويُباركُ لنا في قُدومِ شعبانَ.

 

زيارةُ نبيِّ اللهِ هودٍ عليه السلامُ

سمعتُم قولَ الإمامِ الحدَّادِ:

حَيِّ تلك المجامع حَيِّ تلك الوفودِ ** حَيِّ عيدًا بها فاقَتْ على كلِّ عيدِ

وتعرفونَ أعيادَ المُقرَّبين! وهو قد قال في قصيدتِه الأُخرى: "المُحبين لله كلَّ يومٍ لهم عيدٌ"، والعيدُ عندَهم لا أكلٌ ولا شُربٌ ولا مُلكُ الدنيا من طَرَفِها إلى طَرَفِها ما يُسمَّى عيدًا عندهم، العيدُ أكبرُ من ذلك، والعيدُ أعظمُ من ذلك، ولكن هذه الأعيادَ كلَّها قال هذه فاقَتْ على كلِّ عيد، ماذا حَصَّلوا في شِعبِ هودٍ؟ ماذا أدرَكوا في شِعبِ هودٍ هؤلاءِ؟

حَيِّ عيدًا بها فاقَتْ على كلِّ عيدِ

الحبيب عبدُاللهِ الشاطري كان يقولُ:

يا فرحةَ القلب إذا قالوا دخل شهر هودْ ** شُدود يا أهلَ المَطايا للزِّيارة شُدودْ 

قُم شدَّ عزمَك نَبى نسرح بوقتِ البُرودْ ** نزور قبرَ النبي المُرسَل وفيّ العُهودْ

عليهم صلواتُ اللهِ وتسليماتُه مع سيِّدِهم محمد، وكلِّ مَن دخلَ في تلك الدائرةِ، واستمدَّ من ذلكم المَدَدِ. 

فما أعجبَها شواهدَ القرآنِ في الاجتماعِ على الذِّكرِ والدُّعاءِ، ثمَّ شواهدَ السُّنَّةِ الغرَّاءِ في المُجتمِعينَ على ذِكرِ اللهِ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه، وثوابَهم على ذلك، و "هُمُ القومُ لا يشقى بهم جليسُهم".

ثمَّ بعد ذلك شهادةُ هؤلاءِ العارفينَ أنَّ الخصائصَ والمَزايا تجمَّعَتْ في الشِّعبِ المَصونِ المباركِ، وكان ما كان من تلقِّي فائضاتِ الجودِ والامتنانِ، وعسى حقيقةٌ من حقائقِ الزِّيارةِ، ويجعلُ اللهُ زيارةَ هذا العامِ من أبركِ الزِّياراتِ على الأُمَّةِ أجمع، على أهلِ الأرضِ والسَّماء، وعلى أهلِ الدنيا وأهلِ البرزخِ، وعلى الوجودِ وأهلِ الوجودِ، بزين الوجودِ والنبيِّ هودٍ وأربابِ الشُّهودِ، إنَّه أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين. 

كان يقول لهم في الحث -وقد وصلَ الحبيبُ أحمدُ إلى الإمامِ الحدَّادِ ومَن معه لزيارةِ النبيِّ هودٍ-، وقال لهم: توجَّهوا وتحرَّكوا، أنا رأيتُ مَن يُخرِجُ الماءَ إلى وجهي -وأوَّلتُه بغُيوثٍ تجيءُ- ولولا العلائقُ معي ما تخلَّفتُ، وأنتم لا تتخلَّفوا، قالوا: نحنُ ما دامَ تجلسُ نجلسُ معكَ.. قال: لا، اذهَبوا، ولو كان ما ورائي أعذارٌ خاصَّةٌ وعلائقُ لَمَشيتُ حتى الماطرُ فوقَ رأسي يَصُبُّ، لا أترُك هذه الزِّيارةَ، وأنتم ستحصُلُ لكم العنايةُ في زيارتِكم.

قال: فأخذوا يمشونَ والمطرُ تجيءُ من هنا وتجيءُ هنا وراءَهم، وهم في لُطفٍ حتى وصلوا إلى الشِّعبِ وتمَّتِ الزِّيارةُ.

وكان في المُتأخِّرينَ حبيبُنا محمدُ بنُ هادي السَّقَّافُ عليه رحمةُ اللهِ يعتني بالزِّيارةِ، ويقولُ: "أخافُ لو تخلَّفتُ سَنَةً أن يُصيبَ الواديَ شيءٌ ما يُطيقُه الناسُ"، ويخرُجُ إذا تسبَّبَ فيها شيءٌ من الفِتَنِ بينَ القبائلِ وغيرِهم، يخرُجُ بنفسِه إليهم ويُداوي حتى لا تنقطعَ الزِّيارةُ، وحتى تتمَّ الزِّيارةُ.

 وإن شاء اللهُ تتمُّ في سَنَتِنا هذه على خيرِ الوجوهِ، ونحوزُ فيها العطايا الكبيرةَ، والصلاحَ والفلاحَ.

وإنَّ صلاحَ الدِّين والقلب سيِّدي ** هو الغَرَضُ الأقصى فيا سيِّدي قُمْ بي

والحمدُ للهِ، هم أسَّسوها الكِبارُ الكِبارُ، وأهلُ معادنِ الأنوارِ، وجئنا نَقُصُّ الآثارَ إن شاء اللهُ من بعدِهم. 

فيا ربِّ ثبِّتْنا على الحقِّ والهُدى ** ويا ربِّ اقبِضْنا على خيرِ مِلَّةِ

الدُّعاءُ لوُلاةِ الأمورِ والمسلمين

واعلَموا أنَّ هذه المعاني مُتَّصِلةٌ بدولةِ مَن أُنزِلَتْ عليه المَثاني، دولةِ النُّورِ، ودولةِ الخُيورِ، ودولةِ الأسرارِ، ودولةِ الإرثِ للنبيِّ المختارِ صلى الله وسلم وبارَكَ عليه وعلى آلِه. 

أصحابُها أمانٌ، وأصحابُها حِرزٌ، وأصحابُها حِصنٌ للراعي وللرَّعيَّةِ؛ لكلِّ مَنِ اتَّقى اللهَ منهم سبحانه وتعالى، ولكلِّ مَن حَذِرَ من السَّطوِ والمكرِ والأذى.

وكلُّ مَن رامَ الخيرَ بالناسِ، وكلُّ مَن رامَ الهُدى للناسِ، وكلُّ مَن رامَ الرِّفقَ بالناسِ؛ فالرِّعايةُ ترعاه وعينُ الله تكونُ معه، وسيِّدُ الوجودِ قد دعا ويقولُ: «اللهمَّ مَن وَلِيَ من أمرِ أُمَّتي هذه شيئًا فرَفَقَ بهم فارفُقِ اللهمَّ به، ومَن شقَّ عليهم فاشقُقِ اللهمَّ عليه». 

والله يأخُذُ بأيدي الوُلاةِ والرُّعاةِ، ومَن رامَ منهم صلاحَ البلادِ والعبادِ والوادي اللهُ يُثبِّتُه ويأخُذُ بيدِه ويُعينُه، وكلُّ مَن رامَ الضُّرَّ لنا ولهم وللأُمَّةِ المحمديةِ؛ يدفَع شرَّه عنَّا وعن أهلِ "لا إلهَ إلَّا اللهُ".

فإنَّكَ حِصنُنا يا ربَّ العالمين، وإنَّكَ حِرزُنا يا أكرمَ الأكرمين، وما لنا إلَّا أنتَ، وباسمِكَ نقولُ ونفعلُ؛ بسمِ اللهِ الذي لا يضُرُّ مع اسمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ، لأنَّ الأرضَ أرضُه، والسَّماءَ سماؤه، والمُلكَ مُلكُه، ولا في الأرضِ ولا في السَّماءِ إلَّا ما أحبَّ وإلَّا ما أرادَ جلَّ جلالُه.

وصية للتحصين

اغنموا الساعاتِ المباركةَ، واغنموا الوِجهاتِ في هذه المنازلِ الطيِّبةِ، واسألوا اللهَ لا يَصرِفُ منَّا واحد إلَّا مسعود ومنظور، وداخلًا في دوائرِ أهلِ الهدايةِ والشُّهودِ، اللهمَّ لا تَصرِفْ منَّا أحدًا إلَّا غمرْتَه بفائضِ الجودِ.

بارِكْ لنا في مناصبِنا، بارِكْ لنا في شيوخِنا، بارِكْ لنا في أهلِ السِّرِّ فينا ظاهرِهم وخافيهم، وزِدْهُم منكَ زياداتٍ، وأعِدِ العوائدَ علينا وعليهم من كلِّ ما تكرَّمتَ به على مَن مضى فردًا فردًا إلى نبيِّ الهُدى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلَّم. 

وما تتكرَّمُ به وتجودُ إلى اليوم الموعودِ، لا تَحرِمْنا خيرَ ما عندكَ لِشَرِّ ما عندنا، وقد أوقفْتَنا مواقفَ أهلِ الإقبالِ عليكَ فلكَ الحمدُ، فببركتِهم أقبِلْ بوجهِكَ الكريمِ علينا، أقبِلْ بوجهِكَ الكريمِ علينا يا أكرمَ الأكرمين.

وارعَوا حقَّ اللهِ تباركَ وتعالى في أنفسِكم وأُسَرِكم، وحصِّنوا ديارَكم؛ حصِّنوا ديارَكم ومنازلَكم بالذِّكرِ، بالقرآنِ، بالراتبِ، بالوِردِ، حصِّنوا ديارَكم؛ تُحصَّن وتُحفَظ من أنواعِ البلايا.

 حصِّنوا مُجتمعاتِكم بمجالسِ الصالحينَ، وما خلَّفَه السَّلَفُ من مدارسَ فيكم حصِّنوها، حصِّنوا مُجتمعَكم تندفِعُ به عنكم البلايا. 

بهم يدفعُ اللهُ البلايا ويكشفُ الرَّزايا ويُسدي كلَّ خيرٍ ونعمةِ

ولولاهُم بينَ الأنامِ لَدُكدِكَتْ ** جبالٌ وأرضٌ لارتكابِ الخطيئةِ

ذكر سيدنا علي للنبي هود

واحمَدوا اللهَ الذي شرَّفَكم بالانتماءِ لهذا الدِّينِ، وأئمَّةِ هذا الدِّينِ، وتَبَعيَّةِ خاتَمِ النبيِّينَ وسيِّدِ المُرسَلينَ صلى الله وسلم وبارَكَ عليه وعلى آلِه.

ولولاه ما عرَفنا هودَ ولا أحبَبنا هودَ، ولا زُرنا النبيَّ هودَ، لكنَّ زينَ الوجودِ علَّمَنا، لكنَّ زينَ الوجودِ أرشدَنا.

 وروى الإمامُ الحاكم في مُستدرَكِه حديثَين، عن رجُلَينِ من آلِ حضرموتَ وَرَدا ولَقيا سيِّدَنا عليَّ بنَ أبي طالب، وقال لأحدِهما: هل جئتَ إلى المكانِ الفُلانيِّ والوادي.. ؟ -وَصَفَ له شِعبَ النبيِّ هودٍ- قال: كأنَّكَ تسألُ عن قبرِ النبيِّ هودٍ؟ قال: نعم أسألُكَ عن هذا، قال: ذِكرُه مشهورٌ بيننا، ودخلتُ في شبابي أنا وجماعةٌ من الشَّبابِ وجئنا إلى الموضعِ ورأيتُ كذا وكذا وكذا.. قال سيِّدُنا عليٌّ: هكذا سمعتُه من رسولِ الله، صلى الله وسلم وبارَكَ عليه وعلى آلِه، أخبارِ هذا النبيِّ ومكان هذا النبيِّ!

(وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ). 

إن شاء اللهُ تَتيسَّرُ لنا الزِّياراتُ، ونحظى بالبِشاراتِ والخيراتِ الكبيراتِ، ويُتِمُّ اللهُ الفَرَجَ للمُسلمينَ أجمعي.

ويَزيدُ حضرموتَ من عندِه لُطفًا من ألطافِه، وجودًا من جودِه، وإسعافًا من إسعافِه، وإتحافًا من إتحافِه، يَقيهم بها الأسواءَ، وبقيَّةَ اليمنِ وبقيَّةَ الشامِ والشَّرقِ والغربِ.

يا كاشفَ كلِّ كَربٍ فرِّجْ كُروبَ المسلمينَ، واجمَعْ شملَ المسلمينَ، وألِّفْ ذاتَ بينِ المسلمينَ، ولا تَصرِفْ أحدًا من هذه الحضرةِ إلَّا فائزًا بالنَّظرةِ وبالخيرِ الكبيرِ. 

أمتِعْنا بمَنصِبِنا الحبيبِ أحمدَ وببقيَّةِ مناصبِنا وأهلِ السِّرِّ فينا متعةً تامَّةً في خيرٍ كاملٍ، وفي نيل للمآمل، ودفعٍ للبلايا والآفاتِ والشواغلِ، ووفِّقْنا لما تُحِبُّ، واجعَلْنا فيمن تُحِبُّ، يا حيُّ يا قيُّومُ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

 

العربية