محاضرة في مسجد الهداية، كديِّد، بحارة دمون، تريم 19 شعبان 1447هـ
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مسجد الهداية، كديِّد بحارة دمون، مدينة تريم، ليلة السبت 19 شعبان 1447هـ
نص المحاضرة:
الحمد لله على فضله العظيم، ومَنّه الجسيم، وعطائه الفخيم، وهدايته من يشاء إلى الصراط المستقيم.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يأخذ بيد من يشاء، ويهبه -سبحانه- من جزيل العطاء، ما يجلّ عن العدّ والإحصاء.
ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، سيد أهل الاصطفاء، وخاتم الأنبياء، وإمام الأصفياء، سيد أهل الأرض وسيد أهل السماء.
صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاهم وسار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل محبة الله وقُربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
فضل مجالس الذكر وعمارة المساجد
والحمد لله الذي جمعكم على الذكر والتذكّر؛ صليتم الفريضة، واعتكفتم في بيت الله سبحانه وتعالى، وسمعتم آيات الحق جل جلاله، صليتم على المصطفى محمد ﷺ، وذكرتم الرحمن (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) اللهم اجعلنا منهم، (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) جل جلاله وتعالى في علاه.
والذكر للرحمن -جل جلاله- سبب طُهر الجَنان، والأنس بالإله، وسبب غفر الذنوب، وسبب القُرب منه -جل جلاله-، وسبب دفع البلايا والآفات.
والتذكير أساس في زيادة الإيمان، وفي طُهر الجَنان، وفي نيل رضا الرحمن -جل جلاله وتعالى في علاه-. قال تعالى: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ)، (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)، ويقول: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).
أهمية الإيمان والعمل الصالح وحفظ الجوارح
ويحصل هذا التذكُّر بالتذكير بآيات الله وأحكام الله -سبحانه وتعالى-، والرجوع إليه، والمصير إليه، والوقوف بين يديه -سبحانه وتعالى-.
وكل هذه التذكيرات في أحكامه، وما أوجب علينا، وما حرم علينا، وما يحب منا، وما يكره ويبغض من عباده -سبحانه وتعالى- من أنواع ذنوب القلب وذنوب الجوارح السبعة التي آتاها الله عباده ليطيعوه بها؛ (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)؛ لعلكم تشكرون: تطيعون الله بهذه الأعضاء وبهذا القلب.
وأول طاعة القلب بالإيمان به -سبحانه وتعالى- وبما جاء عنه على مراده، والإيمان برسوله محمد ﷺ وما جاء عنه على مراده ﷺ، فيندرج في ذلك الإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالمرسلين والأنبياء كلهم -صلوات الله وسلامه عليهم-، والإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن -جل جلاله وتعالى في علاه-.
وهذا الإيمان الذي هو أول ما يُطاع به الرحمن -سبحانه وتعالى-، يترتّب عليه إن انضاف إليه العمل الصالح أن تحقّ البشارة لصاحبه.
وتأمل في آيات ربك وفي قرآنه، من سورة البقرة إلى عامة السور كرر كثيراً ذكر الإيمان والعمل الصالح، وقال: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
ثم لم يزل يُكرر (من آمن وعمل صالحا) ، (من يؤمن ويعمل صالحا) ، (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات).. إلى أواخر السور.
يقول تعالى في سورة العصر التي قال عنها سيدنا الشافعي: أين الناس من هذه السورة! لو تأمّلوها لكفتهُم، بسم الله الرحمن الرحيم: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)؛ آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
ميزان الربح والخسارة وعواقب الظلم
وهكذا كانت البشائر الكبرى في كلام الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات، فأكبر ما يغنم الإنسان في عمره: أن يزداد إيمانه ويكثر عمله الصالح.
وجاءت الإشارة في الحديث: "خيركم من طال عمره وحسن عمله"، والعكس بالعكس: "شركم من طال عمره وساء عمله" والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فإذا ضعف إيمانه وساء عمله؛ فهو في موجبات الخزي والخسران والبعد والطرد والنيران -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
فما يكون العذاب ولا العقاب إلا بضعف الإيمان، وإلا بالسيئات وبالمعاصي وبالذنوب؛ بالعين أو بالأذن أو باللسان أو بالفرج أو باليد أو بالرجل أو بالبطن. فمعصية الله بالأعضاء السبعة توجب الدخول إلى النار التي لها سبعة أبواب كما قال جل جلاله: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ).
قال ولا يتعين للدخول من تلك الأبواب السبعة إلا من عصى الله بأعضائه السبعة؛ في هذه الأعضاء السبعة، فما خلقها الله لنا إلا لنحوز السعادة بطاعته بها، وصرفها فيما شرع لنا وفيما يرضى به منا -سبحانه وتعالى- ويحبّه.
سمعتم من تذكير أحبابنا وإخواننا أننا نستقبل الشهر بصفاء القلب وطهارة ونقاء، وهذا مما يحبّه الرب، بل يترتب السلام من الخزي في يوم القيامة عليه.
سيدنا الخليل إبراهيم يقول في دعاء لربنا العظيم: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)؛ هم الذين يسلمون من خزي يوم القيامة، والخزي -والعياذ بالله- في القيامة فضيحة على رؤوس الأشهاد ثم دخول النار، وهذا أكبر الخزي.
قالوا: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)، معنى (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) قال: ما أحد يُنجّيهم من عذاب الله، فما يغرّك أنهم كثرة، ولا أنهم عندهم زمجرة، ولا أن لهم دول؛ (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) ما لهم نصير لأن الله يبغضهم، فمن سينصرهم؟ بل يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضاً في الآخرة، بل أيضاً في الدنيا عِبر كثيرة؛ كل الظالمين ما تمر أيام إلا والظالم هذا يُسلّط على الظالم هذا، والظالم هذا يُسلّط على الظالم هذا، ومن أعان ظالماً سلّطه الله عليه.
وفي الدنيا وهم يضربون بعضهم البعض -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وفي الآخرة يلعن بعضهم بعضاً، (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا)، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ).
نصر الله للمؤمنين
من المنصورون؟ المنصورون محمد ﷺ والنبيون، ومن تبع النبيين بصدق إيمان.
قال تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا تَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ).
وقال تعالى: (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ) جل جلاله وتعالى في علاه.
(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ). جعلنا الله وإياكم من جنده، وأدخلنا في دوائر حبيبه وعبده، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
حقيقة الاعتماد على الله
فعلى المؤمن في تصحيح إيمانه ألا يكون له اعتماد إلا على الله، ولا استناد إلا إليه:
ربِّ عليك اعتمادي ** كما إليك استنادي
صدقاً وأقصى مرادي ** رضائك الدائم الحال
وما اعتمد أحد على غير الله واستند إليه إلا كانت عاقبته ونهايته الخذلان والخسران والندامة، وهذا ثابت من دون استثناء.
كل من اعتمد على غير الله تبارك وتعالى واستند إلى غير الله، كائناً من كان، في أي وقت، في أي مكان، ما تمر الأيام إلا والعاقبة والنهاية لهذا الاعتماد خذلان، يُخذل ويخسر ويندم.
(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) يقول سبحانه وتعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا).
فبِقوّة الإيمان يكون الاعتماد على الرحمن -جل جلاله-، وما يكون الأخذ بالأسباب إلا لأجل العبودية.
من اعتمد على الرحمن في نيل المرادات عمل بالطاعة، فإنه لا يُنال ما عند الله بمعصية الله؛ تريد مما عنده من الخير والمنن والمواهب والنعيم ليس بالمعصية! ما يجيء بالمعصية، ما يُنال عند الله بمعصيته، يُنال ما عند الله بطاعته -جل جلاله-.
بطاعته بقلبك وطاعته بجوارحك تنال ما عنده -سبحانه وتعالى- يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) وبعد المضاعفة: (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا * فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا).
اتخاذ السبيل مع الرسول
(يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ) محمد ﷺ، (يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ) -يكفي أن يقول الله (يود الذين كفروا)، لكن نصّ على معصية رسوله من أجل يُبيّن لنا مكانة هذا الرسول عنده، ومنزلة هذا الرسول عنده، وقدر هذا الرسول عنده- (يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ) -يعني يُمسخون ويستوون مع الأرض سواء، لا يبقى لهم وجود- (يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا).
ويقول في الآية الأخرى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)، اتخاذ السبيل مع الرسول: بالإيمان به، ومحبته، وتعظيمه، والفرح بذكره، والصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم-، واتباع سنته، والاقتداء به، ومحبة أهل بيته، ومحبة صحابته، ومحبة أمته عامتهم وخاصتهم خاصة؛ هذا سبيل مع الرسول، يتمناه الكفار في القيامة وما يُحصِّلونه، والظالمون يتمنونه ما يُحصِّلونه: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) سأنجو من الشدائد والأهوال هذه والعذاب الذي لا يُطاق والنار الموقدة (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا).
وعلاقاتك بِزَيد وعمرو والهيئة الفلانية والفلانية؟ (يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا)؛ يا ليتني ما صاحبتهم، ليتني ما عرفتهم، ليتني ما جالستهم، ليتني ما قعدت عندهم، ليتني ما تعاونت معهم، ليتني ما دريت بهم، (يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا) والعياذ بالله تبارك وتعالى.
المتحابون في الله
ولكن المتحابون في الله على منابر من نور يوم القيامة، لا أحد يقول ليتني ما عرفته، ليتني ما جالسته؛ يفرحون بأخوّتهم في الله تبارك وتعالى. ويقول ﷺ في حديثه الصحيح: "ليبعثن الله أقواماً يوم القيامة على منابر اللؤلؤ على وجوههم النور، يغبطهم الأنبياء والشهداء، ليسوا بأنبياء ولا شهداء"، جثا أعرابي على ركبتيه قال: حلّهم لنا يا رسول الله نعرفهم -من هؤلاء-؟ قال: "هم المتحابون في الله من بلاد شتى وقبائل شتى، يجتمعون على ذكر الله ويذكرونه".
كما ترون في شِعب النبي هود، وكما ترون في مجامع فيها متحابين من بلاد شتى وقبائل شتى، ماذا يعملون؟ يذكرون الله تعالى، ويتذاكرون أمر الله سبحانه وتعالى.
قال: "هم المتحابون في الله من بلاد شتى وقبائل شتى، يجتمعون على ذكر الله ويذكرونه"، الله يجعلنا منهم، ويجعلنا فيهم، ويجعلنا معهم. هؤلاء أخلّتهم وأخوتهم تنفع وتدوم. قال تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ).
جزاء المتقين وشروط قبول العمل
وما حال المتقين ذاك اليوم؟ (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ)، (بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)؛ عملوا ماذا؟ عملوا الصالحات، صاموا صياماً صحيحاً، صيام لا فيه أكل يبطله، ولا شرب، ولا جماع، ولا استقاءة، ولا كذب، ولا غيبة، ولا نميمة، ولا شحناء، ولا بغضاء، ولا قول زور.
"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ" ؛ لأنه ما اتقى الله تعالى في صومه، ما قام بحق الصوم، (بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)؛ (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
عملوا صلاة صحيحة وحرصوا على حضور القلب فيها؛ ليس صلاة من أولها لآخرها وهو خارج المسجد كله! وهو ليس في الصلاة، وخارج المسجد كله، من أولها إلى آخرها! في القيام هو خارج المسجد؛ في الركوع هو خارج المسجد، في الاعتدال هو خارج المسجد في فكره، في السجود هو خارج المسجد.. أيّ صلاة هذه؟ (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ). ولو طوّلها وعرّضها وقلبها كذا، ما نفعته.
إن الرجل ليصلي الصلاة فلا يكتب له خمسها ولا سدسها ولا عشرها، وإنما يُكتب للعبد من صلاته بقدر ما حضر فيها، بقدر ما عقل منها؛ لأن الله لا ينظر إلى الصور ولا إلى الأجسام، ولكن ينظر إلى القلوب.
وهكذا يعملون بر الوالدين، يعملون صِلَة الأرحام، يعملون الإحسان إلى الجيران، يعملون انطواء القلب على محبة المؤمنين وعلى مودة المؤمنين.
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) يقول سبحانه وتعالى، (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، "ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه" يقول عليه الصلاة والسلام.
وهكذا فهم عملوا الصالحات، فبذلك جَنَوا هذه الثمرات؛ (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ).
(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ) -يا مالك- بعد ألف سنة يجيب عليهم خازن النار، يقول: ما لكم؟ يقولون: (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) -ادعُ ربك يقضي علينا-، ندمنا، وخسرنا، وحسرنا، والآن قل له يهلكنا ولا نبقى في هذا العذاب.
يقول لهم سيدنا مالك: (إِنَّكُم مَّاكِثُونَ)؛ مكوث هنا، لا خروج ولا موت، (لا يموت فيها ولا يحيا) كما قال جل جلاله. قال: (إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) والعياذ بالله سبحانه وتعالى، اللهم اجعلنا من أهل جنتك.
اغتنام رمضان والتحذير من موانع المغفرة
ومن أول ليلة من رمضان تُفتّح أبواب الجنان كلها، وتُغلق أبواب النار احتفالاً بالشهر العظيم المبارك، وتنفتح أبواب الرحمة للمؤمنين، ويكثر عدد المغفور لهم الذين يدخلون الجنة بسبب المغفرة في رمضان، "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
قال ﷺ في الحديث الآخر: "فرض الله عليكم صيامه، وسننتُ لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنبه كيوم ولدته أمه"؛ وغُفِرَت له ذنوبه كلها بواسطة رمضان الذي يَرمض الذنوب، أي يحرقها.
فلهذا قال: "ويل لمن أدرك رمضان فلم يُغفر له، إن لم يغفر له فيه فمتى؟" متى يكون الغفران إذا ما غُفِر له في هذا الشهر الكريم؟
ومن كان يستقبل رمضان بمتابعة الصور الكريهة الخبيثة في الليل أو في النهار في ليالي رمضان الشهر الكريم، فهذا جدير أن لا يُغفَر له في رمضان والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وأما عاق الوالدين، والمشاحن، وصاحب الخمر، والقاطع للرحم؛ بالنص! بالنص أنه ما يُغفر لهم طول رمضان؛ لله عتقاء من النار في كل ليلة ستمائة ألف عتيق -في الرواية الأخرى ألف ألف عتيق (مليون عتيق) كل ليلة- فإذا كان آخر ليلة أعتق مثل ما أعتق من أول الشهر إلى آخره، وغفر لجميع المؤمنين إلا أربعة: المشاحن، وقاطع الرحم، وعاق الوالدين، وصاحب الخمر والمخدرات والمسكرات.
هؤلاء الأربعة لا تفيدهم "القَربعة"، مهما ظهروا بأيّ مظهر، ويخرج رمضان ولا مغفرة؛ ومن لم يغفر له فيه فمتى يُغفر؟ ويل لمن أدرك رمضان ولم يُغفر له.
الله يُطهِّر ديارنا وبلادنا من هؤلاء الأربعة؛ لا يبقى فينا مقاطع، ولا سكران، ولا مقاطع رحم، ولا عاق للوالدين، ولا مشاحن لأحد من المسلمين.
الله يبعد عنّا جميع موجبات الخزي والندامة في الدنيا ويوم القيامة، يضاعف الخيرات في هذه المساجد، ويرفعنا مراتب أهل القرب من العباد الصالحين الموفين بالعهود، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
دعاء ختام المجلس واستقبال شهر رمضان
الفاتحة أن الله يُحقِّقنا بحقائق الإسلام، ويبارك لنا في الإسلام والمسلمين، ويُحققنا بحقائق الإيمان، ويبارك لنا في الإيمان والمؤمنين، ويُحققنا بحقائق الإحسان، ويبارك لنا في حقائق الإحسان والمحسنين.
وأن يبارك لنا في خاتمة شعبان وما بقي من أيامه ولياليه، وأن يُهيئنا لاستقبال رمضان، ويجعلنا من أسعد الناس برمضان ولياليه وأيامه، ويُبلغنا جميعه، ويجعلنا -سبحانه وتعالى- من المتلقّين لفيوضات جوده وافضاله فيه، وجوده على من تحبه ويرتضيه من خواص أهليه.
وأن الله يوفّر حظنا من نظرته إلى العباد وإلى أمة حبيبه محمد في أول ليلة من ليالي رمضان، ويجعلنا ومن في ديارنا يُنادى على كل واحد منا في جميع ليالي رمضان: "يا باغي الخير أقبل، يا باغي الخير أقبل".
وأن الله يثبتنا على الاستقامة، ويتحفنا بأنواع الكرامة، ويجعلنا ممن يصوم إيماناً واحتساباً، ويقوم إيماناً واحتساباً، وأن الله يرفعنا مراتب قربه والدنوّ إليه والفهم عنه.
وأن يصلح البلاد والعباد والأمة، وأن يحوّل الأحوال إلى خير حال، وأن يُعجل الفرج للمسلمين، وأن يلطف بالمسلمين في اليمن وفي الشام وفي الشرق وفي الغرب، ويكشف كلّ كرب عن أهل "لا إله إلا الله"، وأن الله يُحوّل الأحوال إلى أحسنها، ويختم لنا أجمعين بأكمل حسن السابقة وأكمل حسن الخاتمة.
من تقدم في كل هذه البلاد من المؤمنين والأتقياء والعارفين وأهل اليقين؛ يغفر لهم ويرحمهم، ويعلي درجاتهم، ويُكثِّر مثوباتهم، ويضاعف حسناتهم. ويغفر لوالدينا ووالدي الحاضرين خاصة، ولذوي الحقوق عليهم، وإلى أرواحهم وأمواتنا وأموات المسلمين وأحياهم إلى يوم الدين عامة.
بنية كمال حُسن السابقة، وكمال حُسن الخاتمة في عافية، وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.
23 شَعبان 1447