محاضرة في مجلس ختم القرآن إلى روح الحبيب عمر الجيلاني في الخريبة، وادي دوعن

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مجلس عزاء وختم القرآن إلى روح العلامة الحبيب عمر بن حامد الجيلاني، رحمه الله، في جامع الخريبة، وادي دوعن، حضرموت، يوم السبت 12 شعبان 1447هـ

خطاب مباشر للقلوب؛ بسيرة الفقيد وانتقاله إلى الله، امتدادًا لميراث النبوّة في الوادي المبارك: تربية وعلمٌ مقرون بالعمل، ودعوةٌ بالرحمة، وهمٌّ بأمر الدين والأمّة.

محور الخطاب:

  • الزينة الحقيقية التي لا تزول، زينة الإيمان والعلم والاتصال بالله ورسوله ﷺ، في مقابل زينة الدنيا التي تفنى.
  • أهمية الأسانيد وأخذ الكتاب والسنّة عن أهلها؛ حماية من الانحراف والفتن.
  • نداء لعدم الانقطاع عن أهل القرب من الله.
  • والتحذير من الاغترار بالغافلين وأفكارهم، والدعوة إلى مجاهدة النفس وتزكيتها.

مقتطفات من المحاضرة (خطاب للأمة في عزاء فقيد الأمة) 

 

نص المحاضرة:

 

المقدمة: موقف خطاب للقلوب

الله لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

الموقف موقف خطاب للقلوب، لقلوب الحاضرين ومن وراءهم، انتقال هذا السيد وارتقائه، ولحوقه بالرب وحبيبه الأطيَب ﷺ، ووَرَثة هذا الحبيب من آل بيته وصحابته، إلى والده ومشايخه الذين تلقّى عنهم على هذا المنوال، في وجهة العلم والعمل والتعليم وأمانة الدعوة إليه عز وجل؛ خطاب لكل فرد منا، بل كل نظرة نظرت بها عيوننا إلى ذاك الوجه؛ هي خطاب تخاطبه الآن، كل مصافحة صافحنا بها ذاك السيد؛ خطاب يخاطبنا الآن، كل كلمة سمعناها من لسانه؛ خطاب يخاطبنا الآن.

عمره مضى كما سمعتم:

هم أقوامٌ غُذُوا في المحبة من صغرهم

وعاشوا في مخافات وغابوا في فِكَرهم

 ويسعد كل من كان في عُمره نظرهم

هُداة الورى طوبى لعبدٍ رآهُمُ ** وجالسهم لو مرة منه في العمرِ

 

ميراث النبوة في الوادي المبارك

تحت تربية أبيه، كان كتب الحبيب عبد القادر السقاف -عليه رحمة الله- إلى والده يقول له: يتردد إلينا أولادكم عمر وعبد القادر، قال: ونحن نفرح بهم ونعوِّل عليهم لأنهم نسخة من أخلاقكم، نسخة من أخلاقكم ومن تربيتكم التي ربيتموهم بها، ويقرأ السلام على ولده الحبيب عبد الله وعلى أعيان كانوا في "الخريبة" وفي "دوعن".

في وصلة هؤلاء القوم بمُهِمّة وأمانة سيد المرسلين وخاتم النبيين المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ نستجلي منها هذا الخطاب في اجتماعنا اليوم في الجامع الكريم المبارك، المنوَّر بالعلم الخالص، والعمل الخالص، والصدق التام، والوجهة القوية، والهمم العليّة من بداية تأسيسه، وعلى ما قام به الشيخ عبد الله بن أحمد، عليه رضوان الله تبارك وتعالى، ومن جاء من بعده، ومن في وقته ومن اتصل به، مثل الحبيب عمر بن أحمد جد هؤلاء الحبايب عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، وولده الإمام محمد بن عبد الله، ومن كان في ذاك العصر وفي هذا الوادي.

 

حقيقة الزينة الدنيوية والأخروية

بل خطاب الحبيب عمر بن حامد لنا: أن مثل الوادي هذا زُيِّن بحقيقة الزينة؛ حقيقة الزينة أعني بها زينة الأبد، لأنّ زينة الدنيا يقول الحق سبحانه وتعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا). 

ولكن في خلال هذه الحياة مع قِصَرها ومرورها علينا، فيها أنواع من الزينة العلوية، والفخر المؤبَّد الحقيقي، وسر الاتصال بالحي الذي لا يموت القيوم جل جلاله الدائم، هي مكسبنا من هذه الحياة.

أما ما على الأرض فقد قال لكم ربكم: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا)، وقال لكم "لها"، ليست لكم، كل ما على الأرض ليس زينة لكم، أنتم زينتكم أخرى إن أخذتموها وإن ضيّعتموها، وأما هذه زينة على الأرض فقط، وهي وما عليها يذهب، هي وزينتها كلها.

(حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا)؛ مِن أرباب فكر التسلُّط على العباد، ونشر السلطة هنا وهناك، وأخذ الثروات، إلى غير ذلك من هذه الأفكار التي تلعب بالعالم المُظلم، العالم المُنقطع عن نور الله وعن نور رسوله ﷺ؛ (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).

يقول في الزينة التي نتحدث عنها العلوية: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). اجعل حبيبنا عمر في خاصة خاصتهم وكبار كبارهم، يا أرحم الراحمين يا أكرم الأكرمين.

 

مناقب الفقيد وحسن الخاتمة

نتلقّى سِرّ الخطاب فيما خلَّف فينا وترك، في الجامع هذا كم اجتمعنا، وسمعتم رحلته الأخيرة سبحان الله صبغها الله بصبغة مؤدٍ للأمانة، مع الكبار ومع الصغار، مع المعاهد، مع المدارس، مع المساجد، مع الحلقات، مع العامة، مع الخاصة، وفي قلب مُعلَّق بالرب جل جلاله ورسوله، تربّى وتزكّى على قصد وجه الله جل جلاله، فيه تنطبق الصفات التي قالها الحبيب عبد الله بن حسين بلفقيه:

وفاتني من خيار الناس كم رجلٍ ** ما فارق الذكر طول العمر والكُتُبـا

بكَّـاء ليلتـه سـجـاد خـلوتـه ** مـن خـوف مالكـهِ يسـتعذب التعبـا

له اشتغال بحفظ السـر عن دخلٍ ** ليـث النـزال إذا مـا عـارك الرُّقبـا

تلقاهُ في الجود كـالطائي وأحنفهم ** فـي الحلـم قـد فـاق قسـاً حيثما خَطبـا

عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، "ما فارق الذكر طول العمر والكُتبا". وإلى وقت وفاته، سمعتم أفراداً من الذين ماتوا في مباشرة طلب العلم أو في الدعوة إلى الله -جمعها هذا الحبيب عمر-. كان الشيخ عمر حداد لما توفي شيخنا الحبيب محمد بن علوي بن شهاب عليه رحمة الله تعالى وهو قائم يذكِّر في حولية الإمام عبد الله بن حسين بن طاهر، وجاءه الموت وجلس وتوفي في نفس اللحظة، قال: كثير سمعنا من العارفين والأولياء ميت وهو ساجد، ميت وهو يقرأ ويعبد، لكن في الدعوة إلى الله نادر ما سمعنا هذا، نادر ما سمعنا هذا! هو وسط الدعوة في أثناء الدعوة يموت، وهذا جمعها.

كان بعض العارفين عند موته قال: هاتوا الكتاب، وهو في السكرات قال: هاتوا الكتاب، قال: من شأن أن من مات وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام.. ماذا قال؟ اسمع حديث النبي ﷺ: "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام؛ فبينهُ وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة"، بينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة! فوق.. ليس أولياء بل بينه وبين الأنبياء -تحت النبيين مباشرة- مع أهل الصديقية الكبرى، إذا جاءه الموت وهو يطلب العلم ليُحيي به الإسلام. وجاءه الموت وهو يطلب العلم وهو يُعلِّم العلم، وكما سمعتم يقرأ في الكتاب ثم أخذه المذكور سبحانه وتعالى بِكُلِّيّته، وأخذ يريد يحسّ الوجود وما فيه في أسرار "لا إله إلا الله" التي نطق بها لسانه، بعد أن تمكَّنت معانيها مِن جَنانه، عليه رحمة الله تعالى ورضوانه.

 

الوصلات القلبية القوية

يُخاطبنا من بعد: اهتماماتكم أين؟ بل كان مما يخاطبنا به أنّ مثل هذا الوادي تزيَّن بزينة الولاية والصديقية وإرث النبوة، الزينة الأبدية التي لا تذهب ولا تنقطع ولا تزول بالموت، ولا بالنفخة الأولى ولا بالنفخة الثانية في الصور، بل تبقى زينة وتبقى كرامة، وتبقى شرف وتبقى ذُخر وتبقى رِفعة وتبقى علو: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، يقول جل جلاله وتعالى في علاه.

واستلم بقلبك هذا الخطاب، الموقف يخاطبنا، والحالة والحادثة تخاطبنا، وسيرة هذا السيد تخاطبنا، وسلسلته بالأسانيد الكبيرة عامة أهلِ النور والسر، من أهل الوادي، من أهل الحرمين الشريفين، كان لهم به وصلة قلبية وروحية قوية! تعرف معنى هذا الكلام؟ وصلة قلبية وروحية قوية، وما من الشيوخ الذين عرفناهم والذين أدركهم في الحرم وغيره إلا وبينه وبين كل واحد كذا كذا جلسة، وكذا كذا قصة، وكذا كذا خدمة، وكذا كذا رابطة، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

وهكذا، وكان من أكابرهم، ما سمعتم تحدَّث عنه أخوه الحبيب عبد الله، الحبيب محمد أمين كُتبي عليه رحمة الله تبارك وتعالى، وبينه وبين -الحبيب عمر الجيلاني- مجالسات وموآنسات وخدمات وخصوصيات، وهناك الحبيب عبد القادر بن أحمد السقاف، والحبيب أحمد مشهور بن طه الحداد، وكان يأتي إليه من جدة ويجلس معه في جلسة في كل أسبوع واستمر على ذلك سنين طويلة، وبقية علماء الحرم وغيرهم من القوم الكرام، عليه رحمة الله تبارك وتعالى ورضوانه.

الصلة بين أهل القرب وبين الغافلين

وهو يقول لنا في هذا الخطاب: لا تُضيِّعوا صِلَتكم بأهل قرب الله تعالى مقابل صِلة بالبعيدين، مقابل صِلة بالغافلين، تغترون بأفكارهم أو تغترون بأطروحاتهم! يدخلون إلى بيوتكم ويفسدون الأولاد، ويفسدون الأفكار، ويفسدون الأهل، ويفسدون الأخلاق. 

اقطعوا العلائق بهؤلاء الأراذل، إن ستتعلق فوليّك الله ورسوله، والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، كما يقول لنا ربنا: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)، يقول الله.

تقديم محبة الله ورسوله ومجاهدة النفس

في المقابل يقول عن ذاك التَّوَلّي والموادّة: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ)، ما يُوادّون من يُحادّ الله ورسوله قط، ولا يوالون أعداء الله الذين قال عنهم: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)، والعياذُ بالله تبارك وتعالى.

 (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا)، تهديد من الجبار في القرآن لمن قَدَّم في محبة قلبه شيئاً من مظاهر الوجود على محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله، فلا يجوز أن يتقدّم في قلوبنا شيء على محبة ربنا ورسوله ومحبة الجهاد في سبيل الله.

وأوّل من تجاهد: نفسك، وآخر من تجاهد: نفسك! أول من تجاهد نفسك وآخر من تجاهد نفسك، ولا حجاب أكبر بين العبد وبين ربه من نفسه، "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك". 

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)، والعياذ بالله تبارك وتعالى، (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ).

 

بقاء الأثر والعمل الصالح

ثم يذكُر لنا ﷺ مِن استثناء أنّ الإنسان إذا مات انقطع عمله، قال: "كل ميت انقطع عمله إلا الشهيد"، وجاء في لفظ: "المرابط في سبيل الله"، "فإنه يدوم له" ، أي: ما قطعه عن العمل إلا الموت، فعمله الذي يُحب أن يعمله مستمر دائم ما انقطع، لأن ما انقطع عن العمل هذا إلا بالموت، وهو مُقبل على الله، فيجري له عمله، ويجري له ما كان مُتوجّهاً إليه في حياته.

وهكذا، وسمعتم من خطابات هذا السيد لنا: أني خرجت من الدنيا ولقيتُ ربي وفي ذهني كثير من الهَم بأمر الأمة، وأمر الدين، وأمر الشريعة، وأمر الخدمة للقريب وللبعيد بالرحمة، بالحكمة، بالإخلاص، بالتواضع، وما إلى ذلك.. خطاب خاطبنا به.

وإن شاء الله المعهد الذي ينوي إقامته يقوم على خير الوجوه إن شاء الله، ونفعه يستمر ويدوم إن شاء الله، وعلى أيدي أخويه وأولاده وأولادهم وقرابتهم وتلامذته والمنتمين إلى ولائه في الله سبحانه وتعالى. 

الله يُبلِّغه فوق ما رام من الخيرات، ومِمّا نوى من النشر للهدى وللخير، اجزه اللهم عنا خير الجزاء.

 

الرضا بالقضاء وتعزية فقيد الأمة

إلهنا وسيدنا، آثار خطابات من هذه الحادثة التي حدثت وأوجعت القلوب، ونحن نسترضيك ونسألك أجرك ومَثوبتك، ونرضى بقضائك ونرضى بحُكمك، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ ولله مَا أَعْطَى، ولنصبر ولنحتسب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). اللهم آجِرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها.

وكما سمعتم في كلمة أخيه الحبيب عبد الله، مصيبته ليست على أهله ولا على أولاده، هذا فقيد الأمة، فقيد أهل السنة، فقيد أهل العلم، فقيد أهل الأدب، فقيد أهل لا إله إلا الله، فقده أهل لا إله إلا الله في شرق الأرض وغربها، بما يحمله من سِر الصدق مع الله والأدب مع الله والرحمة لعباد الله. 

الله يُجزِل مثوبته، ويرفع درجته، ويبارك له في لقاء والده، ولقاء شيوخه في البرزخ، ولقاء زين الوجود ﷺ. 

والحال كما قال الإمام الحداد:

فالموت للمُحسِن الأواب تُحفتهُ ** وفيـه كـل الـذي يبغـي ويرتـادُ

لقـا الكريـم تعـالـى مجـدهُ وسَمَا ** مع النعيم الذي ما فيه أنكادُ

قال سيدنا ابن عباس لما توفي والدي العباس: عزوني الناس وما عزاني أحد بمثل ما عزاني أعرابي ببيتين، ماذا قال؟ قال: الأعرابي قال لي:

اصبـر نكُـن بـك صابريـن ** فإنّمـا صبـر الرعيـة بعـد صبـر الراسِ

خيـر مـن العبـاس صبـرك بعـده ** والله خيـرٌ منـك للعبـاسِ

والله خيرٌ منك، أنت أحسن أو ربك؟ أخذ العباس وجاء به إلى عنده، أحسن له أولاده وأهله أو ربه؟ قال: والله خير منك للعباسِ، عليهم رحمة الله تبارك وتعالى، فالله خير لعمر بن حامد مِنا، جل جلاله وتعالى في علاه. 

الله يلذّذه بمرافقة المقربين والصديقين والنبيين وسيدهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وجده عبد القادر الجيلاني، وسلاسل سند والده عليه رحمة الله تبارك وتعالى، عن الحبيب عبد الله بن عمر، وعن الحبيب أحمد بن عمر الشاطري، سمعتم، ومن أخذ عنهم واتصل بهم من الأكابر عن الأكابر عن الأكابر. 

فهم الكتاب والسنة عبر الأسانيد

مُسندة في دفاترها عن أهل الروايات ** شيخ عن شيخ يروي عن خيار البريات

وفي هذا أيضاً لنا خطاب: فهمكم للكتاب والسنة خذوه بإسناد، لا تزيغوا إلى انحراف ولا إلى فساد، فإنّ مفاهيم الكتاب والسنة محفوظة بحفظ الله في عدول كل خلف، في عدول كل خلف! "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".

وتجيئكم مفاهيم يدَّعون الكتاب والسنة؛ يفتحون باب القتل، وباب السب، وباب البغضاء، وباب الشحناء باسم الكتاب والسنة! ولا نعرف كتاب وسنة تفتح باب البغضاء ولا باب الشحناء، ولا باب الحسد ولا باب الكبر، فضلاً عن باب القتال.

ولكن من مصائب القتال الأول الذي حصل في القرن الأول، قوتل السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار باسم الكتاب والسنة! الكتاب يقول لكم اتبَعوهم، قالوا: بل نقتلهم! السنة تقول لكم عظِّموهم، قالوا: بل نقاتلهم! والعياذ بالله تبارك وتعالى. 

والحق يقول: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ)، قاتَلوا سيدنا علي ومن معهم من كبار الصحابة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ويدَّعون الكتاب والسنة!

في خطاب وفاة الحبيب عمر الجيلاني: حاموا على مفاهيم الكتاب والسنة، خذوها من أصلها، تلقُّوها عن أهلها، لا يزيغ بكم زائغ ولا يضل بكم ضال؛ حتى لا تخونوا الأمانة بينكم وبين الله سبحانه وتعالى، ثم لا عُذر لكم، والبيان قائم، والسند قائم وواصل، ومُتصل برجاله من طبقة إلى طبقة إلى زين الوجود محمد ﷺ.

 

"حياتي خير لكم ووفاتي خير لكم"

فالحمد لله الذي جمعنا، جزى الله أحبابنا آل الجيلاني خير الجزاء وأحسن عزاءهم وعزاءنا، وغفر الله لحبيبنا عمر الجيلاني أوسع المغفرة، ورفعه في أعلى الدرجات، وجمعنا به في أعلى الجنة وهو راضٍ عنا. 

فيا رب واجمعنا وأحباباً لنا ** في دارك الفردوس أطيب موضعِ

 فضلاً وإحساناً ومَنَّاً منك يا ** ذا الجود والفضل الأتمِّ الأوسعِ

 برحمتك يا أرحم الراحمين، الله يجعلها ساعة فضل من فضله الكبير ومَنّه الوفير.

 إن هؤلاء الأخيار سبحان الله، قال حبيبهم سيدهم محمد ﷺ: "حياتي خير لكم ووفاتي خير لكم"، قالوا: حياتك، كيف وفاتك؟ قال: "تُعرَض عليّ أعمالكم، ما وجدتُ من خير حمدت الله، وما وجدتُ غير ذلك استغفرت لكم". 

والآن ترون في وفاته ونحن في الرحمة هذه، ونحن نزداد قُرب بواسطته، نزداد إيمان، نزداد قُرب، نزداد نور بوفاته؛ فهو نافع في حياته، وأيضاً نفعه بعد وفاته عليه رضوان الله، والله يضاعف النفع بعد وفاته، وبآثاره وبإخوانه وبأولاده، وبطَلَبته وبنياته، الله يجعل لها آثاراً واسعة في حضرموت واليمن والشام والشرق والغرب وجميع أقطار الأرض، ويزيدنا وإياكم زيادة، ويُسعدنا سعادة.

الخاتمة والدعاء

يا رب لا صَرَفْتنا من المَجمع إلا بقلوب صَدَقَت معك، وأقبلتْ بالكُلِّيّة عليك، وذاقتْ لَذَّة الصِّدق معك في جميع الأحوال، حتى تُرفَع لنا الدرجات في يوم قُلتَ عنه: (هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)، ألحِقنا بهم يا رب وزدنا زيادة من كل خير. 

بارك في حبيبنا عبد الله، وحبيبنا عبد القادر، وأولاد المُنتقل إلى رحمة الله سبحانه وتعالى: هاشم وبقية إخوانه، وبقية إخوان أعمامه، والمنصب هذا محمد بن سالم، بينه وبينه صِلة قوية وموَدَّة قوية، ومعاونة على البر والتقوى من هنا ومن هناك، الله ينزل عليهم السكينة والطمأنينة والرِّضا، ويجعل فيهم العطايا الثمينة والأسرار المَصونة، ويجري على أيديهم الخيرات الكثيرة الكبيرة الوافرة يا أرحم الراحمين. ولا يدع أحداً في الجمع إلا أخذ بيده إليه، أخذ أهل الفضل عليه، وقَوَّمنا على ما يُحِبّ منا.

وبارك لنا في ليلة النصف من شعبان المُقبلة علينا، وفي رمضان ولياليه، بَلِّغنا إياه يا رب، واجعلنا من خواصّ أهله عندك، وفي أول ليلة لك نظرة إلى أمّة محمد، فوَفِّر حظنا من نظرتك، واجعلنا من أسعد الناس بذلك الشهر وما فيه. 

وأطل أعمارنا في طاعتك وطاعة رسولك على ما تُحب، في زيادة معرفة وقُرب وإيمان، واختم لنا بأكمل الحسنى، واختم لنا بأكمل الحسنى، واختم لنا بأكمل الحسنى. 

يا الله بها يا الله بها ** يا الله بحسـن الخاتمـة

يا الله بها يا الله بها ** يا الله بحسـن الخاتمـة

فالموت آتٍ عن قريب ** كُلٌّ له منه نصيب

مَن كان دانٍ أو نَصيب ** فهو مصيبة عامة

قد حان حيـن الانتقـال ** والعمـر ولّى فـي ضـلال

لكنـي أرجـو ذا الجـلال ** بجـاه والـد فاطمـة

يا الله بها يا الله بها ** يا الله بحسـن الخاتمـة

يا رب مـا معنـا عمـل ** وكسبنـا كلـه زلـل

لكـن لنـا فيـك أمـل ** تُحيـي العظـام الرامّة

يا الله بها يا الله بها ** يا الله بحسـن الخاتمـة

يا رب كن لي يا معيـن ** إذا رشـح عـظم الجبيـن

واختـم إلهـي باليقيـن ** مـن قبـل لـوم اللائـمة

يا الله بها يا الله بها ** يا الله بحسـن الخاتمـة

بحقّك عليك وأسمائك وصفاتك ومحبوبيك، اكتب كمال حُسن الخاتمة لكل فرد منا، ومن أهلينا ومن ذوينا ومِمن في بيوتنا، وأحيي ما مات من الخير، ورُدَّ ما فات من بضائع نبيّ الخير، يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

 

العربية