محاضرة في مجلس الذكر والتذكير في حولية العلامة الحبيب سالم بن حفيظ 1447هـ
للاستماع إلى المحاضرة
Audio Stream
Audio Stream
محاضرة الحبيب عمر بن حفيظ في مجلس الذكر والتذكير في حولية جده العلامة الحبيب سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبي بكر بن سالم، في منطقة مشطة، شرقي مدينة تريم، عصر السبت 28 رجب الأصب 1447هـ
نص المحاضرة:
الحمدُ للهِ بالفضلِ والامتنان، وواسعِ الجودِ والإحسان، أحضَرَكُم الرحمن، مُتوجِّهينَ إليه، مُتذلِّلينَ بينَ يديه، مُعظِّمينَ لشعائرِه، مُمتثِلينَ لأوامرِه جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
بذلك كلِّه نقرأ عُنواناً من عناوينِ الإرادةِ الإلهيَّةِ والفضلِ الرَّحمانيِّ، نسألُ الحقَّ أن يُحقِّقَ لنا ولكم أن يكونَ مُرادُه فينا خيراً؛ فإنَّ مَن في السَّماواتِ من الملائكة، ومَن في الأرضِ من الأنبياءِ والأولياءِ والأصفياء، ما أوصلَهم إلى ما أوصلَهم إليه إلَّا إرادةٌ منه، وسابق رحمة منه.
ومَن على ظهرِ الأرضِ من الأشقياء، وأنواعِ الفُجَّار، وأنواعِ الكُفَّار، وأنواعِ الغافلين، بل وأنواعِ المُجرمين، وأنواعِ الظَّالمين، سَبَقَت لهم سابقةُ الشَّقاءِ بإرادةٍ مِن لا يكونُ في الوجودِ إلَّا ما أراد، فسلكوا سبيلَ البُعدِ ومُوجِبَ الطَّرد، واختاروا ما يُهلِكُهم في الدَّارَينِ والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى، لا إلهَ إلَّا هو بيدِه ملكوتُ كلِّ شيءٍ وإليه يَرجِعُ كلُّ شيء.
من إراداتِه أن يَجمَعَكُم في مِثلِ هذا الموطن، في مِثلِ هذه العشيَّة، في هذه البُقعة؛ تقرؤونَ كتابَه، تتأمَّلونَ آياتِه، تسمعونَ كلامَه وكلامَ رسولِه محمَّدٍ ﷺ، تقرؤونَ أخبارَ صالحٍ من الصَّالحين، وعَينٍ من أعيانِ ورثةِ النَّبيِّ الأمين، من عِترتِه الطَّاهرة.
كلُّ ذلك إراداتٌ ربَّانيَّةٌ نرجو أن تنطويَ على أنَّه أرادَ لنا في السَّابقةِ سعادةَ الأبد، وأن لا نحيدَ عن منهجِ نبيِّه محمَّدٍ، في غَيبٍ ولا مَشهَد، في قولٍ ولا فِعل، ولا نيَّةٍ ولا مَقصَد، ولا أَخذٍ ولا عطاء.
فيا ربِّ ثبِّتنا على الحقِّ والهُدى **ويا ربِّ اقبِضنا على خيرِ مِلَّةِ
تذكُّرُ المصيرِ والاستعدادُ للقاءِ الله
وحيثُ قد كان عُنوانُ هذه الإرادةِ الإلهيَّةِ التي ضمَّتكُم وجمَعَتكُم في وِجهةٍ إليه -جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه- فعليكم أن تتفقَّدوا ما يُطرَحُ وما يُنَزَّل في هذه القلوبِ والأفئدةِ؛ من إرادات، من وِجهات، من رَغَبات، من توجُّهات، من عَزَماتٍ فيما يبقى معنا من فُرصةِ الحياةِ وفُرصةِ العِيشةِ المحدودةِ المعدودةِ أنفاسُها، إلى حينِ اللُّحوقِ بهذا المصيرِ الذي لا بُدَّ إليه نَصير.
وما من يومٍ إلَّا وهو به إلينا يَسير، ويَسيرُ بنا كلُّ ليلةٍ مَسير، إلى البارح إلى اليومِ، سِرت مَسير للمصير هذا، أكثر من أمس؛ كنت أمس أبعد عن هذا المصير، واليومَ أقرب إلى هذا المصير، وبعدَ كلِّ ساعةٍ تمُرُّ أنا أقرب إلى هذا المصير؛ إلى أن تأتيَ السَّاعةُ المُعيَّنةُ المُحدَّدةُ وتَلقى العليَّ الكبير، والعظيمَ الجليل، والرَّبَّ الكبير، والإلهَ الحقَّ جلَّ جلالُه.
فيا فوزَكَ إن لَقِيتَه وهو راضٍ عنك، يا فوزَكَ إن لَقِيتَه سبحانَه وتعالى وهو ناظرٌ بالرَّحمةِ إليك، يا فوزَكَ إن لَقِيتَه سبحانَه وتعالى وهو يَرتضيكَ لقُربِه، ويأمُرُ الملأَ الأعلى والملائكةَ أن يَحمِلوا لكَ البشائرَ ويُنادونَك: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي).
والسَّاعةُ هذه التي تأتي عندَ اللِّقاءِ فاصلةٌ ما بينَ السَّاعات، شأنُها كبير، وكانَ هِمَمُ الأولياءِ تتوجَّه إليها خوفاً من سوءِ الخاتمة، وطمعاً في أن تَحسُنَ الخاتمة؛ وتكونَ الساعة: ساعةَ قَبول وساعةَ رِضوان، وساعةَ إحسانٍ وامتنان، وساعةَ صفاءٍ عن الأدران؛ يَلقى العبدُ فيها ربَّه فيُقابِلُه بما لا عينٌ رأَت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قلبِ بَشَر، في البرزخ، ثمَّ في مواقفِ القيامة، ثمَّ في دارِ الكرامة.
وفي دارِ الكرامةِ كلُّ يومٍ عطايا أكبرُ من اليومِ الذي قبلَه، كلُّ ليلةٍ مِنَحٌ ومواهبُ ونِعَمٌ ونَعيم، ولذَّةٌ وقُربٌ وحلاوةٌ أكبرُ من التي قبلَها، من غيرِ حَد! من غيرِ حد؛ هذه ضيافةُ الواحدِ الأحد، هذه ضيافةُ الفردِ الصَّمد، هذه ضيافةُ ربِّ العالمين، وكلٌّ يُضيِّفُ على قَدرِه، وما لقَدرِ ربِّكَ من حَدٍّ ولا له من عَدٍّ، (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
قالَ سبحانَه وتعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
مُحاسَبةُ النَّفسِ وانكسارُ القلب
يا أهلَ الجَمع، يا مَن حَضَرَ إلى الموقع، خُذ نصيبَكَ ممَّا يتنزَّلُ في القلوب؛ فإنَّ نتائجَ المَجامعِ والمَجالسِ ما يتجلَّى مُقلِّبُ القلوبِ على قلبِ كلِّ واحد، ويأخُذ به، ويأخُذ بوِجهتِه.
قالَ سبحانَه وتعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)، وما استباقُنا للخيراتِ إلَّا بتعرُّضٍ للنَّفَحات، وبتوجُّه وثَبات، وبمُخاطَبةٍ للنَّفسِ أن تُقلِعَ عن غَيِّها، عن ضلالِها، عن غفلتِها، عن هواها، عن كِبرِها، عن عُجبِها، عن غُرورِها، عن حَسَدِها، عن المُهلِكاتِ التي تُهلِكُها.
خِطابُ النَّفسِ بذلك.. جاءَ في بعضِ الأخبار: أنَّ عابداً من عُبَّادِ بني إسرائيلَ استمرَّ يعبُدُ اللهَ تعالى سبعينَ سَنَة، ثمَّ عَرَضَت له حاجةٌ فدعا اللهَ فلم يَرَ أثرَ الإجابة، ولمَّا كرَّرَ الدُّعاءَ ولم يَرَ أثرَ الإجابةِ جلسَ ساعةً يُعاتِبُ نفسَه، قال: يا نفسَ السُّوء، ما تأخَّرَتِ الإجابةُ إلَّا لأنَّكِ غافلة، لأنَّكِ مُقصِّرة، لأنَّكِ جاهلة، لأنَّكِ مُغالِطة، لأنَّكِ مُلبِّسة.. عاتَبَ نفسَه ساعة، فأوحى اللهُ إلى نبيِّ ذاكَ الزَّمن: قُل لفلانٍ العابدِ إنَّ مُعاتَبتَه لنفسِه تلكَ السَّاعةَ أفضل له عندي من عبادةِ السبعينَ سَنَة، التي مرت؛ حسبَها مَقامٌ عندي أحسن من تلكَ العبادات، ما عاتَبَ نفسَه فيها.
وما تسمع قولَه في الحديثِ القُدسيِّ: "أنا عندَ المُنكسِرةِ قلوبُهم من أجلي"؛ واللهِ لو حَصَّلَت مِنحةُ انكسارٍ للقلبِ في المَجمَعِ أنتَ فائز، وللخيرِ حائز، وكيفَ يكونُ ربُّ العرشِ معكَ وعندَك!
"أنا عندَ المُنكسِرةِ قلوبُهم من أجلي"؛ فلا أقلَّ أن تقومَ بهذه العطيَّة، بهذه المَزيَّةِ من هذه الحَضرةِ المُباركة، حَضرةِ التَّوجُّهِ إلى اللهِ تعالى، حَضرةِ آثارِ الطَّاعة، آثارِ العبادة، آثارِ الصِّلةِ بالحقِّ ورسولِه، آثارِ نورانيَّةِ السِّلسلةِ في الأخذِ والتَّلقِّي والسَّنَد، هذه آثارها! جَمَعَكُم الباري سبحانَه وتعالى عليها.
خواتيمُ رجبَ واستقبالُ شعبان
اللهُ يَقبَلُنا أجمعين، ولا يَجعَل فينا إلَّا مَقبول، ولا يَجعَل فينا إلَّا مَنظور، ولا يَجعَل فينا إلَّا مَرضي عنه، ولا يَجعَل فينا إلَّا مُوفَّق؛ ينختم له رجبٌ بخير؛ خيرٍ في قلبِه، وخيرٍ في روحِه، وخيرٍ في سِرِّه، خيرٍ في نفسِه، وخيرٍ في أهلِه، وخيرٍ في أولادِه، خيرٍ في ظاهرِه وباطنِه، اللهُ يُباركُ لنا في خاتمةِ رجب، اللهُ يُوفِّرُ حظَّنا من بَرَكةِ خاتمةِ رجب.
ويُقدِمُ علينا شعبانَ بالخيراتِ الرِّزانِ والعطايا الحِسان، شهرٌ تُعرَضُ فيه الأعمالُ على الله، ما الأعمال؟ قُل لعينِك، وقُل لأُذُنِك، وقُل ليدِكَ وفَرجِك، وقُل لرِجلِك، وقُل للسانِك؛ هذه هي الأعمالُ التي ستُعرَضُ على الرَّبِّ، وقُل لقلبِكَ رأسُها وأساسُها، هذه الأعمالُ التي ستُعرَضُ على الرَّب؛ ما قُلتَه، ما فَعَلتَه، ما نَظَرتَه، ما نَوَيتَه، ما عَزَمتَ عليه، ما حرَّكتُ فيه يدي ورِجلي، هذا الذي سيُعرَضُ على ربِّي.
معكَ بضاعةٌ صالحةٌ للعرضِ على ربِّ السَّماواتِ والأرض، على ربِّ العرشِ العظيم؟ أو شيءٌ من أقوالِكَ تستحي منه حتَّى مِن كبيرٍ من كُبراء أهل دارِك، فكيفَ بربِّ العالمين؟
قال: "شهرٌ تُعرَضُ فيه الأعمالُ على الله"، قالَ حبيبُنا محمَّدٌ ﷺ: "وأُحِبُّ أن يُعرَضَ عملي وأنا صائم"؛ كانَ يُكثِرُ الصِّيامَ ﷺ في شهرِ شعبان.
ورتَّبَ لنا السَّلَف زيارةَ النَّبيِّ هُود، اللهُ يُبلِّغُنا إيَّاها على خيرِ حال، ويجعلُها في هذه الأعوامِ من زياراتِ الخيرِ الكبير، والمَنِّ الوفير، من أبرَكِ الزِّياراتِ على الصَّغيرِ والكبير، والذَّكَرِ والأُنثى، وعلى حَضرَموتَ واليمنِ والشَّامِ والشَّرقِ والغرب، وعلى العوالمِ والوجودِ كلِّه، بوجاهة زَينِ الوجودِ والنبي هُودٍ وأربابِ الشُّهود؛ فإنَّها مواطنُ تعرُّضٍ للنَّفَحات، وتنقيةٍ عن الشَّائبات، ووِجهةٍ إلى ربِّ الأرضِ والسَّماوات.
دعوةٌ للتَّوبةِ وتطهيرِ الباطن
تُقامُ ليَرتقيَ المُرتقي، وليَرتفعَ المُرتفِع، وليتداركَ حالَه المُتأخِّر والمُتكاسِل، والمُتراخي والغافل، والمُتناسي والمُتجاهِل، أو المُصِرُّ على ذنبٍ من الذُّنوبِ ظاهرٍ أو باطن، وربُّ العرشِ يُناديهِ على لسانِ حبيبِه: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ)؛ اتركوا ظاهرَ الإثمِ وباطنَه، لأنَّ العاقبةَ ليست أمراً هيِّناً ولا يسيراً.
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ)، وإذا جُوزِيتَ بما اقترفتَ سَقَطت، لكن إذا جازاكَ بفضلِه، إذا جازاكَ بإحسانِه نَجَوتَ وسَعِدت.
ونحنُ بينَ يديه، وعسى يَنظُرُ إلينا في هذا الجَمعِ وفي هذه العشيَّة، ويَجعَلُ الحاجاتِ مَقضيَّة، ويُبلِّغُنا فوقَ الأُمنيَة، لا صَرَفتَنا يا ربِّ إلَّا مَقبولينَ مَنظورينَ مُوفَّقينَ للخير.
أَحسِن لنا خاتمةَ رجب، واجعلْه شاهداً لنا لا شاهداً على أحدٍ منَّا، وحُجَّةً لنا لا حُجَّةً على أحدٍ منَّا، وهيِّئنا لشعبانَ وعَرضِ الأعمالِ عليك فيه.
هذه أعمالُ السَّنةِ كلِّها -غيرَ أعمالِ اليومِ واللَّيلةِ في كلِّ صباحٍ وفي كلِّ مساءٍ تُعرَضُ على ربِّك- ولكن حصيلةٌ من أعمالِ سَنَتِكَ تُهيَّأ للعرضِ على الرَّبِّ جلَّ جلالُه.
ورب من كَرَمه وإحسانه إنْ إذا رأى قلبَ عبده نَدِمَ وانكسَر، ساواها له وداواها له من عنده، ما أحدٌ يُداويها غيرُه جلَّ جلالُه، وتُبدَّلُ السَّيِّئاتُ حسنات، وتجيء من أيدي الملائكةِ والصُّحُفِ التي كُتِبَت فيها فتمتحي! ما عرف الملَك أين ذهبت! وهو نَسِي، والكتابُ نَسِي، والقلمُ نَسِي، والأرضُ نَسِيَت! لماذا؟ أصلَحَ شأنَه الواحدُ؛ لأنَّه صَدَق، لأنَّه تابَ وانكسَر، لأنَّه تذلَّلَ ورَجَعَ إلى الإلهِ سبحانَه وتعالى، (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ).
دعاء
اجعلْنا كذلكَ يا ربِّ، اسلُك بنا في خيرِ مَسلَك أَطيَب، في تَبَعيَّةِ حبيبِكَ الأقرب، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آلِه وصحبِه ومَن أَحَبَّ، واجعلْنا محبوبينَ لكَ وله في عافية.
انظُر اللهمَّ إلينا في المَجمَعِ الكريم، ثبِّتنا على الصِّراطِ المُستقيم، واغفِر للمُتقدِّمينَ معنا، والذينَ كانوا يَحضُرونَ هذه المجالسَ من أوَّلِ ما أُسِّسَت، ارفَع درجاتِهم عندَك، اجمَعنا بهم في دارِ الكرامة. اجعلْها ساعةً تترَّوحُ الأرواحُ فيها بعطاءٍ منكَ يا جوادُ واسع، لا حَدَّ له ولا غاية.
أَيدي الفُقراءِ امتدَّت إليك، وأنتَ الذي أكرَمتَها بالامتداد، وبعدَ أن تُكرِمَها بالامتدادِ حاشاكَ أن تُرجِعَها خائبةً عن جودِكَ يا جواد، وعن عطائكَ الذي جَلَّ عن الحدِّ والتَّعداد، لا إلهَ إلَّا أنتَ يا مَن رِزقُه ما له من نَفاد، ويا مَن لا يستطيعُ أن يُحصيَ عطاءَه حَسّاب، وقُلتَ في صريحِ الكتاب: (هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
أَعِد علينا عوائدَ حبيبِنا سالمٍ وشيوخِه، ومَن اتَّصلَ به، ومَن اتَّصلَ بهم واحداً بعدَ ثانٍ، وعوائدَ الذينَ كانوا يَحضُرونَ هذه المحاضرَ من أهلِ القلوبِ الطَّاهرة.
وكانَ ممَّن يَحرِصُ على الحضورِ حبيبنا أحمدُ بنُ عليٍّ منصب الشَّيخِ أبي بكرٍ عليه رحمةُ اللهِ ورِضوانُه، ووَلَدُه الحبيبُ حسنٌ أمَدَّه اللهُ بتمامِ العافيةِ ودوامِها والشُّكرِ عليها، وكم وكم من الشِّيبانِ الذينَ مَضَوا، واللهُ سبحانَه وتعالى يُعيدُ عوائدَ الفضلِ على الجميع، ويُشفِّعُ فينا الحبيبَ الشَّفيع، ذي الجاهَ الوَسيع، ويُحنِّنُ هذه الأرواحَ الطَّاهرةَ حتَّى تَصلُحَ شؤونُنا الباطنةُ والظَّاهرة، ويَنظُرَ اللهُ إلى البلدِ وأهلها، ويُفرِّجَ الكُرُوبَ كلَّها، ويَدفَعَ البلايا كلَّها، إنَّه أكرمُ الأكرمين.
اجعَل قلوبَنا لا تنصرِفُ من المَجمَعِ إلَّا وهي مُقبِلة عليكَ إقبالاً كُليّاً، لا تَرجِعُ عنه، ولا تَغفَل، ولا تنقطع، ولا تُهمِل، ولا تُبعَد؛ حتَّى نَلقاكَ، وتكونَ ساعةُ لقائكَ ساعةَ المَنِّ الكبير، ساعةَ العطاءِ الوفير، ساعةَ الفرحِ العظيم، يا حيُّ يا قيُّوم.
نَلقاكَ على حال مِن تُحِبُّ لقاءَه وهو يُحِبُّ لقاءَك، أَكرِمنا اللهمَّ بذلك، اسلُك بنا أشرفَ المسالك، وأَصلِح شؤونَ الأمَّةِ أجمعين، واختِم لنا بأكملِ الحُسنى برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
تاريخ النشر الهجري
30 رَجب 1447
تاريخ النشر الميلادي
19 يناير 2026
مشاركة
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(6)
(63)
(650)
(1913)
(153)
(41)
العربية