(394)
(616)
(8)
(4)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مجلس ختم صحيح الإمام البخاري في مسجد الإمام محمد بن عمر السقاف، في منطقة القرن بمدينة سيئون، وادي حضرموت، ليلة السبت 28 رجب الأصب 1447هـ بعنوان:
مجالي الاعتصام بحبل الله والاستمساك بالعروة الوثقى
الحمدُ لله ربِّ العالمين، الحمدُ لله ربِّ العالمين على هذه العطايا الثمينة، والحبال المتينة في الاتصال بالقويِّ المتين -جلَّ جلاله-، بما شرعَ وبما دعانا إليه، وبما دلَّنا عليه رسولُه المصطفى محمدٌ ﷺ.
واستجابت إليه قلوب وأرواح الصادقين، ممَّن كان في زمنه ولَحِقَ برتبة الصُّحبة لزَين الوجود ﷺ، ومَن كان مُخَضرَمًا ولم يرَ الطَّلعة البهيَّة فكان من التابعين، ومَن كان من تابعي التابعين، وهكذا على ممرِّ القرون؛ القلوبُ المُلبِّية لنداء الله تستجيب للتمسُّك بالعروة الوثقى، والاستمساك بحبل الله المتين والاعتصام به، الذي قال عنه جلَّ جلاله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا).
وقال سبحانه وتعالى: (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
والطاغوتُ كلُّ ما ضادَّ وعاندَ شرعَ الله ومنهجَ الله، وخالفَ ما جاء به محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه، (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
ثمَّ بيَّنَ سبحانه وتعالى سُنَّتَه في الوجود وما يحصلُ لمن والاه، ولمن تولَّى عن ذِكره، ولمن تولَّى عن شُكره، ولمن لم يمتثل لأمره، فقال: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). اجعلنا ممَّن استمسكَ بالعروة الوثقى وتحقَّقَ بحقائق التُّقى.
اجتمعتم بفضل الله سبحانه وتعالى في هذا المسلك الموروث من هذا الاستمساك بحبل الله المتين؛ قراءةِ كلامه، وقراءةِ كلام نبيِّه محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
ولكم شأنٌ مع أصحِّ هذه الكتب التي صُنِّفت في كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم؛ حتى أنَّ بعض أهل العلم ولمَّا استغرقَ في مسائله وأَخْذِه من كتابٍ إلى كتاب، أرادَ ﷺ أن يتنبَّه، فرأى رسولَ الله ﷺ في النوم قال: تقرأُ مؤلَّفات فلان وفلان وفلان ما تقرأُ مُصنَّفي؟ قال: يا رسول الله ما مُصنَّفُك؟ قال: "صحيح البخاري"، هذا ينقلُ كلامي، وينقلُ أحوالي، وينقلُ تقريراتي، وينقلُ صفاتي، قال: هذا مُصنَّفي. يعني عَلِّقْ قلبَك بالأصل والأساس؛ الوحيِ المُنزَّل وبلاغِ النبيِّ المُرسَل، ومنه تفرَّعت العلوم، لا تُخلِّ نفسَك عن هذا الاتصال بالكتاب مباشرة.
لذلك وجدتم في سِيَر سلفِكم الأكرمين في هذا الوادي صِلتَهم بالقرآن في البيوت وفي المساجد، وأوصَلوه للدِّكك وللأسواق وللدَّكاكين.
وكان خيارُ المسلمين سواءً في الحرمين الشريفين، في اليمن، في الشام، في مصر؛ حتى تُجَّارُهم ما من دكَّانٍ إلا ووسطَه قرآن، ومع القرآن أيضاً مِثل "دلائل الخيرات" وشيء من كتب الأذكار موجودةٌ في الدَّكاكين كلِّها، ما يفتحُ دكَّانَه وهو خالٍ من القرآن، ما يفتحُ دكَّانَه وهو خالٍ من كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم؛ استمساكٌ بالعروة الوثقى واتصالٌ بالحبل المتين.
وجاؤوا لكم بهذه التراتيب المباركة من حين دخلَ رجب وأنتم في مَجمَع خير، ومَجمَع ذِكر، ومَجمَع مَولد، ومَجمَع خَتم بخاري، ومَجمَع خَتم تجريد البخاري، ومَجمَع وِجهةٍ ودعاءٍ إلى الله سبحانه وتعالى، متَّصلةٌ بما تركَ صاحبُ الشَّرع فينا من تَرِكةٍ عظيمةٍ فيها حبالُ الاتصال بذي الجلال -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-.
تُصفِّي القلبَ، تُنزِّه البالَ، تُخلِّصنا من ذميم الخِصال وقبيح الخِلال وسيِّئ الأقوال والأفعال؛ لأنَّ لها مؤثِّراتٍ تؤثِّر على مسار الإنسان وفِكر الإنسان، يحتاجُ أن يؤدِّيها بنصيبٍ من الحضور، بنصيبٍ من النَّقاء الباطني.
وإلا كلُّ ذِكرٍ وكلُّ صلاةٍ وكلُّ عملٍ صالحٍ إذا قام به المؤمنُ على نصيبٍ من الحضور مع الله وصفاء الباطن أثَّرَ فيه.
وربُّكم يقول: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ). وأين نَهيها هذا، كيف تنهى وما معنى نَهيها؟ ما يحصلُ في قلب المصلِّي مِن إدراك عظمة الله وإشراق نور الإجلال للرحمن يمنعُه عن الذنوب، يمنعُه عن أن ينطقَ بالكلمة لا تُرضي الربَّ جلَّ جلاله، وهو يقرأُ قولَه: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
فما يتكلَّمُ بكلمةٍ إلا كُتبت، قالوا حتى أنينُ المريض يُكتَب، ومخاطبتُك لأهل بيتك ولصاحبك، وفي الطريق: "وكيف حالُك؟ ومن أين جئت؟ وماذا تعمل؟" مكتوب، مكتوبٌ من أجل المقابلة.
ما كان من حسناتٍ مقصودٍ بها وجهُ الله فهو من الكَلِم الطيِّب؛ (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)، (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ).
ورأس الطيِّبُ من القول: "لا إله إلا الله" -حقَّقنا الله بحقائقها واجعلنا من خواصِّ أهلها-.
الطيب من القول: تسبيحُ ربِّك، وتحميدُه وتهليلُه، وقرآنُه وكلامُ نبيِّه محمدٍ ﷺ، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر؛ هذا الكَلِم الطيِّب.
الكَلِم الطيِّب: ما تقصدُ به وجهَ الربِّ وهو يحبُّه جلَّ جلاله، وقد قال سبحانه فيما لا يحبُّ: (لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)، السوءُ من القول ما يحبُّ الجهرَ به؛ ومفهومُ الآية أنَّ الله يحبُّ الجهرَ بالحَسَن من القول، يحبُّ الجهرَ بالكلمة الطيِّبة، يحبُّ الجهرَ بما يُؤلِّفُ بين القلوب، يحبُّ الجهرَ بما يدلُّ عليه، يحبُّ الجهرَ بما يُرغِّبُ في طاعته وبما يُحذِّرُ من معصيته، يحبُّ الجهرَ بما تُدخِل به السرورَ على قلوب المؤمنين، "الكلمةُ الطيِّبة صدقة" يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وكانت هذه التراتيبُ المباركة من هذه المدرسة، وخلَّفوا هذه التَّرِكة المباركة؛ بها عِمارةُ الديار والمنازل والمُدن والقُرى، وحِفظُنا من أنواع الشرور والآفات والعاهات من حيث ندري ومن حيث لا ندري.
لأنَّه ما سببُ نزول أيِّ بليَّةٍ إلا أعمالٌ سيِّئة، وأقوالٌ سيِّئة، ونيَّاتٌ سيِّئة تصدرُ من بني آدم؛ يَنزلُ في مقابلها من الأقدار ما فيه غمٌّ، أو ما فيه همٌّ، أو ما فيه مشقَّة، أو ما فيه مصيبة. ولكن إذا صَعِدت الأعمالُ الصالحة والكلماتُ الطيِّبة إلى الرحمن والدعاءُ والتضرُّع؛ والحقُّ تعالى يقول في كتابه: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ)،
ومعنى لولا دعاؤكم: لولا أنَّ قلوبًا بينكم مُعتنيَةٌ بدعائي، مُعظِّمةٌ لي، حاضرة معي تدعوني؛ لولا ذلك لكان الأمرُ غير، ولكان الشأنُ جاريًا على ما يشقُّ عليكم وبما لا تقدرون عليه.
وإذا لم يَعبأ الرب بأحد.. إلى أين يُفلِتُه؟ إلى أين يرميه؟ والعياذ بالله تعالى، فمَن له بعد الله جلَّ جلاله؟ ومَن له إذا لم يَعبأ اللهُ به والعياذ بالله تبارك وتعالى.
كما أشار ﷺ إلى أحوالٍ تكون في أمَّته، إمَّا في بعض الأماكن وبعض الأزمان أو في آخر الزمان بعد ذهاب الخيرات كلِّها، يذهبُ الصالحون الأمثلُ فالأمثل، ثمَّ تبقى حُثالة لا يُباليهم الله بالة، ما لهم عنده منزلة، ما لهم عنده مكانة، لأنَّ ما في قلوبهم صِدقٌ معه، ما في قلوبهم تعظيمٌ لجلاله، لا يُباليهم اللهُ بالةً، فلا يرتفعُ لا صلواتُهم ولا دعواتُهم لأنَّهم انقطعوا عن الله تبارك وتعالى.
وما أحسَنوا الاستمساكَ بالعروة الوثقى، في مثل هذه الآثار التي خُلِّفت فيكم، والحمدُ لله على قيامها واستمرارها، والله يرزقنا جوهرَها وسرَّها وحقائقَها، وما انطوى فيها من معارف ولطائف وأسرارٍ تَجمعُ على اللطيف جلَّ جلاله، وتُثبِّتُ الأقدامَ على منهجه الشريف المُقتضي للتكريم والتشريف.
فما أعزَّت العبادُ أنفسَها بمثل طاعة الله، ولا أهانت أنفسَها بمثل معصية الله، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
والهُونُ وإن كان يتنزَّل ما يتنزَّل منه في الدنيا على جميع العُصاة والمُعرِضين عن الله، ويُهانُون بأنواعٍ من الهَوان؛ لكنَّ الهُون الكبير منتظرُهم: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ).
تستكبرون بغير الحقِّ؛ فلا مجالَ للافتخار بغير الحقِّ، بغير الخضوع لله، بغير الأدب مع الله، بغير الورع في دين الله، بغير الاتِّباع لمحمد، لا مجال للافتخار! ولا بأسلحة ولا بمظاهر، ولا بحضارة، ولا بشيء؛ مَن استكبرَ بشيءٍ غير الحقِّ فله الهَون.
(فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ)، تُحبُّون الفسق؛ ما تُبالون بالمعصية من العين، من اللسان، من الفَرْج، من اليد، من الرِّجل.. ما تُبالون! تظنُّونها هيِّنة.
يقول الحقُّ في التحذير من الذنوب: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ) عاقبتُهم السُّوأى والعياذ بالله، ما لهم حُسنُ عاقبة، ما لهم حُسنُ خاتمة؛ (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ) والعياذ بالله تبارك وتعالى.
(اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، قال: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ) ييأَسون، ويسقطُ أملهم ورجاؤهم، يعلمون خَيبتَهم والعياذ بالله.
(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ)، تعلَّقوا بمَن لا قَدْرَ له عند الله، بمَن لا مَنزِلَ له عند الله، ما فيهم شفيع.
حتى لمَّا يبكون ويتأسَّفون على أنفسهم في النار يتمنَّون أنه كانت علاقةٌ بينهم وبين الأصفياء والمُقرَّبين والصالحين، يقولون: (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ).
ما معنى قول الكفار والعُصاة في النار "ما لنا من صديقٍ حميم"؟ ما كانوا يتصادقون؟ عندهم مئاتُ الأصدقاء، لكن أصدقاءُ ما أحدٌ له وجاهةٌ عند الربِّ، أصدقاءُ ما أحدٌ له مكانةٌ عند الله.. قالوا: لو صادَقنا واحدٌ من أولئك وبيننا وبينه صِلة ممكن تحصل شفاعة، (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ).
(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)، مَن يتخاللون ويتصاحبون على تقوى الله! هم الذين يجنون ثمرَ هذا بالحُلول في ظلِّ العرش، وبالسلامة من العذاب الأليم، وبنَيل الخير من الرحمن جلَّ جلاله في ذاك اليوم.
(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).
والوصول إلى سلامة القلب بحضوره في مثل هذه المحاضر، وقراءة هذه الكتب، وسماع هذا الكلام؛ إذا حضر فيه فإنَّه يتخلَّص من الآفات التي تُصيبُه حتى يلحقَ بالقلوب السليمة، مسلولةِ السَّخيمة، والسَّخيمة: هي البغضاءُ والشَّحناءُ والحسدُ وأكدارُ الباطن، قلوبُهم سليمةٌ مسلولةُ السَّخيمة، عليهم رضوانُ الله تبارك وتعالى.
رجالُ طريقتكم منهم، رجالُ مدرستكم المباركة منهم، عليهم رضوان الله، وأنتم في شريف آثارهم حفظَها الله لكم، وحفظَكم لها، ورزقَنا وإيَّاكم القيامَ بحقِّها؛ لأنَّها سلسلةُ سندٍ إلى النبيِّ محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
ما خالطَ علمَهم هوًى، ولا إرادةُ سُلطة، ولا شيءٌ من مقاصد الدنيا.
فهم القومُ الذين هُدوا ** وبفضل الله قد سعدوا
ولغير الله ما قَصَدوا ** ومع القرآن في قَرَنِ
كما يُطعِمون لوجه الله، يُعلِّمون لوجه الله، ويُذكِّرون لوجه الله، ويعملون ما يعملون لوجه الله.
وقال الله عن هؤلاء الصادقين يقولون لمن يُطعِمونهم: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا).
وما الذي أوقفَكم موقفَ الإخلاص هذا والسُّموِّ والرِّفعة وعدمِ الالتفات إلى ما تَشرئِبُّ إليه النفوسُ وتُحبُّه وتَوَدُّه؛ من الذِّكر الجميل ومن الثناء ومن الجاه، ما الذي أوصَلَكم لهذا؟ قالوا: (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا)، خوفُ الرحمن أبعدَ منهم هذه الدواعي السُّفليَّة التي إذا أمسكَت نفسًا تَسفَّلت بصاحبها وسقطَت به.
قال سيدنا الإمام الحداد:
واعلمْ هُديتَ وخير العلمِ أنفعُه ** أنَّ اتِّباعَ الهوى ضربٌ من الخَبَلِ
فكم وكم ضلَّ بالأهواء وطاعتها ** من عاقلٍ جامعٍ للعلم والعملِ
ولا نَفَعَه العلمُ ولا نَفَعَه العملُ بسبب الهوى! وكانوا يقولون: "إنَّ قطرةً من الهوى تُخمِّجُ بحرًا من العلم".
وصار بعضُ مَن يبكي على أحوال الأمَّة قال: إلا وجدنا بُحورًا من الهوى وقُطر من علم! لم يعد قطرةً من هوًى تُخمِّجُ بحرًا من العلم، البحرُ هوًى وقطرة علم، ماذا سيكون هذا العلم؟ سيُلعَبُ بهذا العلم وسيُسخَّر للأهواء وللأغراض وللشهوات والعياذ بالله تعالى.
وبهذا سمعتم مَن يتكلَّمُ باسم العلم، والصباحُ له كلام، والعصرُ له كلام، واليوم الثاني له كلام، ولا استقامةَ ولا ورعَ ولا خشيةَ ولا أساسَ يقوم عليه.
وقد كان الصحابةُ يتدافعون الفُتيا تعظيمًا للشَّرع وهَيبةً لأمر الله جلَّ جلاله، قال أبو جعفرٍ المنصور وهو الأمير، يقول لسيدنا مالك بن أنس إمامِ دار الهجرة شيخِ الإمام الشافعي، يقول له: إني أريدُ أن أحملَ الناسَ كلَّهم في أقطار الأرض على "الموطَّأ"، قال له: لا تفعلْها، إن تفعلْها تكُن فتنة، لا سبيلَ إلى ذلك، قال: كيف؟ وهذا علمُك وحديث رسول الله! قال له: نعم، ولكنَّ أصحابَ رسول الله تفرَّقوا في الأمصار، ومع كلِّ قومٍ علم، فإن تُريد تحصرَ الأمَّة فيما وصلَ إلى مالك تَفتِنْهم.. يعني الشريعةُ أكبرُ مني، وما بُعِث به رسول الله ﷺ أعظمُ وأوسعُ من مالك بن أنس وهو إمامٌ من كبار الأئمة، يقول الشافعيُّ: "إذا ذُكرَ العلماءُ فمالكٌ النَّجم". عليه رضوان الله، لكن هذا وَعيُه للشريعة وعلمُه وأدبُه مع الله.
وأين هذا مِمَّن إذا عرفَ كلمتين أراد الخلقَ كلَّهم فيها وإلا فَعَلَهم وتَرَكَهم؟ قال له: "لا سبيلَ إلى ذلك، إنَّ أصحابَ رسول الله تفرَّقوا في الأمصار ومع كلِّ قومٍ علم، فإن تفعلْها تكُن فتنة"، تَفتِن الناسَ إذا ستحصرُهم في مذهبي وفي ما وصلَني من علم، فما وصلَني من علمٍ خير، وغيرُه كثيرٌ لم يصلْني، وهو هنا وهناك، والمرجع إلى واحدٍ مأمونٍ من قِبَل الله صاحبِ الإسراء والمعراج ﷺ.
التي أنتم في ذِكرى الإسراء والمعراج وفي توديع هذا الشهر الكريم، شهر رجب، الله يجعله شاهدًا لنا لا شاهدًا على أحدٍ منَّا، وحُجَّةً لنا لا حُجَّةً على أحدٍ منَّا، ولا يجعله آخرَ العهد منه.
ويُباركُ لنا في شعبان وإقباله علينا، وفيه من حبال الاتصال بالله تبارك وتعالى: مواظبة القرآن الكريم والسُّنَّة الغرَّاء، والصلاة على محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، الذي قال عن أهلها: "إنَّ أَولى الناسِ بي يومَ القيامة أكثرُهم عليَّ صلاة"، إنَّ أولى الناس بي؛ أقربُهم مني، وأولاهم بشفاعتي وبقُربي، وبرؤيتي ومصافحتي، والوُرود على حوضي، والمُرافقة لي في الجنة: "أكثرُهم عليَّ صلاة".
اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ عليه، ووفِّقنا لكثرة الصلاة والسلام عليه امتثالًا لأمرك ومحبَّةً وشوقًا وتعظيمًا، يا أكرمَ الأكرمين ويا أرحمَ الراحمين.
وهكذا اعتدتُم وكما اعتادَ أخيارُ الأمَّة في الشرق والغرب معمورةً مجالسُهم بالصلاة على النبيِّ، إن كانوا في الديار، وإن كانوا في المساجد، وإن كانوا في المناسبات المختلفة، وحتى في الأسواق، وحتى في الشوارع؛ تسمعُ ذِكرَ الله وذِكرَ رسوله صلى الله وسلم وباركَ عليه وعلى آله وصحبه.
فالله ينظرُ إلينا وإليكم، ويُباركُ لنا ولكم في هذا الاجتماع، ويرزقُنا كمالَ الانتفاع، ويُعلي درجاتِ المتقدِّمين فيه ومَن مَضَوا ممَّن عَهِدناهم وآباؤهم، وآباؤهم وآباؤهم إلى المؤسِّسين الأوائل إلى خاتم الرسائل، الله يجمعُنا بهم في أعلى درجات الجنَّة وهو راضٍ عنَّا، ويُثبِّتُ الأقدامَ على ما يُحبُّ منَّا ويرضى به عنَّا.
اللهمَّ باركْ لنا في خاتمة رجب ورحيل رجب عنَّا، وباركْ لنا في شعبان ولياليه وأيامه، وما يكون فيه من الاجتماعات والخيرات، ومنها ما يُعقَدُ في شِعب النبيِّ هود؛ ما فيها إلا القرآن، وإلا السُّنَّة الغرَّاء، وإلا الذِّكرُ للرحمن، وإلا التسبيحُ والتحميد.
وشعارُهم من حين ما يمشون من بداية الزيارة في الطريق: "سبحانَ الله والحمدُ لله ولا إلهَ إلا الله والله أكبر"؛ الكلماتُ الأربعُ التي أحبُّ الكلماتِ إلى الله، يقول ﷺ: "أحبُّ الكلماتِ إلى الله"، وقال: "لأن أقولَ سبحانَ الله والحمدُ لله ولا إلهَ إلا الله والله أكبر؛ أحبُّ إليَّ ممَّا طلعَت عليه الشمس". تطلعُ الشمسُ على البترول أو ما تطلع؟ تطلعُ الشمسُ على الغاز أو ما تطلع؟ تطلعُ الشمسُ على الجواهر أو ما تطلع؟ قال أحبُّ إليَّ ممَّا طلعَت، كلُّ ما طلعَت عليه الشمسُ هذا أحبُّ إليَّ: سبحانَ الله والحمدُ لله ولا إلهَ إلا الله والله أكبر.
الله يُعرِّفُنا قدرَ ذِكره، ويُعينُنا على ذِكره وشُكره وحُسن عبادته، ويُبلِّغُنا جميعًا رمضانَ إن شاء الله في صلاحٍ وفلاحٍ وخيرٍ لحضرموت واليمن وللشرق والغرب.
وكلَّ مَن قام بخيرٍ وكلَّ مَن ساهمَ في خيرٍ، وكلَّ مَن ساعدَ الناسَ بالنيَّة الصالحة؛ الله يتقبَّلُ منهم ويُوفِّقُهم ويأخذُ بأيديهم.
وكلَّ مَن أراد الضُّرَّ والشرَّ والأذى والفساد يدفعُهم اللهُ عنَّا وعن وادينا وعن الأمَّة أجمعين، ويُحوِّلُ الأحوالَ إلى أحسنِها، يا مُحوِّلَ الأحوال حوِّلْ حالَنا والمسلمين إلى أحسنِ حال، وانظرْ إلى يَمَنِنا وشامِنا وشرقِنا وغربِنا، واكشفِ الشدائدَ عنَّا وتولَّنا بما أنت أهلُه في الحسِّ والمعنى، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
29 رَجب 1447