عملة النيات وعظيم خطرها وترتب السعادات والشقاوات عليها

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في خاتمة مجالس الدعوة: المجلس السادس من مجالس الدعوة إلى الله في شعب النبي هود عليه السلام، ضمن محاور (ترسيخ وتعميق الصلة بالله ورسوله، ضوابط وواجبات التعامل مع أصناف الخلق) ، ليلة الخميس 10 شعبان 1447هـ بعنوان:

عملة النيات وعظيم خطرها وترتب السعادات والشقاوات عليها

يوضح أن النية عُملة السوق الحقيقي، وبها تتساوى الأعمال وتُكتب الأرباح أو الخسائر.

وفيها بيان:

  • أن النيّة الصادقة تفتح أبواب التوفيق
  • وأن الأجر قد يُنال بنيّةٍ بلا عمل
  • وأن العالم محتاج لرحمة الدعوة النبويّة
  • وأن منهج النبي ﷺ في الدعوة قائم على التعظيم والرحمة

 

نص المحاضرة:

ختام الزيارة وعرض الأعمال على الله

نختتم المجالس المتعلِّقة بشؤون الدعوة إلى الله تبارك وتعالى في خلال هذه الزيارة، لنستقبل يومَ الختام للزيارة المباركة، وهو يوم الخميس الذي تُعرَض فيه الأعمالُ على الله تبارك وتعالى. وعسى عَرْض جميل؛ يُثبِّتنا به على أقوَم سبيل، ويُلحِقنا به خير جيل، ويُثبِّتنا على الاقتداء والاهتداء والمتابعة في النيَّة والفعل والقِيل، اللهم آمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

فبقي في هذا الختام: ماذا يطَّلِعُ ربُّ الأنام وربُّ العرش في قلب كلِّ واحدٍ منَّا تجاه أمره ووحيه ودعوته ورسالته، وما بَعَث به رسولُه؟ ماذا يحمل قلبُ كلِّ واحدٍ من نيَّاتٍ أمام ذلك؟ فيما بقي له من العُمر، وهو جاهلٌ كم مقداره وكيف يمُرّ! 

 

النيَّة: عنوان المرادات الإلهيَّة

ولكنَّ النيَّات بحدِّ ذاتها عناوين للمرادات الإلهيَّة، وأسبابٌ قويَّة لنَيْل ما عند الله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

ومَن اطَّلَعَ الحقَّ على الصِّدق في نيَّته أن يخدم هذه الدعوةَ وهذا الدِّينَ في نفسه وأُسرته وأهل بيته وقرابته وأهل بلده وأهل زمنه، والشرقِ والغربِ، والخلقِ أجمعين مسلمِهم وكافرِهم؛ فإنَّ للنيَّة شأنًا تترتَّب عليه أمور؛ أنَّه ينفتح له من أبواب التوفيق ما يتناسب مع هذه النيَّة. 

فإنَّ الوهَّاب إذا وهبَ النيَّةَ وهبَ فتْحَ الأبواب، وكانوا يقولون: "مَن فَتَح على نفسه بابُ نيَّةٍ حسنة، فتح اللهُ له سبعين بابًا من أبواب التوفيق"، وصلاحُ أُسرته وبيته وأوصافهم وأحوالِهم بابٌ واحدٌ من أبواب التوفيق سيكفيهم، إذا فَتح على نفسه بابُ نيَّةٍ حسنة، لكنَّها حسنة حسنة اللهُ يعلمها كذلك فقَبِلَها الحقُّ منه.

 

سوق الأرباح وعُملة النيَّة الصادقة

فيا أهلَ سوق الأرباح، العُملةُ القويَّة عندنا في هذا السوق "النيَّة"، مَن عنده منكم من العُملة هذه يتقدَّم بها، والمُطَّلِع للخفايا هو الذي يرقُبها.

وعلاماتُها الظاهرة تطَّلِع الملائكةُ على ما تطَّلِع منها وتكتُبها؛ فإن كان فيها مُخلِصًا صادقًا، فله من جزاء الرحمن فوق ما علِمَ الملائكةُ من الثواب وفوق ما كتبوا، وإن لم يكن مُخلِصًا فقد يظنُّ الملائكةُ إخلاصَه ثمَّ يُرَدُّ الأمرُ عليه ويُرمَى به والعياذ بالله تبارك وتعالى.

سوقُ أرباحٍ العُملةُ فيها النيَّة، والنيَّات هذه الخالصة عن الزَّيف والغشِّ يرقُبها الرحمن، يتناولها فيما يظهر منها ملائكته، ويترتَّب عليها خيراتٌ من التوفيق في العالَم الدنياوي، ولكن يترتَّب عليها أمرٌ أكبر.

 

حديث الأصناف الأربعة وتساوي الأجر بالنيَّة

وما سمعتم الحديثَ عنه الصحيح، قال ﷺ: "الناسُ أربعة: رجلٌ آتاه الله مالًا وآتاه علمًا، فهو يعمل في ماله بعلم"؛ نفقاتٌ بعد الزكوات المفروضة، صدقاتٌ ونفقات، وإكرامُ ضيف، وإغاثةُ ملهوف، وإعطاءُ محتاج، وإعطاءٌ في النائبة، ومشاريع خيريَّة، لا يترك مساجدَ ولا يترك مدارسَ ومعاهد، ولا يترك تفريغَ متفرِّغٍ في التعليم والدعوة إلى الله.. يعمل في ماله بعلم.

قال: "ورجلٌ آتاه الله علمًا ولم يُؤتِه مالًا، فهو يقول: لو آتاني الله مالًا لعملتُ مثل عمله" -يقول الحبيب ﷺ-: "فهما في الأجر سواء".

انظُر كيف عَمِلت النيَّة هذه؟ "فهما في الأجر سواء" ، يقول: هذا بعمله وهذا بنيَّته، كيف كسبَ هذه الأجورَ الكبيرة بنيَّةٍ ولا تصدّق بشيء؟ وأجر الصدقات الكبيرة التي حصل عليها ذاك هو حصل عليها، ثوابَه مثلَه، "فهما في الأجر سواء".

"ورجلٌ آتاه الله مالًا ولم يُؤتِه علمًا، فهو يخبِط بجهله في ماله"؛ والعياذ بالله تبارك وتعالى، خمورات وكدورات، وإنفاقٌ على الفسَقة والسَّفَلة، وإنفاقٌ لإيذاء الخلق ولقتل النفوس، يخبِط في ماله بجهله.

"ورجلٌ لم يُؤتِه الله مالًا ولا علمًا، فيراه فيقول: لو كان لي مثلُ ماله لعملتُ مثل عمله، فهما في الوِزر سواء"، هذا بعمله وهذا بنيَّته.

 

أثر النيَّة الأبدي

السوق هذا سوق خطير وكبير، والعجيب أنَّ طلوعَ الثمار والنتائج والأرباح أوَّلَ ما تتَّضح عند الغرغرة، وبعدها استلِم في البرزخ، واستلِم في مواقف القيامة، والنهايةُ بعد ذلك في إحدى الدارَيْن؛ استلِم نتائج العُملة الطيِّبة التي قدَّمتَها هذه، هناك في دار الكرامة.

حتى جاء في بعض الأخبار أنَّ كَتْبَ الله إبقاءَ الجنَّة وإبقاءَهم فيها أبدًا سرمدًا ربَطَه بالنيَّة، يقول: "واخلدوا فيها بنياتكم" ، "ادخلوا الجنَّةَ برحمتي واقتسموها بأعمالكم واخلُدوا فيها بنيَّاتكم"؛ يقول إنَّ نيَّاتِ الصادقين من العُبّاد العارفين لله على الأرض، نيَّاتُهم لو بقُوا أبدَ الآبدين لَما فارقوا حُسْنَ طاعة الله وعبادتِه أبدًا، لَمَّا عرفوه جلَّ جلاله. نيَّاتُ هؤلاء رتَّب اللهُ عليها كتابةَ بقاء الجنَّة إلى الأبد ودوامَها على الأبد وبقاءَ أهلِها، 

رأيتَ كيف عمل النيَّات؟ سوقُ النيَّات خطير، سوقُ النيَّات خطير! "واخلُدوا فيها بنيَّاتكم".

قال سيِّدُنا الجُنَيد بن محمد أنت في آخر عمرك وحامل المسبَحة، قال: طريقٌ وصلنا به إلى الله لا نتركه، لو عِشتُ في الدنيا ألفَ سنةٍ ما تركتُ شيئًا ممَّا أعبَد الله به وأنا قادرٌ عليه! يستحلُون العبادة ولو تأبَّدوا لما انقطعوا عن العبادة، وعلموا أنَّها الكرامةُ الكبرى، فأعدَّ اللهُ لهم دارَ الكرامة مؤبَّدًا مخلَّدًا: "ادخلوا الجنَّةَ برحمتي واقتسموها بأعمالكم واخلُدوا فيها بنيَّاتكم".

 

تحرير النيَّات في الدعوة

فيا أهلَ السوق الخطير في المَجمَع الكبير، بجوار نبوَّةٍ ورسالة، وما تحُفُّكم به من الملائكة والروحانيِّين، وفوق ذلك كلِّه: نظرُ ربِّ العرش العظيم، نظرُ ربِّ العرش العظيم!

في الختام: حرِّروا نيَّاتِكم وقدِّموا العُملةَ الغالية؛ ماذا تنوون في أمر الله وأمر  رسوله ودعوتِه هذه في أنفسكم؟ في أُسَرِكم؟ فيمَن حواليكم؟ في قراباتكم؟ في العالَم الذي تعيشون فيه؟ وعلمتم وجودَ الحاجة الشديدة..

وربَّما أيضاً هو ميدانٌ ما يُفَكَّر فيه بشيءٍ من الدوافع الدنيويَّة والوسائل التي تدفع الناسَ يُفكِّرون في نواحٍ كثيرة من خلال الوقائع، ومن خلال الأطروحات والظروف التي يمرُّون بها؛ لكنَّ التفكيرَ في أنَّ على ظهر الأرض كثير محتاجون إلى خُلُق، وإلى بيان، وإلى عَرْضٍ حَسَنٍ لمنهج الله ودينه؛ هذا الفكرُ نابعٌ من استجابةٍ لأمر الله تبارك وتعالى، نابعٌ من إرادةٍ لوجه الله، ما تدفعنا إليه الوقائعُ الموجودة والمبثوثات في وسائل الإعلام أو في وسائل التواصل؛ فيجب أن نُحسِنَ التفكيرَ فيه لأنَّه ترجمةٌ عن عبوديَّةٍ لله تعالى صحيحة، وتفكيرٌ في المراد الإلهيِّ والمراد النبويِّ في نشر الهداية.

 

حاجة العالَم للدعوة النبويَّة

موجودٌ كثرةٌ كاثرة، أكثرُ الأنشطة القائمة في العالَم متَّجهةٌ إلى غير هؤلاء، وهؤلاء في حَيرتهم ينتظرون مَن يُعلِّمهم الحقيقة: مَن خلَقَهم؟ ولماذا خُلِقوا؟ لا يعلمون! ويشعرون بخواءٍ في الروح وجوعٍ وظمأٍ باطنيٍّ، لا يعلمون كيف يَرْوُونه وكيف يَشبَعون، والخيرُ هذا عندكم فيجب إيصاله إليهم.

الفكرُ في هذا مِن جُملة الاتِّصالات بالوحي والتنزيل والاهتمام بما دعانا اللهُ إليه ورسولُه صلى الله وسلم وبارَكَ عليه وعلى آلِه، كلٌّ بما يقدر عليه ويتيسَّر له من مختلف الوسائل في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، والدلالة عليه جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، 

وتُقيمون بذلكم الصِّلات على ما يُحِبُّ الربُّ، مع الموافق والمخالف، والمُقبِل والمُدبِر، والمستهزئ والمحترِم، وأصنافِ ما يدور ويجري.

 

منهج التعظيم والرحمة في الدعوة

لكن كما سمعتم في العناوين والكلمات الماضية؛ أن ينبعث هذا كلُّه مِن أساسٍ متينٍ مَكينٍ من تعظيم الله ورسوله في قلوبنا، تعظيمِ الله ورسوله في قلوبنا؛ على ضوء هذا ومنه نعرف كيف نتكلَّم، كيف نُعامِل، كيف نتَّخذ الأسلوب، كيف نأخذ ونُعطي مع هذا ومع هذا ومع ذاك.

عظِّم الإله وعظِّم رسولَه، ومن خلال هذا التعظيم وتعمُّقه في باطنك؛ فَتِّح بالَك على هَدْي محمدٍ ﷺ وسُنَنِه. 

وما سمعت من الحقِّ يحكي لنا حالَ النبيِّ وأسلوبَه وطريقتَه في القيام بالدعوة، ويقول لنا: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ).

ثمَّ يقول سبحانه وتعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ): يشقّ عليه أي مشقة لكم، يصعب عليه رؤيته المشقة فيكم، (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ). 

والحقُّ يُغنينا بمحبَّة هذا الحبيب ويذكر لنا صفاته، وكيف بدأنا بالإحسان قبل أن نبدأ بشيءٍ، صلى الله وسلم وبارَكَ عليه وعلى آله. 

ثمَّ يُذكِّر إعدادَه له وتهيئتَه فيقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه.

 

الدعاء ومِسك الختام

ملأنا اللهُ وإيَّاكم بمحبَّته ومحبَّة رسوله وأنبيائه والصالحين، وسَرَّ اللهُ قلبَ النبيِّ هود في الليلة هذه بعطايا يُعطينا إيَّاها، ومِنَحٍ يمنحناها بالفضل والإحسان، تستقيم بها مِنا الأقدام على حُسن الائتمام بخير الأنام، في كلِّ إقدامٍ وإحجام، ونيَّةٍ وفعلٍ وكلام، حتى نغنم في خلال الليالي والأيام نيلَ تجارةٍ كبرى بعُملات النيَّات، وما يتَّصل بها من صالح الأعمال والأخلاق والصفات.

اللهمَّ بدِّل صفاتِنا السيِّئة إلى حسنة، بدِّل أخلاقَنا القبيحة إلى محمودةٍ حسنةٍ طيِّبة، اللهمَّ يا مُحوِّلَ الأحوال حوِّلنا والمسلمين إلى أحسن حال، وعافِنا من أحوال أهل الضلال وفعل الجُهَّال، ونعوذ بالله من أحوال أهل النار.

اللهمَّ بارِك في ختمنا لمجامعنا هذه وتواصينا بالحقِّ والصبر، وفي ختام اليوم المُقبِل للزيارات الكبيرة الختاميَّة لهذا الشِّعب النوير في هذا العام، استعدادًا لليلة النصف من شعبان ولرمضان ولبقيَّة العام، بل لبقيَّة العُمر حتى لقاء الملِك العلَّام جلَّ جلاله.

نستودعك ما تكرَّمتَ به علينا، وما أعطيتَ كلَّ واحدٍ من الحاضرين والسامعين والمشاهدين والمتابعين، اللهمَّ فاحفظ عليهم ما آتيتَهم ولا تسلُبهم إيَّاه وزِدْهم، فإنَّنا نستودعك ما تفضَّلتَ به علينا وعليهم وما أكرمتَنا وإيَّاهم به، فكُنْ لنا ولهم حافظًا يا خيرَ مُستَودَعٍ في الدِّين والدنيا والآخرة، نستودع اللهَ دينَكم وأماناتِكم وخواتيمَ أعمالكم وما آتاكم من الخير. 

اللهمَّ احفظنا واكلأنا كلاءةَ الوليد، واحفظنا بما حفظتَ به الذِّكرَ الحكيم والقرآنَ المجيد، اللهمَّ وانصرنا بما نصرتَ به المرسلين، وأرِنا ظهورَ نصرك للمصطفى محمدٍ ﷺ في مشارق الأرض ومغاربها، واجعلنا من مفاتيح نصرته، وأبواب نصرته، وأسباب نصرته، ووسائل نصرته، برحمتك يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.

 

العربية