عظمة سريان شرف الإدراك والتعلق بالحق وإرادة وجهه من الأنبياء وآلهم وصحبهم ووراثهم
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في حفل اختتام الدورة التعليمية الحادية والثلاثين بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية، ليلة السبت 15 صفر الخير 1447هـ بعنوان:
عظمة سريان شرف الإدراك والتعلق بالحق وإرادة وجهه من الأنبياء وآلهم وصحبهم ووراثهم
للاطلاع على تقرير اختتام الدورة وروابط الدروس (اضغط هنا)
لمشاهدة مجلس الاختتام كاملا (اضغط هنا)
لتحميل نسخة إلكترونية pdf:(اضغط هنا)
- 0:57 يُريدون وجهه!
- 4:17 إرادة الله في حفظ النور
- 5:37 الأسانيد المباركة
- 6:41 قسمة لله لعباده (قصة زيد بن حارثة)
- 9:39 غزوة مؤتة وقيادة زيد
- 10:56 الدولة العظمى
- 13:02 بين أهل النور وأهل الهزو واللعب
- 16:11 ظهور الخير في الأمة
- 17:26 حقيقة النصر
نص المحاضرة مكتوب:
الحمدُ لِعظيم الإنعام، ذي الجلال والإكرام، مَن أشرقت أنوار الهداية إليه والدلالة عليه بإشراقها إيّاه في قلوب وألسِنَة ووجوه الأنبياء الكِرام، وورثتهم من آلهم وصحابتهم ومَن على هُداهم استقام، وأتمَّ الله الإفضال والإنعام والإشراق لهذا النّور على التّمام بإشراق بدر التمام ومجيء خير الأنام، عليه وآله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وعلى مَن والاهم واتّبعهُم بإحسان إلى يوم القِيام، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين مصابيح الظّلام، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقرّبين وجميع عباد الله الصالحين.
يُريدون وجهه!
وكلّهم كانت تدور دوائرهم حول الوِجهة إلى هذا الإله، والعناية بما أنزله وأوحاه، وبَيَّنَهُ على ألسُن أنبياه صلوات الله وسلامه عليهم، فجمعتهُم هذه الجوامع الكبيرة في الوِجهة إلى المولى، (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا)، مِنهم أهل مظاهر التَّوَجُّه إليه عبر الذِّكر والدُّعاء، فنُودِيَ السِّراج المُنير والبَشير النَّذير ومُقَدَّم الكُلّ وإمام الكُلّ وخاتم الرُّسُل أن يعتني بهم وأن يحضر معهم وأن يجلس مجالسهم.
وقال له الرحمن: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) لكن وصفهم الكبير هذا: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)! ننظُر الإرادة هذه، ماذا حَمَل هؤلاء مِن مقصد؟ ماذا حَمَل هؤلاء من وِجهة؟ (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) فقال لحبيبه: (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ). فما عَدَت عينه الكريمة عن أهل هذا المسلك في حياته ولا في برزخه إلى ليلتنا هذه، إلى يومنا هذا، إلى ما يكون (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
وحضر مع أوائلنا من أهل هذا المسلك بجسده وروحه، ويحضر مع مَن بعدهم بروحه الكريمة صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، وليس في الأرواح روحٌ كَرُوح محمد، خلقها الفتّاح بخصائص للأرواح كلها، والخصائص كانت أرواح الأنبياء تُجمَّع له وتأتي إليه، ويصفهم بصورهم، تتشكّل أرواحهم بصور أجسادهم، ويقول: كان وصف عيسى كذا، وكان وصف موسى كذا، وكان وصف إبراهيم كذا، وهذا من الأنبياء يشبه فيكم فلان، وهذا يشبه فيكم فلان، يجمع كل هذه الوجهات والمشاعر إلى هذا الخلق الرباني الذي جعل عليه صور الأنبياء والمرسلين، وهو سيدهم وإمامهم، وجمعهم له في ليلة الإسراء والمعراج ﷺ.
فالحمد لله الذي شرّفنا بهذه العطايا والاتصالات بهذه المزايا، ويجمعكم في مثل هذا المجمع في البلد المبارك والوادي الميمون، على هذه الوجهة إلى عالم الظاهر والبطون، وعالم ما تُسرّون وما تُعلنون، جلّ جلاله وتعالى في علاه، بهدي قويم وصراط مستقيم، سنده كل حبر عليم، وكل مُقرّب كريم، وكل ثابت على سواء السبيل، وشارب مِن أحلى سلسبيل، نعمة من نِعَم الله الجليل جلّ جلاله.
جمعت اليوم في الأمة أفراد من شرق الأرض ومن غربها، ومن مختلف الأماكن، ومن مختلف المذاهب الإسلامية من حيث مذاهب أهل السنة، والطرق لأهل السنة عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، والبلدان الشتى والقبائل الشتى، "قوم من بلاد شتى وقبائل شتى، يجتمعون على ذكر الله فيذكرونه".
إرادة الله في حفظ النور
وأراد الله أن يتمّ هذا في هذه المواطن وهذه الأماكن، وقد حُورِبت بكثير من أنواع إرادة الصدّ أو إبعاد هذا النور أو إخفاته، والإمام الحداد كان يقول في مَن يُناوئ ويُخيِّل إليه إبليسه ونفسه وهواه أنه سيُطفئ نور الله، يقول:
يُريدون أن يُطفوا بأفواه زُورِهِم ** مصابيح نورٍ قد محت لظلامِ
من السلف الماضين والخلف الذي ** كِرام السجايا أردفت بِكرامِ
أولئك وُرّاث النبي ورهطهُ ** وأولاده بالرّغم للمُتعامي
قال سيدنا الحداد:
مواريثهم فينا وفينا علومهم ** وأسرارهم فليسأل المُترامي
إذا جاء بالصدق الذي هو سُلّمٌ ** إلى كل مجدٍ نال كل مرامِ
عليه رضوان الله تبارك وتعالى، ومع ذلك يقول في أدبه وخضوعه:
مُقرّين بالتقصير عن شأو مجدهم ** وحُسن مساعيهم بكل مقامِ
ولكنّهم آباؤنا وشيوخنا ** وأسلافنا ممّن مضى بسلامِ
عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
الأسانيد المباركة
سند إلى النبي محمد مِن أضوأ الأسانيد وأجمل الأسانيد وأقوى الأسانيد:
- أسانيد مُقرَّب عن مُقرَّب عن مُقرَّب إلى سيد المُقرّبين
- أسانيد صالح عن صالح عن صالح إلى أصلح الصالحين
- أسانيد عارف عن عارف عن عارف إلى سيد العارفين ﷺ
قال سيدنا الحداد: فبالحقِّ فلنأخُذ علوم طريقهم ** يداً بيدٍ حتى مقام النبوَّةِ
وكان يقول الحبيب علي الحبشي: بختي وقع زين يوم أَهلي صدور الرّجال ** بسرِّهم قد صَلُح لي يا عمر كل حال
وقال: طريقة رُشدٍ قد تلقّى الذي لها ** من السِّرِّ أمجادٌ خلائف أمجادِ
وأربابها يسعون فيها بوجهةٍ ** فهم بين عُبّادٍ بعلمٍ وزُهّادِ
مُسلسلةٌ عنهم أسانيد أخذهم ** إلى خير محمودٍ وأشرف حمّادِ
وها هي أعمالٌ خلت عن شوائبٍ ** وعلمٌ وأخلاقٌ وكثرةُ أورادِ
لكن العجب أن هذه الأذواق التي تحدّث عنها قطب من أقطاب الوادي الميمون وعَلَم من أعلام الطريقة الحبيب علي الحبشي، صارت تُسقى بها قلوب الآن تسمعونها من بلدان بعيدة هناك، وتُدرك هذا الذوق وتستدلّ في كلامها بهذه الكلمات لِما خامرهم من معناها، وما خامرهم مِن سرّها، وما نازلهم من حقيقتها، وهذه قسمة الله تعالى يقسمها على عباده جلّ جلاله.
قصة زيد بن حارثة
والحبيب الأعظم كان في مكة المكرمة، وكان الذين استفادوا منه ناس من خارج مكة أكثر من الذين في مكة في أول الأمر، وجاء له سيدنا صهيب، وجاء له سيدنا بلال من الحبشة، وجاء له فلان وفلان وتلقّوا، وأخذ زيد بن حارثة من ربوعكم هذه، من واديكم الميمون، أُخذ في حرب حتى بيع في الشام في الأردن، ومنه أخذه حكيم بن حزام لخديجة بنت خويلد، وملكته خديجة بنت خويلد.
وإذا بالسوابق تُهيّئ الرجل لأشياء كبيرة، وعاش فيها، وكان وهبته للحبيب الأعظم ﷺ، فوقع تحت يد مَن؟ ورعاية مَن؟ جاء بعدها أبوه وعمّه وقرابته بعد سنين يبحثون عنه حتى أدركوا أنه في مكة المكرمة، وقد بيع في الشام ورجع من الشام إلى مكة، وقد ملكته خديجة وأعطته سيد الوجود.
ووصلوا ويسألون عند مَن هذا ولدنا زيد؟ قالوا: هو عند الأمين الصادق هذا، سألوا عنه.. قالوا: كريم وسخيّ، قالوا الحمد لله، لن يبخل علينا ولا سيتمنّى على ولدنا، دلّونا عليه، فجاءوا وكلّموه، قالوا: هذا هو يطوف بالبيت، قالوا: هذا هو، أقبلوا عليه، قالوا: يا محمد، بلغنا عنك من كرم وكذا، ولدنا وقع.. خُذ ما تشاء فنفديه.
قال: لا، لا نأتي به، وإن اختاركم فخذوه بلا شيء، أنا لا أريد شيء، وإن اختارني ما أنا بالذي أُكرِهه، قالوا: أنصفت، مَن يقول هذا الكلام؟ أنصفت وتفضّلت.. دعوا زيد، جاء زيد، قالوا: "تعرف هؤلاء؟ قال: هذا أبي، عمي فلان، قالوا عرفتهم؟ قال: يطلبونك، فإن شئت الحق بهم، قال: لا والله، لا أوثر عليك أباً ولا عمّاً.. اهتزوا! قالوا: "تؤثر الرقّ على الحرية؟ قال: ما رأيت مثل هذا، ولا طابت روحي في مجالسة أحد مثل هذا"، فاطمئنّوا.
قالوا: ونحن الآن اطمأنّنا، الحمد لله، كأنك بيننا وأحسن، قال: "وهو حرٌّ لوجه الله، وهو ابني". وسمّوه زيد بن محمد إلى أن بطل التبنّي وأبطله الله في القرآن، ورجع زيد بن حارثة عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
قيادة زيد في غزوة مؤتة
ولكن نال المنزلة عند الحبيب ﷺ، وقدّمه على الأمراء في غزوة مؤتة، قدّمه على ابن عمّه سيدنا جعفر، وقدّمه على عبد الله بن رواحة من كبار الأنصار، قال: "أميركم زيد، فإن أُصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أُصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أُصيب فليرتضِ المسلمون من بينهم رجلاً".
واحد من اليهود سمع كلامه، جاء إلى عنده قال: أنت تؤمنون بنبيّكم؟ قال: كيف؟ قال: الثلاثة سيُقتلون، ولو عدّد حتى مئة وقال أُصيب أُصيب، سيُصابون كلهم.. الثلاثة أولاً سيُقتلون.
ودخل سيدنا عبد الله بن رواحة وكان يبكي، بكت زوجته، قال لها: ما لك تبكين؟ قالت: رأيتُك تبكي بكيتُ ببكاؤك، فيمكنك أن تعتذر لرسول الله ﷺ عن الخروج، قال: تبكين لهذا؟ والله ما بكيتُ إلا آية في كتاب الله نزلت: (وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)، فأيقنتُ بالورود وما عرفتُ كيف يكون الصدور بعد الورود، (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا)". قال: "هذا الذي أبكاني، ما هو خوف من الموت".
الدولة العظمى
بل كان هو الذي شجّعهم لما وصلوا إلى معان وتحركت لهم قوى الكفر في الأرض، الدول الكبرى على قولهم، ليست كبرى! ما في عقيدتنا دولة كبرى إلا دولة محمد بن عبد الله، وجنودها الأنبياء والمرسلون وجبريل وميكائيل والملأ الأعلى.. هذه الدولة الكبرى عندنا في عقيدتنا وفي إيماننا.
والله العظيم، ما ندين الله بعظمة دولة إلا هذه، هذه الدولة العظيمة، وعندنا كلها حقيرة إلا ما اتّصل بهذه العظيمة، على قدر اتصاله يكتسب عظمة! وما انفصل عنها حقير حقير حقير، ساقط ساقط ساقط ساقط، هابط هابط هابط هابط، خاسر خاسر خاسر خاسر! والله العظيم، وهذه الحقيقة لا غيرها، هذه الحقيقة لا غيرها في الدنيا والآخرة، لكن محجوبة عن العقول في الدنيا وستنكشف.
وسيعلم الناس إذا حمل لواء الحمد، وإذا قال: "أنا لها"، سيعرفون مَن الدولة العظمى، مَن الفائز ومَن الخاسر! وإذا ترنّحوا كأنهم ذرٌّ يُطأطئهم الناس بأقدامهم، سيعرفون الناس الدولة الخاسرة أين هي، والدولة العُظمى أين هي.
إذا نُصِبَت ألوية لخواصّ ورثته من أمّته فأبهرت أهل الموقف، والتفتت أنظار الأمم، تقول: "كأن هؤلاء كلهم أنبياء". فيُقال: ليس فيهم نبي إلا محمد نبيّهم ﷺ، وهذه الألوية لمَن؟ ورثته، خلفاؤه، قُرّة عيونه، ألوِيَة في الأمة المحمدية تُعقَد ويمشون وراءه، ولا يُحاسَب حتى يُحاسبوا، ولا يُوزَن لأحد حتى يُوزنوا، ولا يمرّ على الصراط حتى يمرّوا، ولا يدخل الجنة من الأمم حتى يدخلوا.
يا رب صلِّ على صاحب الدولة الكبرى العظمى ﷺ، واجتمعتم أنتم في دولته وراياتها منصوبة فوقكم، وإن شاء الله ما نخرج عنها، ونجتمع به في الدنيا والبرزخ والآخرة.
بين أهل النور وأهل الهزو واللعب
الحمد لله إذا بقي ذوق تكسُّب إرادة المرافقة والتشوّق لمرافقته في الدنيا والآخرة، إلى الأعاجم الذين وصلهم هذا النور من هنا ومن هناك، وإذا بقي واحد منّا من العرب ومن الموجودين في هذه البلدان، وهمّته وعشقته: إما مال، أو ظاهر، أو مظاهر، أو كرسي من الكراسي الخاربة، أو سيارة، أو تُربة، وانتهى! فرق بين هذا وهذا والله! فرق بين هذا وهذا والله!
هذا يطلب ماذا وهذا يطلب ماذا؟ هذا مُتّصل بالقوم الذين قال عنهم الرحمن: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، يريدون وجهه! وهذا: بـ (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا).
(انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا * كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا).
الله يملؤنا بالإيمان واليقين، والحمد لله على هذه الاجتماعات وحضور مناصبنا وأعياننا وكبارنا، وحضور هذه الأصناف من شرق الأرض وغربها، وِجهة واحدة إلى واحد، والكل تحت قيادة واحدة لرجل اسمه محمد بن عبد الله، يا رب صلِّ عليه.
اللهم لك الحمد شكراً ولك المنُّ فضلاً، تتنزّه فيها القلوب للحاضرين وللسامعين عن تبعية المخالفين وعن ولاء مَن حذّرنا الله من ولائهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ).
كأنها نزلت اليوم! يقول الرحمن: (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) - يهود ونصارى وبقية فئات الكفار - يتّخذون دينكم هُزو ولعب، صدق ربي! حذّر قال: لا تتّخذوهم أولياء، ابعدوا منهم، لا تتّبعوهم، لا تُوالوهم، (لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا).
قيمة الدين عندهم هذه: هُزواً ولعباً، ومسخرة، ما له مكان عندهم وما له منزلة في قلوبهم. قوانينهم الغبراء بكل ما فيها من جُرم وظُلم يُمجّدونها ويُرنِّقونها ويُحسِّنونها ويُزيّنونها. (اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) - اليهود والنصارى - (وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
من علامتهم: ما يُعظِّمون صلواتكم، ما يُعظِّمون مجامع الفرائض فيكم، (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ) ما عرفوا الحقيقة ولا حقيقة الدنيا ولا حقيقة الآخرة، ( لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) كما قال الله.
ظهور الخير في الأمة
لكن هذه التبعيّة المباركة، الحمد لله على هذه المِنَن، وتحيا قلوب كثيرة إن شاء الله، بعضهم في الأصلاب؛ تُكتب لهم الحياة من مثل الساعات هذه، تُكتب له حياة قلب وهو في الصُّلب من الساعة هذه، ويخرج بعد ذلك ويعرف يسوقه الله من هنا ومن هنا، ويمشي في الطريق ويلحق بالفريق، وذلك فضل الله يُضلّ مَن يشاء ويهدي مَن يشاء.
يقول سيدنا الشافعي في خطابه للربّ:
فما شئتَ كان وإن لم أشأ ** وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن
خلقتَ العباد على ما أردتَ ** ففي العلم يجري الفتى والمُسِن
على ذا مننتَ وهذا خذلتَ ** وهذا أعنتَ وذا لم تُعِنْ
ولله الأمر من قبل ومن بعد، ولا كان دم الحسين بن علي رخيص، ولا دم محمد بن سالم بن حفيظ رخيص، وما بينهم من السلسلة، ما كانوا عند الله سبحانه وتعالى بمَهينين، ما كانوا بِهَيِّنين على الرحمن، والنتائج تظهر، والخيرات في الأمة تظهر، وهكذا والعواقب تنتظر أرباب الجنان وأرباب النيران.
فيا رب ثبّتنا على الحق والهدى ** ويا رب اقبضنا على خير ملّةِ
حقيقة النصر!
كُلٌّ يأخذ هِمّته من هذه الوجهة إلى الرحمن جلّ جلاله، ويأخذ نور المصطفى محمد، يُزكّي بين نفسه وأسرته وأهله وأولاده وعاداته وعباداته وجميع شؤونه في تبعية (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
ربّ ارزقنا هذا التسليم، الثبات على الصراط المستقيم، اجعلها ساعة ساعة رضا من رضوانك الأكبر، تقضي بها بنصر المستضعفين من المسلمين والمظلومين من المؤمنين، وتقضي بها بنصرنا على نفوسنا وأهوائنا وشهواتنا وشياطين الإنس والجن وعلى الدنيا الغرّارة، انصرنا على الجميع، يا كريم يا سميع.
كان الحبيب عبد الباري بن شيخ العيدروس يقول: (وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، قال: النفس الأمّارة كافرة، والهوى كافر، وإبليس كافر، والشياطين كافرة، والدنيا الغرّارة كافرة، قال: (وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) كلهم! (وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
الله ينصرنا على القوم الكافرين، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
احفظ عقول شبابنا وشابّاتنا وناشئتنا من بنينا وبناتنا، احفظهم من خديعة إبليس وجنده، لا يضحكون عليهم ولا يُحيدونهم عن سواء السبيل، وكل الحاضرين وأهل هذه الدورات اجعلهم جنداً لك ينصرونك وينصرون رسولك بكل ما أوتوا، إذا جاء يوم المحشر؛ مع أنصاره حُشِرنا، ومع أحبابه حُشِرنا، ومع المقرّبين إليه حُشِرنا، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
وزدنا زيادة كما أنت أهله بما أنت أهله، واكشف عنّا الكروب والبلايا والخطوب، يا أرحم الراحمين ويا ربّ العالمين.
الله الله يا الله لنا بالقبول.
15 صفَر 1447