طلب التحقق بالعبودية للرحمن وإخلاصها له والتحرر من العبودية لسواه

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في مجلس قراءة المولد النبوي ضمن زيارة الشيخ أبي بكر بن سالم في شعب النبي هود عليه السلام، ليلة الجمعة 11 شعبان 1447هـ بعنوان:

طلب التحقق بالعبودية للرحمن وإخلاصها له والتحرر من العبودية لسواه

لمشاهدة المجلس كاملا

 

  • 2:11 التجرد لله وإخلاص العبودية
  • 3:49 الحرية الحقيقية في العبودية لله وحده
  • 6:39 صدق الشيخ أبي بكر بن سالم
  • 8:03 سوق التحرر من الأغيار وحقيقة لا إله إلا الله
  • 10:47 عاقبة الكفر ونصرة الله للمؤمنين
  • 13:18 مواقف العزة والثبات في غزوة أحد (أنس بن النضر)
  • 15:57 كرامة الشهداء ورسائلهم
  • 17:05 وصية الصحابي سعد بن الربيع
  • 19:26 الدعوة للتمسك بالشرع والحذر من المخالفات
  • 20:59 الحشمة والعفاف وغض البصر
  • 22:28 الدعاء للأمة

 

نص المحاضرة:

الحمد لله على بلوغ الخواتيم، والله يُحسِن لنا كلَّ خاتمة، وينظمنا في سِلك أهل الصدق من كلِّ ذي قلبٍ سليم، ويهبنا مواهبه العليَّة سبحانه وتعالى ومكارمه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. 

احمدوا الذي جمعكم في شِعب النور على اقتفاء بدر البدور، والسلَف الصالحين أهل الشراب الطهور، من كلِّ بَرٍّ شكور، في رحاب النبي هود -على نبينا وعليه وآلهم وصحبهم أفضل الصلاة والتسليم-، في كلِّ شأنٍ من الشؤون، في البطون وفي الظهور، وعلى جميع مَن والاهم واتبعهم بإحسان، والملائكة المقربين وعباد الله الصالحين، وخصوصًا مؤسّسي هذه الزيارات والمجالس المباركات، ومن دخل في دوائرهم وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وانظروا آثار وثمار هذه المجامع والزيارات والتوجُّهات، التي يتصل فيها أهلُ الظاهر بأهل الباطن، وأهل الشهادة بأهل الغيب، والأرض بالسماء، والحسُّ بالمعنى، وأهل الدنيا بأهل البرزخ؛ اتصالًا في وجهةٍ واحدة إلى الربِّ الواحد الذي لا شريك له، ولا إله إلا هو، ولا نافع ولا ضارَّ إلا هو، ولا مقدِّم ولا مؤخِّر إلا هو، ولا معطي ولا مانع إلا هو، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

التجرُّد لله وإخلاص العبودية

استجبتم لنداء، واقتديتم بنبي الهدى، ونزلتم منازل السعداء؛ فالله يلحقنا وإيَّاكم بخواصِّ السعداء، ويُسعدنا بأعلى السعادة هاهنا وغدًا، ويجعلنا في العباد الصالحين والحزب المفلحين، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. 

فأحضروا قلوبكم فيما بقي من ساعاتٍ تختمون بها مجلس المولد وصلاة العشاء في جماعة، في ليلةٍ شريفة هي ليلة الجمعة، الليلة الغرَّاء سمَّاها خير الورى، الليلة الغرَّاء ليلة الجمعة، واليوم الأزهر مُستقبلكم، ثمَّ السلامَ على الأنبياء بعد الصلاة، ثم خاتمتها بهذه الحضرة المُنيفة الشريفة الرابطة للقلوب بالحق، والمُنقِّية للقلوب عن شوائبها، وهي خاتمة حسنة لمن له قلب.

اللهم اجعلنا مِمن له قلب وألقى السمع وهو شهيد، حتى نُدرِك نداءك ونداء حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيما دعانا إليه في المنهج الرشيد، في نيَّاتنا وأقوالنا وأفعالنا وأحوالنا، وسرِّنا وعلانيتنا، وحيثما كنَّا وأينما كنَّا، حتى تتسخَّر جميع القوى التي وهبتَنا للتقوى ولمرضاتك في السرِّ والنجوى، ولنصرتك ونصرة هذا الرسول صلى الله وسلم عليه وعلى آله. 

تُستخدَم العقول في ذلك، وتُستخدم الطاقات والقدرات والتخصُّصات والمواهب التي وهبتَها صغيرنا وكبيرنا في هذا المسلك؛ لا يستغلُّها العدو إبليس، ولا أحد من جنده من أهل الإنس والجنِّ، يُسيِّرون إمكانياتنا وطاقاتنا؛ إمَّا في التفريق بيننا، أو في ضرِّ بعضنا البعض، أو في نشر الشرِّ والفساد والعياذ بالله تبارك وتعالى.

الحرية الحقيقية في العبودية لله وحده

هذه مواطن تتخلَّص فيها العبودية لله تبارك وتعالى، يُتخلَّص فيها من عبودية الهوى، يُتخلَّص فيها من عبودية الشهوات، يُتخلَّص فيها من عبودية الناس بعضهم لبعض؛ لأنَّ المنهج القويم الذي جاء به الهادي إلى الصراط المستقيم محمد ﷺ. 

قال الله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا) وأبَوْا إلا شيئًا من أهوائهم أو من شهواتهم أو مما يُغريهم به إبليس (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ): اشهدوا أنَّنا على قدم تخليص العبودية للربِّ، ولا نعبد سواه جلَّ جلاله، ولا نصرف طاقاتنا إلا في مرضاته سبحانه وتعالى، (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). 

(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، إنني من المسلمين: المستسلمين لأمره، أي: الذين تشرَّفوا بأن لا تكون تبعيَّتهم لهوًى ولا لشهوة، ولا لإنسيٍّ ولا لجنِّيٍّ، وتبعيَّتنا لواحدٍ أحد. 

قالوا للحبيب صلى الله وسلم عليه وعلى آله: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ)، قال الله له قل لهم: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، قُل أنا عبدٌ للرحمن، وهو خير عبدٍ ﷺ، قال: ما أجيء بالآيات من عندي ولا من رأسي ولا بهواي، ولكنَّ الله تولَّاه وأوحى إليه، وقال له: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ).

يا ربِّ صلِّ عليه وعلى آله، وأنتم من أمته، الله يُسعدكم بقربه، الله يُسعدكم بحُبِّه، الله يُسعدكم بالشرب من شُربه، الله يُسعدكم بإقامة أمره في أنفسكم وأُسَركم ودياركم ومنازلكم.

تغنمون من هذه الزيارة كمال الطهارة وتنقية العبودية للربِّ جلَّ جلاله، وصلنا إلى "شِعب"؛ فينا من هو عبدٌ لنفسه، وفينا من هو عبدٌ لهواه، وفينا من هو عبدٌ للشهرة، وفينا من هو عبدٌ للمال والثروات، وفينا من هو عبدٌ لقوانين يسنّها البشر، وفينا من هو عبدٌ لحزبيّة من الحزبيات، وفينا من هو عبدٌ لشيءٍ استعبده دون الله تبارك وتعالى؛ هنا يتحرَّر إن أقبل بصِدق، ويطَّهَّر ويخرج عبد لواحد، الواحد الأحد جلَّ جلاله.

صدق الشيخ أبي بكر بن سالم

والشيخ بامخرمة من شيوخ الشيخ أبي بكر بن سالم يقول: "كُن واحد لواحد"، كن واحد! ما أنت مُفرَّق هنا وهنا، اترك هذا وهذا، واحد لواحد؛ عبد لرب! جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

كانوا يذكرون الحبيب عبد الله بن محمد بن شهاب عليه رحمة الله، في الحبيب أحمد بن علي، جدُّ عليٍّ هذا، والد الحبيب حسن، قال: قال يقال حبيبي علوي: هذا الإنسان قلبٌ وربّ، يعني عبدٌ خالص، ما تحمله التفاتات ولا الأهواء لكذا ولا كذا. 

ومن أيام صغره وشبابه قالوا: قال يوم أنه سيجيء إلى المدرسة يحضر في مدرس الرباط مع الحبيب علوي بن شهاب عليه رحمة الله، قال الحبيب عبد الله: حبيبي من يوم قعد وعينه إلى المكان الذي سيدخل منه الباب ذاك الحبيب، قال: فلما دخل قام وأجلسه بجنبه، وعقَد المدرَس كلَّه في ذكر أخبار الشيخ أبي بكر بن سالم، وكرامات الشيخ أبي بكر بن سالم، وأحوال الشيخ أبي بكر بن سالم عليهم رحمة الله تبارك وتعالى.

فهم القوم الذين هُدوا ** وبفضل الله قد سَعِدوا 

ولغير الله ما قصدوا ** ومع القرآن في قرنِ 

ربِّ فانفعنا ببركتهم ** واهدنا الحسنى بحرمتهم 

وأمِتنا في طريقتهم ** ومعافاة من الفتنِ

سوق التحرر من الاغيار وحقيقة لا إله إلا الله

يا من وصلتَ إلى سوق التحرُّر من الأغيار والآفات والظلمات، اغنم الساعات وما بقي معك إلا الخاتمات. 

وأنتم نيابة عَمَّن قد نفر وذهب، وعمَّن لم يحضر من أهل المؤمنين والمؤمنات، وتوجَّهوا إلى ربِّ الكل، وإله الكل، وخالق الكلِّ، ومن بيده أمر الكل، الذي أرسل إلينا الرسل، ربنا سبحانه وتعالى.

توجَّهوا إليه بصدق في باقي اللحظات هذه التي معكم والساعات في هذا الشِعب النُّوَيِّر المبارك، عسى نصادف قبول.. 

مديت كفِّي عسى دعوة تصادف قبول، مديت كفِّي عسى دعوة تصادف قبول، عسى نظر من البرِّ الوصول، عسى رابطة بسيدنا الرسول، عسى إصلاح من الله للنية والقصد والفعل والمَقول. 

وننصرف بأنوار خالصة في العبودية الخالصة للربِّ جلَّ جلاله؛ تحرّرنا من أهوائنا، وتحرَّرنا من شهواتنا، وتحرَّرنا من العبودية لغير ربنا كائنة ما كانت، اللهم آمين. 

والمتحقِّقون بالعبودية لله هم الذين تحقَّقوا بحقائق "لا إله إلا الله محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم"؛ لا إله إلا الله ما أعظمها! لعظمتها قال الله لأعظم خلقه وأعظمهم تحقُّق بالعبودية له: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ).

قال: يا رأس هذه العصابة في العبودية لي والإيمان بي، هذا المسلك الذي اخترتُه لمن اصطفيته واجتبيته من التحقُّق بالإيمان والعمل الصالح والاستغفار.

 وأمَّا الناس فكما ذَكَر في هذه السورة، سورة محمد ﷺ، ما أعظمها من سورة! ما أجلَّها من سورة! سورة فيها أحوال الخلائق على مختلف اتجاهاتهم إلى أن تقوم الساعة، ونهاياتهم وعواقبهم وما يطرأ عليهم في الدنيا والآخرة.

يقول سبحانه وتعالى: (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ) مَن هم هؤلاء؟ أتباع محمد؛ لأنه قبلها يقول: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)، صدق ربِّي، فلا يغرُّونك أنَّ عندهم قوة ولا تخطيطات، كلُّها تخبيطات وكلُّها إضلالات.

عاقبة الكفر ونصرة المؤمنين

والكفَّار في كلِّ زمان منهم صنف يبتليهم الله بالإيذاء والضُّرِّ لعباد الله، والصدِّ عن سبيل الله، والمعاندة لوحي الله تبارك وتعالى، هؤلاء قال عنهم: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ). 

وبعدها ما الذي يحصل فيما مضى؟ وما الذي هو حاصل الآن وفيما يُستقبَل؟ قال: (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)، وعسى ما أحد منَّا يقع في الخبيث، نكون كلنا طيبين عند الربِّ جلَّ جلاله، نحيا طيبين ونُتوفَّى طيبين؛ (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، هؤلاء الذين تتوفَّاهم الملائكة طيبين، هكذا وجزاؤهم ونهايتهم. 

يقول الحق تعالى في هذه السورة: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ)، وما السرُّ والحكمة؟ (ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ). 

يقول جلَّ جلاله بعد ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)، 

يقول سبحانه وتعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)، والسرُّ؟ (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ)، ما يتولَّاهم الله، فمهما تناصروا ومهما تجمَّعوا ومهما رتَّبوا بينهم لا مولى لهم، ما لهم مولى، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)؛ لأنَّ الله لا ينصرهم ولا يتولَّاهم، (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ).

مواقف من الثبات واليقين في أُحُد (أنس بن النضر)

لما قام يفتخر أبو سفيان في أيام كفره قبل الإسلام وفي غزوة أُحُد وقال: اعلُ هُبَل، اعلُ هُبَل، قال لهم النبي ﷺ: "أجيبوه"، قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجلّ"، هبَل اسم الصنم لديهم، فأخذ أبو سفيان يقول: إنَّ لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، -يعني صنم العزَّى نعبده وأنتم ما عندكم عُزَّى-، قال النبي ﷺ: "أجيبوه"، قالوا: كيف نُجيب؟ قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم"، الله مولانا ولا مولى لكم، وقال: إنه يوم بيوم بدر، وقال: إن حصلت مُثلة لم آمر بها ولم أكرهها.. مثَّلوا بسادتنا الصحابة عليهم الرضوان في غزوة أُحُد، بقروا البطون، جدّعوا الأنوف، وقطعوا الآذان، حتى من سادتنا الصحابة من لم يُعرَف، ما عرفوا من هذا! منهم سيدنا أنس بن النَّضْر، وهو في مقام يقول عنه ﷺ كما جاء في صحيح البخاري: "لو أقسم على الله لأبرَّه".

أنس بن النَّضْر، عليه الرضوان، جاءت امرأة أخته أو عمته، تشاجرت مع واحدة من النساء وكسرت سِنَّها، فجاؤوا بهم إلى النبي ﷺ قال لهم: تسامحون أو تأخذون القصاص؟ قالوا: القصاص. قال: القصاص، اكسروا سنَّها، يقول له سيدنا أنس: يا رسول الله تُكسَر سِنُّ عمتي -أو أختي-؟ قال له: كتاب الله القصاص يا أنس، قال: والله لا تُكسر سنُّها! قال له: "كتاب الله القصاص"، سكت وهم في الطريق يمشون القلوب تحرَّكت، قالوا: ما فائدة أن نكسر سنَّها هذه؟ أحسن إلا نسامح وإلا نأخذ الدية، رجعوا إلى عند النبي، فقال ﷺ: "إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّ قسمَه"، منهم أنس بن النَّضْر، قال: "والله لا تُكسر سنُّها"، ما كُسرت سنُّها! كلمته هذه مشت عند الله جلَّ جلاله! 

كان أهل هذه الحضرات يُعهَد منهم كثير، إذا قالوا الكلمة؛ هذه الكلمة تمشي عند ربك جلَّ جلاله، ينفِّذها لهم، كانت عينات ملانة من هذا الصنف ومن هذا النوع؛ إذا قالوا الكلمة أبرَّ الرحمنُ قسمَهم جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

رجعوا، قُتل في أُحُد، ما عرفوه ولا عرفته إلا أخته، أخته عرفته بماذا؟ ببنانه، يعني إصبعه، ماذا في إصبعه؟ خاتم عرفته، خاتم في إصبعه، قالت: هذا خاتم أخي أنس بن النَّضْر عليه رحمة الله تبارك وتعالى، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

كرامة الشهداء ورسائلهم

وهكذا، هؤلاء أوقفهم الله بين يديه كما جاء في الصحيح وقال: "تمنَّوا عليَّ ما شئتم"، فأعجبهم البذل والتضحية في سبيل الله والجهاد مع النبي محمد، قالوا: يا ربنا رُدَّنا مرة ثانية إلى الأرض، لماذا؟ ستعملون؟ ستأكلون أو ستشربون أو ستبنون أو ستتزوجون؟ ماذا ستعملون؟ قالوا: نقاتل مع نبيك مرة ثانية ونُقتل مرة ثانية، مثل هذه القتلة الزينة التي وقعت لنا، أوذوا في ذاك اليوم ومُثِّل بهم! قالوا: مثلها هذه حالية، نريد واحدة مثلها ثانية، قال فقال الله تعالى: "سبق القضاء مني أنَّهم إليها لا يعودون"، ما عاد يرجع أحد إلى الدنيا، انتهى، قالوا: "فأخبر عنَّا من وراءنا"، فأنزل الله على نبيه قولَهم عليهم رضوان الله تعالى: "أخبِروا عنَّا من وراءنا أنَّا لقينا ربَّنا فرضي عنَّا وأرضانا"، فرضي عنَّا وأرضانا، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

وصية الصحابي سعد بن الربيع

وهكذا كان شأنهم في ذلك اليوم المبارك، وفيهم سعد بن الربيع، النبي ﷺ تنبَّه له قال: "من يأتيني بخبر سعد؟" ذهبوا يدورون بين الموتى والقتلى وبين الجرحى، وجده، جاء واحد منهم في آخر رمق له، قال: سعد بن الربيع؟ قال: نعم، قد صعب عليه الكلام وفتح العين، قال له: رسول الله يسأل عنك، لما ذكر له اسم رسول الله فتح عينيه! قال: رسول الله ذكرني؟ قال: نعم وهو يسأل عنك كيف أنت؟، قال: قل له في الموتى، قل له أنا في الموتى، أبلغ رسول الله مني السلام، وقل له: جزاك الله عنَّا خيرًا، وأبلغ قومي، الأوس والخزرج من بعدي الأنصار أبلِغهم، قل لهم يقول لكم سعد بن الربيع: لا عُذر لكم أن يُخلَص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف! ما لكم عذر عند الله أن أحد يصل للنبي ويمسَّه ما دام فيكم عين تطرف واحد منكم حيٌّ في الدنيا، لا أحد يصل إلى محمد.. رأيت همَّته كيف؟ رأيت هذا آخر كلامه! وفاضت روحه.

رجع إلى عند النبي ﷺ فأخبره قال: سعد يُقرئك السلام ويقول إنه في الموتى، ثم قال لي: أبلغ قومنا من بعدي الأوس والخزرج قل لهم: يقول لكم سعد بن الربيع: لا عذر لكم عند الله أن يُخلَص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف، إذا واحد بقي منكم على الحياة لا يترك أحد يصل إلى الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، وقال: وفاضت روحه عليه رحمة الله، دعا له صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وهنيئًا لهم بنفسه قبرهم، الشهداء سبعين نزل في قبورهم كلها؛ لأنه كان من كثرتهم والصحابة فيهم جراح يضع الاثنين وأحيانًا الثلاثة في قبر واحد ﷺ، ينزل بنفسه إلى قبورهم ويتناولهم ويضعهم، فإذا جاؤوا بالاثنين والثلاثة يقول: "أيُّهم أكثر أخذًا للقرآن؟" فإن أشاروا إلى أحدهم يقدّموه إلى جهة القبلة ويضع الثاني وراه، حتى قبرهم كلَّهم بيده الكريمة. 

ثم وقف على قبورهم قال: "أشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة" ، أشهد أنكم الشهداء، وقال: "والذي نفسي بيده لا يقف عليهم أحد فيسلِّم عليهم إلى يوم القيامة إلا ردُّوا عليه السلام"، عليهم سلام الله ورحمته وبركاته ورضوانه الأعلى عليهم أجمعين.

الدعوة للتمسُّك بالشرع والحذر من المخالفات

هكذا كان الشأن أيُّها الأحباب، والآن هذه سنَّته، وهذه شريعته، وهذا دينه، وهذا ما أمامكم مِن إغراءات النفوس والأهواء والشهوات وأطروحات أهل الشرق والغرب؛ ارفضوا كلَّ ما يُخرجكم عن العبودية لله، ارفضوا كلَّ ما خالف شريعة النبي محمد بن عبد الله ﷺ، فوالله ما عزَّ الخلق إلا بمنهج الخالق وشريعة الخالق.

تعظيم هذه الشريعة والقيام بحقِّها؛ هو المفتاح للطريقة، والمفتاح للحقيقة، والمفتاح للوصول للربِّ جلَّ جلاله، تعظيم الشرع المصون! 

يجب أن يُعظَّم هذا الشرع، وتخرج من هذا الشِعب وأنت مُكبِّر لله حقيقة التكبير، مُعظِّم لله وللرسول ﷺ.

تستقبل ليلة النصف من شعبان ما في بيتك قاطع رحم، ما في بيتك عاقُّ والدين، ما في بيتك من يُسبل ثيابه خُيلاء وكِبْر، ما في بيتك مُشاحِن في قلبه شحناء لأحد من المسلمين؛ فهؤلاء لا يغفر الله لهم ليلة النصف من شعبان ولا حتى في رمضان والعياذ بالله تبارك وتعالى. 

ومنهم شَرَبة الخمور وأهل المخدرات والمسكرات التي ينشرها أعداء الله تبارك وتعالى؛ ليضرّوا وليغرُّوا بها كثيرًا من الناس فيُفسدوهم ويُخرجوهم عن مسلك ربِّهم جلَّ جلاله وتعالى في علاه، وبقية الفواحش التي يحبُّون نشرها بمختلف الصور وبمختلف الكلمات وبمختلف الأعروضات.

الحشمة والعفاف وغض البصر

والرحمن قد خاطبنا من قبل في المنهج القويم: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ) -أي يُظهِرْنَ- (زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) -يعني أزواجهنَّ- (أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ).. 

إذا مشين في الطريق وفي أرجلهن حُجول هذه يضعونها وفيها قراقش لها صوت، قال: لا يضربن الأرض ويظهر صوت الحجْل في رجلها، (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ) الآن ليس الحَجْل الذي يتكلم صارت هي تتكلم، وصارت "هلو هلو"، وصارت تظهر في الصورة، وغير ذلك؛ حَرَّمت أن تُظهر صوت الحَجْل فقط! (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

تقومون بتعظيم الله إن شاء الله، وبصدق وإقبال على الله.

الدعاء للأمة

وتوجَّهوا إلى الله بتمام الشفاء لحبيبنا حسن بن أحمد، الله يشفيه ويُعافيه شفاءً لا يُغادر سَقَمًا ولا ألمًا، ويطيل عمره في عافية، ومرضانا ومرضى المسلمين، الله يمتع به سنين عديدة وأعوامًا مديدة في خيرات كثيرة. 

الله يُمتِعنا بعلمائنا ومناصبنا وصُلحائنا وأهل السرِّ والخير فينا، ظاهرهم والخامل منهم، الله يُحبِّب إليهم البقاء فينا ويُصلح الشؤون لنا بهم ظاهرًا وباطنًا. 

الله يتدارك الأمة، الله يُغيث الأمة، الله يكشف الغُمَّة، الله يجلي الظُّلمة، الله يدفع النقمة، الله يبسط بساط الرحمة لنا ولكم وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.

واسألوه فيما تحتاجونه من أمر آخرتكم وأمر دينكم وأمر دنياكم، لأنفسكم وأهلكم وأولادكم وأهل بلدانكم، وتوجَّهوا كلُّكم إليه: اللهم انظر إلينا والمؤمنين.. 

نظرة تُزيل العَنا ** عنَّا وتُدني المُنى

منا وكل الهنا ** نُعطاه في كلِّ حين

 برحمتك يا أرحم الراحمين. 

وكل من له نية صالحة من الرعاة والرعية في صلاح الناس وخدمتهم ونشر الخير لهم؛ اللهم وفِّقهم وأعِنهم وتولَّهم وأجرِ الخير على أيديهم. 

اللهم ومن أرادنا والمسلمين بسوء أو مكر أو فساد أو ضُر؛ فاجعل اللهم كيدهم في نحورهم، واكفِ المسلمين جميع شرورهم.

يا ربِّ شتِّت شملهم ** يا ربِّ فرِّق جمعهم

يا ربِّ قلِّل عددهم ** واجعلهمُ في الغابرين

ولا تُبلِّغهم مُراد ** ونارهم تصبح رماد

بـ (كهيعص) ** في الحال ولّوا خائبين

وانظر إلينا والمؤمنين أجمعين، وأصلح شؤوننا ما أصلحتَ به شؤون الصالحين، واجعله ختامًا حسنًا نرقى به إلى المقام الأعلى في السرِّ والعلن، ونتصفَّى به عن كلِّ دَرَن. 

ونخرج عبادًا لك مُستخلصين، خالصي العبودية لك يا ربنا، في أقوالنا وأفعالنا ونيَّاتنا وجميع أحوالنا، وعُمَّ بالخير أهالينا ومن في ديارنا، وأهل بلداننا والمسلمين أجمعين برحمتك، والحمد لله ربِّ العالمين.

 

العربية