ذكريات الأكابر والمسلك الطاهر

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في معهد بصائر للعلوم الشرعية، في ذكرى وفاة الداعية الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي رحمه الله، بمدينة عمّان، الأردن، ليلة الأربعاء 11 رجب 1447هـ بعنوان:

ذكريات الأكابر والمسلك الطاهر

نص الكلمة:

الحمدُ لله على هذه الأمطار المعنويَّة التي تُحيي موات القلوب، وتُلحِق الفرعَ بأصل، والخَلَفَ بسَلَف، بعناياتِ الرحمن الذي بعث الرُّسُل ونبَّأ الأنبياء، وجعلهم أسبابَ صِلَة الخلق المُكلَّفين به، عرَّفهم بالمنهج الذي به ينجون، وبه يعرُجون ويرتقون، وبه يُحصِّلون أعلى مراتب الفوز والسعادة على الأبد، في عطايا لا تُعَدُّ ولا تُحَدُّ.

ذلكم فضلُ الواحد الأحد الذي جمعكم في هذه الليلة من هذا الشهر الكريم، الذي كانت فيه وفاةُ هذا الشيخ المبارك الذي امتزج نورُ القرآن والسُّنَّة بِلحمه ودمه، وظهرت الآثار عليه في أدبه مع الإله الغفَّار، وظهرت آثارُ هذا الأدب والانكسار مع الضَّعف الذي كان في بدنه وجسده، وإعراضه التَّام عن مظاهر الدنيا وعن المال وكسبه والاغترار به والالتفات إليه، ظهرت نتائجُ كلّ ذلك في انتشار النور على يده في حياته وبعد وفاته، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

 

بداية الدعوة والتبليغ

فابتدأ ترتيبُ هذا العمل الذي اشتَهر بالدعوة والتبليغ قبل المئة السنة كما سمعتم، وكان في قريب الأربعين، ولادته في عام الثلاثة وثلاثمئة وألف (1303هـ) من الهجرة النبوية، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

ومن ذاك الحين إلى الآن كم يُسجَّل في صحيفته من ثوابٍ ومن حسناتٍ لكلِّ من انتفع، ولكلِّ من اتَّصل، ولكلِّ من قرأ وأقام شؤونه على العِلم، وكان يَنسِب العلمَ إلى غيره وهو من خواصِّ أهل العلم، وعلى الذِّكر وكان يرى أنَّه المُقصِّر في الذِّكر وهو من خواصِّ الذاكرين الله كثيرًا، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

وهي نتيجةُ تزكيةٍ نبويَّة محمَّديَّة توارثها الأكابر، وقد خشي على من يتعلَّق بصورة العبادة وصورة الدعوة مع الخُلُوِّ عن حقيقة العلم والذِّكر، ويُوقِن أنَّ ذلك قد يتحوَّل إلى فتنةٍ على المسلمين وإلى ضُر يحصل في المؤمنين، وكلامُه حقٌّ لِما عَرَف من الحقِّ في كلام الله وكلام رسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله، وما ربّى عليه ﷺ ساداتُنا السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

 

صفات أولي الألباب: الذكر والفكر

وكانوا الذاكرين الله كثيرًا في الليل والنهار، وفي السِّرِّ والإجهار، شأن أولي الألباب، أي الذين وَعَوا عن الله سِرَّ الخلق والإيجاد، واستعدُّوا للِّقاء والمرجع خيرَ استعداد.

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).

فهذه أوَّلُ أوصافهم: الذِّكر الكثير، والتفكُّر الغزير الصحيح الصافي، (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).

 

مراتب السَّمع للنبي ﷺ

ورابطتُهم أقاموها بالإمام والأصل: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ)، وهذا السَّماع للمُنادي -والمنادي هو النبيُّ الهادي ﷺ- على مراتب في السامعين: مَن يسمع هذا المنادي ونداءه بجزءٍ من أجزائه، أو بكُلِّيَّته، أو بقلبه؛ سماعًا يرقى إلى حقائق ما أُرسِل به ﷺ، وما بُعِث به ﷺ، وما بلَّغه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ولن يستوعب واحدٌ من الأمَّة -ولو كان من الأكابر من السابقين الأوَّلين- كلَّ ذلك، ولكنَّه تَوَزِّع فيهم هذا النور الإلهي الرَّبَّاني، وكان الأكابر هُم المرجع في هذا الشأن وهذا المظهر، وفي وجهة القلوب إلى الباري جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

 

سِرُّ الارتباط بالأئمة

كما جعل لنا المثال في الصلوات الخمس العظيمة التي هي عماد الدِّين، نُقيمها ورَغّبنا فيها في الجماعة، والجماعة لا تكون إلَّا بإمامٍ، وتكون بارتباط نيَّات المأمومين بالإمام، وكلَّما كثُر الجمعُ كان ذلك أَوْلى بأن يتنزَّل عليهم أكثر وأكبر مِن فضل الله تبارك وتعالى وقَبوله إيَّاهم.

حتى جاء: "صلاةُ الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاتُه مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وصلاتُه مع الثلاثة أزكى من صلاته مع الرجلين"، وهكذا تأتي الدرجات فيما حَثّنا عليه من سِرِّ هذه الجماعة، وارتباطُ المأموم بالإمام في أخذه وعطائه؛ يُشير إلى أنَّ الدخول إلى حضرته يترتَّب على هذه الكيفيَّة وعلى هذه الخصوصيَّة والمزيَّة.

وبذلك بَعث الأنبياء، فكانوا الأئمة الذين يأتمُّ بهم أمَّتُهم جميعًا، وكلُّ من ناب عنهم من أمَّتهم قام مقام النيابة، والإمامُ الأصل هو النبيُّ المُرسَل إليهم، وهكذا نبيًّا بعد نبيٍّ حتى جاء خاتَم النبيِّين ﷺ، وكانت منزلتُه في حضرة الله تبارك وتعالى ما عبَّر عنه بقوله: "لو كان موسى حيًّا ما وَسِعه إلَّا اتِّباعي".

 

وإنَّ رسول الله من غير ريبة ** إمامٌ على الإطلاق في كلِّ حضرةِ

وجيهٌ لدى الرحمن في كلِّ موطن ** وصدرُ صدور العارفين الأئمَّةِ

وكان له ليلةَ الإسراء والمعراج -في مثل هذا الشهر على أظهر الأقوال- قال:

وشاهد جنَّات ونار وبرزخ ** وأحوال ملائكة وأهل النبوَّةِ

وصلَّى وصلَّوا خلفه فإذًا هو ** المُقدَّم وهو الرأس لأهل الرئاسةِ

صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله..

وكان من أعظم مَن استقى منه ﷺ حقائقَ التنزيل، ومعالمَ السبيل، والشُّرب من السَّلسبيل، ومعرفةَ الإله الجليل: سيِّدنا أبو بكر الصِّدِّيق عليه رضوان الله، الصاحب له من قبل الإسلام، وفي الإسلام، والذي ما تلكَّأ ولا تردَّد حين أخبره بخبر الرسالة أن آمَن وصدَّق، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

وشَهِد المواقف كلَّها معه، واختُصَّ بليلة الغار وهي عظيمة: (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).

 

قيام الشيخ بالدعوة إلى الله مع التواضع

وكان من ذُرِّيَّته هذا الشيخُ الكريم المبارك الذي اتَّصل بالسَّنَد، واتَّصل بالعلم، واتَّصل بالتربية والتزكية والذِّكر، وقام بحقائق هذه الشؤون ظهَرَت في باطنه وفي سِرِّه، أورثَتْه هَمَّ الأمر بالدعوة إلى الله تعالى، وجمعِ هذه الأمَّة على ما بُعِث به كاشفُ الغُمَّة وجالي الظُّلمة صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.

وكانت له هذه المجهودات التي أنتم في ثمراتٍ من ثمراتها، وفي آثارٍ من آثارها، امتدَّت وذهبت في المشارق والمغارب، لنيابتها عن المبعوث من ربِّ المشارق والمغارب إلى جميع من في المشارق والمغارب.

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا).

(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) ﷺ.

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).

وكانت الصفات التي غلبت على الشيخ عليه رحمة الله وظهرت عليه: صورةُ الضَّعف الظاهر، وعدمُ وجود المال الحِسِّي في إقامة مدرسته ولا في إقامة دعوته، عليه رضوان الله تبارك وتعالى، وكان أيضاً بُعدُه عن هذه المظاهر وخشيتُه على نفسه إلى آخر عمره.

وهكذا، كما رأيتم جدَّه الصِّدِّيق لمَّا جاء إلى الحبيب الأعظم وهو يبكي ويقول: إنَّ إزاري يسترخي عليَّ يا رسولَ الله، وقد ذَكَر أنَّ من يُسبِل إزاره خُيَلاء لا يدخلون الجنَّة، قال ﷺ: "إنَّك لستَ ممَّن يفعله خُيَلاء"، الكبر ليس خُلقه! هو يخاف على نفسه من الكِبر، وكذلك حفيدُه يخاف على نفسه من الكِبر.

وهذه المدرسة على هذا الحال وعلى هذا الأدب وعلى هذا التواضع القويِّ الكريم، كم كان تواضعُه حتى مع أهل المعاصي، مع أهل الذنوب، مع أهل السيِّئات! وبتواضعه وخُلُقه ردَّ الكثيرَ منهم إلى الرحمن جلَّ جلاله، وتحوَّلت أحوالُهم.

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ).

فكانت تلكم النهضة العظيمة التي تُخاطبكم الآن، وتُخاطبكم: اتَّصلتم بمثل هذا الإمام عليه رضوان الله، فما حقائقُ اتِّصالكم بحقائقه؟ بأسراره، بما جال في صدره من نور الخشية والإنابة والتقوى للرحمن جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، والمحبَّةِ الصادقة للإله ولرسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

 

محبَّة الصِّدِّيق للنبي ﷺ ومواقفه

كما تعلَّمت الأمَّةُ أسرارَ المحبَّة لهذا المصطفى من جدِّه الصِّدِّيق عليه رضوان الله تبارك وتعالى، حتى شَهِد له صاحبُ النبوَّة في آخر عمره الشريف وقال: "إنَّ أَمَنَّ الناس عليَّ في صُحبته وماله أبو بكر" ، و "لو كنتُ متَّخِذًا من الناس خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكر خليلًا"، "سُدُّوا عنِّي كلَّ خَوخةٍ في المسجد إلَّا خَوخةَ أبي بكر"، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

وكان في تلك المحبَّة عليه رضوان الله تعالى، تذكُر أسماءُ بنت عُمَيس -وهي زوجة الذي شرَّف اللهُ منطقتكم سيِّدنا جعفر بن أبي طالب عليه رضوان الله، وتزوَّجها بعدُ سيِّدُنا أبو بكر الصِّدِّيق- وكانت تذكر أيَّامَ خلافته وقالت: يدخل عليَّ في الليلة ويقوم يُصلِّي، ثمَّ يجلس فيضع رأسَه بين رجليه ويقول: واشوقاه إلى رسول الله! واشوقاه إلى رسول الله!

هذا من ذِكر الصِّدِّيق، من عبادة الصِّدِّيق عليه رضوان الله، ما كان يعتلِج في قلبه، تقول: حتى أرِقّ له وأقوم أقول له: يا أبا بكر، يا خليفةَ رسول الله، صحبتَه من قبل الإسلام، ولازمتَه في الإسلام، وحضرتَ معه المشاهد، ومات وهو عنك راضٍ، وستلقاه بعد اليوم، وهو في هذا الحال ليالي! وهو في أيَّام خلافته، في همِّ الأمَّة كلِّهم، ويقول في الليل: واشوقاه إلى رسول الله! واشوقاه إلى رسول الله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله!

وروى الإمام البخاري عنه أنَّه كان يقول: لَقرابةُ رسول الله أحبُّ إليَّ أن أَصِلَ من قرابتي.

وكان أيضًا يقول: كان إسلامُ أبي طالب أحبَّ إليَّ من إسلام أبي قُحافة -أبو قُحافة والده- قالوا: كيف؟ قال: لأنَّه أحبّ إلى رسول الله، فهو أحبُّ إليَّ، وإن كان هذا أبي، ولكنَّ إسلام ذاك أحبُّ لقلب رسول الله فهو أحبُّ إليَّ، عليه رضوان الله.

تجرَّد أنه انمحى في الحبيبه انطواءً، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

الصِّدِّيق والحسن بن علي

وكان في أيَّام خلافته -في بعض الأيَّام- خرج من المسجد وكان مع سيِّدنا عليٍّ، وإذا بسيِّدنا الحسن، احتضنه وأخذه، وأخذ يرفعه في الأرض ويضعه ويقول: بأبي بأبي! شبيهٌ بالنبي لا شبيهٌ بعلي! بأبي بأبي! -تفدّاه بأبيه، قال أنت تشبه النبي لا تشبه أبيك علي، أنت في وجهك تشبه النبي- بأبي بأبي، شبيهٌ بالنبي لا شبيهٌ بعلي! قالوا وسيدنا علي يضحك ويتبسّم، والصدِّيق يلاعب الحسب ويقول: بأبي بأبي، شبيهٌ بالنبي لا شبيهٌ بعلي! عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

وفاة الصِّدِّيق 

وعلى هذه المحبَّة حتى قال أهلُ السيرة: إنَّ من أسباب موته الكَمَد على فراق الحبيب، وما قدر إلَّا سنتين وأشهُرًا ولَحِق بالحبيب، ما قدر يتخلَّف بعده، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

 

دعوة للاتِّصال بهذا الخير

وهذه المعاني كلُّها تُناديكم اليوم، وتُنادي أهل الاتِّصال بهذا الخير وبهذه الحِبال التي امتدَّت إليكم، أن تقوموا بمُهِمَّتكم وواجبكم في أنفسكم، وفي أُسَركم، في مُحيطاتكم، وفي اتِّباع هذا المسق.

بحمد الله تعالى، فرحنا بأحبابنا هؤلاء لمَّا غاصوا على مدارك وعلى مسالك وعلى أذواق هذا الإمام عليه رحمة الله تبارك وتعالى، وأخذوا يردُّون الأمرَ على أصله وعلى حقيقته في سَير هذه الجماعة، وهي جزءٌ لا يتجزَّأ من أهل لا إله إلَّا الله، الذين ربطهم هذه الرباط الأقوى، ولا رباط أقوى من لا إله إلَّا الله.

وإن تفاوت الناسُ في مراتبه وفَهْمه وفهم معانيه ومراقيه، ما يشذُّ عنه وعن هذ الرباط إلَّا من مات على غيرها، أمَّا من مات عليها فكلُّهم مربوطون بهذه الرباط، ولا بُدَّ أن يجتمعوا في دار الكرامة، ولو كان ما كان منهم، حتى آخر من يخرج من النار يموت عليها فيخرج ويدخل في الدائرة، وتجمعه الجنَّة مع الحبيب الأعظم ومع من في الجنَّة من النبيِّين والصِّدِّيقين.

فما هناك رباط أقوى من رباط لا إله إلَّا الله، والذين اتَّسعوا في فَهمها ومعانيها اتَّسعوا في إدراك قوَّة هذا الرباط، وعرفوا مقدارَ أهل لا إله إلَّا الله.

نور المؤمنين

حتى كان يقول العارفون في الأمَّة: لو كُشِف نور العبد المؤمن العاصي لطبَّق ما بين السماء والأرض؛ لأنَّ عنده لا إله إلَّا الله، وهو عاصي فكيف بالمؤمن الطائع! كيف نورُه!

ولذا قال الحقُّ تعالى: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ).

ومع ذلك يقولون: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

نتوجَّه إلى الرحمن يُتمِم لنا نورنا، ويجعل لنا من تمام هذا النور زيادةً فيه أبديَّة لا تنقطع، وإذا حُشِروا معه ﷺ نكون فيهم، ونكون في القريبين منه في ذاك اليوم، ونرى تلك الوجوه: الشيخ وسلسلة سنده إلى الحبيب العظيم ﷺ، كلُّهم وجوهٌ منيرة، وقلوبٌ طاهرة سليمة، وكلُّها متَّصلة ببعضها البعض ومرتبطة أنواعًا من الارتباطات.

 

همُّ الدعوة إلى الله

وهمُّ الدعوة إلى الله تبارك وتعالى الذي جمع خيار الأمَّة، هو الذي حرَّك الوالد عليه رحمة الله تبارك وتعالى من حضرموت إلى الذهاب إلى الهند وباكستان وبنغلاديش، في تسعة أشهر قضاها في عام ثمانية وسبعين وثلاثمئة وألف هجريَّة (1378هـ).

وكانت مجالستُه مع ولد الشيخ: الشيخ محمد يوسف، وتلامذةِ الشيخ، ومَن كان في تلك الطبقة، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، وتبادلوا الإجازات، وتبادلوا الأسانيد، وتبادلوا الفوائدَ العِلميَّة إلى غير ذلك ممَّا كان وُصلاتٍ لله وفي الله خالصةً لوجه الله.

ثمراتُها تُقتَطف في طول الحياة وبعد الحياة، وهي أطيَب وهي ألذُّ وأحسن هناك.

فالله يُوفِّر حظَّنا من سِرِّ هذه الارتباطات والاتِّصالات، ويُبارِك في معهد بصائر والقائمين عليه، وما ينتشر به من المعاهد إن شاء الله في البلدة وخارج البلدة، ويجعله خيرًا مستمرًّا ومنتشرًا في الوجود في المشارق والمغارب.

ويرزقنا الأدبَ معه في كلِّ ذلك، والقيامَ بحقِّه على ما يُحبُّه ويرضاه، ويزيدهم زيادات، ويجمع القلوبَ على ما يُحبُّ، ويجعلنا وإيَّاكم ممَّن يُحِبُّ.

بارِكْ لنا في رجب وشعبان وبلِّغنا رمضان، وأَعِنَّا على الصيام والقيام، واجعلها مجامعَ هُدًى وخيرٍ ونور.

يبيتُ قلبُ الشيخ مسرورًا في ليلته هذه بما يرتفع إلى روحه من هذه البقاع، ويجعل الله له بذلك أُنسًا وحُبورًا، ويجعل له بذلك أنسًا وحبورًا للسلسلة كلِّها، وتعود العوائدُ علينا في سرور قلب رسول الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله.

 

ما يفرح به النبي

ولستُ أرى أمرًا يَسُرُّ فؤادَ مَن ** به الكونُ يزهو في الوجود ويفخرُ

سوى دعوة الهادي الشفيعِ محمَّدٍ ** وتَبليغها في كلِّ ما عنه يُؤثَرُ

قال تُعرَض الأعمال على رسول الله، فلا يُحرّك قلبَه ولا يُفرِحه شيء مثل الدعوة إلى الله إذا قامت، لأنها منهجه وطريقته، وفيها حِفظ أُمَّته وسلامتُهم، وفي هذا أكبرُ ما يَفرَح به من عرض الأعمال عليه.

(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ).

اللهُ يُحنِّن روحَه علينا، ويُعطِّف قلبَه علينا، ويزيدكم مِن حقائق الإيمان واليقين، في علم اليقين وعين اليقين، ويرفع من شاء منَّا إلى درجات حقِّ اليقين.

دعوات مباركة

اللهُمَّ وفِّر حظَّنا من هذه العطايا، وهذه الهبات والمزايا، ولا تحرِمنا خيرَ ما عندك لشرِّ ما عندنا.

اللهُمَّ مغفرتُك أوسع من ذنوبنا، ورحمتُك أرجى عندنا من أعمالنا، فتوَلَّنا في جميع أحوالنا، وأَذِقنا مَذاقَ أهل القُرب منك والدُّنُوِّ إليك، ولا تحرِمنا خيرَ ما عندك لشرِّ ما عندنا.

أيدي الفقراء امتدَّت إليك وأنت الغني، أيدي الضعفاء امتدَّت إليك وأنت القوي، وأيدي العاجزين امتدَّت إليك وأنت القادر.

فنظرةً من نظراتك، ونفحةً من نفحاتك، وهِبةً من هِباتك، لا يبقى بها قلبٌ منَّا إلَّا سقَيتَه أنوارَ معرفتك، ولا روحًا إلَّا سقَيتَها كأسَ محبَّتك، ولا سِرًّا إلَّا سقَيتَهُ يا ربَّنا أنوارَ شهودك، وتوَلَّنا بما تولَّيتَ به المحبوبين من أهل اليقين والتمكين.

وأصلِح أحوالَ أهل الأردن وأهل الشام، وتداركْ أحوالَ أحبابنا في غزَّة وفي الضفَّة الغربيَّة وأكناف بيت المقدس، وفي الشام كلِّه وفي اليمن كلِّه وفي المشارق وفي المغارب، دَرَكًا وغِياثًا عاجلًا من عندك تُصلِح به الأحوال.

نظرة تُزيل العنا عنّا وتُدني المُنى ** مِنَّا وكلَّ الهناء نُعطناه في كلِّ حين

يا أرحمَ الراحمين، وزيادةً من عطاياك الكبيرة ومِنَحك الوفيرة، وثباتًا على السَّير في خير سِيرة، وعبادةً لك على بصيرة، ودعوةً إليك على بصيرةٍ منيرة، مع عِلم وعمل وذِكر وتقوى وصِدق وإخلاص وقَبول، بالفضل والجود يا برُّ يا وصول.

بسر الفاتحة إلى أرواحهم، ولوالدينا خاصة وأموات المسلمين وأحياهم إلى يوم الدين عامة، وإلى حضرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

 

العربية