دواعي الاجتماعات في الله ومقاصد القيام بحق الله وأمانات شريعته ومصطفاه
للاستماع إلى المحاضرة
Audio Stream
Audio Stream
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في المولد السنوي في جامع تريم، ضحى يوم الأربعاء 25 رجب الأصب 1447هـ، بعنوان:
دواعي الاجتماعات في الله ومقاصد القيام بحق الله وأمانات شريعته ومصطفاه
تضمنت المحاضرة:
- كيف تُورث مجالس الذكر صفاء القلب وصِدق التوجّه؟
- معالم منهج السلف في القيام بحق الله: في النفس والأهل والأولاد والجيران والأرحام.
- أمانة العلم والتعليم: إخلاص وبذل بلا أطماع.
- تزكية النفس واتهامها، والافتقار الدائم إلى الله.
- تعظيم الصلاة وحضور القلب فيها.
- الأمانة المالية وحقوق الخلق.
- اغتنام خواتيم رجب، والاستعداد لشعبان ورمضان بصدق التوبة وحفظ الجوارح.
نص المحاضرة:
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم على السِّراج المُنير، والبشير النَّذير، الذي جاءنا بالخير الكثير، والفضل الكبير، والعطاء الوفير، خيرِ هادٍ إلى سبيلك، وإمامِ أهل حضرة وصولك.
اللَّهُمَّ أَدِم صلواتِك على مَن به شَرَّفتنا، وبه أسعدتَنا، وبه خيرَ أُمَّةٍ جعلتَنا. اللَّهُمَّ صَلِّ على حبيبك المحبوب، طِبِّ الأجسام والقلوب، واكشِف به عنَّا جميعَ الكُروب، وبه بارِك لنا في خاتمة رجب، وفي شعبان، وبَلِّغنا رمضان، وأَعِنَّا على الصِّيام والقيام، والاستقامة مع مَن استقام، على ما يُوجِب الفوزَ الأكبرَ في الحياة وعند نزول الحِمام، وفي البرزخ ويوم القيام، وفي دار الكرامة والسَّلام، يا ذا الجلال والإكرام.
واجعلها أشهُرَ فَرَجٍ للمسلمين، وصلاحٍ للمسلمين، وغِياثٍ للمسلمين، ودفعٍ للبلاء عن جميع المؤمنين، وارزُقنا شُكرَ نَعمائك، وادفَع عنَّا جميعَ بلائك، وأَثبِتنا في ديوان أوليائك.
الاجتماع على ذكر الله
واقبَل منَّا جَمعَنا، واقبَل منَّا حضورَنا، واقبَل منَّا توجُّهَنا؛ مُقتدين بنبيِّك الذي أمَرَنا بالاجتماع على ذِكرك، وأمرتَنا أنتَ بالصَّلاة والسَّلام عليه، وأمَرَنا بأمرِك على الاجتماع على التَّعاون على البِرِّ والتَّقوى، والاجتماع على ما يُقرِّب إليك في السِّرِّ والنَّجوى، والاجتماع على صَفاء القلوب ونَقائها عن جميع الشَّوب، واجتماعِنا على صِدق الوِجهة والتَّذلُّل، واجتماعِنا على الاقتداء بالأكابر أرباب المفاخر، الذين زيَّن الله تعالى بهم هذه الدِّيار، وزيَّن بهم هذه المساجد، وزيَّن بهم هذه المحافل، وزيَّن بهم هذه المجامع، وزيَّن بهم الوجودَ والكونَ وما فيه، ورأسُهم زَينُ الوجود محمَّدٌ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وِراثة الأنبياء والعُلماء
وبعده أنوارُ الأنبياء والمُرسَلين، الذين خَصَّ اللهُ سبحانه وتعالى واديَكم بحضور الحاضرين منهم وقيام القائمين منهم. قال ربُّكم جلَّ جلاله: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)، ومِن آل الأنبياء، ومِن أصحاب الأنبياء، ومِن أصحاب سيِّد المُرسَلين شَرَّف اللهُ بلدتَكم وواديكم بالعدد الوافر، ومِن آل بيته الطَّاهر، ومِن وَرَثته الأكابر، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
لِمَواريثِ الرَّسولِ حَوَوا ** وأمير المؤمنين علي
ومِن السِّبطَين قد ورِثوا ** ثمَّ كم حَبرٍ وكم بَدَلِ
ثبَتوا على قَدَم الرَّسول وصَحبِه ** والتَّابعين لهم فَسَل وتَتَبَّعِ
ومَضَوا على قَصد السَّبيل إلى العُلا ** قَدَمًا على قَدَمٍ بجِدٍّ أَوزَعِ
عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، واللهُ يُلحِقنا بهم، ولا يُخلِّفنا عن رَكبهم، ولا يُخلِّفنا عن حِزبهم. قال ربُّكم: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)، والمرءُ يُحشَر في حديث المصطفى مع مَن أحَبَّ.
الغاية من المجلس والاقتداء بالسَّلَف
فيا مَن جلَس هذا المجلس، وحضَر هذا الاجتماع، احرِص على الانتفاع، واحرِص على الارتفاع؛ وانتفاعُك بقَدر صَفاء قلبِك وتَلَقِّيك لفائض جُود ربِّك جلَّ جلاله، وارتفاعُك بتذلُّلك بين يديه، وانكسارِك له، واستحضارِك لعظمته، وتوبتِك إليه، وإنابتِك إليه جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.
اسمَع بقلبك، واسمَع برُوحك، واسمَع بكُلِّيَّتك: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)، اللَّهُمَّ اجعَلنا منهم، واجعَل أهالينا منهم، واجعَل أولادَنا منهم، واجعَل ذَرارينا منهم، واجعَل جيرانَنا منهم، يا أكرمَ الأكرمين، وارزُقنا حُسنَ الاستماع الذي يترتَّب عليه هذا الفوزُ بنَيل البِشارة منك على لسان حبيبك الطُّهر الطَّاهر محمَّدٍ سيِّد الأوائل والأواخر ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أيُّها الحاضر في هذا المَحضَر، هذا مَحضَرٌ أُسِّس لتَلَقِّي جُود الله الأكبر، وفضله الأوفَر، وغَيثه السَّاكب الأمطار، وللقُرب من حضرته، ولنَيل معرفته، وللاتِّصال بحبيبه وصَفوَته، وللتَّعرُّض لمغفرة الذُّنوب، وللتَّعرُّض لصلاح القلوب، وللتَّعرُّض لدَفع البلايا والشُّرور والآفات.
ومِنن ونوايا ومقاصد كبيرات كانت عند مَن قبلَنا، مِمَّن مَضَوا على قَصد سبيل إلى العُلا، ممَّن اؤتُمِنوا على شريف الأمائن فقاموا بحقِّها، حفِظوها في السِّرِّ والنَّجوى، وتأدَّبوا مع الخلَّاق، فما تلقاهم إلَّا:
قوم إذا أرخى الظَّلام سُتورَه ** لم تلقهم رَهن الوِطا والمَضجَعِ
بل تَلقهم عُمدَ المحارب قَوَّمًا ** لله أَكرِم بالسُّجود الرُّكَّعِ
يَتلون آيات القرآن تدبُّرًا ** فيه ولا كالغافل المُتَوَزِّعِ
عليهم رضوان الله تبارك وتعالى..
مَن تَلقَ منهم تقول لاقيت سيِّدَهم ** مثلَ النُّجوم التي يَسري بها السَّاري
رعاية الأهل والأولاد وحقوق الجِوار
قاموا بحقِّ الله في أنفسهم، قاموا بحقِّ الله في أهلهم، فحَدَوهم إلى سَواء السَّبيل، وحَمَوهم من التَّرذُّل في الفعل، من التَّرذُّل في القِيل، من التَّرذُّل في اللِّباس، من التَّرذُّل في النِّيَّة، من التَّرذُّل في الاقتداء، وأعَزُّوهم بالاقتداء بزَين الوجود، وبالرُّكَّع السُّجود، وأرباب الشُّهود.
وقاموا بحقِّ الله تعالى في أولادهم، وما سلَّموهم لشرور الأزمنة، ولا لفِتَن الأوقات، ولا لِما ينشُره أهلُ البَغي والعُدوان والظُّلم والطُّغيان، ولا ما ينشُره المُفسِدون على ظَهر الأرض ممَّن يصُدُّون عن سبيل الله؛ حَمَوهم عن كلِّ ذلك وقادوهم إلى أشرف المسالك.
قاموا بحقِّ الله تعالى في جيرانهم، ما آذَوا أحدًا من الجيران، وأحسَنوا إليهم خيرَ الإحسان، ونصَحوهم وقادوهم إلى خير.
قاموا بحقِّ الله تبارك وتعالى في أرحامهم، ما قطَعوا رَحِمًا، ولا قَصَّروا في حقِّ رَحِمٍ من الأرحام، وحَذروا لعنةَ الله التي تحِلُّ على مَن قطَع رَحِمَه؛ عَمٍّ أو عَمَّة، أو خالٍ أو خالة، أو بنت أخٍ أو بنت خالة، أو ابن عَمٍّ أو أحد الأقارب.. يأتي الشَّيطان يَنزَغ بينك وبينه لتحِلَّ اللَّعنةُ عليكم، لتذهب صلواتُكم هَباءً، ليذهب صيامُكم هَباءً، لتذهب قراءتُكم هَباءً؛ لأنَّ الجبَّار يلعَن مَن قطَع الرَّحِمَ، والعياذُ بالله تبارك وتعالى.
ولذلك قال: "قاطعُ الرَّحِم ملعونٌ ولو مات في جوف الكعبة" ، لو كانت وفاتُه وسَطَ الكعبة وهو قاطعٌ للرَّحِم مات على اللَّعنة، قاموا بحقِّ الله في أرحامهم ونصَحوهم وواسَوهم بما استطاعوا.
الإخلاص في العلم والتَّعليم
قاموا بحقِّ الله في عِلمهم، فطلَبوا العلمَ على الإخلاص لوجه الله، والصِّدق مع الله تبارك وتعالى، لأجل العمل، لأجل التَّزكية، لأجل حِفظ أمانة الصِّلة بالله وبرسوله، فما قصَّروا ولا تكاسَلوا، ولا قصَدوا فَخرًا بين النَّاس، ولا شُهرةً ولا سُمعةً، ولا تحصيلَ أموال، لا المُتعلِّمين قصَدوا بالتَّعلُّم ذلك، ولا المُعلِّمون قصَدوا بالتَّعليم ذلك، وما قصَدوهم إلَّا لوجه الله.
وفيهم الذي يقول، كالحبيب علوي بن شهاب عليه رحمة الله: شَحبت بحَلقي فيكم، ما أنا مُنتظِر من أحد منكم سكر ولا عطاء، أنا مُنتظِر العطاءَ من فوق، ومُرافقة أهل فوق، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
وهكذا مَن قبلَه ومَن بعدَه، مِن شيوخه ومِن أقرانه، بل ومِن تلامذته.
فهُم القومُ الذين هُدوا ** وبفضل الله قد سَعِدوا
ولغير الله ما قصَدوا ** ومع القرآن في قَرَنِ
عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
ما علَّموا لشُهرة، ولا لأخذ مال، ولا لجاهٍ بين النَّاس؛ علَّموا لله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، وعَلَّموا لتقِرّ عين محمَّد ﷺ، وعلَّموا ليَخدِموا الأُمَّة، وعمِلوا ليوصِلوا الخَلقَ بالخالق، وليَهدوا أقوَم الطَّرائقَ، عليهم رضوان الله تعالى.
التَّحذير من مُخالفة منهج السَّلَف
فانظُروا ماذا حدَث بعدَهم، وماذا كان من الذين ينسُبون أنفسَهم في محَلِّ تعليم أو مقام تعلُّم، وما الذي اختلَط علينا، وما الذي فاجأَنا ممَّا يُخالف هَديَهم، ويُخالف منهجَهم، ويُخالف مسلَكَ الصِّدق مع الله تبارك وتعالى.
فلا تظُنَّ المسائلَ صُوَر ولا مظاهر، وهي أماناتٌ مَن يعرف القيامَ بها يَفُز، وللخير يَحُوز، ومَن يتَّبِع هواه، ومَن يذهب وراء شهواته وأهوائه، سوف يندَم عن قريب أو عن بعيد.
ومِثل هذه البلدة الكريمة المصونة لا تظنُّون أنَّ مَن أراد يلعَب بهواه فيها فيلعَب، اللَّاعبون بهواهُم مُعرَّضون لسوء الحساب يوم القيامة، وإذا كانوا في مواطن المُقرَّبين والأخيار كان الأمرُ أشَدَّ، والعاقبةُ أخوَفُ عليهم، والعياذُ بالله تبارك وتعالى.
ما جاء عليُّ بن علوي خالِع قَسَم، ولا الفقيه المُقدَّم، ولا مَن بعدَه ليُلعب بالعلم، ولا بالعمل، ولا ليُلعَب بالمظاهر، ولا ليُلعَب بالمساجد، ولا ليُلعَب بالمحافل؛ جاؤوا ليدُلُّوا على الله، جاؤوا ليَحمِلوا إرثَ محمَّد بن عبد الله ﷺ، بالصِّدق والإخلاص والتَّواضُع.
يُعطون ممَّا قدَروا عليه وممَّا ملَّكهم الله، ولا يأخذون مُقابِلَ العلم شيئًا، ولا يأخذون مُقابِلَ التَّعليم قليل ولا كثير، وأمامهم رَكبُ الأنبياء: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، (مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ)، (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ).
التَّجرُّد للخدمة ونَبذ الأطماع
وهكذا يقول لي بعضُ شيوخنا عند رجوعنا إلى البلد المصون: قُم بخدمة الدِّين وخدمة مسلك سَلَفك هناك، فإنَّهم مَضَوا يبذلون وُسعَهم وما في مَقدِرَتهم، لا ينتظرون مِن أحدٍ شيء، حتَّى قول جزاك الله خيرًا ما ينتظرونها من أحد.. ليسوا مُبالين أحَد يقول لهم جزاكم الله خيرًا أو يسُبُّهم، يقصدون واحد أحد، فَرد صَمَد؛ فأعزَّهم، قال:
فهُم القومُ الذين هُدوا ** وبفضل الله قد سَعِدوا
ولغير الله ما قصَدوا **ومع القرآن في قَرَنِ
وعلى هذا المِثال والمِنوال قامت الزَّوايا، وقام هذا الرِّباط، ومَن قام بالنِّيَّة الصَّالحة، ومَن قام بالأدب، ومَن قام بإخلاص القَصد لوجه الرَّبِّ، ومَن لعِبَت به نفسُه وهَواه، ومَن لعِبَت به شهواتُه فلا يظُنَّ أن يرجع إلى مآلٍ حَسَن، ولا إلى خيرٍ في الدُّنيا ولا في الآخرة.
وإن أُهمِل الذي أفسَد، أو أُهمِل الذي ارتكَب المُحرَّمات، أو أُهمِل الذي قصَد غيرَ الله مُدَّةً ومُدَّتين، لا تظُنَّ أنَّه ينجو، والحسابُ أمامَه، والأثرُ في الدُّنيا قبل الآخرة مُنتظِرُه.
فلا يجوز أن نقصِد إلَّا وجهَ الرَّبِّ، ولا يجوز إلَّا أن نخشَع ونتأدَّب، ونقتدي بالقوم الكرام، ولا ننكُث في حِماهم لا بسوء أدب، ولا بقطيعة رَحِم، ولا بغِيبة ولا نميمة، ولا بالرِّضا لقلوبنا أن تمتلئ بالغِشِّ، أو تمتلئ بالتَّحامُل على بعضنا البعض، أو بالحِقد أو بالحَسَد، أطبَّاءُ للقلوب كانوا ومُداوين، عليهم رضوان الله.
تزكية النَّفس واتِّهامها
ومع ذلك يُنادون الرَّبَّ جلَّ جلاله لإكمال تنقية القلوب وتطهيرها، لأنَّهم أيقَنوا أنَّ نظَرَه إليها دون سِواها. وكان سيِّدُنا العَيدَروس كثيرًا ما يُكرِّر:
«ألا يالله بنظرةٍ من العين الرَّحيمة ** تُداوي كلَّ ما بي من أمراضٍ سَقيمة»
أيُّ الأمراض عندهم؟ هل عندهم مَرَضُ الكِبر؟ هل عندهم مَرَضُ الحَسَد؟ هل عندهم مَرَضُ الغرور؟ هذه التي عندنا يا ربِّ صَفِّنا منها، يا ربِّ داوِنا منها.
يقول سيِّدُنا الإمام الحدَّاد وهو يتَّهم نفسَه:
يا وَيحَ نفسي الغَوِيَّة ** عن السَّبيل السَّوِيَّة
أَضحَت تُروِّج عليَّ -فماذا تُروِّج على الإمام؟- وقَصدُها الجاه والمال!
لا قَصد الجاه ولا قَصدَ المال، ويتَّهم نفسَه ويجأَر إلى ربِّه جلَّ جلاله، ويقول:
يا ربِّ قد غلَبَتني وبالأماني سَبَتني ** وفي الحُظوظ كَبَتني وقيَّدَتني بالأغلال
قد استعنتُك ربِّي على مُداواة قلبي ** وحَلّ عُقدة كَربي فانظُر إلى الغَم يَنجال
ويقول:
يا نفسُ هذا الذي تأتينَه عَجَبُ ** عِلمٌ وعَقلٌ ولا نُسكٌ ولا أدَبُ
وَصفُ النِّفاق كما في النَّصِّ نَسمَعُه ** عِلمُ اللِّسان وجَهلُ القلب والسَّبَبُ
حُبُّ المتاع وحُبُّ الجاه فانتَبِهي ** مِن قبل تُطوَى عليكِ الصُّحُفُ والكُتُبُ
وتُصبِحين بقبرٍ لا أنيسَ به ** الأهل والصَّحب لمَّا ألحَدوا ذَهَبوا
وخلَّفوكِ وما أسلفتِ من عَمَلٍ..
نُشِر لك الآن منشورُ المقاصد حقّك، منشورُ النِّيَّات، منشورُ المُعامَلة، منشورُ الأقوال التي كنتَ تتكلَّم بها في خَلوة أو في جَلوة، مع صغير أو مع كبير، نُشِر لك المنشور!
فالمالُ مُستأخَرٌ والكَسبُ مُصطَحَبُ
واخشِ رجوعًا إلى عدلٍ توعَّد مَن ** لا يتَّقيه بنارٍ حَشوُها الغَضَبُ
وَقودُها النَّاسُ والأحجارُ حاميَةٌ ** لا تَنطفي أبَدَ الآباد تَلتَهِبُ
والبُعدُ عن جنَّة الخُلد التي حُشِيَت ** بالطَّيِّباتِ ولا هَمٌّ ولا نَصَبُ
فيها الفواكِهُ والأنهارُ جاريَةٌ…إلى آخر ما قال عليه رضوان الله.
قصَّة السَّاعية والتَّوكُّل على الله
وهو الذي لمَّا سمِع بأموالٍ كثيرة جُمِعَت له في «ساعية» مُقبِلة على حَضرَمَوت، قال: هذه الأموال إن وصَلَت حَضرَمَوت كانت فتنةً على النَّاس، والنَّاسُ في معيشتهم على اقتصادهم في سلامة من كثير من الشُّرور، فلا داعيَ لوصول هذه الأموال لحَضرَمَوت، وتوجَّه إلى الله يغرق ما في السَّاعية ويَسلَم مَن فيها من الأرواح، وغرِقَت السَّاعيةُ وكلُّ الأرواح التي فيها نَجَوا.
وأنشأ يقول:
ولمَّا حدا بي حادي الشوق قاصدا ** إليكم بجُندي فِطرَتي وهوائي
دَعَتني إليها ذاتُ مَكرٍ وحِيلَة ** وقالت أنا المقصود - يشير إلى الدنيا- ليس سِوائي
فأُفٍّ لها خداعة لا تُغرِّني ** برَونَقها الممدود فوق خَناءِ
تَنَحَّي تَنَحَّي -ابعدي! غرِقت في البحر هناك-
تَنَحَّي تَنَحَّي لا سلامًا ولا رضى ** تُريدين قَطعي عن سبيل غِنائي
تحقَّقتُ مطلوبي فأسرعتُ نحوَه ** فدام سُروري واضمحَلَّ عَناءِ
ودام شُهودي واستمرَّت مَواسِمي ** وطاب زماني واستتَمَّ صفاءِ
بربِّي قِيامي لا بنفسي ولا السِّوى ** فشُكري له سبحانه وثَناءِ
وهو الذي كان يقول في حاله مع المُعامَلة مع الله والنَّظر إلى شؤون هذه الدُّنيا: لو أنَّ السَّماءَ نادَت أن لا تُمطِر بقَطرة، والأرضَ أن لا تُنبِت حَبَّة، وجميعُ أهل تَريم عِيالي، ما اهتمَمتُ بهم بعد قول ربِّي: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا).
ولذلك مُكِّن، ولذلك ارتقى، ولذلك سُخِّرَت له الأسبابُ حتَّى قال: لو أردتُ أن أُخرِج من تحت هذا البِساط ما يكفي أهلَ تَريم لأخرجتُه. لأنَّهم زَهِدوا ولأنَّهم صَدَقوا، فسُخِّر لهم الوجود، وسُخِّر لهم ما في الوجود. ولكنَّ كلَّ ما سخّره لهم ما قطَعَهم، ولا رَغِبوا فيه ولا انقطَعوا به، ما هو من الوجود السُّفليِّ ولا من شؤون الكون هذا الفاني، ولا من شؤون السَّماوات؛ ما شيءٌ قطَعَهم عن الله!
شاهَدوا الجمالَ الأسنى ولا انقطَعوا، ولا زالوا في زيادة مِن طلَب القُرب من ربِّهم والأدب، ويرون سيِّدَهم أمامَهم، يقول له ربُّه: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، رأَوه في مِحرابه يقول: «أبوءُ لك بنعمتك عليَّ وأبوءُ بذَنبي، فاغفِر لي، فإنَّه لا يغفر الذُّنوبَ إلَّا أنت».
الافتقار إلى الله وكثرة العبادة
فأقاموا مَسلَكَهم على الافتقار إلى الله، طريقةُ الفقيه المُقدَّم عليه رضوان الله تبارك وتعالى؛ افتقارٌ صادقٌ دائمٌ ملازمٌ للقلب إلى الحيِّ القيُّوم جلَّ جلاله.
كان يُنفِق أموالَه، ما أشبَهَه بجدِّه زَين العابدين؛ اعتزَل الحُكمَ والسِّياسةَ وكسَر السَّيف، وكان في مجاله في العلم الواسع الكثير، وكان مجالُه في العبادة الكثيرة، حتَّى يذكُر الإمامُ أحمد بن حسن العطَّاس أنَّ له وِردًا من الصَّلاة كوِرد جدِّه زين العابدين: ألفُ ركعة كلَّ ليلة.
تثقُل على كثير من العقول لأنَّهم ما يعرفون إلَّا كَسَلَهم، وإلَّا عمَلَهم في الصَّلوات، كم تَسَع اللَّيالي مُن ركَعات؟ وما دَرَوا أنَّ الله تبارك وتعالى يُبارِك لمَن يشاء ويُطيل الوقتَ لمَن يشاء.
وكان يقول ﷺ: «إنَّ النَّبيَّ داوود عليه السَّلام يأمُر أن تُشَدَّ رَحلُه فيقرأ الزَّبورَ مُدَّةَ شَدِّ الرَّحل»، وهو كتابٌ كبير كان يُحمَل على الدَّابَّة، ويقرأ الزَّبورَ كلَّه مُدَّةَ ما يُشَدُّ الرَّحل، صلوات الله عليه.
وهكذا يُبارِك اللهُ لمَن شاء، ولكنَّ أربابَ الغَفَلات ما يعرفون القَدرَ لأهل الإنابة والإخبات، ولا معاني مُعامَلات الله لأهل الصِّدق معه وأهل الاستقامة على الثَّبات سبحانه وتعالى. وهو القائل: «مَن تقرَّب إليَّ شِبرًا تقرَّبتُ إليه ذِراعًا».
جزاء الحَسَنات والسَّيِّئات
كان يقول الحبيبُ سعد العَيدَروس عليه رحمة الله، يمُرُّ في «حِزب السَّقَّاف» على آية: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)، قال: تأمَّلتُ (نَزِد له في حَرثه)، وجدت كلُّ الذين أكثَروا من الأعمال الصَّالحة داخلين في هذا المعنى، (نَزِد له في حَرثه) ، فيوفِّقُهم، وقالوا: إنَّ مِن جزاء الحَسَنة أن تُوفَّق إلى حَسَنة بعدَها، وجزاءُ الحَسَنة تُوفَّق لكَثرة من الطَّاعات، هذا من الجزاء المُعجَّل للحَسَنات.
وإنَّ من عقاب السَّيِّئة أن تُخذَل إلى سيِّئة بعدها، إذا أراد يُعاقِبُك عليها ويُعجِّل العقوبةَ لك، وقَعَت سيِّئةٌ بعد سيِّئة، (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)، والعياذُ بالله تبارك وتعالى.
(اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ)، إلى أيِّ الفِرَق؟ (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ). اجعَلنا منهم يا ربِّ، فهُم في روضة يُحبَرون، (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) أجارنا اللهُ من عذابه ومن الخِزي في يوم القيامة.
اغتنام خواتيم رجب وحِفظ الحَواسِّ
خُذ نصيبَك من المجلس المبارك، واللهِ ما عُقِد إلَّا لتَسعَد، وإلَّا لتهتدي، وإلَّا لترتقي، وإلَّا لتتَّصل، وإلَّا لتُدرِك خاتمةَ الشَّهر الكريم على حالٍ جميل، رجب الذي سيرحَل عنَّا بعد أيَّام، شاهدٌ لهذا وشاهدٌ على هذا، فاللهُ يجعَلُه شاهدًا لنا لا شاهدًا عليكم، وحُجَّةً لنا لا حُجَّةً على أحدٍ منَّا ولا من أهلينا.
لا يخرُج وأحد منَّا في بيته قطيعة، لا يخرُج وأحد منَّا في بيته عُقوق، لا يخرُج وأحد منَّا في بيته تهاوُنٌ بالصَّلاة أو تأخيرُها عن وقتها، لا يخرُج وفي بيت أحدنا ظُلمةُ الصُّوَر الخبيثة؛ أكثرُ أهل الزَّمان حُرِموا النَّظرَ إلى وجوه الأنبياء والصَّالحين بنظَرهم إلى هذه الصُّوَر، وأخاف أن يُحرَموا في الآخرة ما ينظُرون إلى وجه نبيٍّ ولا ينظُرون إلى وجه مُقرَّب لأنَّهم لعِبوا بعيونهم في الحياة. والجبَّارُ يُناديهم خالقُ العيون يقول لهم: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ).
من عجيب تفسير بعضهم قوله: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال: قوامُها وهي مستورةٌ كلُّها، لكنَّ قوامَها قوامُ إنسان جميل، قال هذا ما أمرهن يعملن على نفسهن من بعيد ساتر، ولكنَّ هذا القوامَ.. هذا الذي ظهَر منها وبقيَّةُ بدنها، (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) ، "النَّظرةُ سهمٌ مسموم من سهام إبليس، قال الله: مَن تركَها من مَخافتي أبدلتُه إيمانًا يجِد حلاوتَه في قلبه".
الاتِّصال بصاحب الإسراء والمِعراج ﷺ
وعندكم ذِكرى إسراء نبيِّكم، وذِكرى مِعراج نبيِّكم، اتَّصِلوا بسِرِّها، سِرُّها: أن تتَّصلوا بقلب صاحب الإسراء والمِعراج، وأن تحرِصوا على سُرور هذا القلب.
في تلك اللَّيلة جمَع اللهُ له جميعَ الأنبياء والمُرسَلين، فيهم النَّبيُّ هود والذي قبلَه والذي بعدَه، من آدم إلى عيسى بن مريم؛ ما من نبيٍّ إلَّا ودعاه اللهُ وأحضَر رُوحَه، واجتمَعوا في الأرض في بيت المقدس، واجتمَعوا في السَّماء، "وصلَّى وصلَّوا خلفَه".
وصلوا خلفه، الإمامُ نبيُّكم، والإمامُ شفيعُكم، والإمامُ هاديكم ومُعلِّمُكم، والأنبياءُ مأمومون، والملائكةُ مأمومون، ونِعمَ الإمامُ الأمينُ المأمون صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وشاهَد جنَّاتٍ ونارًا وبَرزخًا ** وأحوالَ أملاك وأهل النُّبوَّةِ
وصلَّى وصلَّوا خلفَه فإذا هو ** المُقدَّم وهو الرَّأس لأهل الرِّئاسةِ
الذي قال: «لو كان موسى حيًّا ما وَسِعَه إلَّا اتِّباعي».
وما تشرَّف سَلَفُنا وخيارُ الأُمَّة إلَّا بحُسن مُتابعتهم لهذا النَّبيِّ، واقتفائهم له ﷺ واتِّباعهم له، (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)، ثبَتوا على قَدَم الرَّسول، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
التَّهاوُن بالصَّلاة وحُضور القلب
وفي تلك اللَّيلة رأى آثارَ التَّثاقُل عن الصَّلاة، التَّثاقُلُ عن الصَّلاة.. ليس تَركُها من أصلها، تركها من أصلها أشَد! التَّثاقُلُ عنها، تُرضَخ رؤوسُهم بمَقامِع من حديد من النَّار، كلَّما رُضِخَت عادَت كما كانت.. مَن هؤلاء؟ قال: الذين تتثاقَل رؤوسُهم عن الصَّلاة، من تتثاقل رؤوسهم، فكيف الذي ما يُصلِّي أصلًا؟ وكيف الذي عُمرُه أربعون، خمسون، ستُّون سنة ما حضَر قلبُه في صلاة كاملة مرَّةً واحدة؟ صَل بقلبك، قيام وكروع وسُجود!
قالوا لبعض العارفين: صلَّيتَ؟ قال: لا أقدِر أقول لكم، لكن أقول نعم، وقفتُ وانحنيتُ وسجدتُ وقُمتُ، نعم، الصلاة إن شاء الله أكون صلَّيت، لأنه عَرَف أنَّ الصَّلاةَ لها رُوح: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ).
فريضة الصلاة وميزتها
اجعل رجب يخرُج وأنت مُتَّصلٌ بصاحب الإسراء الذي جاءك بفريضة الصَّلاة، في مثل هذا الشهر الكريم على أشهر الأقوال، وهذه الفريضة وحدها فرضها ربنا علينا بالمباشرة إلى حضرة حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، من دون واسطة جبريل ولا غيره من الملائكة، وكل الفرائض يأمر الله جبريل، ينزل بها إلى الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم، ويذكر له الفريضة.
فلما أراد الله فرض هذه الصلاة قال هاتوا الحبيب إلى هنا، ورُفِع الحبيب كله ﷺ، وإسراء ومعراج وفوق السماوات، حتى تأخر جبريل وتقدَّم نبيك،
فوق سِدرة المُنتهى يقول: يا جبريل اطلع، يقول: لا أستطيع، ولا في مِثل هذا الموطن يترُك الخليلُ خليلَه؟ قال: يا محمَّد (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ)، إن تقدَّمتَ احترقتُ، وأنت إن تقدَّمتَ اخترقتَ، فقد دعاك ربُّك ﷺ (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ)، فأوحى إلى عبده ما أوحى. ومن جُملة ذلك فريضة الصَّلاة، وجاءنا بهذه الفريضة من فوق.
تعظيم الصَّلاة والنَّوافل
اعرِف قَدرَها، واعرِف عظمتَها، وقُم بحقِّها، واعشَق حُسنَ فَرضها، وبعد إحسانك لفروضها اعشَق نوافلَها، اعشَق رواتبَ الصَّلاة، اعشَق الضُّحى، اعشَق الوِتر؛ فأَوتِروا يا أهلَ القرآن، فمَن لم يُوتِر فليس منَّا - يقول نبيُّنا ﷺ.
واعشَق صلاةَ التَّراويح بالتَّأنِّي بلا عَجَلة، عشرين ركعة فيها هذه الأربعين السجدة، لك بكلِّ سَجدة شجرةٌ في الجنَّة يسير الرَّاكبُ في ظِلِّها سبعمائة عام. ترى أنَّها حقيرة أو يسيرة هذه؟ هذا أمرٌ عظيم. عظِّمه! عظِّم الصَّلاة، قال إمامُك نبيُّنا محمَّدٌ ﷺ: «وجُعِلَت قُرَّةُ عيني في الصَّلاة» صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
التَّحذير من الخيانة وأكل أموال النَّاس
وشاهَد عليه الصَّلاة والسَّلام الذين لا يُبالون بالأمائن، وهو رأى مَن يَعجز عن حَملة شديدة من الحَطَب وهو يُضيف إليها؛ الرَّجلُ عنده الأمانة ما يستطيع أن يُؤدِّيَها ويأخذ أمانةً فوق أمانة، لا تَحسَب الأمرَ هيِّن، والأمانة ولو قصُرت الحساب عليها عسير، خصوصًا حقوق الخَلق، ولو قَل!
ويقول ﷺ: «مَن اقتطَع مالَ امرئٍ مُسلم بغير حقٍّ أدخلَه اللهُ النَّار». قالوا: يا رسول الله ولو كان يسيرًا؟ قال: «ولو قضيبًا مِن أراك» - عودٌ من الأراك، قضيب غُصنٌ من شجرة الأراك - أخَذَه بغير حقٍّ؛ نار سيجدها، أي قدرة له على النَّار؟
لكن غفَل النَّاسُ وذَهَلوا، ما عادوا يعلمون بحقِّ الأوقاف للمساجد أو لغير المساجد، وهي مسؤوليَّةٌ كبيرة، وتساهَلوا فيها وتواردوا على ذلك. وجزى اللهُ خيرًا مَن ينتبِه ويقوم بحقِّ ربِّه جلَّ جلاله، ويُحافِظ ما استطاع على حقوق المساجد وغير المساجد، من أموال أيتام أو غيرها، فإنَّه يُسأَل عنها قبل أن تزول قدَمُه - يعني على الصِّراط - إمَّا بالمُرور بالنَّجاة وإمَّا بالهُوِيِّ في جهنَّم.
«لا تزولُ قدَمُ عبدٍ يوم القيامة حتَّى يُسأَل عن أربع: عن عُمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن عِلمه ماذا عمِل فيه، وعن ماله» - سؤالان عن المال، لو هو ريالٌ واحد يمنيٌّ لك سؤالان - مِن أين أخذه؟ وفيما أنفقَه؟ من أين جئت به، وأنفقته أين؟ مِن أين اكتسبه، وفيما أنفقَه؟ سؤالٌ عن كلِّ قليل وكثير. (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ).
الاستعداد لشهر شعبان ورمضان
وشاهَد ﷺ في تلك اللَّيلة مشاهدَ كثيرة لتذكيرنا ولتنبيهنا ولتطهيرنا، ولاستعدادنا ليوم اللقاء، تأمَّلها في الإسراء والمِعراج، لا تظُنُّ أنَّ القصدَ جئتَ وحضَرتَ؛ اسمَع ماذا قال وماذا رأى وماذا شاهَد، وأَقِم أمرَه في نفسك وفي أُسرتك وبيتك، ووَدِّع رجبًا بخير.
وعسى يدخُل علينا شعبانُ بخير وما فيه من مواسم، أرشَد نبيُّنا إلى الانتباه منه، قال: «ذاك شهرٌ يَغفُل النَّاسُ عنه بين رجب ورمضان». فانتبَه سَلَفُنا من تنبيه نبيِّنا، وجعَلوا لنا فيه الموالد، وجعَلوا لنا فيه الاستغفار، وجعَلوا لنا فيه المجالس، وجعَلوا لنا فيه زيارةَ النَّبيِّ هود على نبيِّنا وعليه أفضلُ الصَّلاة والسَّلام، وحثُّونا على كثرة الصَّلاة والسَّلام على المصطفى محمَّد، والاستعدادِ من شعبان لرمضان.
اللهُ يُبلِّغنا إيَّاه على خير حال لبلدنا وللمسلمين، اشكُروا اللهَ على ألطافه المُحيطة بكم ببَركة أحبابه وأهل حضرته المُقرَّبين عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
بهم أصبَح الوادي أنيسًا وعامرًا ** أمينًا ومَحمِيًّا بغير حُسامِ
ولا يزال يُظهِر الله عجائبَ الفضل على أهل الفضل وأهل القُرب منه سبحانه وتعالى، وإن شاء الله يجعَلُها اللهُ أيَّامَ عطاء لا حدَّ له، وَجُودٍ واسعٍ يشمَل صغيرَنا وكبيرَنا وذَكَرَنا وأُنثانا.
الخاتمة والدعاء
يا ربِّ لا تصرِف من مَجمَعنا أحدًا إلَّا وقد جمَعتَ قلبَه عليك، وأخذتَ بيده وناصيته إليك، أخذَ أهل الفضل عليك. اللهُ لا يَحرِمنا خيرَ ما عنده لشَرِّ ما عندنا.
اللَّهُمَّ ارحَم المُتقدِّمين من آبائنا وصُلحائنا وعُلمائنا، صغيرَهم وكبيرَهم، ظاهرَهم ومَستورَهم، ومِن الذين شَهِدناهم في التَّذكير في هذا الموقف وفي مِثل هذا المولد الكريم: حبيبَنا محمَّد بن علوي بن شهاب الدِّين أعلى اللهُ درجاتِه، وحبيبَنا عبدَ الله بن محمَّد، وحبيبَنا سالم الشَّاطريَّ، وحبيبَنا أبو بكر بن علي بلفقيه، وحبيبَنا علي المشهور بن محمَّد بن سالم بن حفيظ، وحبيبَنا أبو بكر بن علي المشهور، وغيرَهم من الذين شَهِدناهم في هذا الموقف يُذكِّرون؛ لنتطهَّر ولنتذكَّر ولنتنوَّر ولنهتدي ولنَقتدي.
اللَّهُمَّ ارحَمهم وارحَمنا بهم واجمَعنا بهم في دار الكرامة.
فيا ربِّ واجمَعنا وأحبابًا لنا ** في دارك الفِردَوسِ أطيَبِ مَوضِعِ
وقوموا بحقِّ الله في أنفسكم وأهليكم، في أسواقكم وفي ألبستكم، وفي زيارتكم لمن يسَّر اللهُ له الزِّيارةَ نِعمة كبيرة، مجامع سحائب الفضل فيها مَطيرة بقوَّة، تَعُمُّ القريبَ والبعيدَ والصَّغيرَ والكبير.
كنتُ أرى بعضَ الشيابة لما يذكُر الزِّيارة يقول: ادخُل وسَط الشِّعب فقط، ويبكي، يقول احضر بنفسك، ادخل وسَطَ الشِّعب والرَّحمةُ تنزِل عليك.. يبكون ممَّا يُشاهدون من جُود الله تبارك وتعالى.
مجامعُ الذِّكر والتَّذكير والخير الكبير، أسَّسها الفقيه المُقدَّم على نوايا لائقة بأهل الصِّدِّيقيَّة الكُبرى، بل بخواصِّ أهل الصِّدِّيقيَّة الكُبرى، بخواصِّ أهل الإرث الأعظم للحبيب الأعظم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
واللهُ يُذيقُنا لذائذَها وحقائقَها، ويرفَع عنَّا البلايا والشُّرور والكُروبَ عن الأُمَّة في المشارق والمغارب، وينظُر إلينا وإليكم نظرةً، ألا يالله بنظرةٍ من العين الرَّحيمة، تُداوي كلَّ ما بنا من أمراضٍ سَقيمة
ونخرُج بالتَّوبة المُحقَّقة الخالصة النَّصوح، وبالاستغفار المقبول عندك، تغفِر به جميعَ ما مضى، وتحفَظُنا فيما بقي، وتُثبِّتُنا على ما تُحِبُّه منَّا وترضى به، عنَّا يا أرحمَ الرَّاحمين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
تاريخ النشر الهجري
25 رَجب 1447
تاريخ النشر الميلادي
14 يناير 2026
مشاركة
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الاوسمة
الأقسام
(6)
(63)
(650)
(1908)
(153)
(41)
العربية