البعثة النبوية ومسارات الحياة فكراً وسلوكاً وعلائق وخطر المخالفة لندائها

للاستماع إلى المحاضرة

مذاكرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في تشييع جنازة الحبيب حسن بن أحمد ابن الشيخ أبي بكر بن سالم، رحمه الله، في منطقة عينات، وادي حضرموت، عصر يوم الجمعة 25 شعبان 1447هـ بعنوان:

البعثة النبوية ومسارات الحياة فكراً وسلوكاً وعلائق وخطر المخالفة لندائها

 

نص المحاضرة:

لا إله إلا الله الباقي بعد فناءِ خلقه، لا إله إلا الله العافي بعد قدرته، لا إله إلا الله (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

الحمد لله الذي يستحقُّ الحمدَ على كلِّ حال، وهو المحوِّلُ للأحوال، وهو المقدِّرُ للآجال، وهو صاحبُ المُلكِ الذي ما لهُ من زوال، لا إله إلا هو.

 

أثر الاستجابة لنداء الله أو الانحراف عنه

أرسلَ إلينا محمّدًا بالهدى ودين الحقّ، فَخَتمَ به الأنبياءَ والإرسال، وتركنا على محجّةٍ بيضاء ليلُها كنهارها لا يزيغُ عنها إلا هالك.

فاستجابت في حياته ﷺ، ثمّ بعد انتقاله للرفيق الأعلى قلوبٌ وعقولٌ وأرواح، ولبَّت نداءَ الله، وقالوا كما قال عنهم في الكتاب ووصفهم بأنّهم أولو الألباب: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ).

ثبتت الحقائقُ في أذهانهم، فامتلأوا بِهَمِّ الآخرة، وخافوا من هَول المصير، ورجعوا إلى العليِّ الكبير جلّ جلاله، ولبَّوا نداءَ المنادي، النبيِّ الهادي، خيرِ هادٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وهو الذي خاطبه الربُّ جلّ جلاله في كتابه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ). 

وقال جلّ جلاله: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، جلّ جلاله وتعالى في عُلاه.

فبقيت هذه الأمّةُ على حسب تلبية نداء المنادي في اعتقادها، وفي فكرها، وفي تصوّراتها، وفي أخلاقها، وفي معاملاتها، على حسب تلبية نداء هذا المنادي، والخروج من ظُلمة الهوى وغلبة الشهوة وأطروحات إبليس وجُنده من أهل الشرق والغرب، في الفكر، في السلوك، في التصوُّرات، في المعاملات، في الأخلاق.

على قدرِ تخلُّصهم مِن تبعيّةٍ تُخالف منهجَ الله ينالون من فضل الله وخيره في الدنيا والآخرة ما الله أهله.

وعلى قدر بُعدهم واستجابتهم لدواعي الأهواء والأنفس في الأخلاق والمعاملات، وفي العلائق بينهم، وفي المعاملات التجاريّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، في جميع العلائق التي بينهم؛ كلّما خرجوا عن أمر الله ورسوله واستخفَّهم الشيطانُ بتحسين ما خالف أمرَ الله ورسوله، جَنَوا من ذلك تعبًا في الحياة ومشاكلَ تزداد وقتًا بعد الآخر، ثمّ عذابًا في الآخرة والعياذ بالله تبارك وتعالى، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

دور العلماء وأرباب الوجاهات في الأمّة

فكان في وجود العلماء، ووجود أرباب الوجاهات، ومَن لهم المرجعُ في الأمور؛ حمايةٌ بحسب إخلاصهم وصدقهم وصلاحهم، حمايةٌ للأمّة مِن أن تتخطّفها أيدي الهلاك والغفلة عن الحقّ وإيثار ما سواه عليه، فكرًا أو سلوكًا أو معاملةً بأيِّ وجهٍ من الوجوه.

وكلّما خُذِلَ إنسانٌ فابتعد عن الإصغاء لكلام الرحمن وتنزيله وخطاب رسوله ﷺ وتبليغه، واستحسنَ كلامَ البُعداء والغافلين والمارقين؛ انحرف قلبُه عن سواء السبيل، وتخلَّقَ بخُلُقٍ رذيل، وقال من أقوال السفاهة والبذاءة وما يكرهه الله، (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)، (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

وسرى بعد ذلك بين الأمّة معاملاتٌ وتعاملاتٌ فاسدات، أدَّت إلى ما أدَّت إليه ممّا حذّرَ منه خاتمُ الرسالات، وهو يقول في وداعه للأمّة: "ألا فلا ترجعوا بعدي كفّارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعض"، بمخالفتكم لمنهاجي، ولِما طرحتُ عليكم، ولِما خلَّفتُ فيكم، ولِما بيَّنتُ لكم، وإصغائكم لأراجيف أعدائكم ولشرور أنفسكم وأهوائها التي لا ينجو مَن اتَّبعها بل مَن خالفها، (فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى).

التحذير من قطيعة الرحم وعقوق الوالدين

إن اشتهت قطيعةَ رحمٍ نهاها، وقال: من أجلِكِ ومن أجل الغضبِ لَكِ؛ أشتري لعنةَ جبّار السماوات والأرض؟! أُقاطع قريبتي أو قريبي؟ عمّي أو خالي وابن خالي؟ تُزيِّنين لذلك يا نفس بإلقاء إبليس؟! وأنسى كلامَ ربّي المنزَل: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).

بعد ما أُصغي لهذا النداء أرجع أضحوكة لكِ تلعبين عليّ! ولو أخذ قريبي الدنيا عليَّ بما فيها وكانت مُلكًا لي ما رضيتُ بساعة أُقاطعه فيها، فتحلَّ عليَّ لعنةُ جبّار السماء والأرض! فكيف على أيِّ شيءٍ تحمِّلينني على هذه القطيعة؟!

ولا على عقوق والدين! ينهى النفسَ عن أن يتكبّرَ على والد أو والدة، أو أن يحتقرَ أمرَهما، أو أن يُضيِّعَ أمرَ الجبّار: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ).

اللهمّ فانظر إلينا في هذا المجمع، واجعل ما في نفوسنا يُرضيك، وما في النفوس ممّا لا يُرضيك زحزِحْهُ عنها وأَبعِدْهُ منها وباعِدْها عنه، يا حيُّ يا قيّوم.

سلسلة الاتّصال بالنبوّة والخلافة

فإنّنا في جنازة فردٍ من أفراد أهل الاتّصالُ بهذه المواريث والحقائق القرآنيّة والنبويّة والمحمّديّة، في سلسلة اتّصالٍ بفخر الوجود الشيخ أبي بكر بن سالم، وسلسلته متّصلة بالأكابر ومَن تلقَّى عنهم، ومن طريق آبائه إلى سيّدنا عبد الرحمن السقّاف، إلى سيّدنا الفقيه المقدَّم، إلى الإمام عليّ بن علوي خالع قسم، إلى الإمام المهاجر إلى الله أحمد بن عيسى، إلى الإمام عليّ زين العابدين، إلى الحسين السِّبط وأخيه الحسن، إلى أبيهما عليّ بن أبي طالب وأمّهما فاطمة الزهراء، إلى حضرة النبوّة والرسالة، وما اكتنفها من السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار.

اتّصلَ بهذه السلسلة وارتبطَ بخلافةٍ خاصّة من قبل ثلاث وثلاثين سنة وثمانية أشهر، مرّت عليه رحمةُ الله تعالى في خلافة أبيه، بعد أن ودَّعنا تلكمُ الجوهرةَ العزيزة الغالية، عليه رضوان الله تعالى. 

بما حَوَوا من أوصاف: رحمةٍ بعباد الله، وشفقةٍ على خلق الله، بُعدٍ عن المقاطعة، بُعدٍ عن المدابرة، بُعدٍ عن الغفلة عن الحقّ سبحانه وتعالى، واتّصالٍ بالقرآن وتلاوةِ مصحفٍ بعد مصحف وختمةٍ بعد ختمة، واتّصالٍ بالأدب الباطنيّ القلبيّ مع الربِّ جلّ جلاله.

عرفتم والده، وعرفتم حبيبنا صالح بن عبد القادر الحامد، عليه رحمة الله، مَن يقول في مثل هؤلاء أنّ يومًا كسروا خاطرَ أحد، وآذَوا أحدًا، رفعوا يدَهم على أحد، فضلًا عن أن يسبُّوا أحدًا، فضلًا عن أن يتكبَّروا على أحد، فضلًا عن أن يُكفِّروا أحدًا، والعياذ بالله تبارك وتعالى! 

مدرسةٌ نبويّة محمّديّة، تُترجِمُ سرَّ الخطاب الإلهيّ في القيام به وأدائه في واقع الحياة وما يمشي الناسُ عليه.

مدرسة حضرموت وتأسيسها

هذه السلسلة في جُملة أعمال وشؤون مدرسة حضرموت المباركة، مدرسة حضرموت التي تأسَّست من عهد الصحابة والتابعين، وتشيَّد بنيانُها على يد المهاجر إلى الله أحمد بن عيسى ومَن في زمنه، هم الأكابرُ تِلوَ الأكابر، من ذرّيّة الصحابة ومن غيرهم من أهل الإنابة وأهل العلم والخشية والتقوى، عليهم رضوان الله جيلًا بعد جيل.

هؤلاء الأخيارُ هم فخرُ حضرموت وهم شرفُها، الذي تتشرّف به في البرازخ وفي يوم القيامة، وما عدا ذلك لا شرفَ بمظهر ولا بسلطة، ولا شرفَ بشيء من المظاهر الدنيويّة كائنةً ما كانت، مثلُها قد وصلَ إليها الفجرة والفسقة والكفّار، فما رفعتهم ولا أعلت شأنهم، بل: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ).

تربية بيوت الوادي ومنهج الصلاح

ومضَوا على قصد السبيل إلى العُلا ** قدمًا على قدمٍ بِجِدٍّ أوزَعِ

وتجدونهم في هذه التربية من الصِّغَر ومن بداية الأعمار والبيتُ يُربّي، والأسرة تُربّي، والمسجد يُربّي، والمعلامة تُربّي. 

وإذا ابتدأ في القرآن وحفظِ القرآن اتّصل بمعلّمين مُربّين مؤثّرين على فكره وعلى سلوكه، متعاونين مع البيت ومع الأسرة التي تعتني بذلك، لا تفتحُ مجالاتٍ وسطَها لأفكار الكفّار ولا لصُوَرهم ولا لبرامجهم.

بيوت مصونة محفوظة، فيها القرآن، فيها السُّنَّة، فيها الذِّكر، فيها الرواتب، فيها الأوراد تُقرأ في الصباح وفي المساء. هكذا كانت بيوتُ الوادي، وهكذا كانت بيوت الصالحين في وادينا خاصّة، في عموم اليمن، في عموم أقطار الأرض. 

كانت بيوتهم تتميّز بأنّ فيها القرآن يُتلى، "البيتُ الذي يُقرَأُ فيه القرآن يَترَاءى لأهل السماء كما تَتراءى النجومُ لأهل الأرض."

وكان والدُه كُلّما ختمَ ختمةً خرجَ إلى قبّة الشيخ أبي بكر بن سالم ويختم هناك، حتى ختمَ عنده يوم، كان يقرأ من الأسبوع الذي كتبه الجدُّ سالم عليه رحمة الله، فرأى الشيخ أبا بكر يقول له: عمّك سالم بن حفيظ نسيَ آيةً في سورة المرسلات في مكان كذا، أثبِتُوها! قرأتُها أمس عندي، والآية هذه قفزتَها، ليست مكتوبة عندك.

قال فجاء الوالدُ عليه رحمة الله وَوَصل إلى عند الحبيب أحمد، قال: رأيتُ الشيخ أبا بكر يقول كذا وأنا ختمتُ، قال: هات.. فوجد الآيةَ ناقصة، حمل القلم وكتبها، وقال: هذه صُحِّحَت من البرزخ جاءت! ردَّ عليه الشيخ أبو بكر بن سالم، عليه رحمة الله تبارك وتعالى ورضوانه.

التعاون بين المناصب والقبائل على البرّ والتقوى

ومضوا مع الاتّصال بالقرآن وبِسرِّ القرآن ومعاني القرآن المترجَمَة، على ذلك قامت هذه المظاهر عندنا في المناصب، متعاونين مع العقلاء والأخيار من الأعيان ومن المشايخ والمَقادمة في القبائل؛ لحفظ الأمن، وللحفظ من الظلم، ولدفع الضرر، وعلى معانٍ في التواصي بالحقّ والصبر، والتعاون على البرّ والتقوى.

وكان هذا مِن شؤون مدرسة حضرموت التي بها حقائقُ فخرها وعزّتها، وفيه تنفيذُ أمر الله وأمر رسوله المصطفى صلى الله وسلم وبارَكَ عليه وعلى آلِه، في الأُسَر، وفي العادات، وفي شؤون المجتمع، وفي الأسواق، وفي المساجد، وحيثما كانوا، على بيِّنةٍ من أمرهم في الاقتداء والاتّباع.

والمدرسة كغيرها من المذاهب أو مدارس الإسلام أو المذاهب الصحيحة المُعتبرة، ينتمي إليها مَن يستقيم ومَن يستمسك بها، ومَن يخرج عنها، ويتسمَّى باسمها مِن ليس من أهلها أو مَن لم يسلك مسالكها. كالمِلّة بعمومها، ملّة الإسلام، ما أعظمها مِن ملّة! ولا خلاصَ لمشاكل الأرض إلا فيها. 

ولكن في المُنتمين إليها قَتَلَةٌ وظَلَمَةٌ وفُسَّاقٌ ومجرمين ومُؤذين وأعوانٌ لإبليس، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

وهؤلاء كلّما كَثُروا وظهروا عذَّبَ اللهُ الخلقَ في الدنيا قبل الآخرة، وكلّما قلُّوا واندحروا جاءت نصرةُ الله وتأييداته ورعاياته. 

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).

العهود والمواثيق بين أهل الوادي والقبائل

من قبل أربعمائة سنة هناك عهودٌ ومواثيقُ ووثائق بينهم وبين آل تميم قبائل المنطقة، وبني ظَنّة، من بعدهم كذلك ممّن جاء، واتّصالٌ بأهل الحموم، واتّصالٌ بأهل يافع، واتّصالٌ بغيرهم من قبائل الوادي وغيره، في دائرة التعاون على حُرُمات الله وحفظها، والقيام بالذَّبِّ عن المظلوم وعن الفقير وعن الضعيف، إلى غير ذلك ممّا يتعاونون به على البرّ والتقوى وإقامة أمر الله جلّ جلاله وتعالى في عُلاه.

ولن ينفعَ الشعوبَ ولا القبائلَ إلا أن يتّصلوا بهذا الإله الحقّ وأن يُنفِّذوا أمرَه، ولينظروا النتائج، ولينظروا النتائج! 

أما نتائج الاعتماد على غيره كائنًا ما كان، ما أنتجت ولن تُنتجَ شيئًا يَسُرُّ ولا يُفرِح، إلا بالرجوع إلى هذا المسلك القويم والصراط المستقيم.

نداء لأهل الملّة وبيوت المسلمين

يا أهلَ هذه المدرسة! ثمّ يا أهل الملّة أجمعين! مُهمّاتنا كبيرة، ونحن نُودِّعُ الأعيان بعد الأعيان، والأكابرَ بعد الأكابر يمرّون من بيننا، أعلى اللهُ درجاتهم وجمعنا بهم في أعلى الجنّة وهو راضٍ عنّا.

ونُودِّعُ شهرًا بعد شهر، وشعبان يكاد أن يَرحل، ونستقبل رمضان جعله الله في هذا العام مفتاحَ فرجٍ للمسلمين، وجمعًا للقلوب على الله تبارك وتعالى.

تخليصٌ للبيوت من برامج الكفّار حتى في رمضان! برامج الغافلين وسط رمضان في بيوت مسلمين، ألهتهُم عن الصلاة وألهتهم عن قراءة القرآن، وسرَّبت إلى أفكار أبنائهم وبناتهم ظُلُمات بعضُها فوق بعض، يخرجون بها عن الملّة، ولا يكادون يعرفون أسوةً لا بالزهراء ولا بالكبرى ولا بالسابقات الأُوَّلات من المهاجرات ولا الأنصار، ولا مريم ولا آسية المضروبتَين مثلًا في القرآن! وأمامها إما ممثّلة أو راقصة أو فاسقة! تعمل زيّها وزي بنتها مثلَها، وسط داره وهو مُسلم وفي وادي الخير! وإذا بالقدوة سَقَطة هَبَطة بعيدين عن الله، للظلام الذي حَلَّ في الأفكار والعقول بالانقطاع؛ الانقطاع عن سرِّ القرآن وتعظيمه، وعن سرِّ هذه الخلافة الكبيرة.

الدعوة إلى التكاتف ومقاومة الفُرقة

جمعكم الله تعالى! وَهَمَّتْ أئِمّة الوادي وأعيانه ورجاله ومناصبه ومشايخه مجموعون في المجمع، نحتاج إلى قَومةٍ صادقة في التكاتف والتآلف بيننا. 

يريدُ عدوُّ الله وجندُه أن نتفرَّقَ وأن نتباعدَ وأن نستهينَ بأمر الله، ويريد ربُّنا أن نُعظِّمَ شعائره وأن نمتثلَ أوامره، وأن نتآخى وأن نتحابَّ؛ فنتركُ مرادَ ربّنا لمراد العدوّ؟!

(أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)، (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).

نشأة الحبيب حسن والثبات على الحق

ومرَّ عليه رحمه الله، ما وصلَ الخامسة عشرة والسادسة عشرة إلا أرسله والدُه إلى رباط تريم، واتّصلَ بالمشايخ الذين في عينات والذين في وقته في تلك الأيام، والعلماء وآل الفضل، عليه رحمة الله تبارك وتعالى، وأخذَ نصيبَه من تلك الدروس وتزكية النفوس.

ومرَّت فتنةٌ من الفتن في أيام الشيوعيّة ومُداهمتها للوادي الميمون، وما حلَّ فيه وما حصل، وتعرَّضَ لضربة النار عليه فلم تُصبه، وأُخِذَ من عند بيته وهو بـ"الفَلينة" الداخليّة إلى بعض الأماكن، ومرَّت أيّامٌ بما فيها، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

وليست تلك المحاولة التي جاءت، وقبلها وقبلها وبعدها، وكلُّها تبوء بالفشل، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

شهادة على عودة المظاهر الإسلاميّة

يقول "سارجنت" - قد توفي، من النصارى - كان أيام عهد بريطانيا موجودًا في حضرموت، ثمّ سافر، رجع في عام ألفٍ وأربعمائة واثني عشر، جاء إلى شِعب حُود، اتّصل ببعضهم في تريم، يقول لهم: متى دَخلة آل الشيخ أبو بكر -يعرفها، يعرف الاصطلاحات لدى المنطقة والوادي- قالوا: كان يوم الخميس، قال أنا سآتي للشِّعب.

وجاء إلى الشِّعب ورآه عمّي حسين الحُسيني الله يرحمه، قال: انظر سارجنت، عَرَفه من قبل، قال: سينقهر! في تلك السنة الحبيب والده جاء بالطيّالة وردَّها إلى الشِّعب، وكانت أوّل ما رجعت بعد الفتنة، ورأى المظهرَ ورجع.

يقول عمر بن حامد الحبشي عليه رحمة الله، ركبَ معه -سارجنت- في السيارة مع رجعوهم، قال: قال هذه المظاهرُ نحن جِئنا لها بالشيوعيّة من أجل تقضي عليها! ظلّت سنين والظاهر أنّنا فشلنا! -يقول- ما بين عشيّةٍ وضحاها ترجع بقوّةٍ كما كانت وأقوى!

رجل خبيث يقول هكذا، هذا طرف مِن فكرٍ نصرانيّ مُتعلّق بالشيطان، عندهم أفكارٌ يريدون سلبَ تراثكم، يريدون أخذَ الخير عنكم، يريدون قطعَكم عن ربّكم! تتّخذونهم قدوةً بدل الأولياء؟! تتّخذونهم قدوةً بدل الأنبياء؟! تتّخذونهم قدوةً بدل الأصفياء؟!

والله ما لنا مَخلَص إلا أن نرجعَ إلى المسلك القويم والصراط المستقيم، ونعرفَ قدرَ سلفنا، ونعرفَ قدرَ تراثنا، بمعرفتنا قدرَ محمّد وما جاء به، من خلال إيماننا بالله وأنّه ذو له العظمة الكبرى وحده، وأنّ العَظَمة له جلّ جلاله وتعالى في عُلاه، ولا عظيمَ إلا مَن عظَّمه الله.

الدعاء المنتقل إلى رحمة الله وللأمّة

فالله ينظر إلينا في المجمع، يقابل حبيبَنا حسن برضوانه الأكبر ومَنِّه الأغمر، ويَقري وِفادته، يُكرم نُزُله سبحانه وتعالى، يُكرِم قدومَه عليه وعلى رسوله وعلى أجداده وعلى أهل البرزخ.

اللهمّ هيِّئ لهم المراتبَ العُلا، اللهمّ اجعل من قِراه عندك شفاعةً لوادينا ونادينا، وحضرموتنا ويَمَنِنا وشامنا وشرقنا وغربنا. 

اللهمّ كشفًا للشدائد ودفعًا للبلايا، اللهمّ إحياءً لِما مات وردًّا لِما فات، وتعاونًا على الخيرات ودفعًا للآفات.

اللهمّ اجمع شملَ المسلمين، وألِّف ذاتَ بين المؤمنين، وادفع البلاءَ عنّا وعن أهل لا إله إلا الله أجمعين.

لا تصرِف من هذه الجنازة أحدًا إلا نظرتَ إليه وأخذتَ بيده إليك، وأخذتَ بقلبه إليك، وأخذتَ بكُلِّيّته إليك، أَخْذَ أهل الفضل والكرم عليك يا الله! أحسِن لنا خاتمةَ شعبان، وبارك لنا في رمضان. 

وبارك اللهمّ لنا في عليّ بن حسن وإخوانه، وفي مناصبنا القائمين في هذه البلدة وفي الوادي، والأعيان والمقادمة، وأهل نيات الخير من صغارنا وكبارنا ورجالنا ونسائنا.

بارك فيما آتيتَه من خيرٍ وزِدْه وانشُرْه، وادفع عنّا شرَّ الظالمين والمعتدين والفاسقين والمجرمين، ولا تُبلِّغهم مرادًا فينا ولا في أحدٍ من المسلمين، يا أكرم الأكرمين.

اللهمّ اجعلها أبرَك الليالي عليه، وأسعدَ الأيّام لديه، ورافِقْه بحبيبك محمّد ﷺ وأهل كسائه وبسلفه الأكرمين.

اللهمّ أنت الذي تُلحِقُ الفرع بالأصل، وأنت الذي قلتَ في كتابك: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ)، وفي القراءة الأخرى: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ)، (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ).

اللهمّ بوِّئْهُ المنازلَ العُلا، اللهمّ اخلُفْه فينا بخير. اللهمّ انظر إلى الأمّة واكشف عنها الضُّرَّ والآفات، وأصلِح لنا ولهم الظواهرَ والخفيّات، وثبِّتنا أكملَ الثبات، يا مجيبَ الدعوات.

والحمد لله ربِّ العالمين.

تاريخ النشر الهجري

26 شَعبان 1447

تاريخ النشر الميلادي

14 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية