(616)
(8)
(394)
(4)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مسجد مقالد، بحارة المحضار، مدينة تريم، ليلة الخميس 26 رجب الأصب 1447هـ بعنوان:
آثار الاتصال بالله ونيل ما عنده ودوام خيراتها بالإيمان والعمل الصالح
يا أرحمَ الراحمين، ارحمْ من أخطأَ وتاب، يا خيرَ توَّاب، يا ربَّنا يا وهَّاب، افتحْ لنا في الخيرِ كلَّ باب.
ومن أخطأَ فتابَ فقد طرقَ بابَ الحيِّ القيُّومِ الدائمِ الذي لا ينفدُ عطاؤه.
قال سبحانه: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ) جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
وما عند الله كيف يناله عبدُه؟ وكيف يناله المخلوق؟ ينالُه عبدُه -هؤلاء من المُكلَّفين- بالإيمان وقوَّةِ الإيمان وقوَّةِ اليقين وبالعملِ الصالح، والأعمال الصالحة؛ ينال ما عند الله؛ لأنَّ الله جعلَ للإيمان وللعمل الصالح خيراتٍ أبقاها، وخيراتٍ أدامَها، وأدامَ سبحانه وتعالى فوائدَها، وأدامَ سبحانه لذائذَها، وأدامَ سبحانه خيراتِها وحلاوتَها للإيمان وللعمل الصالح.
وكلُّ من خالفَ الحيَّ القيُّومَ الباقي جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه، فما يبقى إلا مُقتضى عنادِه ومُقتضى فسادِه، والعياذ بالله تبارك وتعالى، يجلبُ له الشُّؤمَ ويجلبُ عليه اللومَ ويُبعده من الحيِّ القيُّوم، ويُبعده من السيِّدِ المعصوم محمدٍ ﷺ، الذي قال: "الويلُ لمن لا يراني يومَ القيامة"، فلا يرى في الدنيا ولا في البرزخ ولا يومَ القيامة. ومن لا يرى وجهَ النبيِّ محمد يومَ القيامة لا يرى الجنَّةَ أبدًا، لا يرى الجنَّةَ أبدًا ولا يدخل الجنَّةَ أبدًا، نعوذ بالله من غضب الله.
وهذا سعيُ المُفسدين وسعيُ الكافرين، وسعيُ من فقدوا الإيمان ومن عملوا السيِّئات ومن عملوا الذنوب ومن عملوا المخالفات، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فترى في الفرقَ الكبير بين هذا الخيرِ والنورِ والبركةِ للإيمان والعمل الصالح حتى والناسُ في هذه الحياة، اليومَ من أيَّام آدمَ عليه السلام إلى أيَّامنا هذه، الذي يُذكَر بالفرح والسرور والأُنس وبالحُبور ويجلبُ السرورَ ويجلبُ النورَ إلى القلوب، ما كان من الإيمان وما كان من العمل الصالح من أبينا آدم ومن أولاد آدم.
وقال الحقُّ في كتابه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ) وذكرَ لنا القِسمَين: قِسم: ما يبقى خيرُه ويُشرقُ نورُه وتبقى فوائدُه، والقِسم الثاني: يبقى زُورُه ويبقى وِزرُه ويبقى بلاه ويبقى شرُّه، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فأمَّا هذا الذي وقعَ في الشر اتَّبعَ نفسَه واتَّبعَ هواه، ولمَّا اتَّبعَ نفسَه واتَّبعَ هواه، ذهب -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وراء حسدُه ووراء حرصُه على الدنيا حتى طوَّعتْ له نفسُه قتلَ أخيه، (فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وهذا الخُسران الكبير بقتل نفسٍ واحدة من غير حقّ، والعياذ بالله تعالى.
وكيف نبيُّنا يقول: "لو أنَّ أهلَ السماء والأرض تمالؤوا على قتل رجلٍ مسلمٍ بغير حقٍّ لأكبَّهم الله في النار"، والعياذ بالله تبارك وتعالى، لحُرمةِ هذه النفس عند الربِّ جلَّ جلالُه.
ويأتي من الذين يرون ما عندهم وما لهم طلبٌ فيما عند الله تبارك وتعالى، من أجل المال وغيره يقتلون النفوس، وبعضهم لا يُبالي حتى تزهقَ مئاتُ النفوس، القصدُ هو له غرض يُحقِّقه من هنا أو من هناك، بلايا كبيرة أصابت الأُمَّة، اللهُ يكشفُ الغُمَّة عنّا وعن جميع الأُمَّة.
والذي طلبَ ما عند الله تعالى بالإيمان والعمل الصالح يقتدي بالأنبياء، وسيِّدِ الأنبياء صاحبِ الإسراء والمعراج، هذا صاحبُ الذكرى الكبيرة، الذي صرتم به خير أُمَّة، الذي قامت به هذه المساجد وصحَّ الركوعُ لكلِّ راكعٍ والسجودُ لكلِّ ساجد، والذي قامت به مراتبُ الشهود ومراتبُ القُرب من الحقِّ الودود جلَّ جلالُه، ومراتبُ النبيِّين وأتباعُ النبيِّين، قامت على يدِ خيرِ النبيِّين، وخاتمِ النبيِّين محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، الذي شُرِّفتُم به الحمد لله.
اللهمَّ أكرِمنا بقُربه، ومنَّ علينا بحُبِّه، وأدخِلنا في حِزبه، واسقِنا من شُربه، ولا تُفرِّق بيننا وبينه يا ربَّ العالمين.
وهذا من أعلى ما عند الله تبارك وتعالى، أن يسقيَك من شُرب أعلى الخَلق عنده، وأرفعهم منزلةً لديه، يا ربِّ صلِّ عليه واسقِنا.
قال سيِّدنا شهابُ الدين:
هذا شرابُ الشيوخ والأصول لنا ** من لَدُن خيرِ الورى حتى شُرِبَتْ لها
حتى شُرِبَتْ لها! ونِعمَ ذلك الشراب، شرابُ الأطياب والمُقرَّبين.
قال سيِّدنا الإمام الحدَّاد:
أهلُ اليقين لِعَينِه ولِحقّه ** وصَلوا وثَمَّ جواهر الأصدافِ
راح اليقين - شرابُ اليقين - راح اليقين أعزّ مشروب لنا ** فاشرَب وطِب واسكَر بخيرِ سُلافِ
هذا شرابُ القوم سادتنا وقد ** أخطأ الطريقةَ من يقل بخِلافِ
الذين يقولون بالخِلاف من جميع العُصاة، ومن جميع المُذنبين، مرُّوا في كلِّ الأزمان المُختلفة، ما عاد يبقى لهم ذِكرٌ جميل حتى في الدنيا، يُذكرون بالشُّؤم، يُذكرون باللوم.
من يذكر فرعونَ بالذِّكر الجميل؟ من يذكر قارونَ بالذِّكر الجميل؟ من يذكر قومَ عادٍ الذين آذَوا النبيَّ هودًا، وجعلَ الله عاقبتَهم الرياحَ التي ما عاد أبقَت أحدًا منهم في سبعِ ليالٍ وثمانيةِ أيَّام، سخَّرها عليهم في سبعِ ليالٍ وثمانيةِ أيَّام، (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ).
لم يعُد إلا ذكرى فقط! وجاؤوا من بعدهم قومُ النبيِّ صالح، ولمَّا أهلكَ الله المُفسدين منهم والكافرين والذين أبَوا أن يؤمنوا بالنبيِّ صالح، صار محلهم محل غضبٍ والعياذ بالله، حتى نبيُّنا محمد ﷺ في توجُّهه إلى تبوك مرَّ على تلك الديار.
حصلَ بعضُ الصحابة قد سبقوا إلى المكان، فقال: من أين جئتُم بهذا الماء؟ قالوا له: من البئر هذا، قال: لا، هذا بئرُ الكفَّار، هذا بئرُ الذين غضبَ الله عليهم، اتركوها"، قالوا: يا رسولَ الله قد عجنَّا به عجينَنا، قال: أَطعِموه الدواب، العجينُ الذي عجنتُموه لا تأكلوه، أَطعِموه دوابَّكم، اتركوا الإبل تأكله والدوابُّ التي معكم، وأنتم خُذوا ماءً ثاني، ماء بئرُ نبيِّ الله صالح، انظروا هذه البئر المُباركة، بئرُ النبيِّ صالح.
ولمَّا مرّ في مساكنهم التي سكنوا فيها غطَّى رأسَه الشريف ﷺ، تقنَّع بثوبه وأسرع بالدابَّة حتى مرَّ من طريقهم، من مسكنهم ومحلِّهم، وقال: "لا تدخلوا مساكنَ الذين ظلموا أنفسَهم إلا وأنتم باكون أن يُصيبَكم ما أصابَهم".
فكانت منازلُ الأخيار والأبرار، منازلُ الأطهار، في ليلةِ الإسراء والمعراج، مر على المدينة التي ستتشرَّف به، ومر على الطُّور حيث ناجى اللهُ موسى، ومر على قبر موسى، ومرَّ أيضًا على محل مولد النبيِّ عيسى، على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
بقاع مُشرَّفة هذه، البقاع هذه نالها ممَّا عند الله من الكرم والفضل نصيب، فبقيَت مُشرَّفة ومُكرَّمة وتستأنسُ الأرواح بها، سيِّدُ الوجود يقفُ فيها ويُصلِّي فيها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبهذا علَّمنا آثارَ الأنبياء كيف نُعظِّمها وكيف نُكرِّمها وكيف ننتفعُ بها، وقال: "إنِّي مررتُ على موسى ليلةَ أُسرِيَ بي وهو قائمٌ يُصلِّي في قبره، وقبرُه عند الكثيب الأحمر، لو كنتُ هناك لأريتُكم قبرَه"، قال أنا سأُعيِّنُ لكم محلَّ القبر ﷺ.
لماذا؟ لأنَّه يُحبُّ منَّا أن نتعرَّفَ على أعيان قبور الأنبياء، ونتعرَّفَ على قبورهم من أجل ماذا نعمل عندها؟ ليس من أجل نُفجِّرها! من أجل أو نزورها، من أجل أن نسألَ ربَّنا عندها، من أجل أن نعرفَ قدرَ أصحابها، من أجل أن نتردَّدَ إليها، صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه وعلى آله.
فكان هذا الميزان الذي نعرفُ به سرَّ ما عند الله تبارك وتعالى لأوليائه، ما عند الله لأصفيائه، ما عند الله للصالحين. ونقرأُ قولَه: (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ)، (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ).
قال لسيِّدهم حبيبِه محمدٍ ﷺ: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ) صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
فهو ﷺ كنزُ ما عند الله، وهو المِفتاح لنيل ما عند الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
دعانا إلى حقٍّ بحقٍّ مُنزَّلٍ ** عليه من الرحمن أفضلَ دعوةِ
أجبنا قَبِلنا مُذعنين لأمره ** سمعنا أطعنا عن هُدًى وبصيرةِ
فيا ربِّ ثبِّتنا على الحقِّ والهُدى ** ويا ربِّ اقبِضنا على خير ملّةِ
ونجيءُ إلى هذه المساجد ونعمُرها بالصلاة وبذِكر الله، اتِّباعًا لهذا الحبيب واقتداءً به، وتلبيةً لما دعانا، وسبق قبلنا من قبلنا، وتجدون من سرِّ ما ذكرنا من هذه الخصوصيَّات، الكبارُ الذين فيكم هؤلاء يجيئون فرِحين إلى المسجد هذا، ويذكرون من كان فيه، ومن عهدوهم من الشيابة الذين كانوا فيه، والذين كانوا يتردَّدون إليه ويُحسُّون بانشراح ويُحسُّون بفرح؛ لم؟ لأنَّ القومَ الذين كانوا فيه اتَّصلت قلوبُهم بما عند الله، اتَّصلت قلوبُهم بالباقي جلَّ جلالُه في خضوعهم وفي أدبهم وفي خشوعهم، وفي إرادتهم لوجه الله تعالى، وفي عباداتهم وما ذكروا الله به في هذا المكان.
اللهُ يُعلي درجاتهم، ويجمَعنا بهم في أعلى الجنَّة، إنَّه أكرمُ الأكرمين.
لكن أماكنُ أهل الذنوب كيف تجيء إليها؟ تجد انشراحًا؟ تجد تروُّح للأرواح؟ ماذا تجد فيها؟ مع أنَّك في الدنيا، تجد القبضَ وتجد القلق، يأتيك من أماكن أهل الظُّلم وأهل الفِسق، وحيث كذبوا وحيث غشُّوا وحيث قتلوا، وهكذا كان ما يكون.
فهذه فوارقُ تدلّك على أنَّ الذين يتَّصلون بما عند الله من الخير يبقى خيرُهم، ويستثمرون هذا العطاء من الإيمان والعمل الصالح، في الحياة وعند الوفاة وفي البرزخ وفي يوم القيامة وفي دار الكرامة، وهم يستثمرون هذا العطاء.
أنتم تعرفون الاستثمارات التي يتحدَّثون عليها، وكلَّ مرة، تارة بأسهم وتارة بغير أسهم بأنواع، وبعد مُدَّة قالوا نزلت، وبعد مدة قالوا فلَّسوا! بعد مُدَّة قالوا كذا وحصل كذا وحصل كذا. لكن عند ربك هذا يتضاعف، والله يُضاعفُ لمن يشاء جلَّ جلالُه وتعالى.
(فَمَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
وهذا الأجر اللَّدُنِّي، الأجرُ اللَّدُنِّي ما يقفُ عند حدٍّ ولا عند حساب، (هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) كما يقول الله تبارك وتعالى.
وأنت في أواخر ليالي رجب، لك اتِّصالٌ بأهل القُرب من الله، وأهلِ النيل لما عند الله تبارك وتعالى؛ بصدق إيمان وبأعمالٍ صالحة في نفسك وفي أسرتك، وفي ما حواليك ومع أصدقائك ومع أصحابك.
خاطِب نفسَك، وارتبِط بصاحب الإسراء والمعراج صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بالمحبَّة وبالتعظيم وبالشوق، وبالمودَّة له وبالاتِّباع لآثاره.
يخرجُ عليك الشهرُ ما في بيتك قاطعُ رَحِم، يخرجُ عليك الشهرُ ما في بيتك عاقُّ والدَين، يخرجُ عليك الشهرُ ما في بيتك سبَّابٌ ولا نمَّامٌ ولا مُغتاب، يخرجُ عليك الشهرُ وأنت مُقبِلٌ على الله، يخرجُ عليك الشهرُ وأنت مُتَّصلٌ بمحمد بن عبد الله.
وتستقبلُ شعبان شهرَ الصلاة على سيِّد الأكوان؛ لأنَّه في شهر شعبان نزلَ قولُ الرحمن: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
قال: ابتدأَ الرحمنُ بنفسه وثنَّى بالملائكة، ثمَّ وجَّه الخطابَ للمؤمنين، يا ما أعظمها من كرامة، قال: الحبيب الذي ذكره كرامة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمدُ لله الذي شرَّفنا بذِكره وذِكر أخباره، والاجتماعِ على هذه الخيرات، وإن شاء الله تكونُ لها منافع، نتَّصلُ بما عند الله الباقي جلَّ جلالُه، تبقى لنا خيراتٌ ولذائذ للإيمان والعمل الصالح، نجنيها في الحياة وعند الموت وفي البرزخ ويوم القيامة.
وكانوا يقولون: ما من حسنةٍ يعملُها الإنسان إلا ولها نورٌ في القلب، وبهاء في الوجه، وسعةٌ في الرزق، ومحبَّةٌ في قلوب الخَلق، من كلِّ حسنة.
وما من سيِّئةٍ تكتسبُها وتجترحُها إلا لها أثرُ اسوداد في القلب وظلمة والعياذ بالله، وكذلك وحشةٌ في قلوب الخَلق، وضيقٌ في الرزق، إلى غير ذلك من الآفات التي تجيء من السيِّئات.
فما أحسن من الأعمالَ الصالحة! جنَّبنا الله السيِّئات والذنوب.
قال ربُّنا: (وَذَرُوا) - أي اتركوا - (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ)، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فنأخذ إن شاء الله نصيبَنا من سرِّ المجالس هذه ومن خاتمة هذا الشهر، وذكرى الإسراء والمعراج لحبيبنا البدر محمدٍ ﷺ.
وكان من جملة ما قام على مُتابعته ترتيبُ الزائرين لزيارة النبيِّ هود من أُمَّته عليه الصلاة والسلام، وكان لأنَّ الشرائعَ كلَّها التي نزلت من الله على الأنبياء على وتيرةٍ واحدة وعلى منوالٍ أساسيٍّ واحد، ومن ذلك الزيارات.
فمنها ذو القرنين، ذو القرنين جاء يزورُ النبيَّ هود لهذا الشِّعب، كما ذكروا خبره في تاريخ التيجان، "تيجان الملوك"، وكذا النبيُّ سليمان عليه السلام أمرَ الريحَ أن تقفَ به على قبر النبيِّ هود، وقفَت به وسلَّم على النبيِّ هود، النبيُّ سليمان عليه السلام، الأنبياءُ من قبل.
وبعدُ جاءت الأُمَّة المحمَّديَّة، والأُمَّة المحمَّديَّة يروي لنا الحاكمُ في المُستدرَك أنَّ وفدًا من حضرموت جاء إلى المدينة المُنوَّرة، ويسألُهم: أين ابنُ عمِّ النبيِّ ﷺ؟ يقصدُ علي، فدلُّوه عليه، وقال له: من أين أنت؟ قال: من حضرموت، قال: هل قد جئتَ في أسفل حضرموت إلى وادٍ فسيح وفيه هناك رمالٌ حمراء وفيه نهرٌ وفيه كذا؟ قال: كأنَّك تسألُ على قبر النبيِّ هود. قال: نعم، أسألُ على قبر النبيِّ هود.
قال: جئتُ وأنا صغير، ومع الشباب خرجنا لإشاعة ذِكره، قال ذِكرُه شائعٌ عندنا في حضرموت، فخرجنا وجئتُ المكان -ووصفَ له المكان- وجدتُ كذا وكذا، قال له سيِّدُنا علي: كذلك سمعتُه من أبي القاسم، سمعتُه من أبي القاسم صلى الله عليه على آله وصحبه وسلم!
وجاؤوا على قدم الاتِّباع وكانت زياراتٌ تقعُ في مُختلف الأوقات، ومنها موسمٌ يُعقد من قديمٍ مع العرب في شهر شعبان في سفح شِعب النبيِّ هود.
حتى جاء الفقيهُ المُقدَّم رتَّب الزيارة، وجعلها كلَّها علمٌ وكلَّها ذِكرٌ وكلَّها تواصلٌ، وكلَّها مجمع تجتمعُ فيه القلوب والأرواح على الوجه إلى الكريم الفتَّاح، في حُسن اقتداء وحُسن اهتداء، تضاعفت الخيرات وتضاعفت البركات، ورتَّب هذه الزيارة عليه رضوانُ الله تبارك وتعالى، وصار يزورُ بالناس في كلِّ عام.
حتى تأخَّرَ في سنةٍ من السنين لعُذر، وأرسلَ من يزورُ بالناس، فرأى النبيَّ هود على نبيِّنا وعليه الصلاة والسلام، دخلَ عليه وهو في جانبٍ من بيته في سقفه مُتعالٍ، والنبيُّ هود طويلُ الجسد، فتطاطأَ رأسُه من السقف وسلَّم على سيِّدنا الفقيه، وقال: "يا شيخُ إن لم تزُر زُرناك"، السَّنةَ هذه ما جئتَ بجسدك للشِّعب وأنا جئت إلى عندك بروحي، عليه صلوات الله وتسليماته.
فعنه يُروى لقد خلَّفتُها سنةً ** من السنين فجاني بعضَ ساعاتِ
هود الرسول يُطاطي رأسَه حذرًا ** من سقف بيتي ونادى في مُناجاتي
يا شيخُ إن لم تزُر زُرناك ** فاتَّضح الحقُّ وجادلها أهلُ الضلالاتِ
قالوا ثمَّ زارَ بالناس من بعده سيِّدُنا علوي بن الفقيه المُقدَّم، ثمَّ صار يزورُ بالناس من بعده سيِّدُنا عليُّ بن علوي، ثمَّ صار يزورُ بالناس من بعده عبدُالله بن علوي بن الفقيه المُقدَّم -والدُ مُؤسِّس المسجد هذا- محمد صاحب مقالد بن عبدالله بن علوي، ثمَّ صار يزورُ بالناس من بعده مولى الدويلة، محمد بن علي مولى الدويلة، ثمَّ صار يزورُ بالناس من بعده سيِّدُنا عبدُالرحمن بن محمد السقَّاف، ويحثُّ على الزيارة ويقول: "ما يُرغِّب فيها إلا سعيد، ولا يُخذِّل عنها إلا شقيّ"، ويقول: من له عزم للزيارة وما عنده نفقة لبيته ولا لأهله يجيء، ويأخذُ منِّي نفقةً ويروح، من تشجيعه على الزيارة، عليه رضوان الله تعالى.
زار بالناس من بعده ولدُه أبو بكر السكران، ثمَّ زارَ بالناس من بعده عُمر المحضار، ثمَّ زارَ بالناس من بعده سيِّدُنا عبدُالله العيدروس بن أبي بكر، ثمَّ زارَ بالناس من بعد سيِّدنا العيدروس الشيخُ عليّ أخوه، علي بن أبي بكر، ثمَّ زارَ بالناس من بعده عبدُالرحمن بن علي، ثمَّ زارَ بالناس من بعده سيِّدُنا شهابُ الدين أحمد بن عبدالرحمن، ثمَّ استخلفَ الشيخَ أبا بكر بن سالم على الزيارة، وكان ما كان واستمرَّت.
هكذا قرنٌ بعد قرنٍ على قدمٍ في الاتِّباع والاقتداء بالنبيِّ محمدٍ ﷺ، والاهتداء بهديه، على ذِكرٍ وعلى طاعةٍ وعلى بِرٍّ وعلى تقوى.
الله يُبلِّغنا إيَّاها في عافيةٍ وصلاح، ويجعلُها من أبرك الزيارات علينا وعلى الأُمَّة في المشارق والمغارب، اللهمَّ آمين.
ويدفعُ المصائبَ عنَّا وعن أُمَّة النبيِّ محمد، ويجعلُ لنا نصيبًا وافرًا من الاتِّصال به وبما عنده جلَّ جلالُه حتى نحوزَ ممَّا عنده النصيبَ الوافرَ الذي يبقى خيرُه، وتبقى بركتُه، وتبقى مسرَّاتُه، رزَقنا الله سبحانه وتعالى فِعلَ الصالحات.
ومن دعائه الذي علَّمنا إيَّاه ﷺ: "اللهم إني أسألك فِعلَ الخيرات وتركَ المُنكرات وحُبَّ المساكين، وأن تغفرَ لي وترحمَني، وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فاقبِضني إليك غيرَ مفتون"، تموت وأنت على الإيمان والاستقامة أحسن لك! ولا تقعُ في فتنةٍ تقلبُ قلبَك وتموتُ على شرِّ حال وتخيبُ في المآل إلى الأبد، والعياذ بالله تعالى.
فيا ربِّ ثبِّتنا على الحقِّ والهُدى ** ويا ربِّ اقبِضنا على خير ملةِ
اللهُ يجعلُها ساعةً مذكورة في الملأ الأعلى بخير ما يذكر به ساعاتُ المُجتمعين على ذِكره، وأن يُعينَنا على ذِكره وشُكره وحُسن عبادته، ويغفرَ للمُتقدِّمين في مساجدنا هذه وجيران هذه المساجد، ويجمعَنا بهم في دار الكرامة.
فيا ربِّ واجمَعنا وأحبابًا لنا ** في داركَ الفردوسِ أطيبِ موضعِ
فضلًا وإحسانًا ومَنًّا منك ** يا ذا الجود والفضل الأتمِّ الأوسعِ
والحمدُ لله ربِّ العالمين.
25 رَجب 1447