بعثة الرسل لصلاح المعاش والمعاد ومحاولة أعدائهم الخداع والإفساد وواجب اتباعهم
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جلسة الجمعة الشهرية الـ65، في ساحة الخياط، بحارة السحيل، بمدينة تريم، ليلة السبت 17 جمادى الأولى 1447هـ، بعنوان:
بعثة الرسل لصلاح المعاش والمعاد ومحاولة أعدائهم الخداع والإفساد وواجب اتباعهم
لتحميل نسخة pdf
يوضح الحبيب عمر بن حفيظ:
- - إرسال الأنبياء لإصلاح القلوب والأبدان
- - الصحابة مثال لمن نصر الدين بالصدق والإخلاص
- - قصة إسلام عبد الله بن سلام
- - محاولة اليهود بث الفتن بين المسلمين، والنبي أطفأها بالحكمة
- - غزوة الأحزاب والتمايز بين المؤمنين والمنافقين
- - تأكيد أن العاقبة للمتقين مهما علا الباطل
- - ذكر أهل اليمن بالخير ومحبّتهم للنبي ﷺ
- - بناء المجتمعات بالتكافل والتعاون
- - الحياء خُلُق أصيل والتفريط فيه خطر على الجيل
- - محبة الله الدافع الحقيقي للتضحية والإيثار
- - الثبات على المنهج النبوي وطريق النجاة وسط الفتن
نص المحاضرة:
الحمد لله الملك الحق المبين، الذي شرَّفنا بإشراق النور المبين، عبده الأمين خاتمًا للنبيين، ومُبلِّغًا عن الله أسرار ما حمله قبله جميع المرسلين.
أُرسِل كافةً للناس بشيرًا ونذيرًا، فانتشرت به - من الله تبارك وتعالى، بإذن الله تبارك وتعالى، بفضل الله تبارك وتعالى - أنوار الهدايات والإنقاذ للبشرية من الظلمات والجهالات، والفساد والشر والضُّر والكفر والزيغ والظلم والإجحاف وأنواع الرذائل، رُفعت بأنوار خاتم الرسائل فانتشرت الفضائل، فحمل واقع البشرية وواقع الناس عجائب من إفضال رب البرية في الهدايات والتوفيقات.
وكان رؤساء هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار عليهم رضوان الله تعالى، ومَن معهم من آل بيت الرسالة وآل بيت النبوة من الذين سبقوا إلى الإسلام من قرابته صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله، كانوا هم الأساس والقادة في هذه الأمة؛ أنوارهم ووجهاتهم وما أجرى الرحمن على أيديهم في صلاح الأمة بقي له انتشار واتصال وآثار في الواقع من هنا وهناك.
مهمة الرسل وآثارهم
هذه الآثار الكبيرة التي يترتَّب عليها صلاح المعاش والمعاد، لأن مُهمة المرسلين هكذا جاءت: هداية الناس وصلاح معاشهم ومعادهم، وقلوبهم وأجسادهم، وإن كان أمر القلوب أعظم وشأن الآخرة أكبر من الدنيا بلا شك، ولكن رب الكل واحد وهو الله جل جلاله، وقد بعث النبيين بما يُصلح المعاش والمعاد، فجاء خاتم النبيين بكل خصائصهم وزاده الله خصائص ليست لهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وقد أتانا خاتم الرسالة ** بكل ما جاءوا به مِن حالهّ
فعمَّ كل الخلق بالدلالة ** وأشرقت مناهج الكمالِ
فكلهُ فضلًا أتى ورحمة ** وكلهُ حُكمُ هدى وحكمة
وهو إمام كل ذي مهمة ** وقدوة في سائر الخصالِ
قصة إسلام عبد الله بن سلام
ثم إن الذين حُجِبوا عن هذا النور وأرادوا مناوأته مِن أهل الكفر، وكان لهم آثار في واقع الناس، كحال سادتنا السابقين من الأنصار، كان مؤثرًا بينهم اليهود في كثير من شؤون المعايش، ومستحوذين على التجارات في المدينة المنورة والتصرُّف في الأموال واختيار السوق الأحسن، وعلى إغراء هؤلاء بهؤلاء وفتنة هؤلاء بهؤلاء - الأوس والخزرج - وعلى ضرب بعضهم ببعض، فكانت هذه من الأشياء التي يتصرفون فيها.
ولما جاء من عرفوا وأيقنوا أنه رسول الله حقًا، كفروا به حسدًا من عند أنفسهم وناصبوه العداء ﷺ، إلا من سبقت له السعادة وهم أفراد منهم هداهم الله إلى الإيمان.
وكان مِنهم مَن ذُكر في القرآن وأوتي علم الكتاب: سيدنا عبد الله بن سلام عليه رضوان الله تبارك وتعالى، كان من علماء اليهود فصار من علماء الدين والشريعة والإسلام وأتباع المصطفى ﷺ.
جاء إلى النبي وأخبره أنه أيقَنَ بوصفه في التوراة وجميع الأوصاف فيه، وأنه الذي بشَّر به موسى ومن بعده عيسى والنبيون من قبل. ولكن قال: يا رسول الله، أخبر زعماء اليهود وقادتهم، اسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم بُهْت، إذا خالف الأمر أهواءهم ومرادهم، ما يقفون عند حق ولا حقيقة ويكذبون، قال: فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي.
فدعا ﷺ عددًا من كبارهم وجاءوا إليه في موضع، وكان سيدنا عبد الله بن سلام حواليه مختفي، فجاءوا إليه ويقول لهم: أما آن لكم أن تؤمنوا، وتعلمون وصفي فيما أوحى الله إلى النبي موسى عليه السلام؟ فكابروا وقالوا: لا، وليس الوصف وصفك ولست بأنت، ولا نعلم أنك نبي ولا أنك رسول.
فقال لهم: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: حَبْرنا وابن حَبْرنا، عالمنا وابن عالمنا، وخيرنا وابن خيرنا. قال: أرأيتم إن أسلم هو وعَلِم أني رسول الله؟ قالوا: حاشاه ما يكون هذا! فَأُخرج عليهم عبد الله، خرج عبد الله وقال: ويحكم معشر اليهود! إن معرفتكم به أشد من معرفتكم بأبنائكم، هو الذي أثنى الله عليه وبشَّر به موسى، وذكر أوصافه عندنا في التوراة، يقول الله كذا.. قالوا: هذا شرُّنا وابن شرِّنا، وجاهلنا وابن جاهلنا!
قال: ألم أقل لك يا رسول الله أنهم قوم بُهت؟ قبل قليل يقولون: خيرنا وابن خيرنا، فقوم تلعب بهم الأهواء!
محاولات اليهود لإثارة الفتن
وكانوا يحاولون أيضًا بتجارتهم وما عندهم أن يؤثِّروا وأن يُغروا، ولكن وجدوا نورانية الصدق مع الله تعالى وسُلطة الخالص اليقين بالله تبارك وتعالى، حتى ذهبت كل محاولاتهم في الفشل.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) والعياذ بالله تبارك وتعالى.
حاولوا محاولات منها: مرَّ بعض زعمائهم ووجد سادتنا الأنصار الأوس والخزرج يتبسَّمون بينهم البين، يضحكون في أُلفة فغضب، وقال: كنا نلعب عليهم، نضرب هذا بهذا وهذا بهذا، جاء محمد يجمعهم الآن! ذهب إلى واحد من محترفي الفتنة بينهم، قال له: اذهب اجلس بين القوم وذكِّرهم بيوم كذا ويوم بُعاث - يوم وقعت وقعة شديدة بين الأوس والخزرج وتقاتلوا فيها ووقع قتل فظيع بينهم - قال: ذكِّرهم بها، ولا تخرج من عندهم حتى يتخاصمون ويفتتنون.
فجاء إلى عندهم وأخذ من كلمة إلى كلمة لا ذكّرهم وأثارهم.. فقالوا: يا آل الأوس! قالوا: يا آل الخزرج! قاموا بينهم، بلغ الخبر النبي، خرج يقول: أتفعلونها وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها مُنتِنة، دعوها فإنها مُنتنة! هذه العصبيات واللعب الذي كان يلعب عليكم به الكفار.
وذكَّرهم ﷺ فآبوا إلى رشدهم وأخذوا تدمع أعينهم، ويُقبِّل بعضهم بعضًا ويحتضن بعضهم بعضًا ويعانق بعضهم بعضًا، وازدادوا غيظ فوق غيظهم اليهود.
موقف الأنصار وثباتهم
واستمرّ القوم على نورانية الرحمن جل جلاله وما يُوحيه إلى محمد في استقامة غيَّرت بها عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم ووجهاتهم.
والأمر كما قال سيدنا سعد بن معاذ: آمنا بك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وصدَّقناك، فامضِ لما أمرك الله، واصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت، حارب من شئت وسالم من شئت، نحن أمرنا تبع لك، نحن حرب لمن حاربت وسِلم لمن سالمت!
لا مكان لجماعة ولا لزعزعة مُتمردين، ولا عُرف قبائل ولا روم ولا فارس، أمرنا تبع لأمرك، حربنا لمن حاربت وسِلْمنا لمن سالمت، عَرَفنا أنك رسول من عند الإله الذي خلق، فما تحكمنا أنظمة شرق ولا غرب ولا أعراف قبائلنا ولا أي شيء، نحن تبعك!
وامضِ لما أمرك الله، لعلك خرجتَ تريد أمرًا وأراد الله غيره فامضي، لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضتهُ لخضناهُ معك، ولو سِرت بنا حتى تبلغ بِرك الغِماد من الحبشة لسِرنا معك، ما تخلَّف منا رجل واحد.
وقد تخلَّف عنك أقوام ما نحن بأكثر حبًا لك منهم، ولو علموا أنك تلقى حربًا ما تخلّفوا عنك، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبر في الحرب، صُدق عند اللقاء، قال: أبشروا وأمِّلوا ما يسرُّكم، واستنار وجهه كأنه قطعة قمر، صلى الله عليه وآله وسلم، ومضى بهم إلى بدر وكانت غزوة بدر وكان نصر الله سبحانه وتعالى.
غزوة الأحزاب ونصر الله
وابتدأوا وبقيت محاولاتهم واتفقوا في يوم الأحزاب بعد غزوة بدر مع المشركين الذين جاءوا وتحزَّبوا حول المدينة، وقالوا سيدخلونهم من جهتهم، وسيهاجمون محمد من كذا ومن كذا وأصحابه، وباءوا بالفشل كذلك: (إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا).
والمنافقون جاؤوا بأقوال وقالوا: أين هذا يعدنا بالنصر وبانتشار دينه وفي الشرق والغرب، ونحن الآن هنا في هذا المكان ما نستأمن على أنفسنا نذهب نقضي حاجتنا! (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) الله يُلحقنا بهم ويجعلنا منهم.
يقول سبحانه وتعالى: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ) - الذين قاموا معهم وخانوا الأمانة ونقضوا العهود وقالوا سينصرونهم - أخرجهم من صياصيهم: يعني من حصونهم، أخرَجهم من حصونهم ومن ديارهم ووقع القتل فيهم، وكفى الله تعالى شرَّهم.
(وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا).
سُنة الله في الأمم والعاقبة للمتقين
فكانت صور حياة الحبيب مثالًا لكل ما سيحدث في الأمة على مدى القرون إلى آخر الزمان، كل ما انتشر شرًّا وكُفر من هنا، وعملوا وطغَوا وظلموا، جاءت النتائج كذا ثم تجيء النتائج كذا، وهكذا في حكمة الحكيم في مداولة الأيام بين الناس، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
قال سيدنا موسى قديمًا لقومه: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) - قال: أن يورث أي أحد: مؤمن، كافر، صالح، شرير، مؤدٍّ للحقوق، ظالم، باغٍ؛ يتولَّون - (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، العاقبة ليست لكل من ورث الأرض وتولَّاها، (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ) ليست لكلهم (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) فقط وحدهم! (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
فلم تزل العاقبة للمتقين من بداية أول ما بدأ الشر في بني آدم من عند هابيل وقابيل وقام يقتل أخاه، والعاقبة للمتقين، وبقي المسلك هابيل وفي بقية إخوانه هو المنصور ، وذهب هذا في بقية حياته في تعب إلى أن مات وانتهى.
والعاقبة للمتقين في من جاء بعد من خالف النبي شيث عليه السلام، ثم من خالف النبي إدريس، ثم من خالف النبي نوح عليه السلام، (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا)، والعاقبة للمتقين، ذهبوا وبقي نوح ومن معه في السفينة!
(وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا) ، (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا).
(فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ)، ما مع الناس في كل زمان! هل معهم إلا هذا الذي هو سُنة الأولين، هذه سُنة الله في الخلق، العاقبة للمتقين وحدهم، ويا ويل أهل الكفر بأصنافهم من كل من أصرَّ على العناد والكبرياء، ويحاولون في إفساد الناس بالأموال وغيرها، ويُوحون إلى الناس أنهم وحدهم الذين سيُصلحون وأنظمتهم فقط، وأما شغل النبوة والرسالة والسماء هذا ما ينفع! ولا عاد يفيد في شيء من الأوقات.. هكذا يُوحون إلى الناس زخرف القول غرور، وحي الشياطين.
لكن الله تعالى أوحى وحي الحق من حين أنزل آدم إلى الأرض: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ).
فضل أهل اليمن وخصوصيتهم
فلم يزل الأمر كذلك في الصلحاء والأخيار، ومن خصَّ الله سبحانه بلدتكم وواديكم وثم عموم اليمن منهم عدد كثير، حتى كان يقسم ابن عباس في الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قال: هم أهل اليمن. يعني صنف منهم من الذين تنطبق عليهم الآية من زمانه ﷺ، صادقون مخلصون من اليمن. قال: هم أهل اليمن.
(يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) جل جلاله وتعالى في علاه.
(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).
وخصَّ الله سبحانه وتعالى اليمن بكثير من هذا الصنف، ومنهم مَن توالت فيهم الخيرات إلى من أنتم في ساحتهم، أهل العلم النافع والكرم الواسع والجاه الشاسع.
نماذج من كرم وإيثار الصالحين
وكان منهم أشياء، يعملونها إنما مجموعات ودول وليس شعوب، يقوم بها أفراد! كان جاء عدد من أهل العلم إلى عند إمام، من أجل ديون لزمتهم يريدون السفر، قال: تراتيب خدمة التربية والتزكية بنور الشريعة مُترتِّبة عليكم في البلد... قالوا: ديون لزمتنا ولا بدَّ لنا، قال: اجلسوا محلكم، أنا أسافر بدل أن أنتم تسافرون وأجيء بحاجتكم.
وما غاب عن البلد إلا أقل من شهرين، ذهب إلى الشحر ومن الشحر إلى الهند، ومن الهند جاء بمبالغ - تلك الأيام - بثلاثمائة ألف: مئة ألف للديون، مئة ألف للضيوف، مئة ألف للسواقي لإصلاح الماء، ولا سلاطين ولا دول تقوم بهذا! وقوَّمها وجاء بها، وصلَّح السواقي وانتعشت البلاد بزراعتها وخضرواتها وترتيبها، وقضى ديون العلماء، وقال محلكم هنا علّموا ولا تروحون مكان.
وكان يقول في الضيوف: الضيوف في تريم إلى ألف عندي، ما زاد على الألف أنا مثل واحد منكم سنتشارك أنا وإياكم، متى يجيئون ألف؟ نادر يجيئون ألف ضيف إلى وسط البلد. ولكن أفراد يعملون ما لا تفعله الدول!
وهكذا، إلى وقت المتأخرين ممن كان يتردد إلى هذه الأماكن، الحبيب علي بن محمد الحبشي، حتى يجيء بعضهم يقول يا حبيب صرفيّاتك هذه سلاطين الدولة ما يقدرون يصرفونها! كان أيام المولد الذي يعقده ثلاثة أيام، ونحو كم؟ ثلاثين ألف، أربعين ألف! وفي ضيافته، وغداء وعشاء وصبوح! حتى قال يا آل سيئون تعالوا، من أخذ ضيوف خمسة يأخذ حق خمسة، من أخذ عشرة يأخذ حق عشرة، من أخذ سبعة يأخذ حق سبعة، ويتوزّعون على البيوت حق البلد.
ثم يتحدث بنعمة الله يقول: لو علمت أني أتديَّن ريال واحد ما تكلفت هذا، ولكن الله يصبُّها من هنا صب ومن هنا صب، ومع ذلك يعيش في بساطته، يعيش في فقره.
وهذه أمثلة، وأمثلة من بعد الصحابة والتابعين انتشرت في الشرق والغرب، وخصَّ الله سبحانه وتعالى بلدتكم بكثير منها.
واجب التعاون على البر والتقوى
وما وصل منكم مِن هذا الإرث تعاونكم على البر والتقوى، على صلاح البلاد والعباد، وهو الواجب الذي يجب أن تقوموا به، ومتى ما صلحنا فإن الدول إنما تُصاغ من أعمال الرعايا، أعمال الرعية هي التي تصيغ الدول، كلما خالفوا أمر الله وخانوا جاءت لهم الدولة خائنة مثل عملهم، وإذا صدقوا مع الله ورجعوا إليه ولَّى عليهم أخيارهم، ولَّى عليهم من يصدُق كذلك - كما تكونوا يُولَّى عليكم -.
فبهذا كله إذا قُمنا بواجبنا ومهمتنا بالصدق وتعاوننا على مثل هذه الأمور الطيبة - سمعتم السادة آل عبد الله بن شيخ العيدروس يشكرون القائمين بالخدمة في ترتيب الفرش والماء والسُّرُج وما إلى ذلك - نوع من أنواع الخدمة يُقصَد بها وجه القوي القادر، العظيم الرحمن، الناظر إلى القلوب، والذي لا يخيب من يعامله، لا يخيب من يعامله جل جلاله وتعالى في علاه.
وكل ما قُدِّم لوجهه الخالص فهو السعي المشكور، وهو الزرع الذي يُحصَد بواسع الأجور ، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) جل جلاله وتعالى في علاه.
وهكذا مُهِمّتنا في تعاوننا على هذا الخير وتكاتفنا، تذكرون من فقدتم من أهل الحارة ومن غيرها من الصالحين، الله يخلفهم بخير خلف ويجمعنا وإياهم في أعلى الدرجات في أعلى الجنة في أعلى الغرف، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
التحذير من اتباع إبليس وجنده
فمُهمتنا لا يضحك علينا أعداء الله، إبليس وجنده، يقولون: الخير إلا عندنا! واتركوا نبيكم واتركوا سُنَّته واتركوا منهجه.. كذبوا! ولا عندهم خير لا في الدنيا ولا في الآخرة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ)، وما من فرد ولا جماعة ولا دولة تبعت الكفار إلا رجعوا على الأدبار وانقلبوا خاسرين، وحتى ثروات بلادهم ما قدروا عليها، وأخذها غيرهم ولعبوا بهم!
(إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ)، فإن صدقتم معه ما الذي يحصل في الوجود؟ قال: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) - اصدقوا معي وخلُّوهم هم الذين يخافون منكم - (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ).
التعاون والصدق مع الله
فيجب أن نتعاون، كل من فيه خير من آل السلطة أو الرعايا فليُمِد يده إلى الخير بصدق مع الله وإخلاص، ويعمل ما استطاع، و (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)، و (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). ومَن تأخر أو خان أو انحرف عن منهج ربه فسيُلاقي جزاءه، (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ) - ليس من قِبَل مخابرات أمريكية ولا روسية ولا صينية، بل من رؤية العليم الخبير الذي يعلم خائنة الأعيُن وما تخفي الصدور - (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ * وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ) جل جلاله وتعالى في علاه.
الحرص على السُّنة والهداية
فيجب أن نحرِص على سُنة المصطفى وعلى هديه، وهدي الذين هُم سند بيننا وبينه مِمن ورثوا علم الكتاب والسُّنة بِسَند وبِيَد عن يد، بل بقلب عن قلب وروح عن روح وسر عن سر وعقل عن عقل، إلى معدن العقول والأسرار ، قِبلة الأرواح حبيب الفتَّاح، محمد بن عبد الله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
وفي ذلك علمتم الوصف الذي يذكره الإمام الحداد فيمن مضى مِن أجدادكم والصالحين في هذا الوادي الميمون، يقول:
ثبتوا على قدم الرسول وصحبهِ ** والتابعين لهم فَسَل وتتبَّعِ
هات علمك، هات عقلك، انظر، تأمّل، تدبر، اقرأ التاريخ، فسل وتتبَّعِ!
ومضَوا على قصد السبيل إلى العُلا ** قدمًا على قدمٍ بجِدٍّ أوزعِ
عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
أثر التربية الصالحة
فهم الذين عمروا المساجد وعمروا الديار وعمروها بالخيرات، وربَّوا أبناءهم وبناتهم تلك التربية الصالحة التي رأينا آثارها إلى الوقت القريب.
فيما يتعلق مثلاً بالعذارى، أنا أعرف من النساء اللاتي كُنّ عذارى، من لا يرى شعرها حتى أمها! أمها ما ترى شعرها، أعرف واحدة منهن في البلد هذه، كانت عندها شيء في رأسها وشعرها، تُصلِّح بنفسها، تُقفل على نفسها وما حتى سمحت لأمها أن تأتي وتنظر شعرها، حياءً، إرثًا من إرث النبوة، كان أشد حياءً من العذراء في خدرها.
ما جاء هذا لا عن جهالة ولا عن غباوة ولا عن ضعف، ولا عن مجرد عادة ولا رِقّة، ولكن أنوار اعتلجت في الصدور مِن نور تعظيم العزيز الغفور، فملأتهن حياءً، وصرنَ حقيقة أن يُمثّل: أشد حياءً من العذراء في خدرها.
الانحطاط في الزمن الحاضر
والصحابة لو رأوا العذارى الذين جاءوا الآن بعد، السنين ما هي بعيدة، ما هو من القرن السابق، لا من الذين عرفناهم نحن - والانحطاط قوي وكبير! صِرن أشد جرأة من المتزوجات وهن عذارى! عندهن شيوخ شيوخ في أجهزة التواصل وفي الإنترنت، شيوخ بدل الأنبياء والأولياء، عندهن شيوخ فَسَقة، سَقطة، بعيدين عن الله، ما نظر الله إلى أحدهم منذ خلقه!
ويتعلَّمون منهم قلة الحياء وقلة الأدب والحركات الخبيثة والألبسة المثيرة، وبعضهن بنات من بيوت كان فيها ولي ووليَّان وثلاثة وأربعة أولياء وخمس أولياء وسط الأسرة ووسط البيت! والآن يجيء بنات تبع يهوديات، تبع نصرانيات، تبع فاسقات! حتى أن كثير من اليهوديات والهندوسيات والنصرانيات ما يرضين بهذا الحال إلا السقط حقهن، التفه السقط منهن هؤلاء يأخذن منهن ويعدُّونهن مشايخ! وعملوا لهم مشايخ فساق، مشايخ فُساق، مشايخ فاسدين في لباسهن وفي طريقة تمشيطهن وفي غنائهن، وتركوا كل السند القوي القويم إلى حضرة النبوة والرسالة!
ومهما توهَّموا أن في ذلك شيء من خير، والله ما فيه إلا السقاطة! وما فيه إلا تعاسة مقدَّمة في الدنيا تتبعها تعب الآخرة والعياذ بالله تبارك وتعالى.
أهمية الحياء والتربية للفتيات
وما أحسن الحياء وهو في المرأة أحسن، ولكنه أيضًا في هؤلاء اللاتي في سن المراهقة وفي هذا السن من قبل الزواج، هُن الأولى بأن يعلمن حقائق مصالحهن ومنافعهن وشرفهن وكرامتهن، وعندكم أبواق كثيرة تُشجِّع وتحثّ على الانفلات وعلى الانحطاط وعلى الخروج عن القِيَم.
(وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)، والخطاب الإلهي الذي بيده الحكم والأمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). يُنادى الكفار: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ).
النبي محمد صاحب الوجاهة الوسيعة، (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ).
ختام المحاضرة
فيجب أن نأخذ نصيبنا من هذا الإرث النبوي، ونعلم نعمة الله علينا ونتعاون في حاراتنا.
بارك الله سبحانه وتعالى في المقدَّم عندكم في الحارة ومن يقوم معه من الأعيان، وبارك الله في حضورهم، وجزى الله سادتنا آل عبد الله بن شيخ خير الجزاء، وجزى الله أولئك الخادمين في هذه المجالات والقائمين بهذه التبرُّعات التي هي متصلة بالجهاد اتصالًا وثيقًا، متصلة بالجهاد في سبيل الله اتصالًا وثيقًا وعميقًا.
يعرفه من يعرفه، وسيعرف الكل إذا انكشفت الستارة:
وسوف ترى إذا انجلى الغبارُ ** أفرسٌ تحتك أم حمارُ
وتعرف: تشتغل لمن؟ ولمصلحة من؟ ولإرادة من؟ ولقصد من؟ ويفوز الذين أخلَصوا لوجه الله، ومن أجل الله بذلوا، ومن أجل الله أعطوا. وكان فيهم كثير من آبائكم وأجدادكم الذين مضوا في هذه البلدة المباركة، نور الإيمان ملأ قلوبهم فحرَّكهم في ميادين الأعمال الصالحة فنالوا حقائق التجارة الرابحة.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ). وتريد نموذج من ربح التجارة هذه؟ (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
قالوا والأشياء التي تستعجلون عليها أنفسكم وتميل إليها فهي أيضًا: (وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).
اللهم اجعلنا من المؤمنين، قوِّ عزائمنا، وصِدقنا في الإقبال عليك، وانتباهنا من التربية النبوية، وتربية أولادنا بها، وارزقنا شكر النعمة.
بلدكم تُقصَد من أجل الوصول إلى الله، من أجل القرب إلى الله، ويأتيكم هذا وهذا من هنا وهناك، ولا ينفعكم عند الله مثل أن يروا فيكم أثر وصية رسوله ﷺ بمن يأتي يريد الحق جل جلاله: "إنّ قوماً من أقطار الأرض يأتونكم ليتفقّهوا في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً".
ويقول: "يا داود، إذا وجدتَ لي طالبًا فكن له خادمًا" - إذا وجدت لي طالبًا - يقول الله للنبي داود - إذا وجدت لي طالبًا يطلبني، يطلب قربي، فكن له خادمًا، هذه مُهمة الأنبياء ومهمة من تابعهم.
والله يجعلنا ممن تابعهم، فحقّهم أن يرون فينا اتِّباعنا للحبيب ﷺ، ويرون فينا المكارم والأخلاق والشِّيَم والتعاون على ما يُرضي ربنا. الله يجمع قلوبنا على ذلك ويسلك بنا في أشرف المسالك، ويزيدنا وإياكم زيادة من موجبات السعادة في الغيب والشهادة، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
والحمد لله رب العالمين.
18 جمادى الأول 1447