(479)
(635)
(368)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 1 ربيع الأول 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان:
هداية الرحمن بنور حبيبه مَن كتب لهم حقيقة السعادة
الحمد لله، (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35]، لا إله إلا هو، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، منه المبتدأ، وإليه المصير.
أرسل الرسل هدايةً للخلائق وتنويرًا، وتنقيةً للضمائر وتطهيرًا، وترقيةً لهم إلى المراتب العُلا، وإدخالًا لهم إلى خيار الملأ، وخَتمهُم بسيد المرسلين، خاتم النبيين، الذي كان مولده في شهر ربيع الأول الذي استقبلتموه في ليلتكم هذه.
فالحمد لله الذي جعلنا من أمته، وجعلنا من المؤمنين به، اللهم ثبِّتنا على دربه، وسِرْ بنا في طريقه، وألحِقنا بفريقه، واسقنا يا ربنا من رحيقه، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.
وكان هذا النور المبين الذي هَدى الله به من يشاء، ولا يزال يهدي به -سبحانه وتعالى- كُل من سبقت لهم سوابق السعادة بدخول الجنة، جميع أهل القبضة الذين قال عنهم ربُّ العرش: "هؤلاء إلى الجنة، ولا أبالي"، يُنوِّرهم بهذا النور، ويُوصِل إليهم هذا النور، جل جلاله وتعالى في علاه.
والعنايات لأهليها تراعي تُربّي
ذا تلاحظه في شرقه وهذا بغَربي
قرَّبت ذا وأقصَت ذا بعدلِ المُربّي
آه لولا المُربّي ما اهتديتُ لِربّي
لولاه ما ناديت: يا ربي، ربي
ما عرفتُ مِن عظمة الرب -جل جلاله-؛ ما يدخُل بنور الاتصال به وبرسوله إلى القلب، إلا مجرد ألفاظ يتلفظ بها الناس ويعرفون منها سطحها وبعض ظواهرها، وإلا فالمعرفة الخاصة ما تكون إلا بإشراق هذا النور، نور الأمين المأمون، في قلوب من يهديهم الحق، جل جلاله وتعالى في علاه.
قال -سبحانه وتعالى-: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ..)، فكان النور: محمدًا، والكتاب المبين: القرآن العظيم؛ نوَّرنا الله بهذا النور (..يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [المائدة:15-16]، جل جلاله وتعالى في علاه.
(وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [النور:46]، (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [المائدة:15-16]. اللهم ثبِّتنا على الصراط المستقيم.
سمعتم الخبر عنه في ليلة الميلاد الشريف: أشرقت الأرض بنوره ﷺ. وأمه كانت تقول: كنت أرى أعناق الإبل وهي في بُصرَى.
وأعناق الإبل في بُصرَى، وهي أين؟ وهي في مكة المكرمة! ووسط دارها من مكة المكرمة! أي عدسة هذه تطّلع إلى أعناق الإبل؟ وكيف استوعبتها هذه الأم المَصونة وسط هذا الدار؟! ما هذا النور!
الشمس تطلع كل يوم، ولا أحد يرى المسافات البعيدة، ولا أحد ينظر إلى هذه المجالات الواسعة! ولكن أي نور هذا؟ أي نور هذا رأت به أمه!
قال ﷺ: "وإنّ أمي رأت حين وضعتني نورًا أضاءت له قصور الشام، وكذلك أمهات النبيين يَرَيْن"، قال: "وكذلك أمهات النبيين يَرَيْن"، يريهم الله -سبحانه وتعالى- من الأنوار. وفي هذا إشارة إلى هذا النور الأكبر في خَتم النبوة والرسالة بولادته عليه الصلاة والسلام.
كلّكم سمعتم مرات قول عمه العباس:
وَأنتَ لَمَّا وُلدْتَ أشرقت الأرض ** وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الأَفُقُ
والعباس يقول:
فَنَحْنُ فِي ذَلِكَ الضِّياءِ وَذلك النُّورِ
عليه رضوان الله.. متى يقول هذا؟ بعد رجوع النبي من غزوة تبوك، آخر غزوة غزاها: نَحْنُ فِي ذَلِكَ الضِّياءِ وذلك النُّورِ.. والقرآن عندهم! والسنة عندهم! والجهاد عندهم!
وأقسمَ ربُّ العالمين بعَمْرِهِ ** وأَعظِم بها من مالكِ المُلكِ قَادِرِ
مالك المُلك يقسم بعمر هذا النبي، ومتى العمر؟ من لحظة الولادة إلى لحظة الوفاة، ويقول عنه ﷺ في ولادته: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ) [الضحى:6-8]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فكان ذلك الأمر الذي سمعتم ما يقول الإمام البوصيري عنه -عليه رحمة الله-:
لَيْلَةُ الْمَـوْلِدِ الذِي كَانَ لِلدِّينِ ** سُرُورٌ بِيَوْمِهِ وَازْدِهَاءُ
يوم نالت بوضعهِ ابنة وهب ** من فَخَارٍ ما لم تنله النّساءُ
و أتت قومها بأفضل ممّا ** حَمَلَت قَبلُ مريم العذراءُ
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ويقول -سبحانه وتعالى- عن مريم، لمَّا انتبذت به مكانًا شرقيًّا (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) [مريم:17]، إلى آخر وقت الولادة، وحملته، وجاءت به قومها تحمله: (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)، يعني: مَن له أسرة طيبة وصالحة ما حقه يَزِيغ ولا يَزِل ولا يسلك سبيل البعيدين.
(مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ..)، وخطَب خطبته وهو في المهد سيدنا عيسى! (..قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:27-33].
وهكذا قال الحق عن الذي قبله، لمَّا ذكَر مولد سيدنا يحيى -عليه السلام-، وذكر الذي يقول: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)، لا فرق عندي بين كبير وصغير، ذكر وأنثى، يكون : عقيم، أو ليس عقيم. أنا الذي أولد مَن شئت، متى شئت، وأخلق كما شئت (..وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا * قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا..)، جاء يحيى، وُلد (..يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ..) [مريم:7-15]،
عليك سلام يا حبيب الله يوم تُبعَث، أول مَن تخرج من القبور، أول مبعوث، وأول مَن تنشق عنه الأرض. ولك سلام يوم وُلدت، ولك سلام يوم توفيت وانتقلتَ وقُلتَ: "بل الرفيق الأعلى".
عليك سلام الله في هذه الأيام خاصة، وفي كل يوم، وفي كل ساعة، ومن حين كوَّنك قبل أن تكون السماوات والأرض، وإلى الأبد والدوام.
عليك سلام الله يا حبيب الرحمن، وعلى آلك وصحبك، منا ومن جميع الحاضرين، عنا وعن جميع الحاضرين، من الله تعالى، عنا وعن جميع الحاضرين، وعن جميع السامعين، وعن جميع المتعلِّقين، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
اللهم اقبل مِنَّا السلام على نبيك، واجعله مقبولًا لديه، ويَرُدُّ عنَّا علينا السلام، فنحوز من خيراتك العِظَام ما أنت أهله، يا ذا الجلال والإكرام؛ حتى تعود عوائد عظمة يوم مولده على مواليدنا، ويوم وفاته على وفياتنا، ويوم يُبعث حيًّا على حشرنا وخروجنا من قبورنا، حتى نكون في زمرته يا رب العالمين، حتى نكون في دائرته يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
ونحن نقول بقولهم، نادوا الرب: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،
(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،
(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
واستحضروا آباءكم وأمهاتكم وقراباتكم ومن يلوذ بكم: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وهذا الذي تُوفِّي عندنا اليوم قد كان في هندوسيته، وربي هداه وجاء به إلى تريم، وهداه للإسلام، واختاره الحق -سبحانه وتعالى- في هذا اليوم.
الله يعلي درجاته، ويجمعنا به في أعلى جناته، ووفِّر حظَّه من هذا النور، يا عزيز يا غفور. واحشره في زمرة الذين مع حبيبك محمد ﷺ، من الذين آمنوا معه (يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم) [الحديد:12]، يا كريم يا غفور.
ولك الحمد على ما هديت، ولك الحمد على ما ثبَّتت، ولك الحمد على ما توفَّيتَ على الإسلام.
وكان كما سمعتم بعض العارفين فيما روي عنهم يقول: إن السلام على الحبيب ﷺ، لمَّا تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، يُسلِّم الله عليك، ويسلِّم رسوله عليك. قال: لماذا عَظُم شأن السلام؟ قال: لأنك إذا سلَّمت عليه، فمعناه: شريعتك وسنتك في أمان مني؛ ما أغيِّرها، ولا أبدِّلها، ولا أخالفها. قال: وهذا محل سرور لقلبه ﷺ. تقول له: السلام عليك. يعني: أنت سلَّمت على النبي، ثم تلعب بسنته؟ وتخالف أمره؟! ما هذا! كيف السلام؟!
يقول له -سبحانه- في بعض ما أوحى إليه: "أَلَا يَرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ مَرَّةً إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا؟ ولا يسلِّم عليك أحد من أمتك إلا سلَّمت عليه عشرًا". ربُّ العالمين يُسلِّم على مَن يسلِّم على الحبيب الأمين ﷺ.
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته
عنَّا وعن والدينا، وعن أهلينا، وعن أولادنا، وعن أصحابنا، وعن أحبابنا، وعمن والانا فيك، وعن المؤمنين والمؤمنات، من الله الرحمن الرحيم.
اللهم اقبل منا ذلك، وسِرْ بنا في أشرف المسالك، واجعله من أبرك الشهور علينا.
الله يجعله من أبرك الشهور علينا، الله يجعله شهر فرج لأمته أجمعين، ودفع لشر المفسدين والطاغين والباغين، وشر أعداء الدين وأعداء المسلمين، وأعداء الهدى الذي جاء به حبيبك الأمين. ادفع شرهم عنا وعن جميع الأمة.
وعجِّل بنشر الهداية في المشارق والمغارب، واجعلنا مفاتيحا للخير مغاليقا للشر، وأصلح لنا ما بطن وما ظهر. وأرِنا في الأمة في هذا الشهر ما تقرُّ به عين نبيك، وما يسرُّ به قلب نبيك، وقلوب الصالحين وأرواح الصالحين، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين.
01 ربيع الأول 1448