هداية الرحمن بنور حبيبه مَن كتب لهم حقيقة السعادة

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 1 ربيع الأول 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان:

هداية الرحمن بنور حبيبه مَن كتب لهم حقيقة السعادة

لتحميل نسخة pdf 

نص المحاضرة:  

الحمد لله، (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35]، لا إله إلا هو، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، منه المبتدأ، وإليه المصير.

أرسل الرسل هدايةً للخلائق وتنويرًا، وتنقيةً للضمائر وتطهيرًا، وترقيةً لهم إلى المراتب العُلا، وإدخالًا لهم إلى خيار الملأ، وخَتمهُم بسيد المرسلين، خاتم النبيين، الذي كان مولده في شهر ربيع الأول الذي استقبلتموه في ليلتكم هذه.

فالحمد لله الذي جعلنا من أمته، وجعلنا من المؤمنين به، اللهم ثبِّتنا على دربه، وسِرْ بنا في طريقه، وألحِقنا بفريقه، واسقنا يا ربنا من رحيقه، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.

 

الهداية بالنور المبين

وكان هذا النور المبين الذي هَدى الله به من يشاء، ولا يزال يهدي به -سبحانه وتعالى- كُل من سبقت لهم سوابق السعادة بدخول الجنة، جميع أهل القبضة الذين قال عنهم ربُّ العرش: "هؤلاء إلى الجنة، ولا أبالي"، يُنوِّرهم بهذا النور، ويُوصِل إليهم هذا النور، جل جلاله وتعالى في علاه.

 

والعنايات لأهليها تراعي تُربّي 

ذا تلاحظه في شرقه وهذا بغَربي

قرَّبت ذا وأقصَت ذا بعدلِ المُربّي

آه لولا المُربّي ما اهتديتُ لِربّي

 لولاه ما ناديت: يا ربي، ربي

 

ما عرفتُ مِن عظمة الرب -جل جلاله-؛ ما يدخُل بنور الاتصال به وبرسوله إلى القلب، إلا مجرد ألفاظ يتلفظ بها الناس ويعرفون منها سطحها وبعض ظواهرها، وإلا فالمعرفة الخاصة ما تكون إلا بإشراق هذا النور، نور الأمين المأمون، في قلوب من يهديهم الحق، جل جلاله وتعالى في علاه.

 

قال -سبحانه وتعالى-: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ..)، فكان النور: محمدًا، والكتاب المبين: القرآن العظيم؛ نوَّرنا الله بهذا النور (..يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [المائدة:15-16]، جل جلاله وتعالى في علاه.

(وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [النور:46]، (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [المائدة:15-16]. اللهم ثبِّتنا على الصراط المستقيم.

 

ارتباط خصائص الأمة بنبيها ﷺ

  • وهذه الأمة بما جعل الله لها من خصائص وفضائل، تعود جميع خصائصها وتفضُّلات الحق عليها، إلى سر ارتباطها بهذا النبي المصطفى، ومتابعتها له،
    • (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران:31].
    • وهو القائل: "ما تركتُ بابًا من أبواب الخير إلا دللتكم عليه ودعوتكم إليه، ولا بابًا من أبواب الشر إلا حذّرتكم منه ونهيتكم عنه"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
      • أحسن البلاغ لرسالة ربي.
      • ورسالة مخصوصة، جاءت رسالات ونبوات سابقة، ما في مثلها هذه النبوة إلى جميع العالمين، ورسالة إلى جميع المكلَّفين، إلى يوم القيامة.
    • "وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة.."، قال: "وبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
    • (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [سبأ:28]،
    • (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107]،
    • (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان:1]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

  • فأبقى فينا هذه الأنوار المتزايدة، المتلألئة، الساطعة، البهيّة؛ يهدي الله بها من يشاء.
    • وفَّر الله حظنا وإياكم من هذا النور، في كل يوم، وفي كل ليلة، وفي كل لمحة، وفي كل نفس، وفي كل جلسة، وفي كل عمل نعمله، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

 

هموم أهل السوء وهموم الصالحين

  • وذاكُم خير ما نكسبه في هذه الحياة.
    • والحياة ملآنة بمن أفكارهم وشغلهم أن يتوصَّلوا إلى سلطة، ومَن أفكارهم وشغلهم أن يتوصَّلوا إلى ثروة أموال، ومن أفكارهم وشغلهم أن يتوصَّلوا إلى الشهوات، ومن أفكارهم وشغلهم أن يُقَضُّوا الأوقات في التُّرُّهَات والبطالات!
      • وهم في سبيل ذلك ما يبالون باقتحام المخاطر، ولا يبالون حتى بتَرَدِّي الأرواح وقتلها -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وانتهاك حرمات الغير وحقوق الغير -والعياذ بالله سبحانه وتعالى-، وهذا همُّهم!

 

  • ولكن: مَن صدَق إيمانه بهذا النبي، همُّه:
    • أن يستقيم،
    • وأن يُنقِذ من يستطيع إنقاذه:
      • من نار الجحيم إلى جنات النعيم، من الغضب إلى الرضا، من البُعد إلى القرب، من الظُّلمة إلى النور، من الضلال إلى الهدى، من الغيِّ إلى الرَّشَاد، من الإدبار إلى الإقبال.
  • وهذه هموم الصالحين، وهموم الذين صدقوا في الإيمان بالله وبرسوله الأمين محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
    • وعلى قدر صدقهم في هذا الإيمان؛ إذا زاحمتهم إرادات الأنفُس والأهواء والتلبيس لإبليس؛ أنّ حتى هذا من الدين والقصد فيه غير الله، والقصد فيه غير صادق فيه مع مولاه جل جلاله.. بصدقهم بهذا الإيمان يحميهم الرحمن من تسلُّط هذا التلبيس والتدليس لإبليس، ولا تقوى عليهم نفوسهم ولا أهواؤهم.
      • ويُخاطبون أنفسهم خطاب أهل الصدق الذين أرادوا وجه الحق، جل جلاله وتعالى في علاه.

 

  • فصارت هِمّتهم في الحياة:
    • أن يرتقوا ويُرَقُّوا،
    • وأن يهتدوا ويهدوا،
    • وأن يتنوَّروا وأن يُنوِّروا،
    • وأن يتبصَّروا وأن يُبصِّروا،
    • وأن يغنموا من الحياة ما به القرب إلى الرحمن -جل جلاله-، وما به الرُّقي في الدرجات العُلا.

 

  • وهذا مطمح القوم الكرام،
    • وهمُّهم هذا: هو ما تصلُح به البلاد والعباد،
    • هو ما تندفع به الأنكاد ويرتفع به الفساد.
  • ولكنه إنما يثبت ويقوَى في: قلوب من سبقت لهم سوابق السعادة الكبرى، مِن خواصّ مَن أرادهم رب العرش، ورب السماء، ورب الأرض، ورب الدنيا، ورب البرزخ، ورب الآخرة، ورب الجنة، ورب النار.
    • الله -جل جلاله- أرادهم لقُربه، أرادهم لمحبته، أرادهم لمرافقة أنبيائه -صلوات الله وسلامه عليهم-، ومرافقة الصِّدِّيقين والمقرَّبين والعباد الصالحين.

 

ماذا علّمنا صاحب المولد أن ندعو؟

  • وهذه الاهتمامات التي يعلِّمنا صاحب الرسالة ﷺ، وصاحب هذا المولد ﷺ، أن نتعلَّق بها بقلوبنا، ونرغب فيها بدعواته،
    • ويقول: "أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود، مع المقرَّبين الشهود، والرُّكَّع السجود، الموفين لك بالعهود، إنك رحيم ودود، وأنت تفعل ما تريد"، جل جلاله وتعالى في علاه،
    • ويقول: "أسألك الصبر عند القضاء، والفوز عند اللقاء، ومنازل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء، ومرافقة الأنبياء".
  • هكذا يُعلِّمنا.
  • أما هو، فجميع الأنبياء تحت لوائه، وهم الذين يتشرَّفون برفقته ﷺ، والشهداء كلهم من تحته، عليه الصلاة والسلام، ومنازل السعداء، وهو في أعلى ذُرى السعادة، عليه الصلاة والسلام.
    • صلَّى الله على أسعد مخلوقاته عبده محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
    • ولكنه مُعلِّم، ولكنه مُزكٍّ، ولكنه مُنوِّر.
    • نوَّر الله قلوبنا بسرِّ تزكيته.

 

إشراق النور في مولده ﷺ

  • سمعتم ارتباط الأشياء بالنور،
  • و: (االلَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:35].
  • ولكن معاني النور هذا، بما لها من ظواهر وبما لها من حقائق وبواطن؛ جعلها رب السماوات والأرض نابعة من هذا النور الذي ابتدأ خلقه قبل خلق الوجود ﷺ.
    •  وأبرزه بالنور، وكان النور.

 

سمعتم الخبر عنه في ليلة الميلاد الشريف: أشرقت الأرض بنوره ﷺ. وأمه كانت تقول: كنت أرى أعناق الإبل وهي في بُصرَى.

 

وأعناق الإبل في بُصرَى، وهي أين؟ وهي في مكة المكرمة! ووسط دارها من مكة المكرمة! أي عدسة هذه تطّلع إلى أعناق الإبل؟ وكيف استوعبتها هذه الأم المَصونة وسط هذا الدار؟! ما هذا النور!

 

الشمس تطلع كل يوم، ولا أحد يرى المسافات البعيدة، ولا أحد ينظر إلى هذه المجالات الواسعة! ولكن أي نور هذا؟ أي نور هذا رأت به أمه!

 

قال ﷺ: "وإنّ أمي رأت حين وضعتني نورًا أضاءت له قصور الشام، وكذلك أمهات النبيين يَرَيْن"، قال: "وكذلك أمهات النبيين يَرَيْن"، يريهم الله -سبحانه وتعالى- من الأنوار. وفي هذا إشارة إلى هذا النور الأكبر في خَتم النبوة والرسالة بولادته عليه الصلاة والسلام.

 

اتصال نور الوحي بنور الولادة

كلّكم سمعتم مرات قول عمه العباس:

وَأنتَ لَمَّا وُلدْتَ أشرقت الأرض ** وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الأَفُقُ

والعباس يقول:

فَنَحْنُ فِي ذَلِكَ الضِّياءِ وَذلك النُّورِ 

عليه رضوان الله.. متى يقول هذا؟ بعد رجوع النبي من غزوة تبوك، آخر غزوة غزاها:  نَحْنُ فِي ذَلِكَ الضِّياءِ وذلك النُّورِ.. والقرآن عندهم! والسنة عندهم! والجهاد عندهم!

  • قال: في ذلك الضياء وذلك النور.. نورُ المولد، نورك هذا؛ لأنه متصل.
    • مَن يَقدِر يفصل نور الوحي عن نور الولادة؟
    • مَن يَقدِر يَفصِل نور الرسالة عن نور المولد؟
    • كيف ينفصل؟ كيف ينفصل؟!
      • ما يتأتَّى أن ينفصل!
      • ما يتأتى أن ينفصل نور المولد عن: نور الوحي، نور الرسالة، نور التنزيل، نور الغزوات، نور الجهاد!
      • كله مَبني على هذا الأصل، الذي هو في عالم الدنيا ما أَذِنَ الله تعالى لبروز هذه الذات التي هي أشرف وأطهر ذات؛ إلا في ذلك الوقت الذي قال عنه -سبحانه-، من لحظة ولادته ﷺ إلى لحظة وفاته، حالفًا به: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الحجر:72].

 

وأقسمَ ربُّ العالمين بعَمْرِهِ ** وأَعظِم بها من مالكِ المُلكِ قَادِرِ

مالك المُلك يقسم بعمر هذا النبي، ومتى العمر؟ من لحظة الولادة إلى لحظة الوفاة، ويقول عنه ﷺ في ولادته: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ) [الضحى:6-8]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

فكان ذلك الأمر الذي سمعتم ما يقول الإمام البوصيري عنه -عليه رحمة الله-:

لَيْلَةُ الْمَـوْلِدِ الذِي كَانَ لِلدِّينِ ** سُرُورٌ بِيَوْمِهِ وَازْدِهَاءُ

يوم نالت بوضعهِ ابنة وهب‌ ** من فَخَارٍ ما لم تنله النّساءُ

و أتت قومها بأفضل ممّا ** حَمَلَت قَبلُ مريم العذراءُ

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

ذكر مواليد الأنبياء في القرآن

 

  • والحق -تبارك وتعالى- يذكُر لنا في الكتاب العزيز مولد موسى، ويذكُر لنا في الكتاب العزيز مولد مريم، ويذكُر لنا في الكتاب العزيز مولد عيسى.
    • فمواليد هؤلاء فيها أنوار، وفيها ذكرى، وفيها وعي وإدراك، وفيها معارف، وفيها لطائف.
    • فكيف بمولد محمد؟ فكيف بمولد محمد، سيدهم كلهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم!

 

ويقول -سبحانه وتعالى- عن مريم، لمَّا انتبذت به مكانًا شرقيًّا (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) [مريم:17]، إلى آخر وقت الولادة، وحملته، وجاءت به قومها تحمله: (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)، يعني: مَن له أسرة طيبة وصالحة ما حقه يَزِيغ ولا يَزِل ولا يسلك سبيل البعيدين. 

(مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ..)، وخطَب خطبته وهو في المهد سيدنا عيسى! (..قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:27-33].

  • فيه إشارة إلى أنَّ هذه الأيام أهم أيام ابن آدم تمر عليه: يوم الميلاد، ويوم الموت، ويوم البعث.

 

وهكذا قال الحق عن الذي قبله، لمَّا ذكَر مولد سيدنا يحيى -عليه السلام-، وذكر الذي يقول: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)، لا فرق عندي بين كبير وصغير، ذكر وأنثى، يكون : عقيم، أو ليس عقيم. أنا الذي أولد مَن شئت، متى شئت، وأخلق كما شئت (..وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا * قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا..)، جاء يحيى، وُلد (..يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ..) [مريم:7-15]،

  • الله يقول: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ)!
    • سلام على مَن؟ على يحيى (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:7-15].
    • ولمَّا يقول الله هكذا: سلام مِني على يحيى يوم وُلِد، يقول لنا: تعالوا إلى أنبيائي الآخرين يوم ولادتهم لا تسلِّموا عليهم؟! وإلا ماذا؟ ما معناه؟
    • معناه: اعتبروا اليوم الذي وُلد فيه أحبابي، فأنا أبعث السلام عليه في يوم ولادته: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ).
  • في يوم المولد الكريم سلَّم الله على يحيى عليه السلام.
  • وهذا تشريع لنا أننا إذا جاءت ذكريات ومواليد، وأن نعتبر أيام مواليد أنبيائنا محل تسليم ومحل تحية لهم، ومحل ذكر مخصوص لهم (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:15].

 

  • وكلهم لهم آثار كبرى عظيمة.
  • وكُلٌّ محبوب عند الله -والأنبياء أعظمهم-: أيام ولادتهم، وأيام وفياتهم، وأيام يُبعثون يوم المحشر. وكُلٌّ في مرتبته الكبيرة،

 

عظمة مرتبة سيدنا محمد ﷺ

  • ولكن سيدنا محمدًا أعظمهم مرتبة، لا مولد مثل ميلاده، ولا وفاة مثل وفاته، ولا مبعث مثل مبعثه.
  • "وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة".

 

عليك سلام يا حبيب الله يوم تُبعَث، أول مَن تخرج من القبور، أول مبعوث، وأول مَن تنشق عنه الأرض. ولك سلام يوم وُلدت، ولك سلام يوم توفيت وانتقلتَ وقُلتَ: "بل الرفيق الأعلى".

 

عليك سلام الله في هذه الأيام خاصة، وفي كل يوم، وفي كل ساعة، ومن حين كوَّنك قبل أن تكون السماوات والأرض، وإلى الأبد والدوام. 

عليك سلام الله يا حبيب الرحمن، وعلى آلك وصحبك، منا ومن جميع الحاضرين، عنا وعن جميع الحاضرين، من الله تعالى، عنا وعن جميع الحاضرين، وعن جميع السامعين، وعن جميع المتعلِّقين، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

 

اللهم اقبل مِنَّا السلام على نبيك، واجعله مقبولًا لديه، ويَرُدُّ عنَّا علينا السلام، فنحوز من خيراتك العِظَام ما أنت أهله، يا ذا الجلال والإكرام؛ حتى تعود عوائد عظمة يوم مولده على مواليدنا، ويوم وفاته على وفياتنا، ويوم يُبعث حيًّا على حشرنا وخروجنا من قبورنا، حتى نكون في زمرته يا رب العالمين، حتى نكون في دائرته يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

 

الارتقاء في شهر المولد

  • واستقبلكم الشهر المصون.
    • وكم من مؤمن في مثل هذا الشهر انتقل من حال إلى أحوال رفيعة عاليات.
    • وكم من مؤمن في هذا الشهر انكشف عنه الحجاب، وشاهد بقلبه وبعينه وجه سيد الأحباب، وكان في مقام اقتراب.
    • وكم من مؤمن ارتقى مراقي عظيمة في مثل هذا الشهر الذي أبرز الله فيه هذا النور المبين المصون، المضيء، الملالئ.
      • والذي سيُقبل آثاره في النور يوم القيامة.
      • قال تعالى: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم:8].

 

ونحن نقول بقولهم، نادوا الرب: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،

(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،

(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

واستحضروا آباءكم وأمهاتكم وقراباتكم ومن يلوذ بكم: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

 

هداية رجل هندوسي إلى الإسلام

وهذا الذي تُوفِّي عندنا اليوم قد كان في هندوسيته، وربي هداه وجاء به إلى تريم، وهداه للإسلام، واختاره الحق -سبحانه وتعالى- في هذا اليوم. 

الله يعلي درجاته، ويجمعنا به في أعلى جناته، ووفِّر حظَّه من هذا النور، يا عزيز يا غفور. واحشره في زمرة الذين مع حبيبك محمد ﷺ، من الذين آمنوا معه (يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم) [الحديد:12]، يا كريم يا غفور.

ولك الحمد على ما هديت، ولك الحمد على ما ثبَّتت، ولك الحمد على ما توفَّيتَ على الإسلام.

 

  • وبهذا النور؛ انشر هذا النور في قلوب كثير من عبادك.
  • يا ربنا، يا ربنا: أعدادًا كبيرة من القلوب المظلمة بالكفر نوِّرها بهذا النور، حتى تهتدي إلى: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
  • ضيا الله: وما أعطيتنا من هذا النور فزدنا نورًا في كل لمحة ونَفَس، وتوفَّنا في النور، واحشرنا مع أهل النور، من (نُورُهُم یَسعَى بَینَ أَیدِیهِم وَبِأَیمَانِهِم) [التحريم:8]، يا عزيز، يا غفور، يا أرحم الراحمين.

 

اتباع حبيب الله ﷺ والسلام عليه

  • وانظر كيف تستقبل الليلة هذه وما بعدها في هذا الشهر:
    •  في صلتك بسننه،
    • وفي صلتك بآدابه،
    • وفي صلتك بأخلاقه،
    • وفي صلتك بشريعته ودينه.

 

وكان كما سمعتم بعض العارفين فيما روي عنهم يقول: إن السلام على الحبيب ﷺ، لمَّا تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، يُسلِّم الله عليك، ويسلِّم رسوله عليك. قال: لماذا عَظُم شأن السلام؟ قال: لأنك إذا سلَّمت عليه، فمعناه: شريعتك وسنتك في أمان مني؛ ما أغيِّرها، ولا أبدِّلها، ولا أخالفها. قال: وهذا محل سرور لقلبه ﷺ. تقول له: السلام عليك. يعني: أنت سلَّمت على النبي، ثم تلعب بسنته؟ وتخالف أمره؟! ما هذا! كيف السلام؟!

  • معنى (السلام عليك): أنا على ما جئت به، مُسلِّم مُستسلم.
    • سلام عليك: من جهتي؛ ما تمس شريعتك، ولا دينك، ولا سنتك، ولا أحدا من جهتي يخذُلك في هذا الدين وفي هذا السلام عليك.

 

  • ولهذا عَظُم شأن السلام على محمد ﷺ.
    • وهو يقول: "ما من مُسلِّم يُسلِّم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام"، يا رب صلِّ عليه.

 

يقول له -سبحانه- في بعض ما أوحى إليه: "أَلَا يَرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ مَرَّةً إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا؟ ولا يسلِّم عليك أحد من أمتك إلا سلَّمت عليه عشرًا". ربُّ العالمين يُسلِّم على مَن يسلِّم على الحبيب الأمين ﷺ.

 

السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته

السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته

السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته

عنَّا وعن والدينا، وعن أهلينا، وعن أولادنا، وعن أصحابنا، وعن أحبابنا، وعمن والانا فيك، وعن المؤمنين والمؤمنات، من الله الرحمن الرحيم.

 

اللهم اقبل منا ذلك، وسِرْ بنا في أشرف المسالك، واجعله من أبرك الشهور علينا.

 

ماذا تنوي في ربيع الأول؟

  • ماذا تنوي فيه؟
    • ما عاد تفوتك جماعة فيه.. هذه نية صالحة تسر قلبه.
    • ما عاد يفوتك قيام ليل فيه.
    • ما عاد يفوتك كثرة صلاة عليه ﷺ.
    • ما عاد تفوتك سُنة الضحى، ولا رواتب الصلوات.
  • إنوِ مثل هذه النيات هي التي يسر قلبه -عليه الصلاة والسلام-، وهذا الذي تتصل به.
    • ولا تترك في بيتك شيئًا مخالفًا لشريعته ولا لمنهجه!
      • لا صورة، ولا لباسًا، ولا مكتوبًا ومنظورًا، ولا شيئًا من البرامج التي تخرج عن سبيله.
      • طهِّر دارك، وطهِّر بيتك منها.
      • اجعل بيتك محلاً لسنته، ومحلاً لشريعته، ومحلاً لأخلاقه، ومحلاً للاتباع له ﷺ.
  • شرَّفنا الله وإياكم بذلك، وشرَّف الله ديارنا ومن فيها باتباع حبيبه ﷺ.

 

الدعاء

الله يجعله من أبرك الشهور علينا، الله يجعله شهر فرج لأمته أجمعين، ودفع لشر المفسدين والطاغين والباغين، وشر أعداء الدين وأعداء المسلمين، وأعداء الهدى الذي جاء به حبيبك الأمين. ادفع شرهم عنا وعن جميع الأمة.

وعجِّل بنشر الهداية في المشارق والمغارب، واجعلنا مفاتيحا للخير مغاليقا للشر، وأصلح لنا ما بطن وما ظهر. وأرِنا في الأمة في هذا الشهر ما تقرُّ به عين نبيك، وما يسرُّ به قلب نبيك، وقلوب الصالحين وأرواح الصالحين، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

01 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

13 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية