عجائب نور الهدى وامتداد آثاره في الأحوال إلى دار المآل وحيازة النجاة به والفوز الأكبر

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 7 ربيع الثاني 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان:

عجائب نور الهدى وامتداد آثاره في الأحوال إلى دار المآل وحيازة النجاة به والفوز الأكبر

تضمنت المحاضرة:

  •  أنوار الهداية وثمراتها إلى يوم اللقاء
  •  علامات الخُسر وأسباب النجاة
  •  الحذر من اتباع السُّبُل المتفرقة
  •  السبيل الذي اجتمع عليه الأنبياء
  •  الاستجابة للنداء وحقيقة الحياة الطيبة
  •  ثمرة الاتباع: المحبة والنور في كل حال
  •  امتداد التبعية إلى الحياة اليومية واللباس
  •  ربنا أتمم لنا نورنا

نص المحاضرة مكتوب:

الحمد لله على ما أشرق مِن أنوار هُداه، (وَيَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، اللهم اهدنا فيمن هَدَيت، أرسلَ إلينا عبدَه المختار محمداً نبيَّ الهدى، بالحقِّ وبالهُدى، (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ). 

فصلِّ اللهم وسلِّم على عبدك الأمين المأمون سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومَن بهديهِ يهتدون، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، ساداتِ من (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرَّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودِك يا أجود الأجودين.

أنوار الهداية وثمراتها إلى يوم اللقاء

وأنوار هداية الله تبارك وتعالى تتزايد لكُلِّ من هداه الله، ولا يزال الأمر كذلكم إلى يوم اللقاء، وإلى يوم الجزاء والقضاء، (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا). 

نَسَبَ النورَ إليهم لمّا أكرمهم به وخصَّصَهم به، وما هو إلا نور نبيِّه ﷺ، وما نور نبيّه إلا نوره جل جلاله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، جل جلاله وتعالى في علاه.

ولكن هذا النصيب من نور الهداية، وبه السلامة من الغواية، وبه الارتقاء في مراتب الوِلاية، وبه إدراك شرف النبوة والرسالة للأنبياء والمرسلين، وإدراك حقائقَ في هذه الخلائق، ترجع إلى الاستعداد للقاء الخالق جل جلاله، ونيل رضوانه سبحانه وتعالى، والحصول على عَفوه ومغفرته ومُسامحته، (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ)، جل جلاله وتعالى في علاه.

علامات الخُسر وأسباب النجاة

كلّ من لم يهتدِ بهذا النور إلى هذه الحقيقة فهو القاصر، بل هو الخاسر والعياذ بالله تبارك وتعالى، وعلامته: أن يكون في خلال الحياة ضعيفَ إيمان، أو عديمَ إيمان والعياذ بالله تعالى، وأن يكون قليل العمل الصالح، أو عديم العمل الصالح، أو أن يكون غيرَ ذي تواصٍ بالحق والصبر، وهذه علامة الخُسر: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

فَمِن لازِمِ نور الهداية أن يتعلَّق القلب بزيادة الإيمان، ويطلبهُ في كل آن، وأن يواظب ويواصل الأعمال الصالحة في تبعيّة الذي خاطبهُ الرب وقال له: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

فيغتنم العمر القصير بمواصلة الأعمال الصالحة بكل ما استطاع، حتى لا يتعرّض للحسرة في المعاد، "وليس يتحسَّر أهل الجنة في الجنة على شيء، إلا على ساعة مرَّت بهم لم يذكروا الله فيها" جل جلاله وتعالى في علاه، ألزَم الله قلوبنا ذكرَه، وجعلنا من أهل شُكره، ووفَّقنا لحُسن عبادته.

الحذر من اتباع السُّبُل المتفرقة

في تواصُل زيادة الإيمان والعمل الصالح، تقوم قائمة التواصي بالحق والصبر؛ للحذر من الانحراف، للحذر من الخروج عن الجادّة، للحذر من تلبية دواعي النفوس، ودواعي شياطين الإنس والجن، ودواعي الدنيا: (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ).

أنواع السُّبُل: كل دعوة في فكر أو خُلُق إلى غير ما بعث الخالقُ به سيدَ الخلق، فهو من السُّبُل التي تفرِّق عن الدين، وتُبعِد عن الدين وعن حقيقة الدين: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ).

إن عرضوها عليك في قالب نظرية، أو سمَّوها حقيقة علمية -وأين هُم من العلم، وما عَلِموا خالقهم الذي خلقهم جل جلاله؟! ولا عَلِموا لماذا خُلِقوا، فأين هم من العلم؟ أين هم من حقيقة العلم؟- أو سمَّوها لك حقيقة علمية، أو سمَّوها لك فكرة، أو سمَّوها لك نظاماً، أو سمَّوها لك ابتكاراً أو اختراعاً؛ كل ما خالف منهج حبيب الرحمن فهو من السبل التي حُذِّرنا منها من قِبَل الإله الحق في نص القرآن: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ).

السبيل الذي اجتمع عليه الأنبياء

فالسبيل واحد، عليه ملائكة السماوات: توحيد الرحمن، والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وبأن المُلك مُلكه، والأمر أمره، وأن لا شيء أعلى ولا أجلَّ من رضاه، وأنّ جميع الخيبات والخسران والآفات والعذاب في معصيته ومخالفته جل جلاله.

وأنّ الشأن الأخطر في الموجودات شأنُ المكلَّفين من الإنس والجن، وأن الله رتَّب على تكليفهم وتشريفهم -بإرسال الرُّسُل فيهم وإنزال الكتب عليهم- عظمةَ الإرادة في الخلق والإيجاد، ودوامَ نعيم هؤلاء بلا نفاد، ودوامَ عذاب الذين خالفوا وانحرفوا ورفضوا هدى الله تبارك وتعالى أبدَ الآباد، والعياذ بالله.

هذا دين أهل السماء، الملائكة كلهم، وهو دين آدم عليه السلام، وهو دين شِيث بن آدم، وهو دين إدريس، وهو دين نوح، وهو دين من بينهم من النبيين إلى سيدنا الخليل إبراهيم، (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) عليه صلوات الله وتسليماته، وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وجاء سيدُهم ﷺ. 

ونحن بفضل ربنا نُصبِح ونمسي على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى ملة أبينا إبراهيم، وعلى دين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فيا رب ثبِّتنا على هذا الدين، وأشرِق في قلوبنا من أنوار الهداية ما به نَسلَم من كل غَواية، وما به نغنم العمر القصير لموجِب النعيم الكبير والمُلك الكبير، والعطاء العظيم الوفير، في مرافقة النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، (وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا). 

بِحَقِّك عليك لا تُخرجنا عن رفقتهم، ولا عن زُمرتهم، ولا عن مُصاحبتهم، ولا عن الخلود في الجنة معهم يا الله. 

(وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا)، وإنما ذلك بحبال الاتصاف بصفاتهم، والتشبُّه بهم، والاقتداء بهم، هذه أسباب الربط بهم، أسباب المرافقة لهم: الموافقة. 

من شرط المرافقة الموافقة: أن نوافقهم في استحسان ما استحسنوه، ولا نُبقي أنفسنا لأهوائنا ولشهواتنا، ولا لسَقَطةٍ من شِرار خلق الله على ظهر الأرض يُحَسِّنون القبيح، يُقبِّحون الحَسَن.. كذبوا وخابوا، وخاب من صدَّقهم، وخاب من اتَّبعهم.

الاستجابة للنداء وحقيقة الحياة الطيبة

قال تعالى في القائمين على السُّبُل التي تفرِّق عن الدين: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، أي: الذين يتصدَّون لتحسين المنكرات والباطل والسوء، والذين يدعون إلى الشر، وهم أكثر الخلق، ومنهم الصِّنف المُتعلِّق بالشهوات التي يُرْدُون بها الخلائق. 

وقال تعالى: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)، (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) -الحقَّ والحقيقة- (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)؛ في فكركم، وفي سلوككم، وأخلاقكم، وعلى هذا يشتغلون.

رَدَّ الله كيدهم في نحورهم، وصرف شرَّهم عنا وعن الأمة أجمعين، ورزقنا الإصغاء والاستماع لدعوته تعالى على لسان رسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ).

حياة الهناء الأرفَع، حياة الذوق الأطيَب، حياة الإدراك للحقيقة، حياة القُرب من الرب، حياة ذوق حلاوة الإيمان، حياة الاستعداد لأشرف درجات دار المعاد، هذه الحياة الكريمة. 

(إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، وهي الحياة الطيبة التي قال عنها في الآية الأخرى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، يقول الرحمن بلام التوكيد ونون التوكيد ونون العظمة: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ)، قال أنا سأتولى إحياءه حياةً طيبة. 

وهذا تطيب حياته في مختلف الظروف، في مختلف الأحوال، في أي زمن عاش، في أي مكان عاش، وهو من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ذكراً كان أو أنثى، ما يعرف إلا الحياة الطيبة، لا يغلبه هوى ولا شهوة، ولا تلتبس الأمور عليه، ولا تلعب به تيارات يمين ولا يسار.

ثمرة الاتباع: المحبة والنور في كل حال

تَبَع المختار، نور في أنوار، وغيث مِدرار، من الكريم الغفار، ورفعةُ درجات، وصلاحُ حالات، وذوقُ مودّات، واستعدادٌ للقاء رب البريّات.

إن كان الناس في حروب، أو في كروب، أو في خطوب، أو في أمن، أو في استقرار، أو في طمأنينة؛ هذا حياته طيبّة من هذا النوع العالي، من هذا النوع الرفيع، حياته طيبة وموته أطيَب؛ لأن الله قال: (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ). 

نسأل الله خير الحياة وخير الوفاة وخير ما بينهما، ونعوذ به من شر الحياة وشر الوفاة وشر ما بينهما، يا رب أشرِق في قلب كل حاضر معنا وسامع لنا، ومشاهد لنا ومتعلق بمجمعنا، نور الهداية الكبرى، الذي يزداد في الدنيا وفي الأخرى، برحمتك يا أرحم الراحمين.

قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا). لا والله ما استووا، (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ). لا والله ما استوت.

ولكنَّ حيازة هذه الأنوار، وهذه العطايا الكبار من الرب جل جلاله، بتلبية النداء ونور الهدى، واتباع حبيب العالِم بما خفي وما بدا، محمد بن عبد الله ﷺ: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، جل جلاله وتعالى في علاه. 

فتنوَّرْ في باطنك بنور هذا الهدى واتّباعه، أنت في أي جلسة تجلسها وأنت على سِرِّ اتباعه أنت مرفوع القدر، أنت مُهيَّأ للحياة الطيبة، أنت مُرقًّى في مراقي القرب، وإن صليت كذلك، ولو رحت إلى بيتك؛ طريقة مسارك إن ارتبطت بالتبعية، أنت في خطواتك لك حَظَوات، كل خطوة حَظْوة، كل خطوة حَظْوة. وإن انقطعتَ انقطعتْ، وإن اتصلتَ خُذ، خُذ على كل حركة، خُذ على كل سكون، من عطاءٍ غير ممنون، بسرِّ متابعة الأمين المأمون ﷺ.

(فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، أعظم مِما يقول: يدخلكم الجنة، أعظم مما يقول: يعطيكم العافية والصحة، أعظم مما يقول: يَهَبُكم الحور والقصور.. (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)!

إذا أحبَّك ماذا بقي؟ ما سيعطيك إياه من النٍِعَم والمِنن والمواهب! إذا أَحَبَّك الذي بيده ملكوت كل شيء؟! (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ).

امتداد التبعية إلى الحياة اليومية واللباس

نسأل الله أن تقوم هذه التبعيَّة، تمتدَّ حبال التبعيّة له في أحوالنا كلها، حتى في لباساتنا، كم من مُستعبَدٍ في لباسه من رجال ونساء! هم مسلمين، لكن مستعبَدين لغير الله، وتابعين لغير مصطفاه في لباسهم؛ موضات، وتَبعَ الساقطَ الفلاني، والهابطَ الفلاني، والمغضوبَ عليه الفلاني، مسكين، منقطع! بل ربما ترادفت عليه الظلمات بهذا.

وهو لو بنيَّة صالحة، ونوى ستر العورة، وامتثال أمر الله، والتجمُّل بنِعَم الله، وبما آتاه من ملابس: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا)، وتشوَّف للباس الأفخر: (وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ) ، يتحوَّل هو ولباسه إلى صِلات ومواصلات، وارتقاءات في الدرجات.

وكم مِن عبد مسلم كُلُّ لباساته من أولها إلى آخرها درجاتٌ له، وكلها رفعة له؛ لأنه اتصل، اتصل بالمتبوع، اتصل بالمُقتدى.

ما ينطلق فيها بِمُجرّد طبع ولا شهوة، لكن يعرف أنه عبد وهناك أوامر، وهناك قدوة، يقتدي ويهتدي، كم من رجل وكم من امرأة، حتى ألبستُهم في ميزان حسناتهم تدخل؛ لأنهم ما لبسوها بَطَراً ولا أَشَراً ولا رياءً ولا مفاخرة، ولبسوها عبوديةً، ولبسوها في تبعيّة.

وهكذا وحتى في طعامك، وحتى في شرابك، اتصل بهذا الأصل، ولك من الله فضلٌ في كل قول وفعل، وكل حركة وسكون. وهذا عرض الرحمن علينا للربح الأكبر، وللفوز الأعظم.

ربنا أتمم لنا نورنا

هذه مِنَّة الإله علينا التي عُرِضَت بواسطة الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. 

فيا فوز المُهتدين، ويا فوز المُقبلين، ويا فوز المُتوجِّهين. وإليه سبحانه وتعالى نتوجَّه أن يُشرق أنوار الهداية في قلب كل واحد منا من الحاضرين والسامعين، ومن أهالينا، ومن أولادنا، ومن قراباتنا، ومن جيراننا.

يا ربِّ عُمَّنا بأنوار الهداية، واحفظنا من كل انحراف وزَلَل وغلط وغواية، يا مُجيب الدعوات، يا منزل الآيات، يا مُرسِل خير البريّات، أذهِب عنا الظلمات، نوِّرنا بالأنوار الزاهيات الباهيات؛ حتى نُحشَر يوم الميقات في زُمرة خير البريّات، الذي قلتَ عنه في صريح الآيات: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ)، وقُلتَ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) فبحقه عليك اجعلنا مع الذين معه، واجعل أهلينا من الذين معه، واجعل أولادنا وذرارينا وطلابنا وأحبابنا من الذين معه.

(يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

ونحن يا ربنا ندعوك بهذا الدعاء، فاجعلنا من أهله يوم اللقاء، وادعوه جميعاً وتوجَّهوا بقلوبكم وكلياتكم إليه، وقولوا: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

ولو لم يبتدئكم بنورٍ ما حضرتم المحضر، ولا استمعتم، ولا أنصتُّم، ولا نويتم الخيرات، لكنه جعلكم في خير أمّة، وأعطاكم الإسلام، وجمعكم في المجمع حيث تنزُّل الأنوار، فادعوه: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). 

(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). 

(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

فاجعلنا معه يا الله، في الحياة، وعند الوفاة، وفي ذاك اليوم، اجعلنا في الذين معه يا الله، بوِّئنا أعلى مراتب المعيَّة له في مواقف القيامة كلها يا الله، وعند المرور على الصراط، وعند دخول الجنة، وفي الفردوس الأعلى، وفي ساحة النظر إلى وجهك الكريم. 

يا الله اجعلنا معه، يا الله اجعلنا معه، يا الله اجعلنا معه، ولا تفرِّق بيننا وبينه، (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

07 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

17 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية