حِكَم خلق الزمان والمكان ونتائج ما يجري فيهما وشرف الظفر بفضل الله والاتصال بمصطفاه

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 8 ربيع الأول 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان:

حِكَم خلق الزمان والمكان ونتائج ما يجري فيهما وشرف الظفر بفضل الله والاتصال بمصطفاه

نص المحاضرة مكتوب:

 

طريق التحقق بالذكر والشكور

الحمد لله (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا..)،

  • وطريق التحقُّق بالتذكر والشكور في: الاتصاف بأوصاف عباد الرحمن الذين أتبعَهم الذكر بعد هذه الآية، قال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان:62-63].
    • مِيزَانٌ؛ بين أقوال هؤلاء وهؤلاء، فوارق أساسية؛
    • ما يخرج من هؤلاء إلا القول الرصين، إلا القول الحسن، إلا القول الجميل، إلا القول الذي فيه الرحمة، وفيه الهدى، وفيه الدلالة على الحق، وفيه ضبط النفس وفيه إرادة الخير للأمة.

وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما

  • فهذه مقالات الأنبياء، وهذه مقالات أتباعهم من عباد الرحمن(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا).
  • قال سيدنا عيسى بن مريم: كلٌّ يُنفِق مما عنده.
    • لمَّا كان يدعو لواحد يسبّه، فسبّه ثاني مرة فدعا له، فثالث مرة فدعا له، قال الذين معه: يا روح الله! هذا ما يمدحك وأنت تدعو له في كل مرة؟! قال: كلٌّ يُنفِق مما عنده.

 

  • (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ)
  • والجاهلون يستَفِزُّون،
    • والجاهلون يطلبون الأقوال البذيئة واللَّاذعة، يُخاطبون بها المؤمنين، 
  • والمؤمنون يقولون سلامًا (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا).
  • وصَف منهم مَن آمن مِمَّن كانوا على عِلم بالنصرانية وهداهم الله على يد الحبيب ﷺ، وجاءوا وصار يتكلم عليهم بعض المشركين ويدعونهم إلى الانقطاع عن رسول الله ﷺ، ويتكلمون بالكلام البذيء، قال -سبحانه وتعالى- يقولون على هؤلاء الجاهلين: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [القصص:55].
    • لا نبتغي أسلوبهم ولا التنَزُّل إلى حقارتهم وما هم فيه (لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)، واهتدوا بهدي الحبيب الأمين صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله.

 

كيف يضبط المؤمن كلامه؟ (قصة سيدنا أبي بكر الصديق)

ولم يزل ضبط هذا القول للمؤمنين الذين يسمعون كلام الخلَّاق (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:17-18]. فيحذَرون من كلمة تهوي بصاحبها في النار -والعياذ بالله تعالى-، كلمة تَحرِم صاحبها الإيمان عند الموت! كلمة توقع صاحبها في الَّلجْلَجَة عند السؤال في القبر! بسبب كلمة قالها ما بالى بها!! وهي تبلغ من سَخَطِ الله جل جلاله.

لهذا حَذِرُوا الكلام على الناس وحَذِرُوا الكلام على الدين! (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل:116-117].

ولذلك كُلِّهِ رَأَيْنَا الصديق -عليه رضوان الله- سُئِلَ عن معنى (الأَبَّ) في قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) [عبس:31]، ما كان مستحضرا معناها تلك الساعة، قال: أي أرض تُقِلُّنِي وأيّ سماء تُظِلُّني إن قلتُ في كتاب الله برأيي! لا أعرفها، اسأل غيري عنها!

خليفة رسول الله أبو بكر الصديق -عليه رضوان الله تعالى- ما رضي يتكلم في كلمة واحدة في القرآن ما استحضر معناها، قال: أي سماء تظلّني؟ وأي أرض تقلني وتحملني؟ إذا قلت في كلام الله برأيي!!

  • والنبي ﷺ يقول: "مَن قال في القرآن برأيه فَلْيَتَبَوَّأْ مقعده من النار".
    • لأن نصوص الله وكلام الله ورسوله ما هو لعبة لأحد، ولا عُرضة للأهواء، ولا للأغراض، ولا للشهوات، ولا للسياسات، ولا لشيء من هذه الأهواء المختلفة،
    • ولكن فوق ذلك كله؛ هو هُدًى، وهو نور، وهو تذكير، وهو تطهير، وهو تنوير،  يقول -جل جلاله وتعالى في عُلاه-: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر:22].

 

التعرض لرضوان الرب

  • وبذلك وجدتَ خيار الأمة يهرعون إلى مثل هذه المجالس التي فيها كلام الله وكلام رسوله، والصلاة على النبي محمد ﷺ، والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.
    • هذه الأقوال التي جاءت النصوص بأن أصحابها يتعرضون لرحمة الرَّب، ولرضوان الرب، وللقرب من الإله ورسوله!
  • وكم من كلمة من رضوان الله يقولها الرجل لا يظن أن تبلغ به ما بلغت، يكتب الله بها رضوانه حتى يلقاه.
    •  رضوانه إلى أن يلقاه! بكلمة أرضى بها الله سبحانه وتعالى! أرضى بها ربه جل جلاله!

 

شهر ولادة سيد الأكوان ﷺ

فخُذ الميزان يا أيها الإنسان المؤمن بالرحمن، وما أَنْزَل من القرآن، وما بَعث به سيد الأكوان الذي شَرَّفَ اللهُ بِهِ شهر ربيع الأول، جعله لبروزه ولظهوره ولولادته ولمجيئه إلى هذا العالم صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله..

شهر السعادة وُلِدَ فيه خيرُ عبدٍ اتَّصَل *** ونهار مولده سُمِعَ في السماء له زَجَلٌ

صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله..

قد كان مولده والمبعث بأرض البِطَاح *** وساعة الوضع صار الليل مثل الصباح

والكون لبَّاه بالتّشميت له حين صاح *** فإن طَرِبْنَا فما في ذا الطَّرَب مِنْ جُنَاحٍ

صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، فجاءنا بالنور والهدى..

 

بداية الاحتفال بمولد النبي ﷺ وتشريفه

وسمعتم قول عمه العباس:
وَأَنتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ *** وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الْأُفُقُ

فأنْعِم به.

ما يستحون على أنفسهم يقولون: ما احتفلوا الصحابة بمولد النبي! وهذا ايش؟! ايش يُسمى هذا؟ أيُستهزأ بقول العباس بن عبدالمطلب؟! ما تستحي على نفسك؟!

ما هو في شهر ولا في سنة، أعمارهم كلها محتفلين بمولده وبمبعثه وبسيرته وبغزواته، الصحابة من رؤوسهم إلى أقدامهم احتفال بمحمد وتعظيم لمحمد ﷺ، وذكر لأخباره.

وهو ﷺ كان يذكر هذا، أحدهم يسأله عن صومه الإثنين قال له: ولدتُ أنا في هذا اليوم. وليش يذكُر الولادة؟ من أجل ما نصلِّح مولد يعني؟ ولا ايش؟ قال: "ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ". وما سأله أنت أي يوم ولدت؟ ما قال أنا بصوم يوم الإثنين؟ قال: "ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ"، ولادتي فيه. وإذا لا يوجد لولادته معنى ولا أثر، ما هذا الكلام؟ لعبة؟ (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4]، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

  • "ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ"،
    • ولنِعمَ الصوم فيه!
  • وجاء في غير صحيح مسلم في الروايات الأخرى في السنن:
    • "وفيه أُنْزِلَ عَلَيَّ"،
    • "وفيه أُسْرِيَ بِي"،
    • "وفيه هاجرتُ"،
    • "وفيه أتيتُ طيبة".
  • أي أنا أحداثي في حياتي ترتبط بالأيام، وتكون لها ذكريات، ويكون لها شأن من خلال وجوده فيها.
    • هو بنفسه لما ذكر لنا فضل يوم الجمعة، قال: "وفيه خُلِقَ آدم".
    • إذن خلْق الأكابر عند الله إذا جاء في وقت؛ تشرَّف الوقت وصار للوقت ميزة.
    • وآدم تحت لوائه، فالوقت الذي يُخلَق هو فيه أعظم من الذي يُخلق فيه آدم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

 

تحول الأزمنة والأمكنة إلى تشريف

فالحمد لله الذي أكرمنا به.

  • وبه تُقَوَّم قلوبنا فتُقَوَّم ألسنتُنا وأبصارُنا وأسماعنا على منهاجه ﷺ.
    • وبذلك تتحول الأزمنة لنا إلى مواسم، والأمكنة كذلك.
    • والزمان يشهد، والمكان يشهد، يقول تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا..) في القيامة، (..وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا..)، كل ما في بطنها من أجساد الناس والذي يحييها الله -تبارك وتعالى-، وكل ما في بطنها من الدفائن والكنوز وغيرها، (وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) [الزلزلة:1-4].
      • الأماكن تَشهَد لك أو عليك.
  • مَن استجاب لنداء الله زمنه يُعمَر ومكانه يُعمَر.

وصحَّ في الحديث: إذا مرَّ الذاكر لله بطريق، نادى الطريقُ الطريقَ الآخر: هل مَرَّ بك اليوم رجل يذكر الله؟ في أحد مر بك يذكر الله؟ فيُجيبه: "مَرَّ بي اليوم رجل يذكر الله"، يفتخر الطريق! الأماكن تتشرف بهم، أماكنهم تتزين وتتنوَّر، وأزمنتهم كذلك.

وسبحان خالق الزمان والمكان! وكلها مخلوقة لله -تبارك وتعالى-: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا..)،

 

نتيجة ما يجري لكل مكلف

بعد ذلك نتيجة ما كان منكم من حين ما كُلِّف أحدكم وبلغ حد التكليف إلى حين أن يُتوفَّى، تأتي الحصيلة: (..وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ..) كتابه الذي فيه أخباره، نياته ومقاصده، وحركاته، وأقواله وأفعاله، ونظراته ومسموعاته، حركاته وسكناته، في البيت وخارج البيت، وفي الشارع وفي السوق وفي السيارة وفي الطائرة.. حيث ما كان قدامه (..وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ..) [الإسراء:12-14]، هذا عملك ولا عمل أحد ثاني؟ تُنكر شيئا من هذا؟ قلت كذا، فعلت كذا، نويت كذا، خاطبت فلان بكذا، رفست ودحقت برجلك كذا، دخلت في مكان غيرك بلا إذن، حمَلَت متاع غيرك في يوم كذا مكان كذا، تشوفه موثَّق بالمكان والزمان.

وأهل الدنيا يقولون: نُوثِّق توثيقا! ما يحتاج توثيقا ولكنها صورة قدامك، وفي حالة تناوله للمُحرَّم، في حالة فعله للمنكر.. قدامه، مُوثَّق بالمكان والزمان والهيئة، حتى مَن لم يعف الله عنهم وأراد فضيحتهم؛ على عدد سيئاتهم صور.. واحدة، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ألف، ألفين صورة.. تُنشر قدامه، ويُفضَح بها بينهم

يا ستَّار: استرنا بسترك الجميل!

يقول الله تبارك وتعالى: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم:39]، (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء:14]، (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ..) والعواقب والحسنى والخيرات..لمن؟ (..إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر:52-55]، جل جلاله وتعالى في عُلاه.

 

طلب حفظ أزمنتنا وأمكنتنا

  • فلحظات من العمر تمر بكم في هذه:
    • التعرضات للنفحات،
    • وتقوية هذه الصِّلات الباطنة بالحق ورسوله ﷺ، وما جاء به وتنزيله،
  • والتهيؤ بها والاستعداد للقاء خالق الزمان والمكان!

انظر اللهم إلى أجزائنا وأركاننا من حين خلقتنا،  وأزمنتنا من حين خلقتنا، وأمكنتنا من حين خلقتنا، فلا تجعل فيها شاهدًا علينا، لا تجعل فيها شاهدًا علينا، ولا سبب فضيحة لنا يوم نلقاك، يا الله.. يا الله، وما كان مِنَّا من زلل وتقصير فاغفره وسامحنا فيه، وَأَنْسِ الأرض وَأَنْسِ الأمكنة وَأَنْسِ الزمان، وَأَنْسِ الحَفَظَة، وَأَنْسِ الجوارح ما فعلنا من ذلك السوء! ، كفى علمك! وأنت أستر بنا من غيرك، أستر بنا من من الأولين والآخرين، أستر بنا من آبائنا وأمهاتنا، أستر وأرحم وأرأف بنا من أنفسنا لأنفسنا!

فيَا رحمن: ارحمنا، فإنا آمنا بك وبرسولك وتوجهنا به إليك؛ أن لا تُبقِ في أزمنتنا ولا أمكنتنا شاهدًا علينا يوم القيامة، ولا سببًا لكشف عيبنا وعوراتنا يوم الطامة، ولا تفضحنا يا مولانا في حاضِرِ القيامة بموبقات الآثام، واعفُ عنا ما ارتكبنا من الجرام، وارحم بالقرآن العظيم في موقف العرض عليك ذُلَّ مقامنا، وثبِّت به عند اضطراب جسور جهنم يوم المجاز عليها زَلَّةَ أقدامنا، ونَجِّنَا به من كُرَبِ يوم القيامة وشدائد أهوال يوم الطامة، وبيِّض به وجوهنا إذا اسوَدَّت وجوه العصاة في موقف الحسرات والندامة.

  • ذِكْر ذاك اليوم بالإيمان واليقين والتضرع إلى الله ينفع كثيرا.

 ولما سأل الصحابة عن رجل كان له شيء من المعروف الظاهر وهو مشرك ومات على الشرك وقد وصلته الدعوة، فسألوا النبي ﷺ: هل ينفعه هذا في الآخرة؟ قال: "إنه لم يقل يوما: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين". أي ما ذكَر يوم القيامة بإيمان ويقين ولا قال اغفر لي في ذاك اليوم. أمَّا الذين يقولون هذا هم الذين تنفعهم أعمالهم، ولا تصيبهم فضائح القيامة، ولا عذاب القيامة، ولا شدة يوم القيامة.

  • لأن القيامة وأهوالها بحُكمه وتحت أمره -جل جلاله-، ومَن أمَّنَهُ أَمَّنه -سبحانه وتعالى-. 
  • والملائكة تتلقَّى طوائف من هؤلاء الصادقين المخلصين (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت:30]،

 

هذا يومكم الذي كنتم توعدون!

(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ..)، الفزع الأكبر سمَّاه ربك أكبر! لا تَقِيسُه بقنابل، لا تَقِيسُه بأسلحة نووية، هذا عذاب أكبر وخوف أكبر وفزع أكبر! (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ)، لم؟ لأنهم أحسنوا الصِّلَة بالإله الأكبر، ولا يقدر عليهم فزع أكبر ولا غيره (..لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء:101-103]، يوم الذي وعدكم الله يغفر لكم، ويتجاوز عنكم، ويعفو عنكم، بل ويُشَفِّعكم ويربطكم بأنبيائه، هذا هو اليوم حقكم، اطمئنوا (هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ).

  • فإذا كان هو يوم المقربين،
    • فكيف بالأنبياء؟
    • فكيف بسيدهم ﷺ؟
      • اليوم يومه: "أنا أول من تنشق عنه الأرض"،
      • "أنا أول من يمر على الصراط"،
      • "أنا أول من يأتي باب الجنة ويُحَرِّك حَلَقَهَا"،
      • "أنا أول شافع وأنا أول مُشَفَّع".
    • هذا نبيكم، بِهِ شرفكم وعزتكم.

يا رب صَلِّ عليه واملأ قلوبنا بمحبته، وارزقنا كمال الرابطة به، واجعل لنا زيادة في شهر ذكرى ميلاده، وفي جميع حياتنا، وفي جميع أيامنا وليالينا، وكل ساعة من ساعات أعمارنا اجعل لنا زيادة من الرابطة به، والصلة به، والمحبة منه، والمحبة له، لك ومن أجلك يا حي يا قيوم، يا أرحم الراحمين.

 

وصف قوم يحبهم الله ويحبونه

والذين أشرت إليهم في كتابك عند وجود الارتداد والانزلاق في مهاوي الكفر والزَّيْغِ، والتنكُّر لوحيك وكتابك، وتَنتَخِب من بين الخلق مَن تأتي بهم أنت! وصفتهم في كتابك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي..) مَن يأتي؟ (..فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، نسألك تجعلنا منهم، نسألك تجعلنا فيهم، نسألك تجعلنا ممن عنيتهم وأردتهم يا الله..

  • (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)،
    • وإن لم يخرجوا إلى ظهر الأرض من مثل هذه المجالس ورابطتها من أين بيجيئون؟ 
    • الله يأتي بهم من أماكن يقول لأصحابها: "وله قد غفرت لهم، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم أُشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا وأَعَذْتُهُم مما استعاذوا".
      • لن يأتون من طريق كِبر، ولا من طريق غطرسة! ولا من طريق سب، ولا من طريق شتم! ولا من طريق تكفير للناس! ولا من طريق مخدرات، ولا من طريق مسكرات، ولا من طريق ربا!!
      • من أين يأتي بهم ربَّك؟؟
      • يأتي بهم من مثل المجامع، من مثل الأعمال هذه (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ).

 

  • فازوا بمحبتك يا رب فما أسعدهم في الدارين! (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)!

وهذا وصفهم: (..أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ما يتكبرون على مؤمن، ما يؤذون مؤمنًا، ما يُبَيِّتُونَ شرًا لمؤمن، (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) ما يَقدِر الكفار يَستميلونهم ولا يَستذلونهم، لا بتهديد ولا بإغراء، هم أكبر من دنياهم وأكبر من أسلحتهم؛ لاتِّصَالِهِمْ بالكبير الأعلى -جل جلاله-!

(..أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)، وخروجهم هؤلاء في الدنيا، وما أعددتَ لهم المنازل في البرزخ ثم في القيامة ثم في دار الكرامة، كيف جاء؟ قال: (..ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ).

يا صاحب الفضل الذي تؤتيه من يشاء، أَيْدِينَا امتدت إليك، ارحمنا، ارحمنا بصاحب الذكرى في ميلاده في هذا الشهر، ارحمنا بحبيبك أصفى أصفيائك وأحب أحبائك وأعظم أنبيائك محمد بن عبد الله، يا رب آتِنَا هذا الفضل، يا من قلت عن نفسك: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة:54].

 

الدخول في أهل الفضل العظيم

يا الله: اجعل كل فرد من الحاضرين والسامعين ممن تُؤْتِيهِم هذا الفضل يا متفضل، وأهلينا وأولادنا، وطلابنا وجيراننا وأصحابنا ومن والانا فيك وذوي الحقوق علينا، الفضل بيدك والفضل فضلك يا واسع الفضل يا عليم: ائتنا هذا الفضل: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

  • والعنوان لتحصيل هذا الفضل مذكور عندك في الآيات:
    • (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) الولاء لله وللرسول وللمؤمنين، هذا هو العنوان، أن الله أدخلك في هذا الفضل وآتاك هذا الفضل.
    • (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ..)
    • ونتائجهم: (..وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة:54-56]،
      • وهم المنصورون (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات:171-173].
    • (إِنَّا لَنَنصُرُ) اسمع الكلام الحق الذي ينشرح به الصدر، الذي لا يتخلَّف منه ذرة من كلماته: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا).
      • اجعلنا في خواص الذين آمنوا يا رب يا منزل هذه الآيات.
    • (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [غافر:51-52]، والعياذ بالله.
      • المستقبل الوخيم السيء لــ :
        • الكفار،
        • لمن أَبَى دعوة ربه الذي خلقه،
        • لمن عاند رسول الله وأنبياءه،
        • لمن حارب الفضيلة،
        • لمن نشر الرذيلة،
        • لأرباب السقوط فكرا واعتقادا وسلوكا -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
          • دفع الله شرهم عنَّا وعن أمة النبي محمد ﷺ.

 

نداء الله بالصدق والإخلاص

بارِك لنا في هذا الشهر، بارِك لنا في أيامِهِ ولياليه، اجعل لنا كل ليلة خيرًا من التي قبلها، وكل يوم خيرًا من الذي قبله، بل كل ساعة خيرًا من الساعة التي قبلها.

وَوَفِّرْ حَظَّنَا من الدخول في أهل هذا الفضل، يا مُؤْتِيَ هذا الفضلِ مَن شئت، يا واسع يا عليم: يَدُ الفقر والذلة والمسكنة امتدت إليك، وأنت الغني، وأنت القوي، وأنت الرحيم، وأنت الكريم، وأنت الله، وأنت الله، وأنت الله! (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:87]، اجعلنا ممن تُؤْتِيهِم هذا الفضل العظيم.

واجعلنا في أمة هذا النبي ممن تأتِ بهم أنت بعنايتك ورعايتك، تحبهم ويحبونك، تحبهم ويحبونك. والمحبة منك ولك، وهم ما كانوا شيئاً أصلًا حتى خلقتهم وعلّمتهم محبتك، لكن الأصل: أنت تحبهم! أنت تحبهم! فازوا بذلك! (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)!

وإذا قَبِلَ ربي الدعوة في ذيك الليلة: أنت سعيد، وأنت مُهَيَّأ للحُسْنَى والمزيد، وأنت مُهَيَّأ لرؤية وجه خير العبيد.

شرَّف الله بصائركم وأبصاركم برؤية الوجه المنير، وجه البشير النذير، وجه محمد!

ليته خَصَّني برؤيةِ وجهٍ *** زَالَ عَنْ كُلِّ مَنْ رَآهُ الشقاءُ

يا رب صَلِّ عليه، واجعلنا ممن ينظر إليه وهو يُبصِر؛ فيرتقي بهذه الرؤية في المقام الشريف الرفيع يا ربُّ يا بديع. فإن المنافقين والكفار نظروا إليه وهم لا يبصرون (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [الأعراف:198]. لا يبصرون أنك نورنا، لا يبصرون أنك حبيبنا، لا يبصرون أنك الهادي إلينا، لا يبصرون أنك مستودع الأمانة مِنَّا، لا يبصرون أنك المختار من خلقنا، لا يبصرون أنك صَفِيُّنَا من بين الأصفياء (لَا يُبْصِرُونَ)، والعياذ بالله تعالى!

نوِّر بصائرنا وأبصارنا؛ لننظر إليه ونحن نُبصِر بما بصَّرتَ به المقربين من عبادك الصالحين، من أنبيائك ومن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وبما كانت تُبصِر فيه عيون أمهات المؤمنين، وما كانت تُبصِر فيه عيون خديجة بنت خويلد، وما كان تُبصِر فيه عيون فاطمة بنت محمد، وما كان تُبصِر فيه عيون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كانوا يبصرونه شيئا عظيمًا وكبيرًا! صلى الله وسلم عليه وعلى آله. 

يا رب: نوِّر بصائرنا، ونوِّر أبصارنا، وشرِّفها بإيراءته والنظر إليه مُبصِرًا، يا الله... يا الله.

  • نِعمَ الإله الذي تدعونه وترتجونه!
  • وهو أكبر مما أمّلتم ومما رجوتم.
  • أُخَاطِب مثل نفسي القاصرة والحاضرين من الإنس وغيركم الذين معنا كذلك: هو أكبر مما أملتم.
    • حتى أنتم ملائكة ربي: ربي أكبر مما رجوتم لكم أو لنا أو لهذه الأمة.
    • وهو أعظم مما طلبتم وما طَمِعتم.
  • الله أكبر!
  • هو فوق ذلك!
    • وهو الذي جمعنا، وهو الذي وجَّه قلوبنا لتتوجَّه إليه، ورفع أيدينا إليه!

الحمد لله، ما رَمَى بِنَا على باب إنسي ولا جني ولا صغير ولا كبير، وشرَّفنا وأعزَّنا برفع أيدينا إليه!

نِعمَ الإله إلهكم، نِعمَ الرب ربكم!

يا رب: ارحم هذه الأيدي..

وقد مددت يدي بالذل مفتقراً *** إليك يا خير من مُدَّتْ إليه يَدُ
فلا تردنها يا رب خائبة *** فَبَحْرُ جُودِكَ يَرْوِي كُلَّ مَنْ يَرِد


ونادُوه بالصدق لكم ولهذه الأمة ولأحوالها الظاهرة والباطنة، وقولوا: يا الله.. يا الله.

بالصدق والإخلاص قولوا: يا الله،

بالذِلِّة والتواضع قولوا: يا الله،

بالثقة واليقين قولوا: يا الله،

بالرجاء والطمع قولوا: يا الله،

يا الله.. يا الله، يا الله.. يا الله، يا الله..يا الله..

  • آتِنَا الفضل العظيم في عافية ولطف،
  • وَوَفِّر حَظَّنَا من هذا الشهر أيامه ولياليه وساعاته، بل ولحظاته في عافية ولطف،
  • وأرنا فيه ما تَقِرُّ بِهِ عَيْنُ نبينا، وما يُسَرُّ بِهِ قلب حبيبك نبينا ﷺ..اللهم آمين،
    • في أنفسنا وفي أحوالنا وفي أولادنا وفي طلابنا، وفي دوراتنا وفي مجمعنا، وفي تعاليمنا وفي تعليمنا، وفي حطِّنا وفي إقامتنا، وفي أهل الشرق وفي أهل الغرب، أرنا ما تَقِر بِهِ عين النبي، أرنا ما يُسَرُّ بِهِ قلب النبي، أرنا ما يفرح بِهِ فُؤَادُ النبي.. آمين، وتَقِر بِهِ أعين الصالحين من عبادك، وأسمِعنا ذلك يا مَلك الممالك يا الله، برحمتك يا أرحم الراحمين وَبِجُودِكَ يا أجود الأجودين.

الله الله يا الله لنا بالقبول..

 

تاريخ النشر الهجري

08 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

21 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية