(480)
(368)
(636)
(170)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 15 ربيع الأول 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان:
حقيقة العلم وعظمة الغاية وخطر النهاية ومهمة الخلق ونعمة الإيمان
الحمد لله الخالق البارئ العلي الأعظم، الذي لم يخلق الأرض عبثًا، ولم يخلق السماء عبثًا، ولم يخلق الجن عبثًا، ولم يخلق الإنس عبثًا، ولم يُكوِّن الأجساد عبثًا، ولم يُكوِّن الروح عبثًا -جل جلاله وتعالى في علاه-، والذي أنبأنا عن أسرارِ وحكمةِ خلقه وإيجاده لهذا الوجود؛ أنه أوجد -بالنسبة للمكلفين ومن قضى بإبقائه معهم من الملائكة- أوجد دارين عظيمين جليلين كبيرين، كتب الخلود لكل من فيهما وما فيهما بقدرته وإرادته -جل جلاله-، وجعلها الغاية لكل مكلف؛ أن يَحِلَّ في إحدى هاتين الدارين: الجنة والنار. وأنزل بذلك الكتب وأرسل الرسل.
وكُلُّ مَن بلغته دعوة ربه الذي خلقه على ألسن المرسلين وأتباعهم، ولم يستجب؛ فهو الذي جحد عظمة الربوبية وجلال الألوهية، وظن أنه هو وما حواليه عبث، والخالق أجلَّ مِن أن يَعْبَث!. وظنَّ أن الغاية أكل وشراب وجماع ولذائذ تنتهي، وقصور وديار وما نشاهده بالأبصار، أو ما تُحِسُّهُ الحواس ِمَّنا في هذا العالم! وهذا فِكرٌ قصيرٌ حقيرٌ ساقطٌ!
والحالُ كما قال الخلَّاق: (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الروم:6-7]. وعِلم ظاهر من الحياة الدنيا لا يرفع حقيقة الجهل عنهم، ولا يُخَوِّلهُم شرف النسبة إلى العلم، بل لا يعلمون كما قال، مع كونهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا هم لا يعلمون. أي: العلم بالظاهر من الحياة الدنيا ما يخرجهم من ورطة الجهل وشؤمه، ولا يُهيئهم لأن يُسَمَّوا علماء.
ولذا عجبًا لكل مسلم يغتر بالعلم الظاهر وينسب إلى العلم كفارًا لا يؤمنون بالله واليوم الآخر! عِلم من يشهد "لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" أجل وأجمل وأجزل وأثقل من علوم هؤلاء كلهم. وماذا يساوون عند قلب يشهد "لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"؟ وهم تنكرت قلوبهم لخالقهم -جل جلاله- وأنكرت عظمته، وجحدت نعمته، وما استعدت للقائه!
فيَا رَبِّ واجمعنا وأحبابًا لنا *** في دارك الفردوس أطيب موضعِ
وهم بخططهم كلها؛ الصنف الذين جحدوا، وبعد جحودهم حقدوا، وعادوا المرسلين، وعادوا خاتم النبيين، وأرادوا الإضرار بالمسلمين، بل بالخلق أجمعين. هم مع ذلك كله وتصرفاتهم هذه: يحاولون نشر الفساد والإضرار بالحق والهدى.
ومهما جمعوا ما جمعوا وكانوا ما كانوا: لا يستطيعون أن يوصلوا سوءا بين أي عشيرة ولا قبيلة ولا قرية ولا مدينة من المسلمين إلا بعناصر وأفراد من تلك القبيلة، من تلك القرية، من تلك المدينة. بغير ذلك ما يقدرون بحراسة من فوق للمؤمنين حرس الله بها المؤمنين، بل وأمَّنهم من أن يعمهم بعذاب من عنده (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ..)، واستعاذ ﷺ وأعاذه (..أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) واستعاذ ﷺ وأعاذه (..أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ) [الأنعام:65]، توجه ﷺ إلى الله، قال له الله: هذا سبق القضاء أنه يكون في أمتك.
ولن يُسلَّط عليهم عدوا من خارج أنفسهم حتى يذيق بعضهم بأس بعض، يضر بعضهم بعضًا. فلو اجتمعوا جميعًا من دون أن تُصغي لهم قلوب مريضة وعقول مكدرة وأنفس ضعيفة مغترة، من دون أن يستجيب لهم هؤلاء، لا يستطيعون على إضرارنا ولا على إيصال السوء إلينا.
ولكن أن يجدوا من بيننا من يُغرى، ومن يُخدع، ومن يُشترى ضميره، ويُشترى عقله، وتُشترى وجهته.. بمال أو بمنصب أو بسلطة، أو يُخوف ويهدد فيذل لمن خوفه وهدده وينسى القوي القادر من فوقه -جل جلاله-! بهذه العناصر يصلون إلينا ويضروننا بيننا.
دفع الله ضرهم عنا وعن جميع المسلمين، اللهم آمين.
وجعل كل فرد منا ومن أهلينا مفتاح خير ومغلاق شر، وسببًا لنشر الهدى في البرية..اللهم آمين، ورحمة للخلق.
ويعلمنا الرحمة حتى في هذه المواطن. ومع ذلك تكبروا وتجبروا وقاتلوا وقُهِروا. ولما قُهروا وخرج من ملكهم كل شيء ولم يبقَ لهم شيء، رجعوا يتوسلون يتشفعون عنده. هم الذين آذوه، هم الذين خانوه، هم الذين كذبوه، هم الذين خانوا عهده، هم الذين ألّبوا عليه! ويقولون: لو تبقينا في الأرض هذه، ونحب أن نشغلكم هذا الثمر والزرع ونناصفكم فيه! يعني يتأمن لنا إقامة ووطن ونفقة..
ماذا يقول صاحب الرحمة؟ وكان حقهم بعد كل شيء أن يقول: إذا ما قتلناكم روحوا وشلوا أنفسكم وابعدوا بعيد، وإلا كنتم تستحقون القتل. لكنه قال: نُقِركم ما شئنا وما أقركم الله. يعني إلى حد محدود نعطيكم الفرصة.
وقام فيهم ﷺ، فكان يرسل إليهم سيدنا عبد الله بن رواحة يَخرِص ماذا يخرج من الثمر -وهو أعز ما كان من الثمار في تلك الأيام ومن النفقات والتغذية لهم-، وكان خبيرًا يُحسِنُ التقدير، ويمر على النخيل أول ما يبدو صلاح ثماره، فيُقدِّر: هذه تُخرِج كذا وهذا خرصه كذا، فيُضمنهم نصف ذلك للمسلمين ونصف لهم.
وعلى طريقتهم أرادوا أن يخدعوه ويكيدون ويغروه بشيء، من أجل أن يخفف في التقدير ويجعل الكثير لهم.
أرسلوا إلى النبي يهددونه، يقولون: هذا صاحبك يجحف علينا! والنبي يعرف إيمانه، ويعرف خبرته وصدقه، فقال له: يا عبد الله ما تصنع؟ قال: والله يا رسول الله لا أزيد عليهم شيئا ولا أنقص. قال: على رسلك.
فأرسلوا له بعض المال، قال: ماذا؟ أتريدون أن ترشونني؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة، ووالله لا يحملني حبي له ولا بغضي إياكم على أن أزيد في التقدير حبة ولا أنقص حبة!.عدل. بعض العلماء حقهم كانوا يسمعونه وهو يتكلم، ويقول لبعضهم البعض: بهذا العدل قامت السماوات والأرض. هذا عدل النبيين وأتباعهم.
وهكذا، ولم يزالوا يكذبون ويخونون حتى اعتدوا على سيدنا عبد الله بن عمر وخلعوه، وجاء الوقت الذي يخرجهم فأخرجهم -عليه رضوان الله- بترتيب من النبي ﷺ، وأمرهم عند موته أن لا يبقوا في جزيرة العرب دينًا آخر مهما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ﷺ فهو في دائرة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107ٍ]، رزقنا الله حسن متابعته.
وهذه الحقيقة واليقين -الذي نحمد الله عليه- أن غاية الغايات: خلود وأبد، إما في الجنات وإما في نار الجحيم الملتهبة، لا غير ذلك.
اللهم اجعلنا من أهل جنتك وأدخلنا الجنة بغير حساب.
قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا..) شوف هؤلاء الذين حُجبوا عن إدراك الحقيقة وضاقت عقولهم، ما ذا ظنهم؟ (ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ..) نور ساطع وضياء لامع وحقيقة هدى يهدي الله به من يشاء (..كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص:27-29]. اجعلنا من أولي الألباب.
فيَا رَبِّ واجمعنا وأحبابًا لنا *** في دارك الفردوس أطيب موضعِ
فضلاً وإحساناً ومنًّا منك *** يا ذا الجود والفضل الأتم الأوسع
يا الله: ولا تُخَلِّف أحدًا منا، ولا من أهلينا، ولا من أولادنا، ولا من ذرياتنا، ولا من طلابنا، ولا من أرحامنا، ولا من جيراننا، ولا من قراباتنا، ولا من أصحابنا.
يا الله: أدخلنا جنتك بغير حساب، (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران:191]، فقنا عذاب النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار؛ بأقوى جوار، وخير جوار، وأعظم جوار. يا قدير، يا كريم، يا غفار، يا واحد، يا أحد، يا قهَّار.
يا الله: أسْطِعِ الأنوار في قلوبنا، واشرح بنور الفهم عنك والمعرفة بك صدورنا، وأصلح جميع أمورنا، وثبِّتنا على ما تحبه مِنَّا وترضى به عنَّا.
يا الله: وتدارك أمة حبيبك المحبوب، واكشف عنهم الكروب، وادفع عنهم الخطوب، واغفر لهم الذنوب، وأصلح لهم القلوب، وارفع عنهم سلطة الأعداء، وعضال الداء، وكل سوء أحاط به علمك، يا عليمًا بما خفي وما بدا.
يا الله: يا من يجيب من دعاه ويلبي من ناداه، يا قريبًا لمن يدعوه، يا الله.. يا الله: أصلح الأمة، واكشف الغمة، وابسط الرحمة، وأفض النعمة، وادفع النقمة، ورقِّنا إلى أعلى قمة في الإسلام والإيمان والإحسان والمعرفة الخاصة والمحبة الخالصة، يا رحمن، يا الله، يا أكرم الأكرمين، والحمد لله رب العالمين.
15 ربيع الأول 1448