السلامة من الفتنة وتحول أسباب الهلاك إلى أسباب النجاة والفوز بنور الوحي والنبوة

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 22 ربيع الأول 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان:

السلامة من الفتنة وتحول أسباب الهلاك إلى أسباب النجاة والفوز بنور الوحي والنبوة

نص المحاضرة مكتوب:

 

الحمد لله ذي الجود الأوسع، والفضل الذي لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ في الغيب والمشهد، هو الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، البارئ الفرد الصمد، اختص من بين الخلائق عبده محمدا، وأرسله داعيا إلى الحق والهدى. اللهم أدم صلواتك على المختار المجتبى، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى ملائكتك المقربين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

طلب تدارك الأمة

  • وتدارك أمته بغياثٍ من عندك عاجل، ولطفٍ منك شامل يا أكرم الأكرمين.
    • يَسعدون به بقوَّة الرابطة بك وبهذا المصطفى في الظاهر وفي الخفاء،
    • ويرفعون به رايات الاتباع والاقتداء والاقتفاء،
    • يخرجون به من ورطات التبعيَّة للأشرار والفجار والكفار، ومَن قلتَ عنهم في كتابك: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [الأنعام:116].
      • وفي الظنون والخَرْصِ والوهم ضاعت حياتهم، بل ضاعت عقولهم، فما يتبعهم مُتَّبِعٌ إلا ضاع عقلُه، وضاع عمرُه، وضاعت حياته القصيرة، وتَبِعَها شقاءُ حياة الأبد، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

 

الاستجابة لله ورسوله ﷺ وتجنب خيانتهم

ولقد نادانا الرحمن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال:24-27].

  • (لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ)، وهذه أفظع أصناف الخيانة:
    • خيانة الله -تبارك وتعالى- بــ:
      • ادعاء الشريك له، أو بالتكذيب به، أو بمخالفته ومعصيته.
    • وخيانة الرسول المصطفى محمد ﷺ بــ:
      • إضاعة سنته، وبالعمل بمخالفته، وبإيثار سُنة أعدائه عليه.
    • وتخونوا أنفسكم فتوردونها موارد الهلكة.

 

السلامة من الفتن وجزاؤها العظيم

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [الأنفال:24-28]؛ لمن نجح في هذه الفتنة، وسَلِم في هذه الفتنة، وخرج من هذه الفتنة: فتنة الأموال والأولاد، فتنة المظاهر الجَوْفَاء، فتنة الأفكار المختلفة الغريبة، بِزَهْلَقَتِهَا -ببهرجتها- وزخرفة القول فيها، مَن سَلِم مِن هذه الفتنة وخَلَصَ، فإن الله عنده أجر عظيم؛ حقائق سعادة الدارين، وحقائق شرف الحياتين، وحقائق النعيم المؤبد، ورضوانه الأكبر -جل جلاله-، ومرافقة حبيبه المصطفى محمد ﷺ، يقول -جل جلاله-: (وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).

  • وعماد هذا الخلاص من هذه الفتن كما قال في الآية الأخرى: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ..)
    • فهذا الصنف من الناس مع خروجهم من الفتن يتحول ما هو فتنة من مثل الأهل والأولاد والأموال إلى مَرْقًى لهم في مَرَاقِي السعادة، وإلى قُربة لهم لعالم الغيب والشهادة،
    • (..إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ * وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) [سبأ:37-38]، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

 

  • يقول -جل جلاله وتعالى في عُلاه- في مركز الخروج من فتنة هذه الأشياء في هذا العالم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الأنفال:29]؛ أجر عظيم عنده والفضل العظيم منه سبحانه وتعالى.
  • وكلُّه لمن حوَّل شؤون هذه المظاهر في الحياة الدنيا إلى مجال نجاحٍ له، سلامةٍ له من شرورها وآفاتها، فوزٍ له يتقرب به إلى الله.
    • بينما ينقطع به الكثير، ويُحْرَم به الكثير، ويُحْجَب به الأكثر على ظهر الأرض، يتحوَّل هو إلى متقربٍ إلى الله به، وإلى مُرْتَقٍ في مَرَاقِي وعيه وفهمه عن الله، وعمله بشريعة الله في تبعية محمد بن عبد الله ﷺ.

 

مظاهر الكرامة والإهانة الحقيقية

  • وهكذا جعل الله تعالى في انبساط المال وفي قِلَّتِه فتنة واختبارا؛ لمن وَسَِّع له وبَسَط، ولمن قُتِّرَ عليه.
    • ثم أبطل الموازين التي تحكم أكثر الناس؛ موازين باطلة مناقضة لميزان الحق،
  • قال تعالى: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ..) بمواتاة الأسباب وتيسير شؤون المال (..فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا..)!
    • لا ذا ولا ذا، لا إكرامنا بالأموال ولا إهانتنا بالفقر.
    • وكم من ذي مال أكرمناه الكرامة الحقيقية، وكم من ذي فقر أكرمناه الكرامة الحقيقية.
    • وكم من ذي مال شَقِيَ شقاوة الأبد، وكم من فقير شَقِيَ شقاوة الأبد،
    • فلا ذا ولا ذا، موازين باطلة هذه!
    • قال: (كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ..)، وفي القراءة الأخرى: (كَلَّا ۖ بَل لَّا يُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ) وفي القراءة الأخرى: (وَلَا يحَضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ)،
      • الطاعات هذه مظاهر إكرامنا: إذا سَيَّرْنَاكَ في العطاء والنفع للناس، هذه مظاهر إكرامنا، والإعراض عنا والغفلة هي مظاهر الإهانة الحقيقية.

 

نتيجة الموازين الباطلة في القيامة

(وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا..)، وانظروا إلى ظهور حقيقة بُطلان موازينكم إذا قام يوم الوزن ووُضِعَ الميزان، يقول -جل جلاله وتعالى في عُلاه-: (..كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ..) أي أَمْرُهُ وحُكْمُهُ وحسابه الواضح البيِّن (..وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) [الفجر:15-23]، لها سبعون ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألفا من الملائكة الكبار الكرام، تحيط بأهل الموقف، ويُسمَعُ زفيرها من مسيرة مائة عام، لها تَغَيُّظٌ وزفير، يقول -سبحانه وتعالى-: (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) [الفرقان:12]، اللهم أجرنا من النار.

ومن تغيُّظها: شدة شوقها لإحراق الملحدين والكافرين والمشركين والمعاندين لأمر ربها من المكلفين الذين كانوا على ظهر الأرض، حتى إذا رأتهم تفلَّتت من أيدي الزبانية وأقبلت على أهل الموقف، وفيها يَضِجُّ أهل الموقف، ويقوم ﷺ يقول: ارجعي إلى أيدي الزبانية، فتقول: دعني يا محمد على منَ عصى ربي، فيأتيها النداء من الحق: اسمعي وأطيعي كلام حبيبي محمد، فترجع إلى أيدي الزبانية وتحيط بأهل الموقف من كل جانب، فلا يجعل أحد في الموقف إذا التفت عن يمينه إلا رآها، أو يساره رآها، أو أمامه رآها، أو من خلفه رآها. اللهم أجرنا من النار!

ودعوة الرُّسُل يومئذٍ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ!

صلى الله على زين الوجود محمد، صلى الله وسلم عليه وعلى آله.

وتستأذن ربها تقول: يا رب، فلان وفلان وفلان كانوا شَدِيدِي العِدَاءِ لرسولك ولك ولدينك، أتأذن لي أختطفهم من بين الناس؟ فيؤذَن لها، فتخرج خيوطا كأعناق الإبل منها تختطف فلانا وفلانا وفلانا من بين الناس في الموقف، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-!

اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار.

ويبقى أهل الموقف من أجل العرض على الله، ومن أجل الميزان، ومن أجل إعطاء الصحف بالأيمان أو بالشمائل، ثم المرور على الصراط من فوق جهنم إلى دار الكرامة لمن يُثبِّتهم الله.

ثبِّت اللهم أقدامنا، ثبِّت اللهم أقدامنا، ثبِّت اللهم أقدامنا، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.

 

حقيقة الشرف والكرامة وعظمة تعامل الصحابة

  • هذه الغايات الكبيرة والنهايات العظيمة هي التي بُعِثَ الأنبياء والمرسلون؛
    • لنربح فيها، لنَغنَم فيها، لنفوز فيها، لنِعيشَ غير مغترين بأموال ولا أولاد، ولا بمظاهر عند قريب ولا بعيد،
    • ونعلَم أن حقيقة الشرف والكرامة: عبوديتنا للحق الذي خلقنا وخلق كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، وإليه مرجع كل شيء -جل جلاله وتعالى في عُلاه-.
    • ولذا ربَطَ الكرامة وحقيقتها بتقواه -جل جلاله-: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13].

 

وبذلك ترى هؤلاء الذين استجابوا لدعوة نبينا ﷺ من الأوائل: كيف تعاملوا مع الأموال، كيف تعاملوا مع الأولاد، كيف تعاملوا مع أنظمة الدنيا، كيف تعاملوا مع الأعراف السائدة في قبائلهم ومَن حواليهم؟

وقال له سيدنا سعد بن معاذ -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-: آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحق، فامْضِ لِمَا أَمَرَكَ الله، فوالله لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخُضْتَهُ لخُضْنَاهُ معك، ولو سِرتَ بنا حتى تبلغ بِرْكَ الغِمَادِ من الحبشة لَسِرْنَا معك ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، لعلك خرجتَ تريد أمرًا وأراد الله أمرا، فامضِ لما أمرك الله. رسول الله: واصل حبالَ من شئت واقطع حبال من شئت، ووالِ مَن شئت وعادِ من شئت، وسَالِم مَن شئت وحارب من شئت، ونحن حربٌ لمن حاربتَ وسِلْمٌ لمن سالمتَ، فإنما أمرُنا تَبَعٌ لأمرك.

ولا عاد يحكمنا نظام فارس ولا الروم، ولا عُرف القبائل السائد عندنا، ولا شيء من مظاهر ما في هذا الوجود، فقد آمنا بك يا زين الوجود، وعَلِمنا مَنِ المُوجِدُ الذي أوجد وأننا إليه نعود.

أدركوا جوهر الدين، حقائق الإسلام -عليهم رضوان الله تعالى-، وبذلك تعاملوا، قال: يا رسول الله، ولقد تخلَّف عنك أقوامٌ ما نحن بأشدَّ حبًا لك منهم، ولو علِموا أنك تَلْقَى حربًا ما تخلَّف عنك منهم أحد، فامضِ لما أمرك الله، لعلَّ الله يريك منا ما تَقَرُّ به عينك، وإنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء.

 فاستنار وجهه ﷺ كأنه قطعة قمر، وقال: "سِيرُوا وأَبْشِرُوا بما يَسُرُّكُمْ؛ فإن الله وعدني إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إمّا العِيرَ وإمّا النَّفِيرَ، واللهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلى مَصَارِعِ القَوْمِ".

وعَلِم مَن حوله مِن الأكياس أنه العِير؛ المصارع قدّامهم مصارع القوم، "إني أنظر إلى مصارع القوم". فكان ذلك في يوم بدرٍ حين وصلوا في السابع عشر من رمضان.

صلى الله على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم.

أدركوا حقائق الإيمان والدين، وخرجوا فصاروا مع أموالهم وأنفسهم وأولادهم في خدمة هذا المصطفى.

 

فوز وربح السيدة خديجة بنت خويلد

وقديمًا تعاملتْ بهذه المعاملة خديجة بنت خُوَيْلِد، صاحبة الجاه، صاحبة الثروة والمال، صاحبة المكانة والنفوذ، وتعاملت مع هذا كله ومع أنظمة الكفار في مكة ومع أنظمة العالم: بأن أدركت أن هذا حبيب رب العالمين، وأنه المجتبى المختار من بني آدم، وأن الخير كله في اتباعه، وفَدَتْهُ بنفسها، وفدته بمالها، وفدته بجاهها -عليها رضوان الله تبارك وتعالى-.

ولما صدر القرار والنظام الكفري في مكة المكرمة أنك وقبيلتك بني هاشم جميعًا ومعكم بنو المطلب تُحْصَرُونَ وتُحاصرون في الشِّعْب، ودخلوا الشِّعْب، وخديجة من بني أسد وليست من بني هاشم ومع ذلك هي معهم وسط الشِّعْب تخدم محمدًا، وتواسي بما قدرت من مالها مَنْ حَوَالَيْهِ، عليها رضوان الله تبارك وتعالى.

وكان من عناوين الفوز والظَّفَر: ما يروي لنا الإمام مسلم مجيء جبريل -عليه السلام- إلى بيتها وإلى عند النبي ﷺ يقول له: هذه خديجة مقبلة عليك بطعام -لأنها قائمة بالخدمة في البيت، عندها خُدَّام كثير وعندها جَوَاري كثير، لكن بنفسها تخدم البشير النذير، تخدم السراج المنير ﷺ- "أَقْرِئْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا"!

يقول له جبريل: "أقرئها السلام من ربها"! رب العرش يرسل السلام إلى خديجة بنت خويلد!

ما ترون هذا النجاح؟ ما ترون هذا الربح؟ ما ترون هذا الفوز؟!

قال جبريل: ومِنِّي!. وحده يسلَّم عليها الرَّب وأنا ما بسلّم عليها! سلِّم عليها مني، "وأنَّ الله يُبَشِّرُهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ - أي لؤلؤ مُجَوَّف- لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ".

وأقبلَت السيدة خديجة ودخلت حاملة الإناء، فقال رسول الله ﷺ: "خديجة، هذا جبريل يقرئكِ السلام من الله ومنه، ويُبشركِ ببيت في الجنة من قصب لا صخبَ فيه ولا نصب"، قالت: "الله السلام، ومنه السلام، وإليه يعود السلام، وعلى جبريلَ السلامُ ورحمةُ الله وبركاته، وعليك يا رسول الله".

فكان هذا مظهر الفوز والنجاح الأكبر -عليها رضوان الله تبارك وتعالى-، ولَقِيَت ربها على خير حال. وبينها وبين أبي طالب ثلاثة أيام في الوفاة، واشتد الأذى على نبينا بعدها.

 

طلب السلامة في التعامل

  • وصبر وكابد وجاهد،
    • ولولا صبره ما اجتمعنا، ولا لهذا الخير استمعنا، ولا ارتقينا ولا ارتفعنا.
    • فاجزِه يا ربِّ عنَّا خير الجزاء، واجزه أفضل الجزاء، واجزه أكمل الجزاء.
    • وارزقنا بالنور الذي أنزلته عليه حُسنَ التعامل مع أهلينا وأولادنا،
      • لا نَفْتَتِن بشيء ولا ننقطع بشيء،
      • وتكون عُدَّةً لنا للقرب منك،
      • وندخل في دائرة مَن آمن وعمل صالحًا؛ فلم يزل في بحر الصدق معك سابحًا، وبحُسنِ الامتثال لأمرك والاجتناب عما نهيت غاديًا ورائحًا، فكنتَ له عافيًا ومعافيًا ومسامحًا، وكنتَ له مواصًلا ومُعطيًا ومانحًا، وأنت ذو الفضل العظيم، وعندك الأجر العظيم.
      • لا تحرمنا الأجر العظيم، واجعلنا من أهل الفضل العظيم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

الأجر العظيم لمن يربح الاختبار

(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ..)؛ لمن لم يَفْتَتِن، لمن ربح الاختبار؛ بالمال، بالولد، بالأنظمة، بالأفكار، بالمنشورات وما فيها، ربح فيها ولم ينقطع بشيء ولم يسقط بشيء منها، عنده أجر عظيم جل جلاله وتعالى في عُلاه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا..) نورا تُفَرِّقون به بين: الخير والشر، والحق والباطل، والهدى والضلال، والفوز والخسران، (..وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) وما عندكم من ذنوب وآثام، قال له ربي أنا له أُكفِّرها، (..وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) يقول وانظروا حبيبي قُدَّامَكُم جاهد وكابد وصبر وهو أحب الخلق إليّ ومع ذلك اختبرتُه (..وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) ولكن الحقيقة: (..وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال:28-30]، (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ) [التوبة:40].

 

الدعاء لحفظ المؤمنين وفوزهم

  • ننجح إن شاء الله كلنا، ونفوز كلنا، ونربح كلنا.
  • ولا نُفْتَتَنُ بمال، ولا ولد، ولا أنظمة، ولا أفكار، ولا منشورات، ولا كلام لإبليس وجنده من الشرق والغرب.
    • ردَّ الله كيدهم عنَّا وعن أهالينا وعن أولادنا وعن أبنائنا وبناتنا.

 

يا ربنا: انْظُرْ إلى المؤمنين، ومُنَّ عليهم بلطفك الشامل، وفرجك العاجل، ودفعك للآفات والكَرْبِ الهائل، يا الله..يا الله: تتخطف الناس أيدي الضلال، وأيدي البعد، وأيدي الغفلة، اللهم احفظ على المؤمنين إيمانهم، واحفظ على المسلمين إسلامهم، وثبِّت قلوبهم على ما تحب، واجعلنا في خواصِّ مَن تُحِب يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين، وتُبْ علينا وعليهم توبةً نصوحًا ، زَكِّنا بها قلبًا وجسمًا وروحًا يا الله، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

21 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

03 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية