محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، ألقاها عبر اتصال مرئي، ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 18 محرم 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان:
نظر المؤمن إلى ماضيه ومستقبله واغتنام عمره بنظر الإيمان والمعرفة
نص المحاضرة مكتوب:
الله أكبر، ولا إله إلا الله، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، يجمع قلوب من يشاء على ما يشاء بحسب السوابق في القدر والقضاء. ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدا عبده ورسوله، سيد أهل الأرض وسيد أهل السماء، سيد المرسلين وخاتم الأنبياء. اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرم على عبدك المختار أصفى الأصفياء سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأتقياء، وعلى آبائه وإخوانه من المرسلين والأنبياء، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا وعلى أهل المجمع، ومن يسمع ومن يشاهد ومن يتصل، في كل نفَسٍ ولمحة ولحظةٍ وحين، عدد ما علمت، وزنة ما علمت، وملء ما علمت، وعدد كل شيء، وملء كل شيء، عدد خلقك، ورضا نفسك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك.
دواعي الحق لتزكية القلوب
وبعد؛ فيجمعكم في هذه الوجهات وهذه الاجتماعات: دواعي الحق التي تدعو، والسوابق التي سبقت منه -جل جلاله-، وبها يوجه ويقلب القلوب كما يشاء. ويا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك.
وقد توجهت قلوبكم للتوجه إليه، ولولا إذنه ما كان ذلك (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) [النور:21ٍ].
يا من يُزكي مَن يشاء: اجعلنا وأهلينا وأولادنا وأهل مجامعنا هذه، ومن يسمع ومن يشاهد وأهاليهم وأولادهم؛ ممن شئت أن تزكيهم، وأن تطهرهم، وأن تنورهم، وأن تهديهم، وأن تقربهم إليك زلفى، وأن تثبتهم على ما تحب منهم وترضى به عنهم في الظاهر والخفاء، يا عالم السر وأخفى، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
شكر المؤمن لربه على ما أنعم
- وإذ قد جاد المولى الجواد -جل جلاله- بهذا الفضل والإمداد؛ وجب علينا أن نستقبل هذا الإفضال من ذي الجلال؛ بمعانٍ من الشكر على قدر ما نستطيع وما نقدر عليه.
- وأنَّى لنعمة الله أن يصلها ويستوعبها شكرنا! ولكن الرحمن في معاملته مع العباد رضي منهم باليسير وبالقليل، ووعدهم عليه الكبير الكثير؛ له الحمد وله المنة وله الإفضال، بل وعد بالزيادة (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم:7].
- وإنما يكون هذا الشكر بـ:
- مواصلة تحسين وتنقية وتطهير القلب، الذي هو محل نظر هذا المنعم، ونظر هذا المتفضل، ومحل نظر هذا الإله الذي خلقنا من العدم، وجعلنا في خير الأمم، بأمة حبيبه الأكرم ﷺ.
وأمتع كُلٌّا مِنَّا من هذه السنوات التي قضاها من حين خروجه من بطن أمه إلى ساعته هذه على ظهر هذه الأرض؛ ليمضي منها وقت الطفولة وأيام ما قبل التمييز، ثم يبدأ إشراق نور العقل ببدايات التمييز، ثم يحتكم الأمر بالبلوغ والدخول في دائرة التكليف، ثم ما مضى من السنوات إلى لحظتك هذه، وما يستقبلك بعد هذه اللحظة مما عدده وأحصاه -سبحانه وتعالى- وأخفى علينا علمه -يقل أو يكثر-، فيأتي الأجل (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف:34].
شؤون قضاء الأعمار واغتنامها
- ونعلم أن ما مضى بنا من أعمار -حتى أدركنا العام الثامن والأربعين بعد الأربعمائة والألف من هجرة نبي الله الأمين سيدنا محمد ﷺ- كان مشحونا بأنواعٍ من وجهاتٍ ونياتٍ ومقاصدٍ وإراداتٍ وخطراتٍ وكلماتٍ وحركاتٍ وسكناتٍ ومعاملاتٍ وأخذ وعطاءٍ وإقبالٍ وإدبارٍ، وأنواع من الأحوال التي مرت والتي انقضت علينا.
- نوقن أن ما كان منها من خير أو فضل أو بر أو نعمة: فمن الله -جل جلاله-، وله الحمد وله الشكر على ذلك.
- وما كان فيها من سوء وذنب ومعصية وشدة: فبما اكتسبنا ومن أنفسنا.
ونحن نلجأ إليه -سبحانه وتعالى- بالتوبة عما كان مِنَّا، وسؤاله التوفيق فيما بقي من أعمارنا، والقبول منه لما وفقنا له وتكرم به علينا، من أعمال الظاهر والباطن، وأعمال القلوب والجوارح، ومن النيات والمقاصد.
ونسأله أن يرفعنا في درجات أهل النيات الصالحة الخالصة القوية الواسعة، التي لا تزال في تنامي وتزايد؛ بما يزيدهم به -سبحانه وتعالى- من معرفة، وبما يهبهم من اطلاع على دقائق وعلى حقائق؛ يتسع بها مجال النيات، كما يتسع بها مجال الشهود، ويتسع بها مجال الإقبال عليه سبحانه وتعالى.
سر الإقبال على الله ولذات الروح!
- وإذا طاب وصحَّ الإقبال من العبد على ربه؛ فلا شيء ألذ من الصلاح، ولا شيء ألذ من الإقبال على الله، فيما يُوهَب العباد من أولهم إلى آخرهم على ظهر هذه الأرض حقائق اللذائذ والحلاوة مخفية في هذا،
- وهذه كنوزها: سر الإقبال على الله سبحانه وتعالى.
- فيجد بها المؤمن: برد العفو، وحلاوة الرحمة، ولذة المناجاة للرب جل جلاله وتعالى في علاه.
- فلا يمكن أن يُتذوق شيئا أحلى من ذلك على ظهر هذه الأرض.
- ثم بعد ذلك تنفتح له الأبواب في طلب ربِّ الأرباب -جل جلاله-، حتى لا يركن إلى حلاوة يجدها، ولا إلى لذة يجدها لروحه، تفوق لذات المناكح والمشارب والمطاعم والملابس والمساكن والظهور والسلطات والجاهات كلها.
- فلا تساوي هذه اللذائذ التي يفتتن بها أكثر الخلق عشر معشار من لذات الروح، لا تساوي شيئا، تكون حقيرة أمامها.
- ولكن أيضا لذة الروح ما تكون مقصدا لمن عرف عظمة الإله الحق -سبحانه وتعالى- وأنه المقصود، وأن هذا من مواهبه التي يجعلها في طريق السير إليه -جل جلاله وتعالى في علاه-.
- مَن ركن إليها واطمأن عليها؛ حُجِبَ بها وبقي معها، وفاته شيء عظيم من زيادة القرب من الإله جل جلاله، وزيادة المعرفة به سبحانه وتعالى، وزيادة المحبة منه، وزيادة المحبة له جل جلاله وتعالى في علاه.
- وهناك العيش وبهجته فلمبتهجٍ ولمنتهجِ.
انبعاث الإرادة والهمة لتحقيق القرب من الرب
- فيا أهل هذه الاجتماعات:
- انظروا حُسْنَ نظركم فيما مر بكم،
- وما تنوون فيما يستقبلكم من بقايا الأعمار التي قدَّرها وعيَّنها وحدَّدها ربكم -جل جلاله وتعالى في علاه-، لا تزيد ولا تنقص.
- ولكن الأحوال التي تُنازلك وما يتقلَّب في قلبك؛ إذا انبعثت منك الإرادة والمشيئة أن تُنظِّف هذا القلب للرب، وأن تُزينه للحضور معه -سبحانه وتعالى-، وأن تنزهه .
- والتنزٌّه عما لا يحبه: من كبر ومن عجب ومن رياء ومن غرور ومن حسد ومن إضمار سوء على أحد من عباده -جل جلاله وتعالى في علاه-، ومن إصرار على ذنب، إلى غير ذلك مما يكره -جل جلاله-.
- صفيته عن كل ذلك، واجتهدت في تصفيته وتزيينه بالمحامد التي يحبها الله؛ من الإخلاص ومن التواضع ومن شهود المنة له -جل جلاله وتعالى في علاه-، ومن الرحمة لعباده والشفقة عليهم، وكل ما يحبه -سبحانه وتعالى- من حميد الخصال.
- اجتهادك ومشيئتك التي تُقبِل بها بقوة على ذلك؛ عنوان أنه شاء وأراد لك الخير -جل جلاله وتعالى في علاه-؛ لأنه يقول: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29].
- وإذا شاء أن يَبْعَث منك هذه الهمة والإرادة في هذا المجال، فهو المرجو أن يكون قد شاء أن يُبلِّغكَ الوصول إلى الآمال وفوق ذلك، يقول جل جلاله وتعالى في علاه: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69].
- ولكن هذا المُعْرِض الذي يدخل عليه العام الهجري الجديد وهو مصر على قطيعة رحم، وهو مصر على عقوق الوالدين، وهو مصر على تأخير الصلاة عن وقتها، وهو مصر على إهمال أولاده وإضاعتهم وتسليمهم للمتخطفات لهم من البرامج ومن رفقاء السوء ومن الأفكار التي يروج لها وما إلى ذلك.. يدخل عليه العام الجديد وهو على هذا الحال ولا عنده شعور ولا إحساس!
- هذا نُبِّه فلم يتنبه، ذُكِّر فلم يتذكر، وأُوقِظ فلم يستيقظ، فهو ميت القلب.
- فإن مات على هذه الحالة خُشي عليه الأمر الشنيع؛ أن يدوم في البعد عن الإله -جل جلاله وتعالى في علاه-، وأن يُحرم رضا ربه سبحانه وتعالى في علاه.
مجيء العام فرصة للارتقاء
- فيجب أن:
- تتنبه منا القلوب،
- وتحيا رجالنا ونساؤنا وصغارنا وكبارنا،
- ونتذكر مهمتنا في هذه الحياة.
- وما يجيء العام الجديد بعبث ولا لعب ولا هزء، إنما هي محطات، وهي فرص يهبها الرحمن -جل جلاله- لمن يقتنص، لمن يغتنم، لمن يترقى، لمن يتنبه، لمن يتدارك!
- (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا..)
- وكيف التذكر والشكور؟ بسلوك مسلك عباد الرحمن.
- وما هم؟ (..وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان62-63].
- ما يخرج من ألسنتهم إلا القول الجميل (قَالُوا سَلَامًا).
- والجاهلون يخاطبون بالاستهزاء، وبالكبرياء، وبالاستفزاز، وبالسب، وبالشتم.. الجاهلون يخاطبون بهذا، والذي يصدر منهم سلام (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا).
- فهل ضبطت لسانك هذا الضبط الذي أشار الحق إليه، ولحقت بعباد الرحمن الذين ما يخرج منهم إلا هذا السلام؟ كما قال سبحانه: (إِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [القصص:55].
صدق الإقبال على الله
فإقبالهم على الله صادق، ما يهزهم ما يُعرض من الشهوات، ومن الآفات، ومن الإغراءات المختلفة المتنوعة التي هي سلاح عدوهم ليقطعهم، سلاح عدوهم ليُبعدهم، سلاح عدوهم ليفوت عليهم الجنة، ليفوت عليهم مرافقة أهل النفوس المطمئنة، ليفوت عليهم لذة القرب من الرحمن -جل جلاله-، وليوقعهم في مهاوي التعرض للعذاب وللعقاب (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر:6]، كما قال جل جلاله وتعالى في علاه.
إجابة داعي الله ورفض دعوات الباطل
فيجب أن نقوي إجابة الداعي الذي اختاره الله تعالى وأرسله إلينا. (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ..) الجن نصحوا أصحابهم بهذه النصيحة، يقولون: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ..) يقصدون محمداً ﷺ (..وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأحقاف:31-33]، جل جلاله وتعالى في علاه.
- فلنُجِب داعي الله سبحانه وتعالى،
- ويجب أن نتواصى بهذه الوصية.. نُجب داعي الله -سبحانه وتعالى-،
- فقد عطَّلنا إجابته في كثير من شؤون حياتنا، وفي كثير مما يدور في بيوتنا عطَّلنا إجابته ﷺ!.
- وجئنا بسنن أعدائه ووضعناها في ديارنا، وفي مناسباتنا، حتى في أزيائنا وألبستنا، حتى في كلامنا ومنطقنا، وفي كثير من معاملاتنا!
- (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ)
- وداعي الله خير لنا من هؤلاء الذين يدعوننا إلى النار، ويدعوننا إلى الغفلة، ويدعوننا إلى البعد -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [الأنعام:116].
- وداعي الله محمد عليه الصلاة والسلام.
- وما مقدار أهل الصدق والإخلاص من صحابته وآل بيته وتابعيهم بإحسان إلا سر اتصالهم به ونيابتهم عنه وانطواؤهم فيه عليه الصلاة والسلام.
- وليس في غير ذلك ولا لغير أهل تلك المسالك من حق ولا من نور ولا من هدى ولا من تقوى ولا من صلاح، ما عدا ذلك إلا الباطل والضلال (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ) [يونس:32]ٍ، كما قال ربنا سبحانه وتعالى (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) [النور:54]، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور:63].
- فوجب على أهل هذه الاجتماعات أن:
- تجتمع قلوبهم على إجابة هذا الداعي،
- والسعي في أشرف المساعي في تلبية دعوته في شؤونهم وأحوالهم كلها، في مقاصدهم ونياتهم وأقوالهم وأفعالهم،
- ولا يقيمون حركة ولا سكونا إلا على منهج الأمين المأمون، وعلى ما أحبه ﷺ، وعلى ما دل عليه ﷺ.
من عجائب ما يجريه الله في الرفع والخفض
وهكذا لا يزال بهم هذه التلبية والإجابة لهذا الداعي مرتقيا، وهم يسعون في أشرف المساعي، قال تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) [الإسراء:19]، من قِبَلِ الرحمن.
وإذا الرحمن شكر أحدا من عباده ماذا سيعطيه؟ وبماذا سيتفضل به عليه؟ وبماذا سيجود به عليه؟ وماذا سيدفع عنه مما أحاط بعلمه من آفات الدارين؟
(فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ) [الإسراء:19-21]. قال الله هذا الذي تشاهدونه بأعينكم في الحياة الدنيا؛ تسليط ذا، ودفع ذا، ورفع ذا، وخفض ذا.. إجراءات نجريها بإرادتنا؛ لتكون لكم تذكرةً؛ أنَّ الأمر بيدنا، وأن التفضيل بعد ذلك والتثويب في الآخرة أكبر وأجل وأخطر.
فلا تركنوا إلى هذه الدَّنايا، ولا تعدون أن الشرف شرفُ الدنيا، ولا أن العز عزة الدنيا، ولا أن الكرامة كرامة الدنيا؛ ما هي إلا متاع الغرور، كما وصف خالقها ووصفها منشؤها وموجدها -جل جلاله-. ومن أعرف بها منه -سبحانه وتعالى-؟ هي متاع الغرور كما قال. فلا تركن إليها، فإن الله قد ينشر للرجل ثناءه بين الشرق والغرب، وهو لا يساوي عنده جناح بعوضة، ولا يفيده ذلك شيئا، ويرجع إلى الخسران، وإلى البعد، وإلى الطرد، وإلى الحرمان، وإلى النيران -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، و: "رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ لا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ" جل جلاله وتعالى في علاه.
بذلك كله، وجب علينا أن نُدرك أن شؤون هذا الترتيب الإلهي في رفع هذا وخفض هذا وتقديم هذا وتأخير هذا، خطره الأكبر: ما يكون في البرازخ والقيامة، ثم في الدوام؛ عالم الدوام والاستقرار، وهو إما الجنة وإما النار.
اللهم اجعلنا من أهل جنتك، وأهل الدرجات العلا في جنتك، واجمعنا في الفردوس الأعلى يا رب، ولا تعرضنا لنارك الموقدة (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) [الهمزة:7]، ولا لدركاتها ولا لعذابها ولا لما أعددت للمبعودين فيها، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
كيف نتحقق بالإجابة لداعي الله؟
- أيها الحاضرون في المحاضر:
- هذه الوجهة والاجتماعات الطيبة -التي أساسها ما دُعينا إليه على لسان هذا الداعي- لولاه ما قيمة المجالس؟ ولا المعاهد ولا المصليات ولا الحضرات ولا الموالد ولا أنواع الأذكار التي دعانا إليها ﷺ، ودلنا عليها ﷺ.
- واجعلوا هذه الإجابة كما وُفقتم للإجابة في الحضور، انقضت منكم هذه اللحظات والساعات وأنتم في تلبية لدعاء هذا الداعي عليه الصلاة والسلام.
- نرجو أن يكون لكل فرد منكم بقلبه وقالبه وبحسه ومعناه إن شاء الله تبارك وتعالى.
- وإذا كان كذلك فتحقيق الإجابة لهذا الداعي: فيما ينازل قلوبكم وصدوركم في هذه المحاضر وهذه المحافل، وهذه الساعات الكثيرة النفحات، الكثيرة العطيات، العظيمة التجليات من قِبَلِ رب الأرض والسماوات -جل جلاله-، التي فيها موعود زين الوجود؛ لمباهاة الملك المعبود لأرباب هذه الاجتماعات -إذا صفَت النيات وصدقت الوجهات إليه سبحانه وتعالى-، "ما جلس قوم يذكرون الله تعالى لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم منادٍ من السماء: أن قوموا مغفوراً لكم قد بُدلت سيئاتكم حسنات".
والذي وفقنا لهذه الإجابة نسأله كمال التوفيق لدوام حُسنِ الإجابة لدعوة هذا الداعي، وتلبية نداء هذا المنادي: (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) [آل عمران:193].
حقِّقنا بحقائق الإيمان يا ربنا، حقِّقنا بحقائق الإيمان يا ربنا، حقِّقنا بحقائق الإيمان يا ربنا، وزدنا إيماناً بك في كل لمحة وفي كل نَفَسٍ، حتى لا تفوتنا بركة لمحة ولا لحظة من لحظات أعمارنا إلا نزداد فيها إيمانا ويقينا وقربا منك، ومحبة منك، ومحبة لك برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبارك في أهل المجمع أجمعين، وبارك فيمن لهم يسمع ومن لهم يشاهد ومن لهم يتابع من هنا وهناك، ومن له قلب متعلق بالوجهة إليك من أهل المشارق والمغارب، رجالا ونساءً، إنسا وجنا.
- اللهم اقبلهم في وجهاتهم، وافتح لهم أبواب رضاك وجزيل عطاك،
- حتى تجعل فيهم سِرَّ إنجازك وعدك لحبيبك محمد ﷺ في ظهوره على الدين كله،
- وظهور راياته في مشارق الأرض ومغاربها.
- واجعلنا ممن يقوم بحق هذه الرايات، ويحسن حملها وأداء واجبها كما هو أحب إليك وإليه، وأرضى لك وله.
- يا موفق، يا من وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه، وفقنا للخير وأعنا عليه.
الدعاء للعام الهجري الجديد
وبارك لنا في هذا العام الثامن والأربعين بعد الأربعمائة والألف من هجرة حبيبك الأمين، واجعله من أبرك الأعوام على جميع أهل الإسلام في كل خاص وعام، واجعله من أبرك الأعوام علينا وعلى جميع أهل الإسلام في كل خاص وعام، واجعله من أبرك الأعوام علينا وعلى جميع أهل الإسلام في كل خاص وعام. يا ذا الجلال والإكرام: أرنا به ظهور رايات خير الأنام، ودفع شر الظلمة والكفرة اللئام من المعادين لدينك وشريعتك وللإنسانية وللكرامة وللشرف. اللهم لا تبلغهم مرادا فينا ولا في أحد من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، واجمع شمل المسلمين على ما تحب، واجعلنا فيمن تحب، وزدنا من نوالك ما أنت أهله يا رحمن. وأصلح لنا كل شأن، واختم لنا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا، والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، والحمد لله رب العالمين.