مِن بدائع حِكم وأسرار الحياة والممات والنهايات وأكبر الغايات

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 25 شعبان 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:

مِن بدائع حِكم وأسرار الحياة والممات والنهايات وأكبر الغايات

تضمنت المحاضرة: معاني الرجوع إلى الله، ومشاهد القيامة بين الأبرار والفجّار، والرضا بالقضاء عند الفقد، وتحوّل الحزن إلى استعداد للآخرة، والتهيؤ لرمضان بقلب مُقبِل على الله..

لتحميل نسخة pdf (اضغط هنا)

 

نص المحاضرة:

 الاختيار بين الدنيا والرفيق الأعلى

الحمدُ لله الحيِّ القيُّوم الذي لا يموت، والذي جعل -سبحانه وتعالى- خَلْقَ الحياةِ على درجات، تأتي نهاياتُها إلى أن يَرفَع الموت عن أربابها في درجاتٍ أعلى وأجلَّ مِن أن تتخيَّلها العقولُ والأفهامُ والأوهام؛ حياةُ قُربٍ منه، وحياةُ رِضاً منه، وحياةُ رِضاً عنه، وحياةُ مرافقةٍ لأنبيائه وأصفيائه، ومنهم سيِّدُهم الذي سمعنا مروره على ظهر هذه الأرض، في إسعادٍ أسعدَ اللهُ تعالى به الأمّةَ عمومًا، وصحبَه وآلَه الذين كانوا في حياته خصوصًا.

وأقسمَ اللهُ بذلكم العَمْر، ثمَّ ما كان إلّا أنِ اختاره اللهُ واصطفاه، وفارقَ بجسده الكريم الأمّةَ إلى الرفيق الأعلى، ونصبَ يدَه يقول: "بل الرفيقَ الأعلى"، فتذكَّرتِ السيِّدةُ عائشةُ أنّه قال: "ما من نبيٍّ إلّا خُيِّرَ عند موته بين أن يبقى مدّةً أطولَ في قومه أو أن يلقى اللهَ تعالى"، فلمّا سمعتهُ يقول: "بل الرفيقَ الأعلى" علمتْ أنّه خُيِّرَ فاختارَ الرفيقَ الأعلى.

وقبل أيّامٍ قليلةٍ كان على مِنبره الشريف، وقال: "إنَّ عبدًا خيَّرَه اللهُ بين الدنيا وبين ما عنده، فاختارَ ما عند الله"، فصاحَ سيِّدُنا أبو بكر بالبكاء، كان حاضرًا بينهم أعرابي يقول: ما بال هذا الشيخ يبكي؟ النبيُّ يذكر قصّة واحدٍ خيَّره اللهُ بين الدنيا وبين ما عنده، لِمَ يبكي هذا الشيخ؟ قال: فعلمتُ بعد ذلك أنّهُ كان من أعلمِ الصحابة وأفقَههم، وأنّه علمَ أنَّه العبدَ الذي خُيِّرَ هو صلى الله عليه وسلم، وأنّه مُنتقِلٌ في هذه الأيّام، صلواتُ ربّي وسلامُه عليه وعلى آله وصحبه ومَن سارَ في دربه.

حقيقة الموت والجزاء الأخروي

ومضى عُمرُه الشريفُ ولا أبركَ منه، ولا أجلَّ ولا أجملَ ولا أفضلَ فيما مضى ولا فيما يأتي، إلّا أنَّ مراتبَ الفضل والكرامة، والحياة التي يَعقبُها انتقالٌ إلى البرزخ ثمَّ إلى القيامة، ثمَّ بالنسبة للنبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين ومَن دخلَ في دوائرهم إلى دار الكرامة. 

وبالنسبة لمَن رفضَ هُدى الله ونورَ الله وشريعةَ الله بعدما وصلتْه، إلى الخِزي والنَّكال والعذاب الأليم الشديد المُهين الكبير، والعياذُ بالله تبارك وتعالى.

يُنادى أهلُ دار الجنّة: "أُحِلُّ عليكم رِضواني فلا أسخطُ عليكم بعدَه أبدًا"، ويُنادى أهلُ دار النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، والعياذُ بالله تبارك وتعالى.

فتبيَّنَ أنَّ الغايةَ التي ينتهي إليها جميعُ المكلَّفين من الإنس والجنّ إمّا شريف حياةٍ كبيرةٍ كريمةٍ، عظيمةٍ جليلة، هِباتُها جزيلةٌ ومواهبُها فيّاضةٌ ليست بقليلة، ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، قال اللهُ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه؛ وإمّا إلى سَقَر، وعذابٍ شديدٍ أكبر، أجارنا الله وأهالينا منه.

وأنَّ اللهَ جعلَ هذه الحياةَ بمَن يمرُّ فيها من أنبياءَ وأولياءَ وصالحين ومُقرَّبين عِبرة لمَنِ اعتبر، كما يمرُّ فيها الفُسّاقُ والفُجّارُ والكفّارُ والأشرار بأصنافهم، والكلُّ تحت حُكم قهّار، قهر العباد بالموت. 

ورتَّبَ هذا الترتيب، فلا يقوى أحدٌ في الأرض ولا في السماء أن يُغيِّرَه ولا أن يُبدِّلَه، لا فردٌ ولا هيئةٌ ولا جماعةٌ ولا شعوبٌ ولا دُوَلٌ ولا مصانعُ ولا حكوماتٌ ولا إنسٌ ولا جنّ، ما يقدرُ أحدٌ يُغيِّرُ هذا الترتيبَ والتدبيرَ الإلهي في الخلق والإيجاد والموت ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم﴾ -نختبركم-﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. 

والنهاية للكل بلا استثناء: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ وإلينا تُرجَعون! الرجوعُ إلى هذا الإله، وإنَّما تختلفُ أحوالُ الراجعين إلى الله :

  • في نَيل رِضاه ونصيبهم منه أو سَخَطه والعياذ بالله، 

  • وفي نَيل رحمته أو عذابه -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، 

  • وفي السعادة الأبديّة أو الشقاء الأبديّ -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾، 

  • وفي مراتب القُرب منه أو الطرد والبُعد -والعياذُ بالله تبارك وتعالى- 

  • في مراتب التجلِّي وفي مراتب الحِجاب: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.

 

مشهد الأبرار والفُجّار يوم القيامة

والآخرون قال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ❊ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، وهذا الرحيقُ المختوم والذي يحقُّ فيه التنافسُ، قال: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾، يُمزَجُ بالتسنيم، وأين التسنيمَ؟ قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾.

وتمضي الحياةُ بأنواع ما فيها من فِكرٍ وتصوُّرٍ واعتقادٍ على وصف ما قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾.

لكن في ذاك اليوم الحقيقةُ برزتْ وانجلتْ، وكلٌّ أقرَّ بها، حتى رأسُهم إبليسُ ما أحدٌ يقدرُ أن يُنكِرَ شيئًا فيها، ولا أن يُواصلَ كذبَه في تكذيبها.

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾.

سلامٌ من الملائكة، سلامٌ من بعضهم البعض، سلامٌ من الربّ: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.

 

الرِّضا بالقضاء وسُنَّة الابتلاء

هذه الحقيقةُ التي يسعدُ المؤمنون بالعيش فيها في الحياة الدنيا قبلَ رفع الستار، وقبلَ الانجلاء للأوَّلين والآخِرين من الأخيار والأشرار، يعيشون في الدنيا وهم في الحقيقة، وهم على اعتقاد الحقِّ وقول الحقّ، يستقبلون هذه الحياةَ بما شرعَ لهم المولى تعالى في عُلاه، ويفرحون ويحزنون، ولا يقولون إلّا ما يُرضي الربّ. 

وفي فرحهم وفي حزنهم على دائرة اقتداءٍ واهتداءٍ بنبيِّ الهُدى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقال على ولده سيِّدِنا إبراهيم عليهم السلام: "القلبُ يبكي، والعينُ تدمع، وإنّا على فراقك يا إبراهيمُ لمحزونون، ولا نقولُ إلّا ما يُرضي ربَّنا، إنّا لله وإنّا إليه راجعون".

لأنَّ مسارَ الحياة الذي لا يملكُ أيضًا أحد تغييرَه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. 

فأيُّ جيلٍ مرَّ في الحياة الدنيا ما مرَّت عليه هذه الشؤون؟ مَن هم؟ وأيُّ قبيلةٍ وأيُّ دولةٍ وأيُّ جماعة؟ كلُّهم! ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.

ولمّا قال لسانُ الشِّرك: "يومٌ بيوم بَدر"، قَتلتُم منا، اليوم قتلنا منكم، فقال ﷺ: "رُدُّوا عليه"، قالوا: ما نقول؟ "قولوا: لا سواء، قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار"، لا سواء، قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار!

﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾، ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾؛ لا المحيا سواء، ولا الممات سواء.

 

في رثاء الحبيب حسن بن أحمد ابن الشيخ أبي بكر بن سالم

فالمَحيا مثل الذي سمعتم الإشارة إلى حَزَن القلوب بِفَقده، أعلى اللهُ درجاتِه، الحبيبِ حسن بن أحمد بن عليّ بن أحمد بن سالم ابن الشيخ أبي بكر بن سالم، منصب آل الشيخ أبي بكر بن سالم؛ بدرٌ من بدور الصُّلح والصلاح والإصلاح، والفلاح والأخلاق، والمواريث النبويّة والمواريث العَلَويّة والمواريث الصِّدِّيقيّة، أعلى اللهُ له الدرجات، وجمعنا به في أعلى الجنّة.

كانت الحياة من صِغَره تحت نظر والده النورانيِّ القُدسيِّ الطُّهر، الذي قال عنه الحبيب علوي بن شهاب: عبد ورَب، قلب ورب، قلب ورب! نورانيّ، عليه رحمة الله تعالى. 

وفي التعليم من البداية، وللقرآن، وعلوم الشريعة، ومُدّة في رباط تريم، واتّصالٍ بالأكابر من الذين أخذَ عنهم وقرأ، وما حضرَ من مجالسهم، وما استفادَ من معارفهم ولطائفهم، ومُكابدةٍ في الحياة في الخدمة لوالده وللمَقام وللمجتمع وللمؤمنين.

وشدائدُ مرَّت في أيّام الشيوعيّة، وحتى احتملوه اختطافًا له، وقدَّرَ اللهُ له أن يهربَ منهم وأطلقوا عليه النيرانَ فما أصابتْه، وتنقَّلَ من مكانٍ إلى مكانٍ مُتخفِّيًا في وقت شِدّة. 

ومرَّت تلك الشدائدُ بما فيها، حتى انتهى أمرُ المقام إليه عند وفاة والده عليه رحمةُ الله تبارك وتعالى قبل 33 سنة، فحملَ الخلافةَ عليه رِضوانُ الله تبارك وتعالى. 

ومضتْ حياتُه لإصلاح هذا، وجَبْرِ خاطر هذا، والقيام بحقِّ هذا، والحضور في مقام هذا، والنظر في مصالح العباد المؤمنين، والنصيب من الذِّكر، والنصيب من القراءة، والنصيب من القرآن، والمواريث التي حملَ أعباءَها عليه رِضوانُ الله تبارك وتعالى، حتى جاءت ساعة انتقاله.

أعلى الله درجاتِه، وجمعنا به في أعلى جنّاته، وأكرمَ وِفادتَه عليه وعلى رسوله وعلى المتقدِّمين من آبائه والصالحين من عباد الله. 

اللهمَّ اجعلْه في خواصِّ رُفقاء النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، واخلُفْهُ فينا وفي أهل بلدنا وفي الأمّة بخير خلَفٍ يا أكرمَ الأكرمين، يا أرحمَ الراحمين.

ضاعف الخير فيمَن استخلفه في حياته، ابنه الأكبر كعادتهم، والأمر في القيام بهذه المواريث مُسلسل، ابن عن أب، أب عن جدّ، كلُّ واحدٍ عن أبيه إلى الشيخ أبي بكر بن سالم، معدِنِ الإرث الكبير والخلافة العُظمى للنبوّة والرسالة، عليه رحمةُ الله تبارك وتعالى ورِضوانُه الأكبر.

اللهُ يُكرِم نُزُلَه لديه، ويُوسِّعُ وَجاهتَه وشفاعتَه، ويجعل من قِراه فرَجًا على أهل حضرموت وعلى أهل اليمن ولأهل الشام وللمؤمنين والمؤمنات، وصلاحًا لأحوالهم وتحويلَها إلى خير حال. 

من سجن الدنيا إلى نعيم القرب

فوجبَ أن نُحسِنَ شأنَ ما عندنا من الحياة، محياهُم هكذا ومماتُهم ما هم سواء؛ مماتُ المُقرَّبين، 

فالموتُ للمُحسن الأوّاب تُحفتُهُ ** وفيه كلُّ الذي يبغي ويرتادُ

لِقا الكريم تعالى مجدُهُ وسَما ** مع النعيم الذي ما فيه أنكادُ

رؤي مالك بن دينارٍ وهو ماشٍ على فرسٍ فرحانَ، يقول له: مالك؟ -يقول له الرائي- قال: الآنَ أفلتُّ من السجن، فانتبه وإذا بهم ينعونه تُوفِّي، مالك بن دينار، أفلتَ مِن سجن الدنيا وأتعابها ومشاكلها وما فيها؛ إلى العطاء العظيم. 

وهكذا شؤونُ هذه الحياة وإدراكُنا للحقيقة فيما بعدها من حياة البرزخ، ثمَّ حياة القيامة، والشأنُ كلُّ الشأن في العُمر المؤبَّد الذي فيه كلُّ مكلَّفٍ يتخلَّدُ إمّا في الجنّة وإمّا في النار، اللهمَّ اجعلنا من أهل جنّتك. 

فيا ربِّ واجمعنا وأحبابًا لنا  **في دارك الفردوس أطيَبِ موضعِ

فضلًا وإحسانًا ومَنًّا منك يا ** ذا الجود والفضل الأتمِّ الأوسعِ

الرضا بالقضاء والتهيؤ للآخرة

ويكونُ لنا مِن صبرنا مع حُزننا ومع رِضانا وتسليمنا بقضاء الله تبارك وتعالى اغتنامٌ لهذه الحياة.

ويُيَسِّر الله إن شاء الله مجيئَه لتكونَ الجنازةُ في الغد أول العصر في "عينات" إن شاء الله تبارك وتعالى، سهَّلَ اللهُ الأمورَ وشرحَ اللهُ الصدور، وأكرمَ وفادتَه عليه، وجعل مِن قِراه فرَجًا لنا وللمسلمين، وغِياثًا لنا وللأمّة أجمعين، اللهمَّ آمين، يا أكرمَ الأكرمين ويا أرحمَ الراحمين.

وسيِّد أهل الخير قال: "حياتي خيرٌ لكم، ومماتي خيرٌ لكم"، قالوا: حياتُك خير، كيف مماتُك يا رسولَ الله؟ قال: حياتي خيرٌ لكم؛ أسُنّ السنن وأُشَرِّع الشرائع، تُحدِثون ويُحدَثُ لكم، ومماتي خيرٌ لكم؛ تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم، فما وجدتُ من خيرٍ حمدتُ اللهَ، وما وجدتُ غيرَ ذلك استغفرتُ لكم، يا ربِّ  صلِّ عليه، واجزِه عنا خيرَ الجزاء. 

ويُروى عنه قال: "مَن أُصيبَ بمصيبةٍ فليتذكَّرْ مُصيبتَه بي، فإنَّها من أعظم المصائب"، لن تُصابَ أمّتي بمثلي، صلى الله وسلم وباركَ عليه وعلى آله.

فالحمدُ لله على قضاء الله وعلى قَدَره، ويكونُ لنا بهذا تهيُّؤٌ لرمضان، وما بقي من الأعمار قَلَّ أو كَثُر، طالَ أو قَصُر. 

فقدنا مَن ذكرناهم في الأسابيع الماضية وآخرُهم الحبيبُ طالب بن مصطفى العيدروس، أعلى اللهُ درجاتِه وجمعنا به في أعلى جنّاته، وباركَ في أولاد الجميع وأحفادهم وقراباتهم، وسارَ بهم مسارَ الصِّدق معه في اتّباع الأخيار، في الاقتداء بالنبيِّ المختار، في السرِّ وفي الإجهار، حتى يجمعنا وإيّاهم جميعًا في جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار.

الدعاء

اللهمَّ أجِبِ الدعاءَ يا كريمُ يا غفّار، وباركْ لنا في الأعمار، واجعلْ رمضانَ المُقبل هذا في عامنا هذا مِن أبركِ الرمضانات على أمّة خير البريّات، في الظواهر وفي الخَفيّات، تَرفَع به البلايا والرزايا عن يمننا وشامنا وشرقنا وغربنا. 

يا مَن وعدَ نبيَّه بالخير والنُّصرة والتأييد، أرِنا راياته منشورةً في الوجود، وأرِنا أن يسودَ الخيرُ والهُدى والصِّدقُ والعدلُ والتقوى، يا بَرُّ يا وَدود، ارحمِ البلادَ والعباد، وادفعِ الضُّرَّ والبلايا والفسادَ والأنكاد.

وهيِّئنا لرمضان ولياليه وأيّامه، وما كان فيه، يا ربِّ، تكتبُ أجرَه ونوافلَه قبل أن تُدخلَه، فانظرْ إلى أهل الجمع ومَن يسمع، فاكتبْ لهم الجزيلَ الوافي من الأجر والنوافل، أعلى ما تكتب لمحبوبيك وأهل القبول عندك من الأجر والنوافل. 

يا ربّ، وتكتب شقاءَه وإصره من قبل أن تُدخلَه، فلا تجعلْ فينا ولا فيمَن يسمعُنا، ولا في أولادنا ولا في أهالينا، ولا مَن في بيوتنا ولا في قراباتنا شقيًّا ولا مأزورًا بإصرٍ ولا ذنب.

يا الله، اجعلنا مسعودين برمضان وليالي رمضان وأيّام رمضان وباقي الأعمار؛ في خير ما يُرضيك عنّا قولًا وفعلًا ونيَّةً ومقصدًا، وكلَّ ما لا يُرضيك نزِّهنا منه، طهِّرنا منه، صفِّنا منه، خلِّصنا منه، أبعِدْه عنّا؛ حتى لا يكونَ لنا قصدٌ إلّا يُرضيك، ولا نية إلا تُرضيك، ولا نظرة إلّا تُرضيك، ولا سمع إلّا يُرضيك، ولا كلمة إلّا تُرضيك، ولا حركة إلّا تُرضيك، ولا سكون إلّا يُرضيك، حتى نلقاكَ وأنت راضٍ عنّا، حتى نلقاكَ وأنت راضٍ عنّا، حتى نلقاكَ وأنت راضٍ عنّا. 

يا أكرمَ الأكرمين يا أرحمَ الراحمين، فرِّجْ على المسلمين فرج عاجل، والطُف بهم بلُطفٍ شامل، وبلِّغنا فيهم فوقَ المآمل، يا مَن يُعطي ولا يُبالي، يا ذا العطايا الجَزائل، والمِنَن التي تتوالى ولا يصلُها قولُ قائل، ولا ينتهي إليها أمَلُ آمِل. 

يا مُعطي يا وهّاب، يا منّان يا ربَّ الأرباب، أحيِ فينا ما مات، ورُدَّ علينا ما فات، من حقائق الإنابة والإخبات، والعمل بالآيات، واتّباع خير البريّات، والعلوم النافعات والأعمال الصالحات، والإيمان القويِّ، والثبات على المنهج السَّويّ، والختم بالحُسنى لكلٍّ منّا، يا أرحمَ الراحمين ويا أكرمَ الأكرمين. 

يا توّابُ تُبْ علينا يا توّابُ تُبْ علينا ** وارحمنا وانظرْ إلينا وارحمنا وانظرْ إلينا. 

 

تاريخ النشر الهجري

25 شَعبان 1447

تاريخ النشر الميلادي

12 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية