قدسية الحق الخالق وأسرار ذكره ومراتب الكائنات فيها وعظيم آثارها

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 28 ذو القعدة 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان: 

قدسية الحق الخالق وأسرار ذكره ومراتب الكائنات فيها وعظيم آثارها

لتحميل نسخة pdf

فوائد من المحاضرة

 

نص المحاضرة مكتوب:

مقدمة المحاضرة: تنزيه الله ومراتب تسبيح الكائنات

سُبحان الملك العظيم المحيط بكل شيء، ومن بيده ملكوت كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، هو الله.

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، جلّ جلاله.

وتسبيح ما في السماء والأرض على مراتب في إدراك تنزيه هذا الإله، وقُدسية هذا الإله، وعَظَمة هذا الإله تعالى في عُلاه، 

  • وعليها يترتّب كل خير على الإطلاق؛
  • فلا خير في كائنٍ لم يعرف مُكَوِّنه، لا خير في مخلوقٍ لم يعرف خالقه، لا خير في مصنوعٍ لم يعرف صانعه، جلّ جلاله وتعالى في علاه.

وخصَّ الله هذه الكائنات -جل جلاله- بالمعرفة العامة والتسبيح العام: نباتات، وجمادات، وحيوانات، وإنس، وجن، وملائكة، إلى غير ذلك. 

وجعل التفاوت حتى بين الجمادات في تسبيحها له جلّ جلاله وتعالى في علاه، حتى أشار نبينا ﷺ إلى الفرق بين تسبيح الجريدة الخضراء واليابسة، وأن المُخضرَّة تسبيحها وذكرها لله أقوى، حتى يؤثِّر على الميت في قبره.

وأمر بوضع الجريدتين على القبرين، قال: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا"، أي ما دام الذكر قوياً في حالة رطوبتهما فيؤثِّر حتى على الجليس، وعلى المُرافق، وعلى القريب منهم، وعلى الميت المقبور في هذا المكان.. لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي).

 أثر الذكر في تقليب الأحوال وكشف الكُرَب

وسمعتم قوله جلّ جلاله وتعالى في علاه: (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)، (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ). 

وما بين المعلومات والمعدودات، يقول جلّ جلاله: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا).

كم يؤثِّر هذا الذكر! وقال سبحانه وتعالى على سيدنا ذي النون: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ).

  • فلِلذِّكر تأثيرات في مسار شؤون الحياة، وتقليب الأحوال، والخروج من المآزق، ومن البلايا والآفات. 

وهذا الاختلاف بين أماكن الجمادات في ذكر الله سبحانه وتعالى، حتى يكون شأن اللباس الذي لبسه ذاكرٌ ولبسه مُقرّبٌ عند الله تعالى، ذكره أقوى من اللباس الآخر.

ولذا احتفظوا بلباسه ﷺ؛ ما أَحَدٌ ذَكَر الله مثل محمد عليه الصلاة والسلام، فما هناك لباسٌ يَعرف ذكر الله مثل اللباس الذي لبسه خير الناس.

تبرك الصحابة بآثاره ﷺ

ولذا نقرأ في صحيح البخاري أنه لما أخرجت أم المؤمنين سيدتنا أسماء جُبّةً له ﷺ كان يلبسها، قالت: "إنه كان يلبسها، وإنا نغسلها للمرضى نَستشفي بها"، نغسلها لمرضانا، جُبّةٌ من جُبَبِهِ عليهِ الصلاة والسلام.

هم يعرفون أن سيدنا المصطفى عبدٌ مخلوق، ولكنه صاحب منزلةٍ عند الخالق ما وصلها أحد، ويعرفون أن هذه الجُبّة ثوب.. لكن يعرفون أنه لامس جسد أحب الخَلق إلى الخالق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

لذا جاء في سيرة الصحابة: إذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، والماء جمادٌ، لكن لامَسَ جسد خير العباد، وعندهم ماءٌ كثيرٌ ثانٍ، لكن لا يتسابقون إلا على هذا الماء! "فرأيتُ من لم يُصِب منهم شيئاً، أخذ من بَلَلِ صاحبه فتمسّح به".

أثر الكلام الطيب والخبيث في الجمادات

هكذا الشؤون، وجاءوا ووجدوا حتى باكتشافاتهم الحِسّيّة المادّية الحديثة، ماء يُقرأ عليه آياتٌ وأسماء الله وذِكر الرسول، ويُحلِّلونه بعد؛ تَطْلع عناصره مختلفةً عن تحليله فيما قبل، ترجع إلى الاعتدال.

وهكذا حتى الكلمات الطيبة، ماء في إناء من نفس الماء في الإناء الثاني، هذا واحد يقول: (طيب، طيب، طيب، طيب، طيب)، ويعودون إلى تحليله، هذا يقول: (خبيث، خبيث، خبيث، خبيث، خبيث)، يعودون إلى تحليله؛ يجدون الذي ذُكِر عليه الاسم الطيب تحوّلت عناصره إلى ما هو أحسن في تركيبة الماء وأنسَب لصحة الإنسان، ويجدون هذا تحوّلت عناصره إلى أسوأ منها قبل أن يسمع الكلام الخبيث هذا! 

سر (كُن) وتعظيم شعائر الله

فهذه سرايات: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، لا فعّال غيره جل جلاله، ولكن مُرتبط سرّها بأسرار هذه الكلمات، 

  • لِما في هذه الكلمات من أسرار الإرادة الأزليّة التي عبَّر عنها الرحمن في القرآن بـ (كُن)؛ من سرّ (كُن)، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).
  • والأشياء التي يقول لها (كُن) جلّ جلاله وتعالى في علاه، منها محبوباتٌ لديه، ولها منازل عنده جلّ جلاله، فتميَّزت.

هذا تسبيح الجمادات، وتسبيح الأشجار، وتسبيح الكائنات، وكذلك الحيوانات وهي تختلف في تسبيحها، وفي مراتب التسبيح، حتى جُعِلَ الذي يُخصَّص إهداءً لحرم الله ولبيت الله من الشعائر: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ).

قال من علامات ديني! ما هي؟ جمال من علامات دينك؟ قال: إذا أُهديت إلى بيتي، إذا خُصِّصَت أن تُرسل إلى بيتي وفي حَرَمي تُذبح وتُعطى للساكنين هناك، صارت من شعائر دين الله جلّ جلاله: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا).

لأن الذكر عليها أنسب لأن يأتي مردوده بمردودٍ أقوى، لأنها صارت من الشعائر، (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا)، لا إله إلا الله.

التكبير في العشر من ذي الحجة

ولهذا سُنَّ في العشر الأُوَل من ذي الحجة، كل من رأى جملاً أو رأى بقرةً أو رأى غنمةً أن يُكبّر. (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ).

كان سيدنا ابن عمر وأبو هريرة يعتنون أيام العشر، كل يومٍ مخرج إلى السوق، ما لهم حاجةٌ في السوق إلا أن يُكبِّرون، والسوق فيه الأنعام موجودة، فيُكبِّرون ويكثرون التكبير ويرجعون إلى مكانهم. 

ذاقوا من سرّ التكبير ما ذاقوا، وهداهُم إلى ذِكر الخالق خيرُ الخلائق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان يذكر الله على كل أحيانه.

تسبيح الحجر في كفّ رسول الله ﷺ

وهكذا، وظهر تسبيح الجماد في يده الكريمة، وسَبَّحَت! ولمّا بأمره وضعها في يد أبي بكر لتُسَبِّح سبّحت، ووضعها في يد عمر لتُسَبِّح فسبّحت، ورمى الحجر في مكانه ثم قام.. فلما قام وخرج جعل الصحابة يتبادلونها في أيديهم ما ظهر الأثر، ما ظهر الأثر لتسبيحها! وهم سمعوها تُسبِّح في كفّ الحبيب صلى الله وسلم عليه وعلى آله، ثم في كفّ أبي بكر، ثم في كفّ عمر تحت نظره عليه الصلاة والسلام.

وكلّ هذه إشاراتٌ إلى عظمة المُكوِّن وقُدسيته؛

  • أن لا نعيش في الحياة مُغترّين بهذه الفانيات والمظاهر وكلام الغافلين وكلام الجاهلين الذي يظهر عَوَارُهم في الدنيا قبل الآخرة؛ وأنهم تافهون، وأنهم لا شيء، وأنهم ساقطون وراء التُّرَّهات، وراء البطالات، وراء الشّهوات، وراء الثّروات، وراء أخذ حق الغير، وراء التطاول على السلطة والمال بغير ميزان، بغير قِيَم، بغير مُثُل، بغير إنسانية، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

خصوصية المكلفين وبقاء أرواحهم

ولكن الله -تبارك وتعالى- جعل بعد ذلك في ذِكر الإنس والجن والملائكة خصوصيّات، 

  • ولهم تهيّؤٌ للمعرفة غير بقية الكائنات.
  • ولهذا جعل لهم الدوام، وإذ بينما تتعرّض عامة الكائنات للزوال وللفناء، تبقى أرواح هؤلاء المُكلَّفين من الإنس والجن.
  • وجميع الإنس والجن والملائكة محكومٌ لها بالإبقاء من قِبَل الحق تبارك وتعالى، ويُبقي لها ما يتعلّق بتكريم هؤلاء، وما يتعلّق بإهانة هؤلاء، يُبقي لها سبحانه العرش والكرسي والجنة، ويُبقي لها النار -جلّ جلاله- فتبقى،
    • وإذا بالمقصود رَجَعَ حول هذه الكائنات بخصوصها، 

أما الأرض تُبدَّل، والسماوات كذلك تنشقّ وتصير كالمُهل، إلى آخر ما ذكر سبحانه وتعالى في آياته، وأخبر على لسان خير بريّاته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

تطهير القلوب طريق لإدراك قدسية الله

وبقيت هذه الخصائص في أسرار المعرفة بالله الحق جلّ جلاله،

  •  والتي لا يصل إليها إلا كُلُّ ذي قلبٍ نقيٍّ طاهرٍ خالُص.
    • وأمرنا الله أن نتطهَّر بالصلوات، بالزَّكَوات، وبالقراءات، وبمجالس العلم ومجالس الخير، وبالحج وبالعمرة، وبزيارة نبيه ﷺ، وبِصِلَة الأرحام، وبإنفاق المال من أجل الله للوالدين وللقرابة، والقيام بِحَقّ الأخوة، ورحمة القريب والبعيد والصغير والكبير، والرحمة حتى بالحيوان.. إلى غير ذلك،
    • كلها من أجل أن تساعد على تنقية هذا القلب وتصفيته ليُقدِّس، ليُقدِّس الرب، ليُقدِّس الحق جلّ جلاله.
  • معناه أنه هو تَقَدَّسَ؛ على قدر ما يتقدَّس ويتطهَّر، يُدرِك من أسرار قُدسية الله تعالى ونزاهته جلّ جلاله.
  • وأمّا هو مُقدَّس قبل ما يُخلَق شيء، وقبل ما أحدٌ يُسبّحه، لا إنسيٌّ ولا جنيٌّ ولا مَلَك،
  • هو مُسَبَّحٌ جلّ جلاله، وهو المُقدَّس سبحانه وتعالى.
    • لكن هُم على حسب ما يتطهّرون ويتزكّون يُدركون عظمة نزاهته، عظمة قُدسيته جلّ جلاله وتعالى في علاه،
    • وعلى حسب ما قُسِم لهم من هذا العطاء الكبير، من هذا العطاء الوفير، الذي ليس له من مجالٍ يُدرَك إلا بالاستجابة لدعوة الأنبياء.

الاستجابة لنداء المنادي ﷺ

والذين خُتِموا بحبيب الرحمن صلى الله وسلم عليه وعلى آله، محمدٍ المُجتبى المختار، يا ربّ اربطنا به ربطاً لا ينحلّ أبداً، واجعلنا به من أسعد السعداء هاهنا وغداً، يا الله.. يا الله.

وأولو الألباب سمعتم قولهم لربّ الأرباب في الكتاب العزيز: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا). هل غير محمد؟ هو المنادي، وهو الحادي، وهو الهادي.

اجعل قلوب الحاضرين والسامعين مُلبِّيةً لهذا النداء، مُلبِّيةً لنداء نبي الهدى في خواصّ من اهتدى وبه اقتدى، يا الله.. يا الله.

اجعلنا في تبعيّته حتى تكون جُنديّتنا لك في مستوًى شريفٍ رفيع، اجعلنا من جندك، أهل ودّك، التابعين لهذا القائد، التابعين لهذا الإمام، التابعين لهذا المُقتدى، الذي اتّباعه يوجب محبة ربّ السماوات والأرضين: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ). الحمد لله ربّ العالمين على هذه النِّعم.

وفد الله ومقصود قاصدي بيته الحرام

والوافدون إلى بيت الله تعالى وإلى حرم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكذلك الوافدون والمقيمون حول بيت المقدس، والمرابطون والصابرون على ما ينالهم هناك، كلهم وفدٌ عن بقية الأمة. 

لهم من أسرار الذكر للإله جلّ جلاله ما يختصّون به في خصائص، وما يمتازون به بمِيزات، بها يكونون وفد الله جلّ جلاله وتعالى في علاه.

ولهم اتصالٌ بما سمعتم من مراتب الرِّفعة لأهل القلوب التي فرّت إلى الله، والتي ذهبت إلى الله، والحبيب نادانا قال: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)، (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)، والخليل عليه السلام صاحب المِلّة يقول: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ). ونِعْمَ الذهاب إلى الربّ جلّ جلاله وتعالى في علاه.

وهكذا كان يقول القائل وهو يشير إلى المعنى: أترون البيت يُقصد لأجل البيت؟ قال: أنت بعقلك في الدنيا لمّا تأتي بيت فلان بن فلان، تقصد البيت أم فلاناً؟ تقصد البيت أم تقصد رب البيت؟ قال أنتم في حياتكم الدنيا مُغفَّلٌ منكم مَن جاء يقصد بيته، يقصد بيت كذا مُركَّبٌ من خشبٍ ومن طين! إلا لأن له غرضٌ في ربّ البيت وصاحب البيت، وأحد ساكن البيت، يأتي للبيت، يأتي للبيت والمقصود ربّ البيت! وكذلك الكعبة المشرفة، يأتون إليها والمقصود جلّ جلاله وتعالى في علاه.

ولذلك قال: إذا طُفتَ خُضْتَ في رحمة الله سبحانه وتعالى، كنت خائضاً وسط الرحمة، ولهذا لما يسأل بعضهم ابن عباس وهو يطوف، سكت عنه وأكمل الطواف، فقال: "ألا ترى أننا نتراءى لله في الطواف؟". في الطواف نتراءى لربنا في حالة اتصالٍ مخصوصٍ به جلّ جلاله وتعالى في علاه؛ فكيف تريد أن أُكلّمك وتُكلّمني في هذا الموقف وفي هذا المكان؟ ولهذا قال: "الطواف بمنزلة الصلاة، إلا أن الله قد أحلَّ فيه النطق، فمن نطق، فلا ينطق إلا بخير".

فضل العشر من ذي الحجة وخيريتها

وهكذا كانت المجامع المباركة التي تحدونا إلى الصدق مع المولى جلّ جلاله وتعالى في علاه، ونستقبل بها أيام العشر وما فيها. 

  • وللعشر فضائل، وللعشر أهل؛
    • وأهل العشر منهم من يتشرَّف بالعشر، ومنهم من تتشرّف به العشر، أهل العشر!
    • أهل العشر الأُوَل، التي أقسم بها ربك في قرآنه، قال سبحانه وتعالى: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ).

مُقبلةٌ عليك ليالي العشر، يُخبِر لسان النبوة يقول لك: "خير أيام الدنيا أيام العشر" ، "ما من أيام العمل الصالح أحبّ إلى الله فيهِنّ من أيام العشر". قالوا: ولا الجهاد؟ قال: "ولا الجهاد، إلا رجلٌ خرج يخاطر بماله ونفسه ثم لم يرجع من ذلك بشيء". فالذي خرج للجهاد ورجع، هذا المعتكف على العبادة في العشر أفضل منه عند الله جلّ جلاله وتعالى في علاه، "فأكثروا فيهِنّ من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير"، يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وكانوا يُحدّثوننا كبار السنّ الموجودين، قالوا: ما كنا نمرّ من أول ذي الحجة في شوارع مكة إلا ونسمع الترداد من وسط البيوت: "لا إله إلا الله عدد الليالي والدهور، لا إله إلا الله عدد الأيام والشهور". كان شعاراً مبثوثاً بين الأمة، في أمّ القرى وفي غيرها من بقاع الأرض شرقها وغربها، وفيها أذكار مذكورة عن ابن مسعود وغيره، والذكر على وجه العموم.

(لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)، و (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). 

  • والجزاء الأكبر يشير إليه، يقول سبحانه: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)، يقول: أذكركم، يقول الربّ جلّ جلاله. 

اجعل قلوبنا ذاكرةً، ولك شاكرة، مُقبِلةً بالكلية عليك يا أرحم الراحمين.

الدعاء للمسلمين

وارحم موتانا وموتى المسلمين، والقائمين بخدمة الدين ونشر الهُدى في أقطار الأرض، واجعلنا والحاضرين والسامعين منهم وفي خيارهم، يا حيُّ يا قيّوم ارزقنا خدمة هذا الدين وهذه الشريعة. 

واقبل حُجاج بيتك وزائري نبيك، وأعِدهم إلى أوطانهم بالسلامة والعافية والقبول والتوفيق، وافتح أبواب الفرج لهذه الأمة، ورفع الحرج عن هذه الأمة، وجمع الشمل لهذه الأمة، وتأليف القلوب لهذه الأمة، يا أكرم الأكرمين.

وإذا اقتضت إرادتك أن تنقسم الأمة والموجودون على ظهر الأرض منهم إلى فُسطاط إيمانٍ لا نفاق فيه، وإلى فُسطاط نفاقٍ لا إيمان فيه؛ فلا تجعل أحداً من الحاضرين والسامعين وأهليهم وأولادهم ومن في ديارهم إلا في فُسطاط الإيمان يا ربّ! في فُسطاط الإيمان يا ربّ الذي لا نفاق فيه، ولا تخذل منّا أحداً إلى فُسطاط النفاق، يا كريم يا خَلَّاق، عاملنا بما أنت أهله، وثبِّتنا على ما تُحبّه منّا وترضى به عنّا يا أرحم الراحمين، والحمد لله ربّ العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

28 ذو القِعدة 1447

تاريخ النشر الميلادي

14 مايو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية