(475)
(25)
(635)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 24 صفر الخير 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان:
عظمة الإله ومجاري نواله وعطاياه ومصير الكل إليه وفوز أهل تقواه
سبحانَ المُتجلِّي بعجائبِ إفضالِه، التي كَلَّتْ عقولُ أهلِ السماواتِ والأرضِ أَنْ تستوعبَ عظيمَ نوالِه! إنه الله، إنه الله، الخالقُ، المُكَوِّنُ، البارئُ، الفاطرُ، المُوجِدُ، المُنشِئُ، إنه اللهُ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ، إنه اللهُ المُحْسِنُ الوَهَّابُ، يُعطي بغيرِ حسابٍ.
إنه خالقُ محمدٍ ﷺ ومُصطفيه ومُجتبيه، ومُفَضِّلُه على جميعِ مَنْ بَرَأَ وأوجَدَ وأنشَأَ جَلَّ جلالُه. إنه ربُّ الأنبياءِ والمرسلين، إنه ربُّ الملائكةِ المُقَرَّبين، إنه ربُّ السماواتِ والأرَضين، إنه ربُّ الأوَّلين وربُّ الآخِرين.
إنه اللهُ الذي لا تُحيطُ العقولُ بعجائبِ فضلِه ونوالِه، ولا عجائبِ صفاتِه وأسمائِه، فضلاً عن ذاتِه العَلِيَّةِ. إنه الله، إنه الله.
أكرَمَكم مَعْشَرَ بني آدمَ، بل ومَنْ معكم أيضاً من الجنِّ بفطرةٍ سليمةٍ تستشعرُ عظمةَ هذا الإله، إذا ذُكِرَ؛ حَنَّتْ، وسَكَنَتْ، واطمأنَّتْ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) جَلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، ولم يزالوا يكرهون ذلك، ولكن لا يكونُ في الوجودِ ما أرادوا، بل ما أراد المُوجِدُ للجميعِ، ربُّ الجميعِ جَلَّ جلالُه.
(يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، إتمامُ نورِه على العُموم ببروزِ هذا الدِّينِ وانتشارِه وظهورِه أمرٌ محتومٌ، ولكنْ كلُّ فردٍ منا له نصيبٌ من ظهورِ هذا الدِّينِ فيه، وله -إنْ تَوَسَّعَ له المجالُ من الإفضالِ- من ظهورِ هذا الدِّينِ به، وله نصيبٌ -إنْ تَوَفَّرَ له الإحسانُ من حضرةِ المَنَّانِ- من ظهورِ هذا الدِّينِ منه وعنه وله، تلكم مواهبُ المَنَّانِ، الذي يجمعُ الأوَّلين والآخِرين في مَجْمَعٍ واحدٍ، والكلُّ خاضعٌ، والكلُّ خاشعٌ.
(وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا).
كلُّ مَنْ آثَرَ لنفسِه أَنْ تظْلِمَ وأَنْ تمشيَ وراءَ الظُّلماتِ، من الطغيانِ والبغيِ والعدوانِ والاستهانةِ بالخلائقِ وأخْذِ حقِّ الغيرِ، واللَّهَثِ وراءَ الشهواتِ ووراءَ الأهواءِ ووراءَ السُّلطاتِ، وفيهم -ممن اشتدَّتْ عليهم الظُّلُماتُ- مَنْ أرادوا إطفاءَ نورِ اللهِ تعالى.
ومَنْ عَمِلوا على الصَّدِّ عن سبيلِ اللهِ، وعلى نشرِ الفسادِ والفواحشِ والضُّرِّ والظلمِ والطغيانِ والكفرِ والإلحادِ؛ أولئكم أئمةُ الكفرِ كما سمَّاهم اللهُ: (لَا أَيْمَانَ لَهُمْ) كما قال اللهُ سبحانه وتعالى، لا مرجعيةَ لهم من فطرةٍ سليمةٍ تَنَكَّروا لها، ولا من عقلٍ سليمٍ قد أساءوا استعمالَه واستخدامَه، ولا من ديانةٍ صحيحةٍ، فمَنْ ذا الذي يُمسكُهم؟
هم -كما تشاهدون- لا قانونَ ولا قرارَ ولا ميثاقَ ولا عهدَ ولا شيءَ من هذه الأشياءِ يحكمُهم. عبيدُ الأهواءِ، عبيدُ الشهواتِ، عبيدُ السُّلطةِ، عبيدُ التُّرَّهاتِ -والعياذُ بالله-، مصدرُ الفسادِ على ظهرِ الأرضِ.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ) -أنبياءُ وأتباعٌ من أصفياءَ وأتقياءَ-: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ).
ولا يزالون في هذه التَّقَلُّباتِ في هذه الدنيا، ويومٌ كلمةُ كذا، ويومٌ كلمةُ كذاك، ويومٌ وجهُ كذا، ويومٌ وجهُ ذاك. ومنهم كما قال ربُّنا: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ).
والعاقبةُ والنتيجةُ والنهايةُ ماذا؟ (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)، (وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)، (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ).
(وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)، نُجِبْ دعوتَك؟ ليش؟ لأن كلَّ شيءٍ تبيّن أنه فارغ، هباءٌ، ضُرٌّ، إلا إجابةُ الدعوةِ وطاعةُ الرُّسلِ.
(نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)، أيقنوا أنه ما عاد باقي شيء يمكن ينفع ولا يرفع ولا يشفع، إلا إجابةُ دعوةِ اللهِ واتباعُ رُسُلِ اللهِ، فقط! فقط! نعم واللهِ، فقط، فقط، فقط، فقط، فقط! ما خَرَجَ عن إجابةِ دعوةِ اللهِ واتباعِ الرُّسلِ، هباءٌ منثورٌ، بل ضُرٌّ وشرورٌ، بل آفاتٌ ومحذورٌ، بل سُمٌّ قاتلٌ، بل عذابٌ، بل حِجابٌ، بل ظُلمةٌ، بل غضبٌ، بل سوءٌ في الدنيا والآخِرةِ.
قالوا: نُجِبْ دعوتَك ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ. قال اللهُ: والرُّسلُ بلَّغُوكم وتَعِبوا معكم وأمْهَلْتُكم سنين، وأقَمْتُ لكم الدلائلَ وكُنتم في غُرورِكم ذاك وزَيْغِكم، متكبرين باطرين متعالين! قال تعالى: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ)، وكلُّكم العِبَرُ أمامكم، (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ)، (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ..).
ما هناك نهاياتٌ لهذا العالمِ إلا نَصْرُ الرُّسلِ، إلا إجلالُ الرُّسلِ، إلا تمنِّي جميعِ المُلْحِدين والفاسقين والمجرمين والمغرورين أنهم تَبِعوا الرُّسُلَ، هذا مستقبلُ العالَمِ بكُلِّه، هذا المستقبلُ الأكبرُ للوجودِ بمَنْ فيه: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ).
والأمرُ ليس تخويفاً بقنابلَ هيدروجينية ولا بأسلحةٍ نووية ولا بأسلحةِ الدمارِ كما يقولون! (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ)، الأمرُ أكبرُ من كلِّ هذه التصوراتِ: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
تعرف معنى (اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)؟ لا تستطيلوا هذه المُدَدَ! من يومِ خَلَقَ اللهُ الأرضَ، ثم من يومِ خَلَقَ آدمَ، ثم أرسلَ الرُّسُلَ وتابَعَهم إلى أَنْ جاء محمدٌ، ثم المُدَّة التي بينَه وبين قيامِ الساعةِ؛ يقول اللهُ: هذا بمجموعِه كلِّه قصيرٌ بالنسبةِ لليومِ الموعودِ، سريعُ الحسابِ. وفي وقتِ الحسابِ في لحظاتٍ هؤلاء إلى الجنةِ وهؤلاء إلى النارِ، وانتهى كلُّ شيءٍ.
(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)، هذه نهايتُهم وهذه عواقبُهم، (فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)! يُعجبك شيءٌ من تفاخُرِهم وتكاثُرِهم؟ هذا مَثواهم: (فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ).
(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) اللهم اجعلنا منهم وألحِقنا فيهم واجعلنا فيهم.
(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) سيدنا ومولانا، كلّ ما مضى مِن أعمارنا وأنت عالم بما فيه؛ نتوَجَّه إليك في باقي عمر كُل منا أن تجعله في تقواك، يا الله، يا الله، لا يعيش أحد من الحاضرين ولا من السامعين ولا من يتابعهم ويواليهم باقي عمره إلا في تقواك، يا الله نسألك، يا الله نطلبك، يا الله ندعوك، نُلِحُّ عليك، لا يعيش كُل منا فيما بقي من عمره إلا في تقواك، وإذا سيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زُمراً؛ فاجعلنا في خيار تلك الزُّمَر، والزُّمرة الأوثَق صِلَة بحبيبك الأطهر، سيدنا محمد خير البشر.
(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)، يا ربِّ نقرأُ هذا السلامَ عن قولِك، وقولِك الحقُّ وهو أصدقُ قولٍ؛ فأرِنا اللهم سماعَ هذا السلامِ وأشهِدْنا إياهُ، وأَذِقْنا إياهُ.
(وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).
وهم في تلك الدارِ وحَوالَيْهِم الملائكةُ وعرشُ الإلهِ الغَفَّارِ جَلَّ جلالُه: (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). هل تريدُ أَنْ تعرفَ حقيقةَ المستقبلِ من عندِ غيرِ ربِّك؟ هل أحد أصدق من إلهك؟ هذا خبر المستقبلِ الأكبرِ بكلامِ مولانا جَلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
وهو الذي جَمَعَكم من بلادٍ شَتَّى وقبائلَ شَتَّى في تحقيقِ ما وَعَدَ به نبيَّه، وفيما جَعَلَه في قلوبِ الأصفياءِ من ورثتِه، ومِمن كان في هذا الوادي. ويشيرُ إلى أنه سيكونُ وسيكونُ، ومن مختلفِ الجهاتِ سيأتون، ولِدينِ اللهِ يُحيون وينشرون، ويتم وعد الله للأمين المأمون، (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)، (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
فيا إلهنا، أنت مظهر هذا الدين بفضلك، بمن تنتخب وتصطفي من عبادك، وها نحن بين يديك؛ انتَخَبْنا لإظهار الدِّينِ، انتَخَبْنا لإقامةِ الدِّينِ، انتَخَبْنا للتحقُّقِ بحقائقِ الدِّينِ، انتَخَبْنا لِمَنْ تجعلُ حظَّهم من إظهارِك أنتَ للدِّينِ فيهم وبهم واسعاً كبيراً جَمّاً. يا الله! يا الله! يا الله!
فإنّ الذين من قبلنا من أنبياءَ وأتباعٍ ما نالَ أحدٌ منهم ظهورَ الدِّينِ فيه ولا به إلا برأفتِك وبرحمتِك ومِنك، أنت الله، أنت اللهُ وحدَك، أنت اللهُ وحدَك. وضلَّ الضالُّون وافترى المفترون لأنك أعرَضْتَ عنهم -والعياذُ بالله- وجَعَلْتَ اختياراتِهم إلى السوءِ وإلى الشرِّ وآثَروا سِواكَ عليك.
إلهنا! ونحن بين يديك نسألُك بحقِّ مَنْ أحبَبْتَ أَنْ تجعلَنا فيمن أحبَبْتَ، ومَنْ أظهَرْتَ فيهم الدِّينِ وبهم ومنهم ولهم؛ فنسألُك اللهم أَنْ تجعلَ حظَّنا أكبرَ الحظوظِ، وقِسمَنا أجزَلَ الأقسامِ وسهمَنا أوفرَ السهامِ من إظهارِك دينَك المَرْضِيَّ لديك، في كلٍّ منا، وبكلٍّ منا، وعلى يدِ كلٍّ منا. يا الله!
نِعْمَ الطلبُ من العظيمِ الرَّبِّ. نطلبُ العظيمَ الرَّبَّ جَلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه، ونسألُه أن يُحققَ ذلك، وأَنْ يستجيبَ لنا ويزيدَنا مما هنالك، مما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خَطَرَ على قلبِ بَشَرٍ.
كبارُ ذلك وأعظمُه تتمثلُ وتتَرجَمُ وتبرزُ وتتجلَّى في مرافقةِ محمدٍ ﷺ والنبيين والصِّدِّيقين، وفي ساحةِ النظرِ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ، وفي ساحةِ النظرِ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ، يا كريم! يا كريم! يا مَنْ تعالى أَنْ تُدرك ذاك إحاطةُ عقولِ العقلاءِ وعلومِ العلماءِ وفقهِ الفقهاءِ، يا مَنْ هو أكبرُ وأجَلُّ من كلِّ ذلك؛ وَفِّرْ حظَّنا من معرفتِك وسرِّها، وحقيقتِها ونورِها، هَبْ لنا من المعرفةِ الخاصةِ والمحبةِ الخالصةِ يا الله!
واجْزِ عنَّا مَنْ تقدَّمَ ومن مَضَى، ومن المتأخرين أحبابَنا الذين كانت أصواتُهم في مثلِ هذا المَجْمَعِ تُسْمَعُ؛ كمثلِ الحبيب أبوبكر المشهورِ والحبيبِ عُمَرَ بنِ حامد الجيلاني وغيرِهم، من حَمَلَة هذا النور والسر، وحَمَلَة هذا الهَمَّ والأمانةَ، ممن أظهَرْتَ الدِّينِ فيهم وأظهَرْتَهُ بهم، اجْزِهِم خيرَ الجزاءِ، واجْمَعْنا بهم في دارِ الكرامةِ والهَنَا، واجْمَعْنا بهم في دارِ الكرامةِ والهَنَا.
وبارِكْ في الجَمْعِ بركةً تجمعُ به بركةَ المجامعِ. يا خيرَ سامع! يا مَنْ يَهَبُ المطامعَ، يا مَنْ يُعطي ولا يُبالي، يا مولى الموالي يا الله!
باقي عُمُرِ كلٍّ من المتكلمِ والحاضرين والسامعين والمشاهدين والمتابعين اجْعَلْ باقي عُمُرِ كلِّ فردٍ منهم في تقواك، وفي عافيةٍ وفي لُطفٍ، وفي جودٍ وفي عَطْفٍ، وفي زيادةٍ وارتقاءٍ، وتَحَقُّقٍ بحقائقِ ذاكَ التُّقَى، وارتباطٍ بالحبيبِ المُنْتَقَى، حتى لا يفوتَ رُوحَ واحدٍ منا سَنَاءٌ نسيمٌ، "غداً ألقى الأحبَّةَ محمداً وحِزْبَه" عند حضورِ الأجلِ.
يا الله! يَهَبُ علينا النسيمُ هذا في ساعةِ الانتقالِ من هذه الحياةِ، ونُدْرِكُ ما قال بلالُ بنُ رباحٍ: "واطَرَباه!" اجعله عند وفاة كل واحد منا يا رب، يدرك هذا الطلب، "واطَرَباه، غداً نلقى الأحبَّةَ محمداً وحِزْبَه" يا ربِّ صَلِّ عليه. واجْعَلْنا في دائرتِه حاضرين في حضرتِه، باذلين الوُسْعَ في نصرتِه ومتابعتِه، وإحياءِ سُنتِه ونشرِ شريعتِه في البقاعِ كُلِّها يا الله!
ولا تظنوا أن هذا الإلهَ في عظمتِه جَمَعَكم لَعِباً ولا هُزُواً ولا عَبَثاً، ولا لأمرٍ يسيرٍ ولا لأمرٍ مار! إنه يليقُ به، يليقُ بفضلِه، يليقُ بوعدِه لنبيِّه، يليقُ بمكانةِ حبيبِه لديه، لك الحمد يا كريم، لك الحمدُ يا رحيمُ، لك الحمد يا مَنَّان. فأَرِ هذه الأعينَ وجهَ حبيبِك ﷺ في الدنيا وعند الموتِ وفي البرزخِ ويومَ القيامةِ وفي دارِ الكرامةِ يا الله! ورُدَّ كيدَ الفُجَّارِ والأشرارِ المعتدين الظالمين عنا وعن جميعِ الناسِ يا ربَّ العالمين، يا الله! يا أكرمَ الأكرمين.
نادوه وادعوه وتوَجَّهوا إليه، فهو الذي جَمَعَكم وهو الذي يسمعُكم، وهو الذي يتجلَّى عليكم وهو الذي يُكرمُكم. وهو الذي بيدِه أمرُكم، وهو الذي إليه مَرجِعُكم. إنه اللهُ، وأنتم بين يديه، وقد أوقَفَكم عليه من أبوابٍ يُحبُّها وأبوابٍ انتَخَبَها، أبوابِ ولاءِ حبيبِه محمدٍ ﷺ وآلِ بيتِه وصحابتِه، وصالحي أُمَّتِه، على أربابِ السَّنَدِ الممتدِّ إلى سيدِنا محمدٍ ومِنْ سيدِنا أحمدَ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، له الحمدُ، إنه اللهُ، اللهُ الذي جَمَعَنا، واللهُ نسألُه ينفعُنا، واللهُ نسألُه يستجيبُنا ويسمعُنا.
يا ربِّ، لا قام واحدٌ إلا وقد استجَبْتَ فيه دعوةً يقوم باقي عُمُرِه في تقواك وفي رضاك في عافيةٍ كاملةٍ. واختِمْ لنا بأكملِ حُسْنِ الخاتمةِ عند الموتِ، اختِمْ لنا بأكملِ وأعلى وأجَلِّ وأجملِ حُسْنِ الخاتمةِ عند الموتِ، حتى نلقاكَ وأنت راضٍ عنَّا يا الله! يا الله! يا الله!
يا الله رضا يا الله رضا ** والعفو عمَّا قد مَضَى
24 صفَر 1448