عجائب رابطة القلوب بالحق ورسوله واستماع ندائه وتلبيته

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 17 صفر الخير 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان:

 عجائب رابطة القلوب بالحق ورسوله واستماع ندائه وتلبيته

لتحميل نسخة Pdf

نص المحاضرة:  

حفظ نور الإيمان وإتمامه

الحمد لأكرم الأكرمين، وربِّ العالمين، أرحم الراحمين، الذي جعل في خلقنا وتكويننا تهيئةً لسماع ندائه، وتكرَّم علينا ونادانا، وأوصَلَ النداء إلينا على أيدي أحبابه من خواصِّ أهل حضرة قُربه، مِمّن اختارهم من النبيين والمرسلين، وخصَّنا بسيدهم، وخصَّنا بإمامهم، وخصَّنا بمُقدَّمهم، وخصَّنا بنورهم الزاهر، وخصَّنا بخاتمهم الفاخر، صلوات ربي وسلامه عليه، وبه كُنَّا خير أمة.

فيا مَن اخترتَ هذا المصطفى، مكِّن في قلوبنا سماع نداء الهدى منك على لسان نبيك، ووفِّقنا لحُسن الإجابة؛ بقلوبنا، وأرواحنا، وأسرارنا، وكُلِّيَّاتنا، وظواهرنا، وبواطننا، يا خير مُجيب، يا أكرم مُستجيب، يا أقرب قريب، يا مَن يُعطي ولا يُبالي، يا مولى الموالي، يا حيُّ يا قيُّوم، يا الله.

وبرحمتك تسري أسرار الاستماع لندائك والتلبية له فيمن سبقت لهم منك السعادة من أمة حبيبك محمد؛ فكَثِّر ذلك في أوقاتنا وأزمنتنا، وأرِنا ما وعدتنا على رسلك، وما وعدته من انتشار هذا الدين المبارك الحق الذي لا حقّ سواه، أرِنا ظهوره وانتشاره في جميع الأقطار.

واجعل كل فرد من الحاضرين ومن السامعين عنصرًا في انتشار هذا النور، وبثِّ هذه الخُيور، وقُرَّة عين لبدر البدور، ومحل رضا منك وعنك، يا كريم يا غفور، حتى تجمعنا في يوم البعث والنشور، في يوم يخاف الكل فيه خزيَه وشدته وعذابه وبطشه.

ربنا أتمم لنا نورنا

وقُلتَ في خبرك الحق الصادق: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

وكلّنا نقول: ربنا أتمِم لنا نورنا، واغفر لنا، إنك على كل شيء قدير. وكلنا نقول لك يا ربنا: ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا، إنك على كل شيء قدير.

وكلنا نُلِحُّ عليك ونقول لك يا ربنا: ربنا أتمِم لنا نورنا، واغفر لنا، إنك على كل شيء قدير.

وكل مَن أُجيبَت فيه الدعوة أشرق عليه تمام النور مِن غير انقطاع، ومن غير حصر، ولا حدٍّ محصور، إلى أن يأتي ذاك اليوم: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ).

فيدفع عنه هذا الإتمام للنور الظُّلمات التي تعترض في حياته، والمحاولات مِن قِبل عدوّه إبليس، ومستعينًا بالنفس الأمَّارة، وشياطين الإنس والجن، والدنيا الغرَّارة، والهوى، أن تصدَّه أو تردَّه، فمُتمِّم النور (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ) جل جلاله. 

يأخذ بيده هذا الإنسان وهذا العبد، فلا يزال في عناية من الحق، جل جلاله وتعالى في علاه، ويزداد إيمانًا ويقينًا وحُسن عمل وحُسن خُلُق، حتى تأتي ساعة اللقاء؛ يُنقَّى لها، يُصفَّى لها، يُهيَّأ لها، يُكرَم بها ويُكرَم فيها.

ويحميه ربُّ الأرض والسماء من الزيغ والضلال، والتعرُّض لضرب الملائكة الذين يضربون أهل الزيغ والضلال، وحملهم لهم أسوأ الإنذار بأشدّ البعد عن الكريم الغفار، جل جلاله.

يُبَدِّله بدل ذلك ملائكة مبشِّرين بربٍّ غفور، كريم كثير الخير، يجود بما يفوق كل تصوُّر وكل بال، وذلك فضل الكبير المتعال، جل جلاله.

ساعة اللقاء ومحبة الله للعبد

ويتوَّج ساعة اللقاء بأن يُحِبّ لقاء الله، وأكبر من هذا، وأجلّ وأشرف وأعظم، أن الله العليَّ الأعلى يُحِبُّ لقاءه، يُحِبُّ لقاءه.

وحينئذٍ، إذا أحب ربُّ العرش لقاءه، فلا والله، تعلم نفسٌ، لا من الملائكة ولا ممن دونهم، ماذا خبأ له، وماذا يواجهه به، وماذا يُبديه له، وماذا يعامله به، وماذا يكرمه به، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

فأهل هذا المصير، بالله عليكم، مَن أربح منهم في هذه الحياة؟ مَن أحسن كسبًا منهم على ظهر هذه الأرض؟ أَملوك؟ أم رؤساء؟ أم وزراء؟ أم أثرياء؟ أم مَن؟ أم مَن؟ أم مَن؟ أم مَن؟ أم مَن؟!

وماذا يُحَصِّل أولئك؟ وماذا تكون نهاياتهم! إذا عضُّوا على أيديهم، وفي وقت الغرغرة، وفي البرازخ؟ وإذا جاء يوم القيامة أعادوا العَضَّة حتى يُنَتِّفوا أصابعهم وأيديهم، ويقولون: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا).

ويُقال: قد عُرض عليك السبيل، فأعرضتَ، وآثرتَ هواك وشهواتك ودُنياك، وكلام المغرورين والمخادعين المخدوعين، وانخدعتَ بهم! عُرِض عليك السبيل فرفضت، (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا).

خطر العلاقات الفاسدة

وهذه العلاقات التي بينك: شيء داخلية، وشيء خارجية، وشيء رسمية، وشيء غير رسمية، وشيء كذا، وشيء كذا.. (يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا)، علاقات بائسة، ساقطة فاشلة، ما لها عاقبة، ما لها نهاية!

والأمر كما قال الذي بيده الأمر: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)، يا ربِّ، اجعل جمعنا في دائرة التقوى، داخلًا في مداخل أهل تقواك الذين فازوا برضاك، يا الله.

وحُسْن التلبية للنداء؛ مَكِّن كل قلب منا فيها، واجعلنا نعيش ملَبِّين لندائك ونداء رسولك ﷺ، نحيا على ذلك ونموت عليه، يا ربنا، مع أولي الألباب. 

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، فقِنا عذاب النار، فقِنا عذاب النار، لا تُعرِّض للنار صغيرًا منا ولا كبيرًا، ولا ذكرًا ولا أنثى، يا ربَّ النار.

نداء أهل الإيمان وثمرة الصبر

(رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ  * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ).

والنتيجة المحتومة لكل من سار هذا المسار، وتحلَّى بهذه الأوصاف ذات الأنوار، النتيجة المحتومة:

(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).

وأما الذي يجري في الحياة بأصنافه:(لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)، مستقبلهم وخيم، وعاقبتهم سيئة!

ضيافة الله لأهل التقوى

(لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ) ضيافة من عند الله! ويا خير مُضَيِّف ربكم إذا ضيَّف، (نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ). 

إذا ضيَّفَك؛ على كل ما فيك، وعلى كل ما كان منك؛ يريك وجوه أنبيائه، يريك وجوه ملائكته، يريك وجوه أصفيائه، يُمَكِّنك من مصافحة الأنبياء وسيد الأنبياء!

يُغدِق عليك "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، يُدخل ملائكته عليك من كل باب (سَلَامٌ عَلَيْكُم)، ويأتونك بالسلام منه جل جلاله، وتهنأ، وتتمتّع، وتتلذَّذ وتطرب بـ (سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ).

ثُمّ يُسمِعك وسط تلك الدائرة قوله: "أُحِلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا"، يا فوزك إذا ضيَّفَك! (نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ).

يا ربّ، اجعلنا في أهل ذاك النُّزُل، في أهل تلك الضيافة، يا ربّ في مرافقة خاتم الرسل، يا الله، الجمعُ كلهم ومَن يسمعهم، أدخلهم في تلك الدوائر، أحضرهم من تلك المحاضر.

التوجه إلى الله بالدعاء

يا مجيب، يا قريب، يا ربَّنا، يا إلهَنا، يا سيدَنا، يا خالقَنا، يا فاطرَنا، يا مُوجِدَنا، يا مُنشِئَنا، يا عالمًا بنا، يا محيطًا بنا، يا مطَّلعًا على سرائرنا، يا ناظرًا إلى ضمائرنا، يا مَن بيده أمرنا في حالنا ومصيرنا.

يا ربَّ السماء، يا ربَّ الأرض، يا ربَّ الدنيا، يا ربَّ البرزخ، يا ربَّ الآخرة، يا ربَّ العرش العظيم، يا ربَّ محمد، يا ربَّ آل محمد، يا ربَّ إبراهيم، يا ربَّ آل إبراهيم، يا ربَّ موسى، يا ربَّ عيسى، يا ربَّ آدم، يا ربَّ الأولين، يا ربَّ الآخرين.

يا حيُّ يا قيُّوم، اقبلنا على ما فينا، اقبلنا على ما فينا، اقبلنا على ما فينا، وأقبِل بوجهك الكريم علينا.

ومَن باتَ منكم وربُّ العرش مُقبِلٌ عليه بوجهه، فهنيئًا له، والسعادة كلها له، والخير في الدارين له، أقبِل بوجهك الكريم علينا، أقبِل بوجهك الكريم علينا، أقبِل بوجهك الكريم علينا، يا الله.

ادعوه، فهو الناظر إليكم، وهو المطَّلع عليكم، وهو المتجلِّي عليكم، وهو المجيب نداءكم، وهو السامع دعاءكم، وهو المجيب لكم، إنه الله! 

يا الله، بكُلِّيَّتك قل: يا الله! والله ما نطق لسانك بأعلى من هذا الاسم، ولا أحلى من هذه الكلمة، ولا لسان مَلَك، ولا لسان آدميّ، ولا لسان إنسيّ، ولا ألسُن الكائنات! ما تنطق بأعلى من هذا الاسم، ولا أعظم من هذا الاسم، ولا أحلى من هذه الكلمة، ولا أغلى من هذه الكلمة.

بكُلِّيَّتك قل: يا الله.

ولولا إذنه لك ما قدرتَ أن تقولها، فقُلها: يا الله، مُتوجهًا إليه، قُلها: يا الله، متذلِّلًا بين يديه، قُلها: يا الله، معتمدًا عليه، قُلها: يا الله، متوكِّلًا عليه، قُلها: يا الله، واثقًا برجائه، يا الله، لا تحرمنا خير ما عندك لشرِّ ما عندنا.

طلب الاجتماع في الآخرة وتفريج كروب الأمة

أجمعتنا على الوجهة إليك في الدنيا، ثم تُفرِّق بيننا في العُقْبَى؟! ربنا، لا يُظَنُّ ذلك بك، فيا حيُّ يا قيُّوم، أنت عند ظنِّ عبدك بك، فليظنّ بك ما شاء.

نظنّ بك أن تجمعنا على حوض الحبيب، وأن توفِّر لنا من قربه الحظَّ والنصيب، فأجِبنا يا مجيب، واستجب لنا يا أكرم مستجيب.

يا الله، ألحِقنا بأولي الألباب، وأدخلنا مع الأحباب، واكشِف عنا كل حجاب، وعجِّل بتفريج كروب أمة حبيبك في المشارق والمغارب، يا وهَّاب.

وكلّ حاضر وسامع، اجعلهم مفاتيح للخير، مغاليق للشر، اجعلهم سببًا لنشر النور والهداية، ودفع الظُّلمة والغواية.

يا حيُّ يا قيُّوم، يا الله، يا الله، يا الله، يا الله، يا الله، يا الله، يا الله.

أنت حسبُنا، عليك اعتمادُنا، إليك استنادُنا؛ أفض علينا من فائضات جودك الوسيع بلا حدٍّ ولا غاية، كما يليق بمِنَّتك ورحمتك بغير نهاية.

يا الله، يا الله، شرَّفتنا بندائك فشرِّفنا بالاستجابة، وأمطِر على ساحات القلوب من صَيِّب العفو والمغفرة والرضوان والمحبة والمعرفة والقُرب سحابة.

يا الله، يا الله، يا الله، أعزَزتنا وشرَّفتنا، ما بِتنا على باب مخلوق، لا من أهل الأرض ولا من أهل السماء، وعلى بابك وحدك أوقفتنا، لك الحمد يا ربنا، لك الحمد يا إلهنا.

أتمِم النعمة علينا يا الله، أتمِم النعمة على كل فرد منا يا الله، أتمِم النعمة على كل فرد مِن أصحابنا وأهالينا، وطلابنا وقراباتنا وجيراننا وأحبابنا، يا الله، برحمتك يا أرحم الراحمين.

يا الله طلبناك يا مَن ليس ملكه يزول ** الله الله يا الله لنا بالقبول

 

العربية